إهــداء
إلى والدي إدريس الغزالي
إلى لورينا..
نحن المنفى.
كلُّ واحدٍ منا يبحث عن منفاه الخاص، وكل واحدٍ يعيش فيه المنفى؛ قبل أن يعيش بدوره المنفى؛ بأشكال عديدة.
أيمكن أن تكون الحياة هي المنفى؟ أم الإنسان هو المنفى ؟
إننا بشكل أو بآخر نلوذ في زاوية من الحياة، كمنفيين هاربين من العدم؛ في سفرنا نحو العدم.
في اليوم الذي أنشأتُ فيه مدونة إلكترونية على شبكة الإنترنت، لم أكن أعلم بأنني سأغرق في بحر بلا حدود، بحر بلا شواطئ أو مرافئ... فقط أمواج وكنوز وأسرار غارقة في القاع العميق.
لم أعلم أنني سأدخل إلى حرب حقيقية.. لكن، بأسلحة مختلفة، لا تقل خطورة عن تلك التي يستعملها الجنود في ساحة المعارك الدامية والمميتة. كما لم أعلم أنه بسبب كتاباتي سأُهدَّد بالقتل وأُطرد من المدرسة وأُتابع قضائيًا، لأجد نفسي مضطرًا لأعيش بقية حياتي بالمنفى.
لقد شكلت قناعاتي الفكرية والسياسية التي عبَّرتُ عنها من خلال المدونات والمواقع الاجتماعية عاملاً حاسمًا في قلب موازين حياتي رأسًا على عقب، ربما لأنني كنت مخطئًا لدرجة المجازفة في أن يوفر لي الإنترنت فضاءً حُرًّا للمرافعة من أجل حقوقي وتدوين همومي دون رقابة أو متابعة، ولربما كنتُ مخدَّرًا بوهم الحرية؛ القديسة الوحيدة التي تُعلِّمنا أن لا نقدس شيئًا، لكنها تتسلط وتحتكر كل القداسات لنفسها.
لقد عشتُ ولسنوات، بمجتمع لم تربطني به سوى مظاهر الثقافة الزائفة.. حفظتُ أناشيد الانتماء للوطن والدين والقبيلة والأمة الواحدة والصف الواحد واللون الواحد والإله الواحد والديكتاتور الواحد… ثم ردَّدناها في مجموعات، حتى بحت حناجرنا ونحن صغار...
حينما كبرتُ.. أدركت بأن وطني لا يشبهني، ابن لقيط أنا لوطن عاهر، إرهابي، مستبد.
جلستُ كثيرًا مع نفسي ولوحدي لساعات وأنا أفكِّر، لماذا أنا موجود هنا ؟ في هذه النقطة بالذات، وأقف أنا مقيد اليدين والرجلين لا أستطيع الحراك.. لماذا يجب عليَّ الخضوع لبراثين الواقع عوض العمل على إعادة تشكيله من العدم ؟ لماذا لا أخطو أولى خطواتي نحو الحرية، ما دمتُ أدافع عن قضية عادلة ؟ إنها قضيتي الذاتية؛ وجودي؛ مستقبلي؛ حياتي.. أكيد يجب أن أفعل شيئًا.
لماذا لا أحاول أن أعالج وطني من جروحه وانكساراته عوض أن ألعنه في السر والعلن ؟
تكرَّرت الأسئلة بداخلي، اختلطت مشاعري، قمت وقعدت، تألمت، مِتُ آلاف المرات دون أن أفارق الحياة...
ثم في الأخير، لم أجد أمامي سوى لوحة مفاتيح الحاسوب.
أنشأتُ مدونة واخترت اسمًا لها على الفايسبوك، في البداية تقمصتُ أسماء مستعارة كثيرة، فكَّرتُ أن ذلك من شأنه أن يؤجل ميعاد موتي قليلاً...
ثم بدأت المعركة.
محارب رقمي؛ ربما دونكيشوت جديد؛ أنقر لوحة المفاتيح، فيضان جارف من الغضب يتحول إلى حروف ثم كلمات ثم نصوص طويلة، طويلة جدًا... مع الوقت أصبح عندي جمهور قُرَّاء، ولكلماتي أنصار.. مؤيدون ومعارضون، رسائل تشكرني وتمدح شجاعتي، بجانبها أخرى تسبني وتلعن أمي، تتمنى الجحيم لي الآن.
هكذا جنيتُ على نفسي، وهكذا أدَّيت ضريبة الحرية.. وأنا أتوقع في أية لحظة قد يكسر البوليس باب المنزل ليعتقلني ويحاكمني بتهمة مجرم رأي وتعبير، أو أن يتعرف إليَّ أحد المؤمنين الذين اطلعوا على كلماتي مرة فأغضبتهم بعدها آلاف المرات. يلاحقني مشيًا، يجتازني، وأبقى أنا مُلقى بالشارع؛ كقشرة نبات يابس…
هذه هي الخطوط والدوائر والإشارات التي تحبك روايتي، سأحكيها لكم، سأروي لكم قصتي كما عشتها من إحدى قرى المغرب النائية حتى مدينة زيورخ السويسرية؛ بلد اللجوء السياسي.
سأحكي لكم عن الحب والجنس.. عن الصداقة والعداوة.. عن الإيمان والكُفر.. عن الأسرة.. عن الخطيئة.. عن الملك والإله... ثم سأدعوكم جميعًا للجلوس معي على مائدة واحدة لنتأمل الطريق كما هي.
لقد كتبت هذه الصفحات في غفلة من الوقت، وكنت دائمًا أحاول أن أسرق شيئًا مني لأستعمله كآلة كاتبة ترقن كلماتي بعيدًا عن الرقابة والخوف...
فها أنا أسرقكم معي إلى عوالمي التي ترفض أن تنتهي.
علاقة غير شرعية : الـوطـن
بقيتُ محافظًا على كبريائي، متمددًا على السرير، ملتصقًا بقوة مع ظلي المنهزم… رغم كل ما حصل ليلة البارحة ودام حتى وقت متأخر؛ لم أستطع لملمة أية كلمة هاربة، أعتقها خارجًا كتحية للصباح.
كانت هي نائمة، بينما ترسم عيناها المغمضتان ابتسامة مشبعة بالسعادة، بدوتُ أنا متعبًا محروقًا بجذوري الأمازيغية، في هدوء الظلمة وانسدال الستائر أتحرك، أسحب جسدي، أحاول قطع ما بيننا من تماس، القطيعة صعبة، مؤلمة، حادة، تقبض أنفاسي.. لكنها ضرورية... هي لم ولن تكون حبيبتي.
حُبُّنا ليس موقعًا في كناش أو عقد أو حتى تصريح عاطفي متبادل، إنه حُبُّ المشردين، عابري السبيل والمحرومين مثلي، حُّبُ الجوعى والمرضى الباحثين عن أقرب دار "إطفاء" تساعد على إنقاذ ما تبقى من حياتهم البئيسة.. لقد كانت سجني؛ وأنا حارسه.. الآن انهارت أسوار السجن وصرتُ عاطلاً، لم تعد لي وظيفة، لذلك يجب الرحيل، حمل الحقائب والذات من أجل السفر نحو اللا مكان.
أزيح خرقة الغطاء المبلولة بحبنا من على نصفي الأسفل، ثم أقف عند رأسها كما اعتادت أن تزورني في " الحلم " تاركة وراءها لا أثر.. ألمس شفاهها الذابلة من بعيد، ثم أرسم نبض قبلة يتيمة على جبينها، دون أن أنبس بحرف أو أقوم بخطوة.
متهورة توقظ الملاك من سمائها المليئة بالبرد والتسونامي، أجتاز الغرفة نحو الخارج، تحملني ذاكرتي وأنا أخطو نازلاً الأدراج إلى بقايا صور مشوشة عن قريتي ورائحة أمي المقدسة، أتذكر ضحكاتي ودموعي وأحلامي، أتذكر براءة الطفولة المصلوبة، وسيمفونية جبال الأطلس، أتذكر ألوان شمس المغيب وأنا عائد بخطو رشيق من مدرسة القرية...
أتذكر كيف تعلمتُ الاستمناء وطقوسه التي كنا نباشرها مع صبية المسجد، أو فرادى في انطواء سجودي تحت أفرشة الغرف المهجورة نهارًا.
يوم صيفي جميل، بهدوء سويسرا المعتاد، وسكونها المميت... تلمس الأشعة الذهبية جلدي، أشعر بالانتصار، مع نشوة شعور بالغربة وقوس قزح.. بين الأحياء النظيفة والمنازل العالية أرفع التحدي في وجه الصباح. أحاول تشتيت بصري بحذق نبه، كي أجد ما أدمنت رؤيته كل مطلع يوم جديد، ملقى في أبهى حلله أمامي، أو ملتصقًا بحذائي الرياضي من النوع الرديء، أريد كما هي عادتي، أن أتحدى نظافة الطِباع قبل الشوارع...
أتساءل بفيض من القلق والتوتر: لماذا كل شيء نظيف، نقي، ناصع ؟
حتى حينما زار الملك قريتنا ذات عام، رغم الشهور الطويلة التي أتَّمها عمال النظافة في التقاط الأزبال والفضلات المتناثرة كفسيفساء ألفناها وألفتنا، لم تكن هذه صورة قريتي... هل هو الفوتو شوب؟
إنه وهم وسحر الغرب الكافر.
الآن أحسُّ بالمرض، تشخيص حالتي لن تجدي معه وصفة أي طبيب، وضعي خطير، هنالك شيء جد مهم ينقصني، جزء من بنيتي الثقافية والاجتماعية غائب، بل إنه أنا، نعم أناااا.
أنا القادم من مزبلة البشرية بلا بوصلة.. لم أفقد الأمل، واصلت البحث بلهفة، كدت حيالها أن أفقد الطريق إلى محطة القطار، مخاطبا نفسي :
- خطوة واحدة فقط وسأجدك.
سوريالية أليمة، استسلمت لواقع تمنيت أن يكون زائفًا... الآن، أنا على بعد أمتار من محطة القطار، أما قلبي فقد اعتاد خيبة الآمال.. شعرت بوخزات شديدة؛ شديدة جدًا؛ تنتاب كل جسدي في انتظام وفق إيقاع مختلف عن أي شعور سابق... أحملق كما يحملقون، هم عادة لا ينظرون إلى وجهك.
أحاول أن لا أنظر إلى الوجوه وتضاريس أجساد الفتيات اللواتي لا تختفي خلف الحجاب. أحيانًا، أجد عيوني مفتوحة وذهني شاردًا، وأنا مركز بصري إلى عصفورة شقراء جالسة هناك، تحتسي الجعة وتدخن المارلبورو...
ربما أقترب منها بخطوات الشيطان، أحاول سؤالها بلهجتي الألمانية الركيكة عن شيء ما...
لحظة.. ماذا لو اكتشفتْ أنني مغربي؟ هل سيكون من السليم أن أقول لها من أول جملة :
- أنا مغربي، أعتقد أنني مختلف عن المغاربة.. لذلك أنا منفي هنا.
هل ستصدقني؟..
حتى إن لم تكن لها أية مشاعر نحوي، بعد أن قام حزب الشعب السويسري بنشر رسومه الكاريكاتورية التي تصور كل الأجانب كوحوش ونعاج سوداء، لا أعتقدها سوف تصدقني.
لا، اليوم أنا سويسري، لا أنظر لأحد مهما كلف الثمن. أنا سويسري...
أقول العبارة عشرات المرات...
تذكرتُ يوم كنت بالمغرب أدرس بدار القرآن، تذكرت الأوامر الإلزامية التي كانت تجبر كل واحد من الطلبة على غض البصر وعدم النظر إلى عورات النساء المتبرجات، تذكرت كيف كانت ستصدمني يومها سيارة بينما كنت بحماس لا أنظر إلى ما يوجد أمامي وأنا أعبر الطريق، كان الواقف على الجانب الآخر من الرصيف شخصًا ما، كل ما استطعت إدراكه حينها، أنها امرأة بلا حجاب، لم يدم نظري لها إلا ثوانٍ قليلة، لم أستطع تمييز سنها؛ لون ملابسها، أو حتى ما إن كانت جميلة أو يمكنها أن تثير شهوتي... الشهوة، لا أعتقد أنني أعرف هذه الكلمة بشكل جيد. المرأة، الحجاب، الحرام... لقد دفنونا في تلك الصحراء المليئة بالبؤس والقحط والمفاهيم البالية.
الطائرة التي تُشبه قلبي
التصقت أمعائي بظهري، بينما توزعت الأحشاء الأخرى وكل القطع داخلي إلى قسمين، يتوسطها عمودي الفقري..
توقفت أجفاني عن الحركة، صنمية درامية مفاجئة، ابتلع فمي كل الريق، وتوقفت الغدد عن السيلان..
لا أسمع أي صوت آخر يعلو فوق قداس المضيفة، كانت تلقي كلامًا مكررًا وبلغات مختلفة، بينما بجانبها؛ في وضع مرتفع نسبيًا؛ مضيفة أخرى تترجم الكلام المكرر إلى حركات رشيقة، مضيفة ثالثة تقترب مني، تسألني بفرنسية رطبة :
- سيدي عليك ربط حزام الأمان هكذا.
تغادرني لبضع دقائق ثم تعود نحوي مرة ثانية، برفقتها هذه المرة رجل طويل سمين يرتدي ربطة عنق حمراء وساعة ضخمة، تطبع وجهه ابتسامة قاسية مصطنعة، تقول :
- سيدي، رقم كرسيك 18. يجب أن تنتقل من هنا حالاً. تعال معي، سأرافقك.
دقات قلبي تتسارع بإيقاع مختل وغريب، الدقات تزداد، ربما تتحول قريبًا إلى نقر قوي مؤلم... لم تمضِ سوى دقائق من ركوبي الطائرة حتى مررت بالصراط المستقيم، إنه الصراط اللامرئي الشاق المنال، ذلك التحقيق المفاجئ الطويل عند شرطة المطار، جعلني أعتقد أن حلمي الجميل في الهروب قد ذاب وتحول إلى سائل كريه الرائحة، إنني أشعر به، ها هو الآن ينساب عبر قدمي نحو مجاري الصرف الصحي، ليسكن إلى جانب أحلام آلاف من الشباب المغاربة، بالمستنقعات الآسنة في أحد الأحياء الشعبية الفقيرة... فكرت، هل اكتشفوا علاقتي بسفير سويسرا ؟
هل لهم معلومات أنني خارج إلى بلاد ثانية بلا رجعة ؟
لماذا كل المسافرين يمرون فوق هذا الصراط راقصين مغنين، بينما أرتجف وأموت في مكاني، هل ذنوبي في حق الوطن والله جسيمة، خطرة لهذا الحد، حتى أنال هذا العقاب؟
ما من أحد كان ليشك أنني لا أعاني من خلل عقلي، رغم هندامي الأنيق وحذائي الأسود اللامع، وحقيبة اليد التي تحمل حاسوبًا أبيض منقوش عليه تفاحة، تفاحة لا أحد يدري متى ومن قضمها، إلا أنني كنت مبعثر الخطوات شارد الذهن، مفجوع الجوارح.
ليست المرة الأولى التي سأركب فيها الطائرة، لكنها المرة الأولى في حياتي التي أركب وأنا أنتظر أن يلحق بي أحدهم ويحرمني حق السفر.
كل ما كنت أتمناه في تلك اللحظات البئيسة هو أن نطير وبأية طريقة، نطير نحو بلاد الشكولاتة والساعات الراقية والجبن السائل.. بلاد الحرية التي يقولون عنها، إنها فردوس الطمأنينة الكل يعيش فوق ترابها بسلام.
يقولون إنه يمكنك أن تأكل أطباقًا مختلفة من أنواع لا نهائية للحريات، يمكنك مثلاً أن تصعد لقمة جبل بحرية، أن تتزلج على الثلوج بحرية، أن ترسم خيالك وأحلامك بحرية، أن ترقص مع حبيبك بحرية...
لكن قبل كل شيء، يجب أن تتعلم كيف تكون حُرًّا، وإلا ستحرم نفسك كل هذه الهدايا.
ما إن أعلنت المحركات الضخمة احتراق الوقود، وبدت الطائرة في تحدٍ سافر لجاذبية الأرض والارتفاع، حتى صرختُ صرخة فرح هزَّت مضاجع الجميع.
لم أنتبه إلا بعدها لوجود ملاك من حرير تجلس إلى جانبي وتتصفح مجلة نسائية، قالبة الصفحات برأس إصبعها الذي يبدو كقطعة حلوى..
كانت تنظر لي بنظرات غربية باردة، بينما أبادلها نفس الحملقات من خلال زجاج النافذة.
كان الزجاج يعكس أطيافًا من هنا وهناك، وكنتُ أتظاهر بأنني أتأمل فوضى مدينة الدار البيضاء وأحياء الصفيح المحيطة بالمطار، وأكياس البلاستيك السوداء التي تطير دونما مناسبة أو حتى حاجة لجواز سفر.
كنتُ أتأمل الملاك الجالسة إلى جانبي من جديد..
الآن أصبحتْ نظراتي فاجرة... أحاول لمس لحمها الذي يجر خلفه قصة طويلة، اللحم الذي يحكي في صمت عن تاريخ الوطن، أسمع الوطن في كل مكان، أقرأ في عيونها، الوطن بداخلي وأحيانًا أحمله تحت جناحي..
الوطن الحقيقي الوحيد الذي يجمعنا هو الكون، والأرض مشاع للجميع.
كلام كثير مكتوب على صدرها البارز، أدقِّق، ثم أحاول فك رموزه المشفرة بين حلماتها.. جميل أن يكون لنا انتماء للعادات والتقاليد والأعراف، لكنها قمة الانحطاط أن نهدي انتماءنا إلى محترفي السياسية ليصنعوا منا أسلحة تدمرنا.
ثم أغفو ما تبقى من الرحلة.
يزورني في الحلم رجل محدودب الظهر، يحمل ريشة طاووس صفراء، يرتدي قبعة طويلة سوداء عريضة، وبنطلونًا قصيرًا.. يقول لي:
اسمع، اسمعني جيدًا... أنت الآن ذاهب إلى سويسرا.. هذه الكلمات التي سأهديك ربما تفيدك في فك طلاسيم الحياة المعقدة. يا ولدي: إن في قلب كل الفضاءات السوداء المعتمة نقطة بيضاء، قد تكون بحجم دمعة الجنين، أو دمعة زهرة في قلب ليلة شتاء قارسة، نستغرق كثيرًا حتى ندرك وجود الدمعة، لكن حسنا الدفين والضارب في العمق، يجعلنا نرسم لها صورًا عديدة بأحجام لا تختلف كثيرًا عن وجه الحقيقة، نواصل المسير ذهابا وإيابًا على خشبة المسرح بأزيائنا التنكرية، نحاول غير ما مرة التخلص من الخيوط الدقيقة التي تحاصرنا من فوق. كراكيز نحن، لكن في شرايين قلوبنا المعدنية تسري دماء سوداء، أما ما بداخلنا، فقد يحار المرء في التمييز بينه وبين الصوف الحيواني.. نجتاز بأنصاف خطواتنا مسالك وطرقات ومساحات جغرافية صامتة، ساكنة، تعاني مرارة الألم في تيه أزلي مستمر..
مرَّت من هنا ومن هناك؛ بل وأحيانًا من أعماق المحيطات؛ حضارات وثقافات وأعراق كثيرة، مرَّت في لحظة من حياتها وهي تبحث عن تلك النقطة الدقيقة البيضاء.. أنت الآن في بداية بحثك عنها، فقط تذكر ولا تنسَ؛ ماكينة التاريخ شريرة، لا تعترف بضعاف النفوس والإرادة، خصوصًا أننا نعيش في أزمنة استولت عليها التعويذات السحرية، وعرق الوهم البشري الكثيف، إنه زمن كوابيس الانتماء البشعة، لا تنخدع، واصل بحثك عن نقطة الضوء.
أفتح عيوني على صوت الربان :
- أعزاءنا المسافرين، نحن نحلق الآن قريبًا من مطار جنيف الدولي.
الـمـطــار
لم أصدق نفسي وأنا أطلُّ بكل أطرافي من مصعد الطائرة محدقا في كل مكان.
يبدو الهواء مألوفًا حتى الآن، لم يتغير شيء.
الشمس هناك في مكانها وبنفس لونها المعتاد، وخصلاتها الشقراء المشعة، وبريقها السائل الخاطف للقلوب...
تمامًا كما حلمت بها، بعد سنوات عديدة بليالٍ طوال، كنا هنالك بالوطن اليتيم نعاقر كؤوس النبيذ الرخيص ونحن نمارس العالم السفلي والمعاشرة الجماعية لليل، أو نراجع بعض المحاضرات من مذكرات التاريخ، وكراسينا الخشبية المهشمة الأرجل تستغيث ثقل أحلامنا المسافرة بلا حدود، بينما أرجلنا مغطوسة في الماء البارد كي نقاوم النوم سوية استعدادًا لامتحانات البكالوريا، نقرأ ونسمع، ثم نحلم من جديد بشمس الحرية، وعصر الأنوار وفلسفة الإنسان.. نرتكب كل الأسئلة الوجودية ونرتكب كل أنواع الخطايا، ثم ننتهي بمضاجعة الله على موائدنا الفقيرة، بكأس شاي وقطعة خبز حافي.
كرهنا خريطة اسمها الشرق.
كما كرهنا كل شيء يأتي من جغرافيته، حتى شمسه نحن في غنى عنها بعد أن أضاءت بيوتنا مصابيح الغرب وشموع الغرب وكتب الغرب. شمس الشرق مدمرة، حارقة كنار جهنم، الكل هنا يحكي قصتها، يوم أتت إلينا محملة بأيديولوجيا الحقد والحرب، وألسن من الكآبة الجارحة والرياح المشبعة بكل أمراض الروح والبدن...
تشرق في الصباح بأطنان من الهمِّ والألم...
وتغرب في المساء وقد لفظت وراءها مجاعات وآفات خطيرة وأرواح موتى لا تغادر الأرض.
وكلما أفقنا من نومنا؛ نحلم بالشمس من جديد، وننتظر على كراسينا المهشمة الأرجل يومًا ما، يومًا تكسر فيه القواعد وتطلُّ علينا برحمتها المنقذة من وجهة جديدة غير الشرق اللعين.
العاشرة صباحًا...
حياة نشيطة بالمطار، عربات زجاجية صغيرة في حركة سريعة، وجوه من الذاكرة تمرُّ أمامي كوميض البرق، بكل ما تحمله من مكرٍّ وحنانٍ وخيالٍ فاسد لا يصلح لأي مشروع إنساني أو حتى هدف تافه، قد أبدو مجحفًا، متنكرًا، منسلخًا، فارًا من حقيقة وخبث نفسي، قد تكون تلك الوجوه التي أكرهها هي أنا، هي صفتي ومركبات نقصي، هي تشوهاتي وضوضائي.
إنها وجوه منحوتة بعمق على صدري النحيف، كلوحة سريالية بدون ألوان، حدس مركب متعفن بقتامة المنشأ ووحشية الطباع، أستطيع أن أخمن أسماءها وأعمارها، ابتسامات مكسورة وباردة يقبع وراءها كون من الألغاز.
أتطلع باهتمام إلى سماع نبض السكون الذي يطبعه الجميع تحت معاطفهم، أترنح بحقيبتي ثم أقف مثلما هم واقفون، أنتظر إحدى العربات الزجاجية التي ستقلنا لحمل أغراضنا والخروج من المطار الذي بات يخنقني.
ينظر إلى عيني من تحت نظارته التي تبدو كأنها مكسورة فوق أنفه الدقيق، يسألني:
- عمل أم سياحة؟
أتمتم وأنطق بمشقة :
- لاجئ سياسي.
يدفع جواز سفري برؤوس أصابعه وكأنه قطعة ورق مرحاض نجسة، يقول مصطنعًا المحبة :
- حظ سعيد.
سمعت حينها بعض نبض، نبضات روحي المفجوعة وجراحي المكسورة، دموعي الباردة المتحجرة بعيوني، أحسستُ برغبة في البكاء والصراخ والتمدد على الأرض وركلها كما نفعل ونحن نعيش أجمل سنوات تمردنا الطفولي.
لكنني الآن أشيخ وأحاول التخلص من الذاكرة، لا أرغب في الخلف أو حتى حساب كم خطوة اجتزت، فقط الآن بدأت، اليوم وُلدت، وشهادة ميلادي هي هنا.
أمواج من الحمم المنصهرة تصلبت، هي الآن صخر كلسي بعروقي...
لم أعد اشعر بمن حولي، ولم أعد أشعر بالحرج في نطق بعض الكلمات بالحرف العربي، أضحك بشكل هستيري كأحمق فقد كل شيء ولم يبق في ملكه سوى عقل لا يدرك أنه عاقل.
ما إن وصلت آخر بوابة لمغادرة المطار، حتى استفقت من وهمي ودخلت إلى حبكة وهم آخر يقول :
- أفق من أحلامك. أنت لست بالغرب يا معتوه. إنك الآن تبني زنازين غربتك.
لم أجد هنالك أحدًا ينتظر قدومي بلوحة مخطوط عليها اسمي بشكل محترم، أو موظف يجيب عن تساؤلات طالب لجوء مجنون.
لساعات طويلة وأنا مصاحب لحقيبتي كصنم لا يثير اهتمام أي فضولي، إلى أن وجدت شابًا يحاول طرق نفس الباب الذي كنت أهم بطرقه. سألته :
- سيدي، هل تدلني على مكتب شرطة الحدود، فقد بحثت طويلاً لكنني لم أهتدِ إليه. أرجوك ساعدني.
ابتسم في وجهي بعد أن ركّز عيونه علي يتفحصني، وكأنه يتساءل من أكون وما سرّ لكنتي الفرنسية الركيكة...
أقاطع نظراته قائلاً :
- إنني لاجئ ولا أعرف ماذا أفعل الآن، فقط وصلت سويسرا للتو.
يسألني عن بلدي وسبب لجوئي ووضع حقوق الإنسان والحيوان والحشرات بالعالم الإسلامي، بينما يحاول مساعدتي في جرِّ حقائبي ونحن نبحث عن مكتب شرطة الحدود.
شرطة الـحدود
يحمل سماعة الهاتف، يجري بعض المكالمات السريعة، يسألني ما إذا كنت أودُّ شرب كأس ماء، يطلب مني الانتظار حالما يخلص من مكالماته المهمة.
يعاود الطلب من جديد كلما وضع سماعة الهاتف قبل أن يستقبل اتصالاً آخر.
يبدو المكان كمركز اتصال للشرطة، نعم.. إنها شرطة الحدود.
لا تمر ثانية دون أن تسمع رنين الهواتف يمر عبر المكاتب التي كانت تفصل بينها جدران من زجاج كاشف.
كاميرات معلقة على زوايا المكاتب والممرات الضيقة، في كل مكان تقريبًا..
يدنو مني شرطي آخر.. يسألني: ما اسمك، أمنحه جواز سفري، يتهجأ حروف اسمي ولقبي بشكل متناثر ومشوه، يطلب مني الانتظار قبل أن ينصرف.
لا فكرة عندي عن من يجب علي انتظاره، وإلى متى سيدوم هذا.
كل ما يهم هو أن أحافظ على فعل "الانتظار'' حيًّا...
بأوطاننا، أيضًا نمارس كابوس الانتظار، ننتظر طويلاً جدًا إلى أن نفقد الأمل. ثم نخلع كل شيء جميل أمام قدر الأيام اللا منتهية ويلبسنا اليأس، تغادر نومنا الأحلام لتعوضها الكوابيس وتحملنا الفاقة والهوان بعيدًا إلى كهوف الظلام، حيث تعيش خفافيش السياسة تتغدى وتسمن من مصِّ دمائنا بمباركة من الملك والله.
في وطني.. نموت كل يوم، مع كل دمعة جوع لطفل رضيع.
نموت مع مرارة طعم الأيام التي يطهوها العاطلون عن العمل كقهوة سوداء على أفران اليأس والتهميش بمقاهي لعب الورق.
بوطني.. لا يوجد معنى للانتظار دون خرافة ودجل، تنتظر جدتي الهلال مرتين من كل سنة؛ قبل شهر رمضان وعند اقتراب انجلائه، تصعد إلى سطح منزلنا وفي يدها شيء من ملح الطعام أو السكر ثم تتوجه إلى السماء تضرعًا في انكسار قاسٍ للروح، هنالك تضع قلبها وفكرها بين الحقول والمحاصيل، ترجو من الإله أن يباركنا، علَّموها أن خصوبة الأرض من رحمة السماء.
ينتظر الكثيرون غيرها الجنة، بحورها العين وغلمانها وفواكهها الأوربية، يُصلون بالموت ويتمنون الشهادة...
اختناق المشاعر، المرض النفسي، المعاناة والحرقة والألم بكل ألوانه، كل ذلك جعلهم يكرهون الحياة، ليتمنوا الخلاص في الموت. والمتعة في طول اللحى وسجن النساء، والسعادة في الخيال الأسود.
في بيئة الحرية والعدالة الاجتماعية، تحيينا كائنات حية لطيفة جميلة، نشتهيها بعيوننا وقلوبنا.. نحلم صباح مساء، بلقاها والسفر على متن الرمال السائلة في مجازفة خطرة بأمل بسيط في العيش هناك...