Page 1
الجزء الأول
سميرة وروبير
ها هي الآن وإياه مستلقيان، على ظهريهما، على سريرها، في شقتها، بعد نزهة دارا خلالها حول حديقة اللوكسمبورغ ببواباتها المقفلة بعد الخامسة حسب الدوام الشتوي.
لم ينبس أي منهما ببنت شفة طيلة النزهة. حتى قبيل أن يصعدا الدرج كادا يفترقان. صحيح أنّ هذا الشجار ليس الأول من نوعه، ولكن في كل مرة يشعر كلاهما وكأنّه الأخير.
لكنها الآن إلى جانبه، جسدها يلامس جسده، لا يفصل بينهما إلّا ما تبقى من ثياب داخلية رقيقة، تحت غطاء واحد يتلذذان بدفئه بعد لسع نسمات الخريف في الخارج والرذاذ الخفيف الذي بث رطوبته الباردة في الأطراف كلها.
هي إلى يمينه وهو إلى يسارها، ينظران إلى السقف المدهون منذ يومين بالأبيض الناصع وما زالت فيه بقعة لم تتمكن من دهنها، ورائحة الدهان تستقبلك عند دخولك ولا تفارقك قبل أن تتأقلم معها.
ـ لماذا لم تدهني هذه البقعة؟
ـ أنتظرك حتى تمسك لي السلم. أخاف لوحدي، لأنّه غير ثابت.
ـ عندما تشائين، لا مانع!
ثم ساد الصمت من جديد.
يكاد يسمعها عبر هذا الصمت وهي تفكر:
«كعادته يغدق الوعود ولا يفي... إلّا نادراً».
تعرف أنه لا يحب القيام بمثل هذه الأعمال التي تعتبرها النساء عادة من اختصاص الرجال. أما هي فلا تقيم وزناً لهذه الأمور.
يرد عليها قبل أن تفصح عما يدور في خلدها:
ـ يكفي أن تحددي الوقت وأن نتفق على الموعد.
ـ طبعاً، طبعاً!
ما بين الجد والسخرية، تصدق ولا تصدق.
مد يده اليمنى من فوق الوسادة وراح يلاعب الليل في شعرها الذي لم يغزه البياض بعد. نعم، هذا لونه الطبيعي. إنّه متأكد من ذلك، فهي لا تستعين بأيّة صبغة. ولكنه عندما كان في مثل سنّها، لعشر خلت، كان بعض الشيب قد خط فوديه.
لم تنفر من يده التي تلامس خدّها وأذنها بحركة خجولة مترددة.
شجعه هذا الهدوء بعد العاصفة ليمضي قدماً إلى أبعد من ذلك. فمال نحوها منحنياً على جنبه الأيمن من دون أن يبعد يده عن رأسها.
«لماذا خرجت إلى النزهة معه وكنت أفضل البقاء في دفء شقتي في طقس كهذا غائم عالي الرطوبة منخفض الحرارة؟».
في الآونة الأخيرة تفاقم التوتر الذي يسود هذه العلاقة منذ بدايتها، منذ ما يقارب الخمس سنوات.
«ماذا قلت لها حتى انقلب مزاجها بهذه السرعة؟».
يطوفان حول الحديقة القفر، كل غارق في أفكاره الخاصة وذكرياته الماضية. ومن غريب المصادفة أو ربما من طبيعي الأمور أنهما يستعيدان ذكريات مشتركة في آن معاً ولا يعرف الواحد منهما أن الآخر يجول بفكره في هذه المنطقة المشتركة بينهما كما يجول جسداهما جنباً إلى جنب في حيزهما المعتاد هذا.
أحست بخطر ما يتهدد هذه العلاقة ولكنها لا تريد أن تخسره.
وهو بدوره يتعلق بها ويخشى أن يقوم بمبادرة قد تسيىء تفسيرها أو تجرح حساسيتها المرهفة.
سميرة وروبير
ها هي الآن وإياه مستلقيان، على ظهريهما، على سريرها، في شقتها، بعد نزهة دارا خلالها حول حديقة اللوكسمبورغ ببواباتها المقفلة بعد الخامسة حسب الدوام الشتوي.
لم ينبس أي منهما ببنت شفة طيلة النزهة. حتى قبيل أن يصعدا الدرج كادا يفترقان. صحيح أنّ هذا الشجار ليس الأول من نوعه، ولكن في كل مرة يشعر كلاهما وكأنّه الأخير.
لكنها الآن إلى جانبه، جسدها يلامس جسده، لا يفصل بينهما إلّا ما تبقى من ثياب داخلية رقيقة، تحت غطاء واحد يتلذذان بدفئه بعد لسع نسمات الخريف في الخارج والرذاذ الخفيف الذي بث رطوبته الباردة في الأطراف كلها.
هي إلى يمينه وهو إلى يسارها، ينظران إلى السقف المدهون منذ يومين بالأبيض الناصع وما زالت فيه بقعة لم تتمكن من دهنها، ورائحة الدهان تستقبلك عند دخولك ولا تفارقك قبل أن تتأقلم معها.
ـ لماذا لم تدهني هذه البقعة؟
ـ أنتظرك حتى تمسك لي السلم. أخاف لوحدي، لأنّه غير ثابت.
ـ عندما تشائين، لا مانع!
ثم ساد الصمت من جديد.
يكاد يسمعها عبر هذا الصمت وهي تفكر:
«كعادته يغدق الوعود ولا يفي... إلّا نادراً».
تعرف أنه لا يحب القيام بمثل هذه الأعمال التي تعتبرها النساء عادة من اختصاص الرجال. أما هي فلا تقيم وزناً لهذه الأمور.
يرد عليها قبل أن تفصح عما يدور في خلدها:
ـ يكفي أن تحددي الوقت وأن نتفق على الموعد.
ـ طبعاً، طبعاً!
ما بين الجد والسخرية، تصدق ولا تصدق.
مد يده اليمنى من فوق الوسادة وراح يلاعب الليل في شعرها الذي لم يغزه البياض بعد. نعم، هذا لونه الطبيعي. إنّه متأكد من ذلك، فهي لا تستعين بأيّة صبغة. ولكنه عندما كان في مثل سنّها، لعشر خلت، كان بعض الشيب قد خط فوديه.
لم تنفر من يده التي تلامس خدّها وأذنها بحركة خجولة مترددة.
شجعه هذا الهدوء بعد العاصفة ليمضي قدماً إلى أبعد من ذلك. فمال نحوها منحنياً على جنبه الأيمن من دون أن يبعد يده عن رأسها.
«لماذا خرجت إلى النزهة معه وكنت أفضل البقاء في دفء شقتي في طقس كهذا غائم عالي الرطوبة منخفض الحرارة؟».
في الآونة الأخيرة تفاقم التوتر الذي يسود هذه العلاقة منذ بدايتها، منذ ما يقارب الخمس سنوات.
«ماذا قلت لها حتى انقلب مزاجها بهذه السرعة؟».
يطوفان حول الحديقة القفر، كل غارق في أفكاره الخاصة وذكرياته الماضية. ومن غريب المصادفة أو ربما من طبيعي الأمور أنهما يستعيدان ذكريات مشتركة في آن معاً ولا يعرف الواحد منهما أن الآخر يجول بفكره في هذه المنطقة المشتركة بينهما كما يجول جسداهما جنباً إلى جنب في حيزهما المعتاد هذا.
أحست بخطر ما يتهدد هذه العلاقة ولكنها لا تريد أن تخسره.
وهو بدوره يتعلق بها ويخشى أن يقوم بمبادرة قد تسيىء تفسيرها أو تجرح حساسيتها المرهفة.
Page 2
لم يكن على حماس كبير للنزهة ولكنه أراد أن يبتعد عن جو الشقة الحميم، متذرعاً بضرورة التمشي بعد التعشي، وكأنه بذلك يبعد إلى أجل غير مسمى لحظة الاصطدام التي أحسها قريبة.
هل يتعين عليها أن تبذل جهوداً إضافية لإنقاذ العلاقة أم تدفع بها إلى الانفراط؟
ذات يوم كادت تنفرط.
لا تدري إذا كانت قد تعمدت ذلك أو أن الأمور سارت هكذا، بعفوية تامة.
* * *
ـ تذكر يوم كنت في برلين لزيارة والدتك خلال عطلة الشتاء الأخيرة؟
ـ أذكر، وماذا حصل في باريس أثناء غيابي عنها؟
ـ حصل أن التقيت بزميلك ساشا، مدرس اللغة الروسية، قلت لك أن وجهه يذكرني بوجه ابن جيراننا في البلد، مصطفى، الذي كان يُسمعني بعض الغزل أحياناً ولكنه لم يكن ليثير فضولي أبداً. أما ساشا فقد أثار رغبتي وراودته عن نفسه، لكنه تحفظ وامتنع بادىء الأمر بسبب صداقتكما. وبعد أن طمأنته بأن الأمر لن يسيىء إلى علاقتكما ولم يكن في نيتي أن أخبرك بذلك، تجاوب مع رغبتي وكان بيننا ما كان. وها أنذا أخبرك بما جرى ولا أستطيع أن أكتمك سراً عن نفسي، وكأني بك تراها في عريها كما ترى جسدي الآن.
كان إحساس روبير أقرب إلى المفاجأة منه إلى الغيرة، إذ لم يكن يتوقع انطلاق سميرة بهذه السرعة في مغامراتها الباريسية، ولكنه تمالك نفسه عن أي انفعال حتى لا تسيىء فهمه أو تتهمه بالغيرة. وحاول أن يهش لها ويبش وهو يتساءل إذا ما كان لديه أي إحساس بالغيرة. لكنه انساق وراء المزيد من الأسئلة عما جرى، وراح يتخيل المشهد وكأنه يرى فيلماً يعرف أبطاله ويأسف لغيابه عن ساحة التمثيل، وأخذه شوق غريب ولذيذ لم يألفه سابقاً تجاه صديقه ساشا. إذا ما كانت سميرة أعجبته فذوقه كذوقه وكأنه هو هو. وإذا ما أعجب سميرة ففيه شبه منه وكأنه هو هو. ما هذه النرجسية، أو المرآتية؟ فهو يكاد يرى نفسه في شخص ساشا بدلاً من أي شعور بالغيرة. بينما تحاول سميرة أن تتحاشى التفاصيل حرصاً منها على عدم إثارة غيرته، وفي الوقت نفسه تتمنى أن ترى في ردة فعله شيئاً من الغيرة لتسارع إلى إحاطته بعطفها ولتؤكد له أنها خرجت من هذه التجربة أكثر تعلقاً به، وأن ساشا لم ينجح أكثر منه في توصيلها إلى شاطىء الأمان.
ـ وكيف كان الأمر مع ساشا؟
ـ أرى أنك وقعت فريسة للغيرة.
ـ لا، ليست غيرة، مجرد حشرية.
سأل روبير بحشرية غير معهودة فيه، مما أربك سميرة في الرد فتريثت قبل أن تقول والحرج باد على محياها: «للوهلة الأولى أحسست برعشة أكبر مما اعتدت معك، ولكن سرعان ما استقر بنا الأمر عند سقف دون السقف المعهود بيننا».
وبدلاً من أن تأخذ روبير الغيرة حملته موجة عارِمة من الرغبة في تحسس جسد سميرة، وهو لا يدري أهذا هو أم هذا ساشا. فوجدها عائمة على بحر من الشهوة نفسها فراحا يسبحان في خضم واحد، ولكن كل على وتيرته وكما تجري به رياحه، وليس دائماً كما تشتهي سفن الآخر.
لم تصل إلى شاطىء أمانها عندما كان هو يستريح على شاطئه، وكظمت غيظها ردحاً من الزمن قبل أن تستأنف الحوار.
ـ هل تحبني حقاً؟
ـ وهل تريدين دليلاً غير الذي بيننا على حبي لك، على حبنا؟ وهل أسألك دليلاً على حبك لي غير حضورك الشخصي إلى جانبي الآن وهنا؟
ـ وحتى بعد أن عرفت أنني بحثت عن حاجتي على هامش علاقتنا؟
ـ ليست علاقتنا هي المقدس، بل الشخص الإنساني، شخصك هو المقدس، أنت أهم من العلاقة! ولا قيمة لأية علاقة، حسب رأيي، إلّا بمقدار ما تكون مصدر فرح وإغناء لكل من طرفي العلاقة. وإذا ما تحولت العلاقة إلى عائق أمام تفتّح شخصية هذا الطرف أو ذاك فلن تكون جديرة باسم علاقة حرة بل تكون تلك المؤسسة العقيمة القمعية التي هربنا منها ويهرب منها كل إنسان يحترم نفسه كما يحترم شريكه احتراماً كاملاً.
هل يتعين عليها أن تبذل جهوداً إضافية لإنقاذ العلاقة أم تدفع بها إلى الانفراط؟
ذات يوم كادت تنفرط.
لا تدري إذا كانت قد تعمدت ذلك أو أن الأمور سارت هكذا، بعفوية تامة.
* * *
ـ تذكر يوم كنت في برلين لزيارة والدتك خلال عطلة الشتاء الأخيرة؟
ـ أذكر، وماذا حصل في باريس أثناء غيابي عنها؟
ـ حصل أن التقيت بزميلك ساشا، مدرس اللغة الروسية، قلت لك أن وجهه يذكرني بوجه ابن جيراننا في البلد، مصطفى، الذي كان يُسمعني بعض الغزل أحياناً ولكنه لم يكن ليثير فضولي أبداً. أما ساشا فقد أثار رغبتي وراودته عن نفسه، لكنه تحفظ وامتنع بادىء الأمر بسبب صداقتكما. وبعد أن طمأنته بأن الأمر لن يسيىء إلى علاقتكما ولم يكن في نيتي أن أخبرك بذلك، تجاوب مع رغبتي وكان بيننا ما كان. وها أنذا أخبرك بما جرى ولا أستطيع أن أكتمك سراً عن نفسي، وكأني بك تراها في عريها كما ترى جسدي الآن.
كان إحساس روبير أقرب إلى المفاجأة منه إلى الغيرة، إذ لم يكن يتوقع انطلاق سميرة بهذه السرعة في مغامراتها الباريسية، ولكنه تمالك نفسه عن أي انفعال حتى لا تسيىء فهمه أو تتهمه بالغيرة. وحاول أن يهش لها ويبش وهو يتساءل إذا ما كان لديه أي إحساس بالغيرة. لكنه انساق وراء المزيد من الأسئلة عما جرى، وراح يتخيل المشهد وكأنه يرى فيلماً يعرف أبطاله ويأسف لغيابه عن ساحة التمثيل، وأخذه شوق غريب ولذيذ لم يألفه سابقاً تجاه صديقه ساشا. إذا ما كانت سميرة أعجبته فذوقه كذوقه وكأنه هو هو. وإذا ما أعجب سميرة ففيه شبه منه وكأنه هو هو. ما هذه النرجسية، أو المرآتية؟ فهو يكاد يرى نفسه في شخص ساشا بدلاً من أي شعور بالغيرة. بينما تحاول سميرة أن تتحاشى التفاصيل حرصاً منها على عدم إثارة غيرته، وفي الوقت نفسه تتمنى أن ترى في ردة فعله شيئاً من الغيرة لتسارع إلى إحاطته بعطفها ولتؤكد له أنها خرجت من هذه التجربة أكثر تعلقاً به، وأن ساشا لم ينجح أكثر منه في توصيلها إلى شاطىء الأمان.
ـ وكيف كان الأمر مع ساشا؟
ـ أرى أنك وقعت فريسة للغيرة.
ـ لا، ليست غيرة، مجرد حشرية.
سأل روبير بحشرية غير معهودة فيه، مما أربك سميرة في الرد فتريثت قبل أن تقول والحرج باد على محياها: «للوهلة الأولى أحسست برعشة أكبر مما اعتدت معك، ولكن سرعان ما استقر بنا الأمر عند سقف دون السقف المعهود بيننا».
وبدلاً من أن تأخذ روبير الغيرة حملته موجة عارِمة من الرغبة في تحسس جسد سميرة، وهو لا يدري أهذا هو أم هذا ساشا. فوجدها عائمة على بحر من الشهوة نفسها فراحا يسبحان في خضم واحد، ولكن كل على وتيرته وكما تجري به رياحه، وليس دائماً كما تشتهي سفن الآخر.
لم تصل إلى شاطىء أمانها عندما كان هو يستريح على شاطئه، وكظمت غيظها ردحاً من الزمن قبل أن تستأنف الحوار.
ـ هل تحبني حقاً؟
ـ وهل تريدين دليلاً غير الذي بيننا على حبي لك، على حبنا؟ وهل أسألك دليلاً على حبك لي غير حضورك الشخصي إلى جانبي الآن وهنا؟
ـ وحتى بعد أن عرفت أنني بحثت عن حاجتي على هامش علاقتنا؟
ـ ليست علاقتنا هي المقدس، بل الشخص الإنساني، شخصك هو المقدس، أنت أهم من العلاقة! ولا قيمة لأية علاقة، حسب رأيي، إلّا بمقدار ما تكون مصدر فرح وإغناء لكل من طرفي العلاقة. وإذا ما تحولت العلاقة إلى عائق أمام تفتّح شخصية هذا الطرف أو ذاك فلن تكون جديرة باسم علاقة حرة بل تكون تلك المؤسسة العقيمة القمعية التي هربنا منها ويهرب منها كل إنسان يحترم نفسه كما يحترم شريكه احتراماً كاملاً.
Page 3
ـ ألا يعني كونك لا تغار أنك لا تحبني؟ يقولون في كتب الغرام إن الغيرة توأم الحب.
ـ بل يخطئون. إنما يخلطون ما بين الحب وشيء آخر أقرب إلى غريزة التملك منه إلى الحب، وكأن الشخص ملكية شخصية للآخر. في علاقة الملكية هذه سرعان ما ينقلب الذي كان اسمه حباً إلى نقيضه وتصل الكراهية إلى درجة إرادة الشر للآخر وإلى حد الجريمة المعروفة في كل المجتمعات باسم «جرائم الحب» أو «جرائم الشرف» والأصح تسميتها «جرائم ملكية الأشخاص».
ـ إذا كانت كل المجتمعات تعرف الغيرة، ألا يعني ذلك أنها شعور طبيعي وعمومي لدى كل البشر؟
ـ طبعاً إنها شعور طبيعي ومعروف لدى الكثير من الحيوانات البرية أيضاً، ولكن متى كانت الطبيعة هي المثال الأعلى للبشر وكل تاريخهم هو تاريخ صراع معها من أجل تطبيعها وتهذيبها وتثقيفها لجعلها أكثر إنسانية؟ فالغيرة أقرب إلى الغريزة منها إلى المشاعر الإنسانية النبيلة كالحب والاحترام المتبادل للشخص الإنساني بذاته وليس بمقدار ولائه وتبعيته لشخص آخر يكون بمثابة السيد له. ما زلنا لم نبتعد كثيراً عن الحالة الاجتماعية التي كانت فيها ملكية الأشخاص واقعاً قانونياً مؤلماً. أما اليوم فهي واقع نفسي مؤلم لكثيرين. إذا ما كنت أحبك فعلاً وأرى أنك سعيدة مع ساشا، أو مع فلان من الناس، فلا يسعني إلّا أن أفرح لك وله وأن تزداد صداقتي له حباً. ولو بقيت مع ساشا لكنت اعتقدت أنك تحبينه أكثر مما تحبينني. أما الآن وقد عدت إليّ فإنني أرى في هذه العودة دليلاً على حبك لي، ومن الطبيعي أن يكبر حبي لك فرحاً بهذا الحب وبهذه العودة.
ـ لا أظن أنني قادرة على معاملتك بالمثل، ولا أدري إذا ما كانت الغيرة فيّ ما زالت كما كانت يوم كنت طفلة وكنت أغار من أمي لأنها تحب أبي وحتى من أبي لأنه يحب أمي، أو هكذا كان يتراءى لي، عداك عن غيرتي من أخي الأصغر مني بخمس سنوات.
ـ المعاملة بالمثل مثال أعلى، مطلب يجب أن نسعى إلى تحقيقه، بل إنها شرط أساسي للعلاقة الحرة، ومن دونها تفقد العلاقة توازنها وتتحول إلى نفاق أو إلى سيطرة من جهة وتبعية من جهة أخرى، وفي كلتا الحالتين لا يمكن الحديث لا عن حرية ولا عن سعادة. ألا يمكن بناء السعادة على الحقيقة والحرية؟
ـ أرجو إلّا تختبرني في القريب العاجل، دعني أتمكن أكثر من هذه القناعة التي أقبلها نظرياً ولا أدري إذا ما كان التطبيق سيكون حليفي.
ـ أظن أن الغيرة هي واحدة من الأسباب الرئيسية لفساد العلاقة بين الرجل والمرأة. ذلك أن الشخص موضوع الغيرة، الرجل أو المرأة، يجد نفسه بمكانة الأشياء والأغراض المادية التي يملكها الآخر ويحرص على الاحتفاظ بها في حوزته، الأمر الذي يدفع الآخر دفعاً إلى الخلاص من هذه الشيئية التي تكاد تقتل فيه إنسانيته ويسعى إلى استعادة شخصيته وحريته كشخص، وكأن الآخر من حيث يدري أو لا يدري، بغيرته المبررة أو غير المبررة، يقضي على العلاقة الإنسانية بعد أن تكون قد تحولت إلى علاقة ملكية أقرب إلى العبودية منها إلى الحب.
فأين وجه الظلم إذا ما انسحب الطرف المغبون من علاقة لم يبق منها إلّا نقيض ما قامت عليه في الأصل؟
ـ ألا تظن أن انعدام الغيرة كلياً يعني اللامبالاة الخالصة تجاه الآخر؟
ـ انعدام الغيرة كلياً قد يعني اللامبالاة، أو بالأحرى اللامبالاة لا تؤدي إلى أية غيرة؛ طبعاً إنها الدرجة صفر في العلاقة، إذن لا حب ولا غيرة في اللامبالاة، ولكن بمجرد قيام العلاقة تبدأ المشاعر المتناقضة. في المراحل الأولى للعلاقة قد تأخذ الغيرة وجهاً إيجابياً بمعنى تعلق الواحد من طرفي العلاقة بالآخر والتخوف من أن ينفلت الآخر من العلاقة وبالتالي خسارته. وكأن المسألة مباراة أو منافسة والخوف من خسارة هذه المنافسة يدفع بالطرف الخائف إلى استخدام وسائل تتجاوز حدود المنافسة الشريفة وتتجاوز حدود اعتبار موضوع المنافسة بمثابة الشخص المعني الأول والأخير. وهذا التجاوز يلغي احترام الشخص الإنساني كقيمة مطلقة لا مجال لامتلاكها كما تمتلك أية قيمة مادية أخرى. في هذه المرحلة من العلاقة يأتي التغلب على مشاعر الغيرة بمثابة دليل على الاحترام المطلق للآخر كذات، مثل احترام الذات لذاتها. ولكن من يصل إلى هذا المستوى في العلاقة؟
ـ بل كيف الوصول إلى مثل هذه الدرجة في الاحترام المتبادل الذي يتجاوز الغيرة كلياً؟
ـ لا أدري. ربما التمرد على غريزة التملك، على الأقل تجاه الأشخاص، والعمل على تربية النفس على احترام الشخص الإنساني قبل أي شيء آخر. لا أرى سبيلاً آخر غير حب الذات والاستغراق في حب الذات لذاتها في الآخر كما في الذات. ولكن للأسف غالباً ما يحب المرء الآخرَ من أجل استخدامه حسب رغباته الشخصية ناسياً في أكثر الأحيان أن للآخر رغباته أيضاً. وهنا نصل إلى ضرورة اعتماد مبدأ المعاملة بالمثل من دون أي تنازل أو تساهل.
ـ أنا موافقة! ولكن! تبقى هذه الـ... ولكن!
ـ إذن تعالي أقدمك لصديقتي الجديدة!
ـ بل يخطئون. إنما يخلطون ما بين الحب وشيء آخر أقرب إلى غريزة التملك منه إلى الحب، وكأن الشخص ملكية شخصية للآخر. في علاقة الملكية هذه سرعان ما ينقلب الذي كان اسمه حباً إلى نقيضه وتصل الكراهية إلى درجة إرادة الشر للآخر وإلى حد الجريمة المعروفة في كل المجتمعات باسم «جرائم الحب» أو «جرائم الشرف» والأصح تسميتها «جرائم ملكية الأشخاص».
ـ إذا كانت كل المجتمعات تعرف الغيرة، ألا يعني ذلك أنها شعور طبيعي وعمومي لدى كل البشر؟
ـ طبعاً إنها شعور طبيعي ومعروف لدى الكثير من الحيوانات البرية أيضاً، ولكن متى كانت الطبيعة هي المثال الأعلى للبشر وكل تاريخهم هو تاريخ صراع معها من أجل تطبيعها وتهذيبها وتثقيفها لجعلها أكثر إنسانية؟ فالغيرة أقرب إلى الغريزة منها إلى المشاعر الإنسانية النبيلة كالحب والاحترام المتبادل للشخص الإنساني بذاته وليس بمقدار ولائه وتبعيته لشخص آخر يكون بمثابة السيد له. ما زلنا لم نبتعد كثيراً عن الحالة الاجتماعية التي كانت فيها ملكية الأشخاص واقعاً قانونياً مؤلماً. أما اليوم فهي واقع نفسي مؤلم لكثيرين. إذا ما كنت أحبك فعلاً وأرى أنك سعيدة مع ساشا، أو مع فلان من الناس، فلا يسعني إلّا أن أفرح لك وله وأن تزداد صداقتي له حباً. ولو بقيت مع ساشا لكنت اعتقدت أنك تحبينه أكثر مما تحبينني. أما الآن وقد عدت إليّ فإنني أرى في هذه العودة دليلاً على حبك لي، ومن الطبيعي أن يكبر حبي لك فرحاً بهذا الحب وبهذه العودة.
ـ لا أظن أنني قادرة على معاملتك بالمثل، ولا أدري إذا ما كانت الغيرة فيّ ما زالت كما كانت يوم كنت طفلة وكنت أغار من أمي لأنها تحب أبي وحتى من أبي لأنه يحب أمي، أو هكذا كان يتراءى لي، عداك عن غيرتي من أخي الأصغر مني بخمس سنوات.
ـ المعاملة بالمثل مثال أعلى، مطلب يجب أن نسعى إلى تحقيقه، بل إنها شرط أساسي للعلاقة الحرة، ومن دونها تفقد العلاقة توازنها وتتحول إلى نفاق أو إلى سيطرة من جهة وتبعية من جهة أخرى، وفي كلتا الحالتين لا يمكن الحديث لا عن حرية ولا عن سعادة. ألا يمكن بناء السعادة على الحقيقة والحرية؟
ـ أرجو إلّا تختبرني في القريب العاجل، دعني أتمكن أكثر من هذه القناعة التي أقبلها نظرياً ولا أدري إذا ما كان التطبيق سيكون حليفي.
ـ أظن أن الغيرة هي واحدة من الأسباب الرئيسية لفساد العلاقة بين الرجل والمرأة. ذلك أن الشخص موضوع الغيرة، الرجل أو المرأة، يجد نفسه بمكانة الأشياء والأغراض المادية التي يملكها الآخر ويحرص على الاحتفاظ بها في حوزته، الأمر الذي يدفع الآخر دفعاً إلى الخلاص من هذه الشيئية التي تكاد تقتل فيه إنسانيته ويسعى إلى استعادة شخصيته وحريته كشخص، وكأن الآخر من حيث يدري أو لا يدري، بغيرته المبررة أو غير المبررة، يقضي على العلاقة الإنسانية بعد أن تكون قد تحولت إلى علاقة ملكية أقرب إلى العبودية منها إلى الحب.
فأين وجه الظلم إذا ما انسحب الطرف المغبون من علاقة لم يبق منها إلّا نقيض ما قامت عليه في الأصل؟
ـ ألا تظن أن انعدام الغيرة كلياً يعني اللامبالاة الخالصة تجاه الآخر؟
ـ انعدام الغيرة كلياً قد يعني اللامبالاة، أو بالأحرى اللامبالاة لا تؤدي إلى أية غيرة؛ طبعاً إنها الدرجة صفر في العلاقة، إذن لا حب ولا غيرة في اللامبالاة، ولكن بمجرد قيام العلاقة تبدأ المشاعر المتناقضة. في المراحل الأولى للعلاقة قد تأخذ الغيرة وجهاً إيجابياً بمعنى تعلق الواحد من طرفي العلاقة بالآخر والتخوف من أن ينفلت الآخر من العلاقة وبالتالي خسارته. وكأن المسألة مباراة أو منافسة والخوف من خسارة هذه المنافسة يدفع بالطرف الخائف إلى استخدام وسائل تتجاوز حدود المنافسة الشريفة وتتجاوز حدود اعتبار موضوع المنافسة بمثابة الشخص المعني الأول والأخير. وهذا التجاوز يلغي احترام الشخص الإنساني كقيمة مطلقة لا مجال لامتلاكها كما تمتلك أية قيمة مادية أخرى. في هذه المرحلة من العلاقة يأتي التغلب على مشاعر الغيرة بمثابة دليل على الاحترام المطلق للآخر كذات، مثل احترام الذات لذاتها. ولكن من يصل إلى هذا المستوى في العلاقة؟
ـ بل كيف الوصول إلى مثل هذه الدرجة في الاحترام المتبادل الذي يتجاوز الغيرة كلياً؟
ـ لا أدري. ربما التمرد على غريزة التملك، على الأقل تجاه الأشخاص، والعمل على تربية النفس على احترام الشخص الإنساني قبل أي شيء آخر. لا أرى سبيلاً آخر غير حب الذات والاستغراق في حب الذات لذاتها في الآخر كما في الذات. ولكن للأسف غالباً ما يحب المرء الآخرَ من أجل استخدامه حسب رغباته الشخصية ناسياً في أكثر الأحيان أن للآخر رغباته أيضاً. وهنا نصل إلى ضرورة اعتماد مبدأ المعاملة بالمثل من دون أي تنازل أو تساهل.
ـ أنا موافقة! ولكن! تبقى هذه الـ... ولكن!
ـ إذن تعالي أقدمك لصديقتي الجديدة!
Page 4
ـ أصحيح ما تقول؟
خفق قلب سميرة جزعاً من الاختبار الذي ينتظرها، فسارع روبير إلى طمأنتها:
ـ لا، إنني أمزح!
وطبع على شفتيها قبلة استغرقت لحظات فأحاطته بذراعيها والتصقت به بقوة وكأنهما يوقعان بالشفاه عقد تجديد العهد بينهما. صارحته باحساسها بأنّ العلاقة تتعمق أكثر فأكثر في هذه الحوارات الصريحة التي لم تعرف لها مثيلاً حتى في علاقتها السابقة مع جميلة. وأكد لها روبير ثقته بذلك، على الرغم من أنّ صراحته هذه وآراءه لم تؤد خلال علاقاته السابقة إلّا إلى الخيبة والفشل ولكنه لم يفقد الأمل في لقاء امرأة تفهمه، وهمس في أذن سميرة: وجدتها! وجدتها!
* * *
بدلاً من أن تنفرط العلاقة كما تخوفت سميرة وجدتها تتوطد أكثر من قبل وازداد تعلقها بروبير ولسان حالها يقول: «أي فتى عربي يتحلى بمثل هذا الخُلق؟». تصارحه ويصارحها.
هل يعقل أن تكون الصراحة هي الخطر الأكبر الذي يتهدد العلاقة؟
مستحيل!
هناك من يعارض بين الحقيقة والسعادة وكأنهما ضرتان لا تجتمعان إلّا لتتنافرا. ومنهم من يعارض بين الحرية والسعادة.
ألا يمكن تأسيس السعادة على الحقيقة وعلى الحرية في آن معاً؟
من لم تغره هذه الفرضية؟
ـ لا أدري ما الذي يمنعني من الوصول. تأخذني لهفة كبيرة ولا تردني. لهفة لذيذة كتلك التي يحس بها المرء عندما يستحكه جلده حول بثرة قريبة من الشفاء ويشتهي أن يقتلع البثرة، ولا يصل إلى اقتلاعها. لذة يشوبها دائماً شعور بالمرارة، مرارة عدم الوصول إلى اجتثاث البثرة، إلى فقء الدملة وتنفس الصعداء. الوصول إلى شاطىء الأمان بعد هيجان العاصفة.
ـ هي التيارات الجوفية تجرفنا وتقذفنا حيث تشاء. نكاد لا نستطيع مقاومتها وكأننا نتواطأ معها. تشدنا وتدفعنا مرة إلى الشاطىء الآمن ومرة إلى اللجة الصاخبة، واحداً إلى ظهر الموجة وآخر في أحشائها. لا بد من سبر هذه الأعماق لمعرفة أسرارها، لاتقان السباحة في بحارها ومؤالفة تياراتها والعوم معها حتى نصير جزءاً منها ترفعنا إلى أعلى القمم وتهبط بنا إلى أعمق القعور.
ـ بي شوق كبير إلى قبطان ماهر يقود سفينتي إلى شاطىء أمانها. أين أنت يا فاقىء دملتي بإبرتك النظيفة المطهرة الحادة اللذيذة الملمس؟ أنتظرك وأبحث عنك بين حملة الإبر وكأنني أبحث عن إبرة في كومة قش. فهل أنت هو؟
ـ أتمنى أن أكونه، وأسعى لأكونه، لأكون كما تشتهين. أبذل قصارى جهدي كما تعرفين لأصل وإياك إلى أفق جديد، إلى شاطىء بحر جديد. ولكن إذا وجدت ضالتك المنشودة مع غيري لا تحرمي نفسك منها بسببي، فأنا لا أريد أن أكون حجر عثرة على طريق سعادتك، إذا كانت هذه هي السعادة، أو على طريق لذتك على الأقل. أما القبطان الماهر فلن يكون إلّا أنت نفسك.
* * *
كان قد مضى على لقائهما الأول أكثر من خمسة أعوام.
كان ذلك في المكتبة الوطنية (58 شارع ريشيليو) عندما لاحظته ولاحظها وتبادلا الابتسام خلال بضعة أيام ثم التحية الصباحية وصارا يتعمدان الوصول في تمام التاسعة للجلوس في مقعديهما المتقابلين، هي على الرقم 283 وهو على الرقم 282، في إحدى زوايا قاعة المطبوعات. حتى جاء يوم كانت فيه سميرة في مزاج مرح وبادلت روبير ابتسامة عريضة ألحقتها بدعوة جريئة إلى تناول القهوة. لم يستطع روبير مقاومة الابتسامة ولا الدعوة، بل قابلها بسرور كبير وارتياح وكأنها جاءت لتلبي دعوة داخلية عنده قد أحس بها أكثر من مرة وكان يؤجلها قائلاً لنفسه «لا داعي للعجلة، لنستمتع باللقاء عن بعد، لا أدري إذا ما كانت نفسيتها تتطابق مع تعابير وجهها، ابتسامة لطيفة عن بعد خير من مشاحنات علاقة حميمة قد تتحول إلى جحيم».
كان روبير ما زال خارجاً لتوّه من علاقة شبه زوجية استغرقت ست سنوات تحولت خلالها إلى نوع من استلاب وتملك، إلى قيد لم يعد يحتمله. فترك كل شيء وطلب إجازة سنة «سابعة» مدفوعة الأجر من وظيفته لمتابعة الدراسة، وزج بنفسه في كتابة أطروحة عن هولدرلين كان قد فكر بها طويلاً.
أما سميرة فكانت قد بدأت تستعيد مرحها ونشاطها الطبيعي بعد الصدمة والخيبة اللتين أصابتاها من أقرب صديقاتها جميلة التي تركتها لتتزوج من رجل أعمال عربي تربطها به بعض القرابة وسافرت معه إلى الولايات المتحدة.
عاشت جميلة مع سميرة في شقة هذه الأخيرة مدة سنتين بعد أن جمعتهما صداقة طفولة ودراسة في الوطن البعيد. في باريس تجاوزت علاقتهما حدود الصداقة العادية إلى درجة من القرب الروحي والجسدي قد يعتبرها بعضهم شذوذاً. ولم تعتبرها سميرة أو جميلة إلّا أمراً طبيعياً وأكثر من طبيعي بالمعنى الإنساني الإيجابي لما هو فوق الطبيعي.
خفق قلب سميرة جزعاً من الاختبار الذي ينتظرها، فسارع روبير إلى طمأنتها:
ـ لا، إنني أمزح!
وطبع على شفتيها قبلة استغرقت لحظات فأحاطته بذراعيها والتصقت به بقوة وكأنهما يوقعان بالشفاه عقد تجديد العهد بينهما. صارحته باحساسها بأنّ العلاقة تتعمق أكثر فأكثر في هذه الحوارات الصريحة التي لم تعرف لها مثيلاً حتى في علاقتها السابقة مع جميلة. وأكد لها روبير ثقته بذلك، على الرغم من أنّ صراحته هذه وآراءه لم تؤد خلال علاقاته السابقة إلّا إلى الخيبة والفشل ولكنه لم يفقد الأمل في لقاء امرأة تفهمه، وهمس في أذن سميرة: وجدتها! وجدتها!
* * *
بدلاً من أن تنفرط العلاقة كما تخوفت سميرة وجدتها تتوطد أكثر من قبل وازداد تعلقها بروبير ولسان حالها يقول: «أي فتى عربي يتحلى بمثل هذا الخُلق؟». تصارحه ويصارحها.
هل يعقل أن تكون الصراحة هي الخطر الأكبر الذي يتهدد العلاقة؟
مستحيل!
هناك من يعارض بين الحقيقة والسعادة وكأنهما ضرتان لا تجتمعان إلّا لتتنافرا. ومنهم من يعارض بين الحرية والسعادة.
ألا يمكن تأسيس السعادة على الحقيقة وعلى الحرية في آن معاً؟
من لم تغره هذه الفرضية؟
ـ لا أدري ما الذي يمنعني من الوصول. تأخذني لهفة كبيرة ولا تردني. لهفة لذيذة كتلك التي يحس بها المرء عندما يستحكه جلده حول بثرة قريبة من الشفاء ويشتهي أن يقتلع البثرة، ولا يصل إلى اقتلاعها. لذة يشوبها دائماً شعور بالمرارة، مرارة عدم الوصول إلى اجتثاث البثرة، إلى فقء الدملة وتنفس الصعداء. الوصول إلى شاطىء الأمان بعد هيجان العاصفة.
ـ هي التيارات الجوفية تجرفنا وتقذفنا حيث تشاء. نكاد لا نستطيع مقاومتها وكأننا نتواطأ معها. تشدنا وتدفعنا مرة إلى الشاطىء الآمن ومرة إلى اللجة الصاخبة، واحداً إلى ظهر الموجة وآخر في أحشائها. لا بد من سبر هذه الأعماق لمعرفة أسرارها، لاتقان السباحة في بحارها ومؤالفة تياراتها والعوم معها حتى نصير جزءاً منها ترفعنا إلى أعلى القمم وتهبط بنا إلى أعمق القعور.
ـ بي شوق كبير إلى قبطان ماهر يقود سفينتي إلى شاطىء أمانها. أين أنت يا فاقىء دملتي بإبرتك النظيفة المطهرة الحادة اللذيذة الملمس؟ أنتظرك وأبحث عنك بين حملة الإبر وكأنني أبحث عن إبرة في كومة قش. فهل أنت هو؟
ـ أتمنى أن أكونه، وأسعى لأكونه، لأكون كما تشتهين. أبذل قصارى جهدي كما تعرفين لأصل وإياك إلى أفق جديد، إلى شاطىء بحر جديد. ولكن إذا وجدت ضالتك المنشودة مع غيري لا تحرمي نفسك منها بسببي، فأنا لا أريد أن أكون حجر عثرة على طريق سعادتك، إذا كانت هذه هي السعادة، أو على طريق لذتك على الأقل. أما القبطان الماهر فلن يكون إلّا أنت نفسك.
* * *
كان قد مضى على لقائهما الأول أكثر من خمسة أعوام.
كان ذلك في المكتبة الوطنية (58 شارع ريشيليو) عندما لاحظته ولاحظها وتبادلا الابتسام خلال بضعة أيام ثم التحية الصباحية وصارا يتعمدان الوصول في تمام التاسعة للجلوس في مقعديهما المتقابلين، هي على الرقم 283 وهو على الرقم 282، في إحدى زوايا قاعة المطبوعات. حتى جاء يوم كانت فيه سميرة في مزاج مرح وبادلت روبير ابتسامة عريضة ألحقتها بدعوة جريئة إلى تناول القهوة. لم يستطع روبير مقاومة الابتسامة ولا الدعوة، بل قابلها بسرور كبير وارتياح وكأنها جاءت لتلبي دعوة داخلية عنده قد أحس بها أكثر من مرة وكان يؤجلها قائلاً لنفسه «لا داعي للعجلة، لنستمتع باللقاء عن بعد، لا أدري إذا ما كانت نفسيتها تتطابق مع تعابير وجهها، ابتسامة لطيفة عن بعد خير من مشاحنات علاقة حميمة قد تتحول إلى جحيم».
كان روبير ما زال خارجاً لتوّه من علاقة شبه زوجية استغرقت ست سنوات تحولت خلالها إلى نوع من استلاب وتملك، إلى قيد لم يعد يحتمله. فترك كل شيء وطلب إجازة سنة «سابعة» مدفوعة الأجر من وظيفته لمتابعة الدراسة، وزج بنفسه في كتابة أطروحة عن هولدرلين كان قد فكر بها طويلاً.
أما سميرة فكانت قد بدأت تستعيد مرحها ونشاطها الطبيعي بعد الصدمة والخيبة اللتين أصابتاها من أقرب صديقاتها جميلة التي تركتها لتتزوج من رجل أعمال عربي تربطها به بعض القرابة وسافرت معه إلى الولايات المتحدة.
عاشت جميلة مع سميرة في شقة هذه الأخيرة مدة سنتين بعد أن جمعتهما صداقة طفولة ودراسة في الوطن البعيد. في باريس تجاوزت علاقتهما حدود الصداقة العادية إلى درجة من القرب الروحي والجسدي قد يعتبرها بعضهم شذوذاً. ولم تعتبرها سميرة أو جميلة إلّا أمراً طبيعياً وأكثر من طبيعي بالمعنى الإنساني الإيجابي لما هو فوق الطبيعي.
Page 5
أليست حقيقة الإنسان في نهاية المطاف في الخروج على الطبيعة؟ في تصحيح الطبيعة؟ أو في تكميلها نحو المزيد من الإنسانية، والثقافة والحضارة؟
ولم تشعر أيّ منهما بأي حرج في البيئة الباريسية. ولكن انزعجت سميرة كل الانزعاج من موقف جميلة وتصرفها ليس تجاه صديقتها الأولى وحسب، بل، وبصورة خاصة، تجاه نفسها إذ تركت دراستها والتحقت بزوجها ليس سعياً وراء حب كبير إنما من أجل اليسر المادي وإمكانية السفر إلى العديد من البلدان والاستمتاع بزينة الحياة الدنيا. بينما لا تعني هذه المظاهر المادية الشيء الكثير بالنسبة لسميرة الغارقة في دراسة شعر أبي العلاء المعري وفي كتابة أطروحة عن «رسالة الغفران».
وجدت سميرة في دراستها عزاء لها عن فقدان صداقتها مع جميلة وقالت لنفسها «إذا كانت جميلة قادرة على ذلك فخيراً فعلت الآن وليس غداً». وتذكرت القول الشعبي المأثور: «لا تكرهوا شراً لعله خير لكم»، هذا القول الذي يعبّر عن حالتها بدقة أكثر من القول الأصل «وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم».
ماذا كان بقي لها لولا هذه الثروة التي خلفها أبو العلاء الذي لم يخلف ولداً؟
ولكن هل بالشعر وحده يحيا الإنسان؟
لم تكن سميرة تشعر بالامبالاة تجاه الرجال أو بعدم ثقة بنفسها معهم. بل على العكس من ذلك كانت تعرف أنها تملك من الجمال والظرف ما يكفي وأكثر لإسعاد الرجل الذي تحبه، ولكنها تخشى أن تكون علاقتها السابقة مع جميلة عائقاً أمام تطور علاقة جديدة ولأول مرة مع رجل. فهي تتوق إلى تنظيم حياتها مع شخص تحبه ويحبها. لا يهمها إن كان هذا الشخص رجلاً أو امرأة، كل ما يهمها أن يكون لطيفاً منفتح الذهن والروح، وكانت اعتبرت أنها وجدته في جميلة. وها هي الآن تعيش وحدها مع رهين المحبسين، أستاذها في التحرر من الكثير من الأحكام الخاطئة وفي التشكيك بالمسلّمات الموروثة، تذكره كلما جابهتها مشكلة غير محسومة ولسان حالها يقول «ليت شعري، ما الصحيح؟» وما أكثر المشاكل التي لا تعرف الحلول بعد!
تذكر سميرة جيداً يوم الاثنين ذلك عندما بادرت ودعت صاحب الابتسامة اللطيفة الجالس على المقعد المقابل لمقعدها. وهي فخورة بأنها هي التي بادرت إلى دعوته ولم تنتظر دعوته كما تفعل الفتيات والنساء التقليديات. وكم من مرة أكدت له ذلك لاحقاً، لا لتعاتبه بل لتذكره بأنها ليست تقليدية ولا تقبل أن تكون سلبية متلقية غير فاعلة وبأنها صاحبة قرار ولكنها ليست تسلطية. وقد توسمت فيه خيراً منذ اللقاء الأول. فهو فرنسي من أم ألمانية، يدرّس اللغة الألمانية وآدابها في ثانوية بولارين، ضاحية قريبة من باريس، إذن أوروبي «متحرر» من الكثير من المظاهر والأحكام المسبقة التي تقيّد الشاب العربي في أكثر الأحيان. استأنست به وبحديثه على الفور وكان فرح كل منهما كبيراً عندما عرف أنها تكتب أطروحة دكتوراه عن شاعر عربي كبير لم يكن يعرفه من قبل، وعرفت أنه يكتب أطروحة عن هولدرلين الشاعر الألماني المعروف الذي سمعت عنه ولكنها لم تقرأ له شيئاً. وتفاءلا خيراً بهذه العلاقة الجديدة وتوقعا أن تفتح لكل منهما آفاقاً جديدة بل قارة جديدة بكاملها.
ومنذ ذلك الحين صار لقاؤهما يتكرر يومياً تقريباً، بل وأكثر من مرة في اليوم أحياناً. قهوة صباحية، استراحة قهوة أخرى قبل الظهر، استراحة الغداء، استراحة أخرى بعد الظهر للتمشي في الحديقة المربعة بحدودها الخارجية والدائرية بممشاها الداخلي. وأخيراً مغادرة المكتبة في نهاية النهار قبيل أن تقفل أبوابها حوالى الساعة السابعة والنصف مساء. وغالباً ما كان لقاء المساء هذا ينتهي بتناول العشاء في أحد المطاعم المتواضعة القريبة من المكتبة أو في الحي اللاتيني، أو بنزهة على الشانزيليزيه. كانت هذه اللقاءات والنزهات في كل مرة غنية بمناقشات تشمل من الموضوعات كل ما يخطر على بالهما من هموم دراسية إلى هموم شخصية بحتة أو ميتافيزيقية وغير ذلك.
لم يمض على تعارفهما شهر واحد حتى تولّد لديهما إحساس وكأنهما يعرف الواحد منهما الآخر منذ سنوات عديدة.
كلما تعرضت العلاقة لخطر الانفساخ كلما كانت تخرج أكثر صلابة وتتوطد على أرضية جديدة وقلق جديد.
* * *
عندما أخبرته عن صداقتها السابقة مع جميلة تعمدت أن توحي إليه بشغور المكان الذي كانت تشغله جميلة في قلبها وفي شقتها دون أن تفصح عن رغبتها في أن يكون هو المرشح لملء هذا الفراغ، وأحست أنه تلقى الرسالة وسارع إلى إبداء بعض التحفظ تجاه النصف الثاني من مضمونها.
وأخبرها بدوره عن حريته المستعادة حديثاً وفي الوقت نفسه عن حرصه على عدم فقدانها من جديد، ولكنه رحّب بعلاقة حرة لا تعرف الحدود ولا القيود مع فتاة بجمالها وأنوثتها تعامله بالمثل. ولم تدرك حق الادراك سبب تحفظه، وظنت أنه يخفي عنها أمراً ما، ربما علاقة ما مع امرأة أخرى أو أنه يريد الاحتفاظ بخط للرجعة ولا يريد توظيف نفسه كلياً في هذه العلاقة الجديدة قبل أن يخضعها للتجربة. وهذا يعني في نظرها عدم ثقة بمستقبل العلاقة وبالتالي عدم ثقة بها شخصياً.
ولم تستغرب هي هذا الأمر كثيراً، إذ كل علاقة إنسانية إنما تبنى على التجربة والاختبار، فصار همها الأول والأخير في هذه العلاقة، بل وهاجسها الدائم، أن تكسب ثقته وأن تثبت لنفسها وله أنها قادرة على مبادلته الحب كأية امرأة أخرى وأكثر، بل إنها هي المرأة المثلى والأكثر جدارة بحبه في حين أن الأخريات لا يعرفن الحب الحقيقي. ولكن ما هو الحب الحقيقي؟
هو بدوره تعلق بها ومن حرصه على هذه العلاقة لا يريد التسرع الذي أحسه من جانبها ولا يريد لها أن تتحول إلى علاقة عادية سرعان ما يدخلها الابتذال والحاجات اليومية التي قد تؤدي بكل ما هو إيجابي في العلاقات الإنسانية الحميمة. ولكن كيف السبيل إلى إقناعها بوجهة نظره هذه وتصوره للعلاقة المثلى خلافاً لما يسميه عامة الناس حباً وغالباً ما ينتهي إلى ضده؟ فأي حب هذا؟
وهكذا منذ بداية علاقتهما وهما في توتر وقلق، كأنهما على خطين متوازيين يلتقيان ولا يلتقيان، وكأن الذي بينهما حب وليس بالحب. ولكن ما هو الحب؟ هذا السؤال طالما أرّقهما وما زال يثير نقاشات حادة بينهما.
ما هو الحب؟ وما هي الصداقة؟ وهل يمكن بناء الحب على الصداقة؟ أم أنّ هذا من قبيل بناء السعادة على الحقيقة، أو على الحرية؟ وهل هذا مستحيل؟ أم أنّه بصعوبة تربيع الدائرة؟
منذ الأيام الأولى لعلاقتهما احتدم بينهما النقاش حول هذا الموضوع. في الحديقة المقابلة للمكتبة الوطنية، سكوار اللو؟وا. هذه الحديقة كم شهدت من حوارات صاخبة تارة وهادئة طوراً. على هدير المياه المتدفقة من أفواه الأسماك والرؤوس الرجالية والنسائية. هذا الهدير الذي يذكّرها من بعيد بهدير نهر «الصلاة» في الوادي العميق أثناء فصل الشتاء. في وسط الحديقة، تنتصب أربعة تماثيل أنثوية ممثلة للأنهار الفرنسية الأربعة، اللوار والسون والسين والغارون، محاطة بأشجار الكستناء البرية الوارفة الظلال بخضرتها الفاقعة، على مقعد نصفه في الظل والنصف الآخر تسطع عليه شمس حزيران/ يونيو النادرة ولكن الحادة.
ـ لا أفهم! أنتم من بلاد الشمس ولا تطيقون القعود في الشمس لحظات، بينما نحن نكاد لا نعرف الشمس إلّا نادراً وبإمكاننا أن نحتملها ساعات!
ولم تشعر أيّ منهما بأي حرج في البيئة الباريسية. ولكن انزعجت سميرة كل الانزعاج من موقف جميلة وتصرفها ليس تجاه صديقتها الأولى وحسب، بل، وبصورة خاصة، تجاه نفسها إذ تركت دراستها والتحقت بزوجها ليس سعياً وراء حب كبير إنما من أجل اليسر المادي وإمكانية السفر إلى العديد من البلدان والاستمتاع بزينة الحياة الدنيا. بينما لا تعني هذه المظاهر المادية الشيء الكثير بالنسبة لسميرة الغارقة في دراسة شعر أبي العلاء المعري وفي كتابة أطروحة عن «رسالة الغفران».
وجدت سميرة في دراستها عزاء لها عن فقدان صداقتها مع جميلة وقالت لنفسها «إذا كانت جميلة قادرة على ذلك فخيراً فعلت الآن وليس غداً». وتذكرت القول الشعبي المأثور: «لا تكرهوا شراً لعله خير لكم»، هذا القول الذي يعبّر عن حالتها بدقة أكثر من القول الأصل «وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم».
ماذا كان بقي لها لولا هذه الثروة التي خلفها أبو العلاء الذي لم يخلف ولداً؟
ولكن هل بالشعر وحده يحيا الإنسان؟
لم تكن سميرة تشعر بالامبالاة تجاه الرجال أو بعدم ثقة بنفسها معهم. بل على العكس من ذلك كانت تعرف أنها تملك من الجمال والظرف ما يكفي وأكثر لإسعاد الرجل الذي تحبه، ولكنها تخشى أن تكون علاقتها السابقة مع جميلة عائقاً أمام تطور علاقة جديدة ولأول مرة مع رجل. فهي تتوق إلى تنظيم حياتها مع شخص تحبه ويحبها. لا يهمها إن كان هذا الشخص رجلاً أو امرأة، كل ما يهمها أن يكون لطيفاً منفتح الذهن والروح، وكانت اعتبرت أنها وجدته في جميلة. وها هي الآن تعيش وحدها مع رهين المحبسين، أستاذها في التحرر من الكثير من الأحكام الخاطئة وفي التشكيك بالمسلّمات الموروثة، تذكره كلما جابهتها مشكلة غير محسومة ولسان حالها يقول «ليت شعري، ما الصحيح؟» وما أكثر المشاكل التي لا تعرف الحلول بعد!
تذكر سميرة جيداً يوم الاثنين ذلك عندما بادرت ودعت صاحب الابتسامة اللطيفة الجالس على المقعد المقابل لمقعدها. وهي فخورة بأنها هي التي بادرت إلى دعوته ولم تنتظر دعوته كما تفعل الفتيات والنساء التقليديات. وكم من مرة أكدت له ذلك لاحقاً، لا لتعاتبه بل لتذكره بأنها ليست تقليدية ولا تقبل أن تكون سلبية متلقية غير فاعلة وبأنها صاحبة قرار ولكنها ليست تسلطية. وقد توسمت فيه خيراً منذ اللقاء الأول. فهو فرنسي من أم ألمانية، يدرّس اللغة الألمانية وآدابها في ثانوية بولارين، ضاحية قريبة من باريس، إذن أوروبي «متحرر» من الكثير من المظاهر والأحكام المسبقة التي تقيّد الشاب العربي في أكثر الأحيان. استأنست به وبحديثه على الفور وكان فرح كل منهما كبيراً عندما عرف أنها تكتب أطروحة دكتوراه عن شاعر عربي كبير لم يكن يعرفه من قبل، وعرفت أنه يكتب أطروحة عن هولدرلين الشاعر الألماني المعروف الذي سمعت عنه ولكنها لم تقرأ له شيئاً. وتفاءلا خيراً بهذه العلاقة الجديدة وتوقعا أن تفتح لكل منهما آفاقاً جديدة بل قارة جديدة بكاملها.
ومنذ ذلك الحين صار لقاؤهما يتكرر يومياً تقريباً، بل وأكثر من مرة في اليوم أحياناً. قهوة صباحية، استراحة قهوة أخرى قبل الظهر، استراحة الغداء، استراحة أخرى بعد الظهر للتمشي في الحديقة المربعة بحدودها الخارجية والدائرية بممشاها الداخلي. وأخيراً مغادرة المكتبة في نهاية النهار قبيل أن تقفل أبوابها حوالى الساعة السابعة والنصف مساء. وغالباً ما كان لقاء المساء هذا ينتهي بتناول العشاء في أحد المطاعم المتواضعة القريبة من المكتبة أو في الحي اللاتيني، أو بنزهة على الشانزيليزيه. كانت هذه اللقاءات والنزهات في كل مرة غنية بمناقشات تشمل من الموضوعات كل ما يخطر على بالهما من هموم دراسية إلى هموم شخصية بحتة أو ميتافيزيقية وغير ذلك.
لم يمض على تعارفهما شهر واحد حتى تولّد لديهما إحساس وكأنهما يعرف الواحد منهما الآخر منذ سنوات عديدة.
كلما تعرضت العلاقة لخطر الانفساخ كلما كانت تخرج أكثر صلابة وتتوطد على أرضية جديدة وقلق جديد.
* * *
عندما أخبرته عن صداقتها السابقة مع جميلة تعمدت أن توحي إليه بشغور المكان الذي كانت تشغله جميلة في قلبها وفي شقتها دون أن تفصح عن رغبتها في أن يكون هو المرشح لملء هذا الفراغ، وأحست أنه تلقى الرسالة وسارع إلى إبداء بعض التحفظ تجاه النصف الثاني من مضمونها.
وأخبرها بدوره عن حريته المستعادة حديثاً وفي الوقت نفسه عن حرصه على عدم فقدانها من جديد، ولكنه رحّب بعلاقة حرة لا تعرف الحدود ولا القيود مع فتاة بجمالها وأنوثتها تعامله بالمثل. ولم تدرك حق الادراك سبب تحفظه، وظنت أنه يخفي عنها أمراً ما، ربما علاقة ما مع امرأة أخرى أو أنه يريد الاحتفاظ بخط للرجعة ولا يريد توظيف نفسه كلياً في هذه العلاقة الجديدة قبل أن يخضعها للتجربة. وهذا يعني في نظرها عدم ثقة بمستقبل العلاقة وبالتالي عدم ثقة بها شخصياً.
ولم تستغرب هي هذا الأمر كثيراً، إذ كل علاقة إنسانية إنما تبنى على التجربة والاختبار، فصار همها الأول والأخير في هذه العلاقة، بل وهاجسها الدائم، أن تكسب ثقته وأن تثبت لنفسها وله أنها قادرة على مبادلته الحب كأية امرأة أخرى وأكثر، بل إنها هي المرأة المثلى والأكثر جدارة بحبه في حين أن الأخريات لا يعرفن الحب الحقيقي. ولكن ما هو الحب الحقيقي؟
هو بدوره تعلق بها ومن حرصه على هذه العلاقة لا يريد التسرع الذي أحسه من جانبها ولا يريد لها أن تتحول إلى علاقة عادية سرعان ما يدخلها الابتذال والحاجات اليومية التي قد تؤدي بكل ما هو إيجابي في العلاقات الإنسانية الحميمة. ولكن كيف السبيل إلى إقناعها بوجهة نظره هذه وتصوره للعلاقة المثلى خلافاً لما يسميه عامة الناس حباً وغالباً ما ينتهي إلى ضده؟ فأي حب هذا؟
وهكذا منذ بداية علاقتهما وهما في توتر وقلق، كأنهما على خطين متوازيين يلتقيان ولا يلتقيان، وكأن الذي بينهما حب وليس بالحب. ولكن ما هو الحب؟ هذا السؤال طالما أرّقهما وما زال يثير نقاشات حادة بينهما.
ما هو الحب؟ وما هي الصداقة؟ وهل يمكن بناء الحب على الصداقة؟ أم أنّ هذا من قبيل بناء السعادة على الحقيقة، أو على الحرية؟ وهل هذا مستحيل؟ أم أنّه بصعوبة تربيع الدائرة؟
منذ الأيام الأولى لعلاقتهما احتدم بينهما النقاش حول هذا الموضوع. في الحديقة المقابلة للمكتبة الوطنية، سكوار اللو؟وا. هذه الحديقة كم شهدت من حوارات صاخبة تارة وهادئة طوراً. على هدير المياه المتدفقة من أفواه الأسماك والرؤوس الرجالية والنسائية. هذا الهدير الذي يذكّرها من بعيد بهدير نهر «الصلاة» في الوادي العميق أثناء فصل الشتاء. في وسط الحديقة، تنتصب أربعة تماثيل أنثوية ممثلة للأنهار الفرنسية الأربعة، اللوار والسون والسين والغارون، محاطة بأشجار الكستناء البرية الوارفة الظلال بخضرتها الفاقعة، على مقعد نصفه في الظل والنصف الآخر تسطع عليه شمس حزيران/ يونيو النادرة ولكن الحادة.
ـ لا أفهم! أنتم من بلاد الشمس ولا تطيقون القعود في الشمس لحظات، بينما نحن نكاد لا نعرف الشمس إلّا نادراً وبإمكاننا أن نحتملها ساعات!
Page 6
ـ حتى الأفارقة لا يحتملون القعود في الشمس أكثر من ثوان! ربما يتعلق الأمر بطبيعة البشرة التي تمتص كمية أكبر أو أقل من الفوتونات الشمسية وبالتالي تسخن بسرعة أو ببطء.
ـ لعل الطبيعة قد أخطأت في توزيع البشرات على البشر.
ـ أو لعلها بذلك تحميهم من خطر التعرض المباشر لأشعة الشمس الحادة.
ـ ربما. لنعد إلى خرافنا، كما يقول الفرنسيون، إلى موضوعنا. أظن أن هذا الذي تتحدثين عنه ليس بالضرورة حباً، إنما هو زواج، زواج تقليدي بكل معنى الكلمة وإن لم يتم عقده أمام سلطة رسمية، دينية كانت أو مدنية، وغالباً ما يكون الزواج مقبرة الحب وتنتهي العلاقة الإنسانية النبيلة بين شخصين إلى علاقة زوجية شكلية فارغة من أي محتوى إيجابي، لا يتجاوز محتواها المظاهر الخارجية أو المسؤولية المشتركة لطرفي العلاقة تجاه الآخرين من أولاد أو أهل أو أصحاب أو المجتمع الخارجي عموماً.
ـ لم تفهمني! إنما قصدت علاقة إنسانية حميمة بين كائنين شفافين الواحد منهما تجاه الآخر، قد نسميها علاقة زوجية بمعنى كلمة «كوبل» الفرنسية، ولكن بدون أي قيد خارجي من نوع رقابة مؤسسة دينية أو مدنية كما هو الأمر في الزواج الديني والمدني على السواء، أي بدون تدخل طرف ثالث في العلاقة الثنائية، فتبقى العلاقة حرة بعيدة عن أي عقد شكلي يمثل سلطة خارجية، لنقل إنه اتحاد حر.
ـ أفهمك جيداً، هذا الاتحاد الحر الذي تتحدثين عنه، هل لك أن تحدديه بشيء من التفصيل والوضوح؟
ـ حسب تصوري، يجمع هذا الاتحاد بين شخصين كلاهما حر في اختياره للآخر، يدخلان في شراكة حياتية تشمل كل جوانب الحياة، المادية منها، الاقتصادية إذا شئنا، والجنسية طبعاً والنفسية والفكرية، ومفتوحة أيضاً على المستقبل بما يعنيه من مشاريع إنجاب أو تبني أولاد وتربيتهم وغير ذلك...
ـ مهلاً، مهلاً، إنك تقدمين تعريفاً كاملاً لمؤسسة بكل معنى الكلمة ولا أجد تسمية أخرى لهذه المؤسسة غير «العائلة». ومصير هذه المؤسسة كمصير كل المؤسسات أن تتحول عاجلاً أم آجلاً، مهما كانت نوايا مؤسسيها، إلى أداة لخدمة طرف من الأطراف على حساب الأطراف الأخرى، وبالتالي يتعين على هذه الأطراف إما التنازل والخضوع من أجل إنقاذ المؤسسة أو التمرد والصراع من أجل الاستقلال عنها، وهذا يعني هدم المؤسسة. أليس هذا ما نلاحظه في مجتمعاتنا المعاصرة على اختلاف مشاربها، عداك عن العصور الغابرة؟
ـ بل يمكننا أن نبني مؤسسة قائمة على المساواة والاحترام المتبادل بين الأطراف المشاركة وخاصة إذا كان عددهم لا يزيد عن اثنين.
ـ هذا حلم البشرية منذ أن كانت، وما زال يراودها جيلاً بعد جيل، وسوف يحتاج إلى العديد من الأجيال قبل أن يتحقق على هذا المستوى أو ذاك. لا شك أن هناك مجتمعات تقترب من هذا المثال الأعلى أكثر من غيرها ولكنها ما زالت بعيدة جداً والأرجح أن اقترابها من المثال لا يتم إلّا بمقدار اقتراب المثال نفسه من حركة الواقع.
ـ ماذا تقصد بحركة الواقع؟ ألسنا نحن هذا الواقع بعينه؟ أليست حركة الواقع هي حركتنا نحن نحو ما نتطلع إليه، نحو ما نراه مناسباً لنا؟
ـ بالطبع! هذا صحيح! وكل منا يتحرك، على ما أرى، نحو المزيد من استقلالية الفرد. فلا يقبل أحدنا التنازل عن جزء من استقلاليته أو من حريته الشخصية إلّا اضطراراً وحفاظاً على مصلحة شخصية أخرى قد تكون مادية أو غير مادية، أو عن ضعف أو عن خوف.
ـ ليكن عن ضعف أو خوف، فالمؤسسة من شأنها أن تحمي الضعفاء. من منا لا يعرف الضعف ولا الخوف؟ ألسنا جميعاً بحاجة إلى مؤسسة تحمينا؟
ـ أنت على حق، كلنا بحاجة إلى مؤسسة بل إلى مؤسسات تحمينا ولا أحد منا يعيش خارج المؤسسات، إننا بحاجة إلى حد أدنى، إلى أقل ما يمكن من المؤسسات وإلى ما لا يقل عنها من المؤسسات المضادة لتحمينا من تلك، ولسنا بحاجة إلى المزيد من المؤسسات. في خضم هذه المؤسسات لا بد للفرد من قاعدة آمنة، مساحة مهما كانت ضيقة وصغيرة، فسحة يشعر فيها بحريته المطلقة على غرار تلك الفسحة الداخلية التي يتمتع بها كل منا في قوى مخيّلته ومفكرته.
ـ ها نحن نصل إلى بداية اتفاق في الرأي. هذه القاعدة التي نتحدث عنها والتي لا بد منها لكل فرد منا هي عينها المؤسسة أو الوحدة الصغرى القائمة على الاتحاد الحر الذي أعنيه.
ـ لدي شعور عميق بأننا متفقان في الرأي ولكن اختلافنا يدور على الأرجح حول المصطلح وربما التعريف الدقيق لهذا المصطلح، على الأقل صار من الواضح أنك تصرين على استخدام كلمة مؤسسة أو اتحاد بينما أنا تخيفني هذه الكلمة وتلك على السواء. أنا واثق من الوصول إلى المزيد من الوضوح والاتفاق لاحقاً.
ـ وأنا أيضاً متفائلة. لن نحسم هذا النقاش اليوم، بل من الأفضل ألّا نحسمه حتى نعود إليه وإلى المتعة نفسها التي أتاحها لي.
ـ ولي أيضاً.
بشيء من المجاملة والحرص على «العلاقة الناشئة» بالنسبة لروبير وعلى نواة «المؤسسة» المقبلة في نظر سميرة وأفق كل منهما على تعليق النقاش وإبقاء الحوار مفتوحاً كما يعلق القاضي جلسة المحكمة بانتظار المزيد من الأدلة. فقد أحس كلاهما بالحاجة إلى إنضاج رأيه في الموضوع، خاصة وأن الموضوع يطرح لأول مرة وبكثير من الارتجال، وعلى أمل أن يقنع كل منهما الآخر في المرة القادمة.
* * *
تحاشى روبير في بداية علاقتهما أن يدعوها إلى شقته الواقعة على طرف باريس الجنوبي قرب محطة مترو «بورت دورليان» على خط واحد مع محطة «السان ميشال» القريبة من شقة سميرة.
هكذا الفرنسي لا يدعوك إلى بيته قبل أن تدعوه.
ولكن هنا الأمر يختلف. إنه يفكر بدعوتها بل ويحلم بلقاء حميم يجمعه بها لا في مقهى ولا في حديقة. دعاها أول الأمر إلى السينما، ودعته بدورها. شاهدا معاً أكثر من فيلم قبل أن يحين موعد الفيلم الذي لن يشاهده أحد غيرهما ولن يمثل فيه أحد غيرهما. حتى تبادل القبلة على الطريقة الباريسية عند اللقاء وعند الوداع أربع مرات، مرتين على كل خد، كانا يستهيبانه وكأن الذي بينهما أقوى وأعمق من أن يبتذل في قبلة روتينية غالباً ما يطلقها الباريسيون في الهواء أكثر مما على الخد.
وسميرة أيضاً تشتاق إلى ذلك اللقاء ومستعدة لقبول الدعوة. ولكنها تتردد في المبادرة وتخشى أموراً عديدة. علاقتها السابقة مع جميلة قد تعطل عليها صفو اللقاء. ثم احتمالات المستقبل التي لا تدعوها للطمأنينة. وماذا عن مستقبل العلاقة بعد أن تنهي دراستها؟
ـ لعل الطبيعة قد أخطأت في توزيع البشرات على البشر.
ـ أو لعلها بذلك تحميهم من خطر التعرض المباشر لأشعة الشمس الحادة.
ـ ربما. لنعد إلى خرافنا، كما يقول الفرنسيون، إلى موضوعنا. أظن أن هذا الذي تتحدثين عنه ليس بالضرورة حباً، إنما هو زواج، زواج تقليدي بكل معنى الكلمة وإن لم يتم عقده أمام سلطة رسمية، دينية كانت أو مدنية، وغالباً ما يكون الزواج مقبرة الحب وتنتهي العلاقة الإنسانية النبيلة بين شخصين إلى علاقة زوجية شكلية فارغة من أي محتوى إيجابي، لا يتجاوز محتواها المظاهر الخارجية أو المسؤولية المشتركة لطرفي العلاقة تجاه الآخرين من أولاد أو أهل أو أصحاب أو المجتمع الخارجي عموماً.
ـ لم تفهمني! إنما قصدت علاقة إنسانية حميمة بين كائنين شفافين الواحد منهما تجاه الآخر، قد نسميها علاقة زوجية بمعنى كلمة «كوبل» الفرنسية، ولكن بدون أي قيد خارجي من نوع رقابة مؤسسة دينية أو مدنية كما هو الأمر في الزواج الديني والمدني على السواء، أي بدون تدخل طرف ثالث في العلاقة الثنائية، فتبقى العلاقة حرة بعيدة عن أي عقد شكلي يمثل سلطة خارجية، لنقل إنه اتحاد حر.
ـ أفهمك جيداً، هذا الاتحاد الحر الذي تتحدثين عنه، هل لك أن تحدديه بشيء من التفصيل والوضوح؟
ـ حسب تصوري، يجمع هذا الاتحاد بين شخصين كلاهما حر في اختياره للآخر، يدخلان في شراكة حياتية تشمل كل جوانب الحياة، المادية منها، الاقتصادية إذا شئنا، والجنسية طبعاً والنفسية والفكرية، ومفتوحة أيضاً على المستقبل بما يعنيه من مشاريع إنجاب أو تبني أولاد وتربيتهم وغير ذلك...
ـ مهلاً، مهلاً، إنك تقدمين تعريفاً كاملاً لمؤسسة بكل معنى الكلمة ولا أجد تسمية أخرى لهذه المؤسسة غير «العائلة». ومصير هذه المؤسسة كمصير كل المؤسسات أن تتحول عاجلاً أم آجلاً، مهما كانت نوايا مؤسسيها، إلى أداة لخدمة طرف من الأطراف على حساب الأطراف الأخرى، وبالتالي يتعين على هذه الأطراف إما التنازل والخضوع من أجل إنقاذ المؤسسة أو التمرد والصراع من أجل الاستقلال عنها، وهذا يعني هدم المؤسسة. أليس هذا ما نلاحظه في مجتمعاتنا المعاصرة على اختلاف مشاربها، عداك عن العصور الغابرة؟
ـ بل يمكننا أن نبني مؤسسة قائمة على المساواة والاحترام المتبادل بين الأطراف المشاركة وخاصة إذا كان عددهم لا يزيد عن اثنين.
ـ هذا حلم البشرية منذ أن كانت، وما زال يراودها جيلاً بعد جيل، وسوف يحتاج إلى العديد من الأجيال قبل أن يتحقق على هذا المستوى أو ذاك. لا شك أن هناك مجتمعات تقترب من هذا المثال الأعلى أكثر من غيرها ولكنها ما زالت بعيدة جداً والأرجح أن اقترابها من المثال لا يتم إلّا بمقدار اقتراب المثال نفسه من حركة الواقع.
ـ ماذا تقصد بحركة الواقع؟ ألسنا نحن هذا الواقع بعينه؟ أليست حركة الواقع هي حركتنا نحن نحو ما نتطلع إليه، نحو ما نراه مناسباً لنا؟
ـ بالطبع! هذا صحيح! وكل منا يتحرك، على ما أرى، نحو المزيد من استقلالية الفرد. فلا يقبل أحدنا التنازل عن جزء من استقلاليته أو من حريته الشخصية إلّا اضطراراً وحفاظاً على مصلحة شخصية أخرى قد تكون مادية أو غير مادية، أو عن ضعف أو عن خوف.
ـ ليكن عن ضعف أو خوف، فالمؤسسة من شأنها أن تحمي الضعفاء. من منا لا يعرف الضعف ولا الخوف؟ ألسنا جميعاً بحاجة إلى مؤسسة تحمينا؟
ـ أنت على حق، كلنا بحاجة إلى مؤسسة بل إلى مؤسسات تحمينا ولا أحد منا يعيش خارج المؤسسات، إننا بحاجة إلى حد أدنى، إلى أقل ما يمكن من المؤسسات وإلى ما لا يقل عنها من المؤسسات المضادة لتحمينا من تلك، ولسنا بحاجة إلى المزيد من المؤسسات. في خضم هذه المؤسسات لا بد للفرد من قاعدة آمنة، مساحة مهما كانت ضيقة وصغيرة، فسحة يشعر فيها بحريته المطلقة على غرار تلك الفسحة الداخلية التي يتمتع بها كل منا في قوى مخيّلته ومفكرته.
ـ ها نحن نصل إلى بداية اتفاق في الرأي. هذه القاعدة التي نتحدث عنها والتي لا بد منها لكل فرد منا هي عينها المؤسسة أو الوحدة الصغرى القائمة على الاتحاد الحر الذي أعنيه.
ـ لدي شعور عميق بأننا متفقان في الرأي ولكن اختلافنا يدور على الأرجح حول المصطلح وربما التعريف الدقيق لهذا المصطلح، على الأقل صار من الواضح أنك تصرين على استخدام كلمة مؤسسة أو اتحاد بينما أنا تخيفني هذه الكلمة وتلك على السواء. أنا واثق من الوصول إلى المزيد من الوضوح والاتفاق لاحقاً.
ـ وأنا أيضاً متفائلة. لن نحسم هذا النقاش اليوم، بل من الأفضل ألّا نحسمه حتى نعود إليه وإلى المتعة نفسها التي أتاحها لي.
ـ ولي أيضاً.
بشيء من المجاملة والحرص على «العلاقة الناشئة» بالنسبة لروبير وعلى نواة «المؤسسة» المقبلة في نظر سميرة وأفق كل منهما على تعليق النقاش وإبقاء الحوار مفتوحاً كما يعلق القاضي جلسة المحكمة بانتظار المزيد من الأدلة. فقد أحس كلاهما بالحاجة إلى إنضاج رأيه في الموضوع، خاصة وأن الموضوع يطرح لأول مرة وبكثير من الارتجال، وعلى أمل أن يقنع كل منهما الآخر في المرة القادمة.
* * *
تحاشى روبير في بداية علاقتهما أن يدعوها إلى شقته الواقعة على طرف باريس الجنوبي قرب محطة مترو «بورت دورليان» على خط واحد مع محطة «السان ميشال» القريبة من شقة سميرة.
هكذا الفرنسي لا يدعوك إلى بيته قبل أن تدعوه.
ولكن هنا الأمر يختلف. إنه يفكر بدعوتها بل ويحلم بلقاء حميم يجمعه بها لا في مقهى ولا في حديقة. دعاها أول الأمر إلى السينما، ودعته بدورها. شاهدا معاً أكثر من فيلم قبل أن يحين موعد الفيلم الذي لن يشاهده أحد غيرهما ولن يمثل فيه أحد غيرهما. حتى تبادل القبلة على الطريقة الباريسية عند اللقاء وعند الوداع أربع مرات، مرتين على كل خد، كانا يستهيبانه وكأن الذي بينهما أقوى وأعمق من أن يبتذل في قبلة روتينية غالباً ما يطلقها الباريسيون في الهواء أكثر مما على الخد.
وسميرة أيضاً تشتاق إلى ذلك اللقاء ومستعدة لقبول الدعوة. ولكنها تتردد في المبادرة وتخشى أموراً عديدة. علاقتها السابقة مع جميلة قد تعطل عليها صفو اللقاء. ثم احتمالات المستقبل التي لا تدعوها للطمأنينة. وماذا عن مستقبل العلاقة بعد أن تنهي دراستها؟
Page 7
وأحس روبير بهذه الذبذبة في أفكار سميرة أكثر مما في مشاعرها واعتبرها طبيعية ولم يكن ملحاحاً في تلميحاته.
إلى أن جاء يوم تناولا فيه العشاء في مطعم هندي، «ماهارانا بالاس»، غير بعيد عن المكتبة، قرب البورصة، في شارع صغير هادىء، شارع «سان مارك» (القديس مرقص). بعد العشاء انطلقا مشياً على الأقدام عبر الشوارع الصغيرة المؤدية إلى حديقة «القصر الملكي» القريبة من اللو؟ر ومنها إلى الشاتلي والسان ميشال مروراً بالجسر الجديد (بون نوف) وهو أقدم جسور باريس. وتجاذبا أطراف الحديث في عدة مواضيع قبل أن يصلا إلى موضوع جميلة.
لكثرة ما سمع روبير اسم جميلة خلال فترة تقارب الشهرين من معرفته بسميرة، لم يعد يكتم رغبته في معرفة كل شيء عن علاقة هاتين الصديقتين:
ـ أعتقد أنّ صداقتك مع جميلة كانت صداقة حقيقية.
ـ لو كانت حقيقية لما انتهت. لكنها كانت كبيرة فعلاً.
ـ لا أدري، هل بإمكاني أن أعوض خسارتك هذه بصداقتي لك؟
ـ تحدثني نفسي بأنّ صداقتك لي وصداقتي لك، أي صداقتنا، ستتجاوز بكثير تلك التي جمعتني بجميلة.
ـ هذا ما أتمناه أنا أيضاً.
نزولاً عند رغبة روبير هذه لم تمانع سميرة في المصارحة التامة عن علاقتها السابقة بجميلة وكأنها تريد أن ترمي بهذا العبء الذي تحمله على كاهلها من مجرد تذكرها لهذه العلاقة. تريد أن ترمي هذا الحمل في مجرى السين وتستريح. وقد شجعها على البوح بأسرار هذه العلاقة السابقة إحساسها بتوطد علاقتها الراهنة بروبير وثقتها بجدارته وأمانته على أسرارها.
على طول الطريق المؤدي إلى بول؟ار السان ميشال والوقفات الطويلة أحياناً، وخاصة على «الجسر الجديد» وجسر «السان ميشال» الواصلين بين جزيرة «السيتي» والضفتين اليمنى واليسرى للسين، استرسلت سميرة في الحديث عن صداقتها مع جميلة وروبير يصغي إليها باهتمام. وعندما وصلا إلى الرقم 37 حيث شقة سميرة كان الحديث قد بدأ يمس الجانب الحميم من العلاقة وبدا على وجه سميرة الانفعال والحماس. تابعت حديثها وهي تدخل باب المبنى وتوعز إلى روبير بالدخول دون سؤال أو اقتراح حتى خيّل إليه وكأنه جميلة أو كأن سميرة ترى فيه جميلة فلم يبد أي اعتراض. صعدا الدرج حتى الطابق الثاني.
ـ سنتناول كأساً من الشاي، ما رأيك؟ (وهي تفتح باب شقتها).
ـ بكل سرور!
ـ تفضل، أدخل.
ـ لا، بعدك.
دخلت سميرة ودخل وراءها روبير. لأول مرة يدخل إلى شقة سميرة. انتابه شعور غريب بالغبطة يخالطه بعض الحذر إذ تذكر علاقته السابقة التي عانى منها قبل أن يتمكن من الخلاص. لم تنتبه سميرة إلى أنّ روبير موجود في شقتها للمرة الأولى وظلت مستغرقة في حديثها عن جميلة، وهي تملأ الابريق المخصص للشاي ماءً وتضعه على النار، حتى بادرها مبدياً إعجابه:
ـ يا للأناقة والترتيب! لن أجرؤ على دعوتك إلى شقتي أبداً.
ـ المعذرة، لم أرتب شيئاً، إذ لم أتوقع أن نأتي إلى هنا معاً. على كل حال لا يوجد الكثير من الأثاث للترتيب، فهذه الغرفة كما ترى بمثابة صالون ومكتب وغرفة جلوس، فيها هذا المقعد الذي يتسع لشخصين أو لثلاثة عند الضرورة النادرة والطاولة بما عليها من كتب وأوراق وحولها أربعة كراس وهذه خزانة الكتب. لا يبقى مجال للحركة كما ترى.
ـ أرى، أرى، هذه مشكلة الشقق الباريسية إجمالاً. بل إنها فسيحة غرفتك هذه، ولا شك أن المقعد يتحول إلى سرير للنوم في الليل.
ـ من حسن الحظ أنّ هناك غرفة أخرى للنوم ولكن لا تزيد مساحتها عن مساحة هذه. تعال وألق نظرة عليها.
دفعت سميرة باب غرفة النوم التي تتسع بالكاد لسريرين وخزانة للثياب. المسافة بين السريرين لا تزيد عن نصف متر.
ـ أنت تعيشين في قصر! لا شك أنك أميرة من أميرات النفط.
ـ لست أميرة ولكنني لا أشكو العوز و «الحمد لله» كما نقول بالعربية. لم أخبرك أنّ والدي اشترى لي هذه الشقة لأسكن فيها وشقة أخرى مماثلة أؤجرها وأستفيد من إيجارها بمثابة منحتي الدراسية. وهذا سريرك، عفواً! إنما أقصد سرير جميلة.
«يا لها من زلة لسان» علا وجنتيها الاحمرار ولم تدر كيف تمحي هذه الزلقة. ولكن روبير قابل الموقف بالمزاح والضحك:
ـ أرجوك، أنا لست جميلة.
«زلة لسان، ولكنها تفصح ما في الوعي أو في اللاوعي».
ـ صحيح أنك لست جميلة، ولكنك «جميلة»، أنت «جميلي».
لم يفهم روبير لعب سميرة بالكلمات العربية فشرحت له وضحكت. ضحك لها بدوره وأحس بشيء من الخجل وسارع يرد لها المجاملة محاولاً الاستفادة من درسه الأول في اللغة العربية:
ـ وأنت جميلة، جميلتي. ولكن لا أريدك أن تكوني جميلتي مثلما كانت جميلتك السابقة لك. أعني ما أعني.
ـ فهمتك. اطمئن، أنا لست جميلة، أنا سميرة، سميرتك.
وشرحت له معنى السمر والسمير بالعربية فأعجبه ذلك وعلق قائلاً:
ـ لغتكم العربية جميلة. الأسماء فيها شاعرية. حتى الكلمات العادية عندما نسمعها دون أن نفهمها لها موسيقى عذبة. وخاصة من فمك يا سميرتي، يا شهرزادي. فهاتي من حديثك المباح وزيدي فيه حتى الصباح.
ضحكا ملء جوارحهما ومدت يدها نحو يده دليل موافقة ورضى في حركة لا يفهمها الأوروبيون حقاً، أما روبير فصار يفهمها على الرغم من أنه لا يقوم بها بعفويته. ولكنه هذه المرة فهمها بأكثر من معناها العادي. لم ينتظر ليتأكد من صحة ما فهم بل أخذ على عاتقه مسؤولية فهمه واحتفظ بيد سميرة بين كلتا يديه يتحسس بشرتها الناعمة الملمس، الدافئة، الحنطاوية. وأحس في بشرتها شيئاً آخر غير الدفء والنعومة، شيئاً آخر لم يستطع أن يحدده كما لم يستطع مقاومته. كأنه وقع في حقل جاذبية لم يعرفها من قبل، جاذبية تشده من يديه وتأخذ بكليته برفق إلى هاوية سحيقة.
هذه البشرة، تنضح رقة وجمالاً. تبث نداءات. يسمعها بكل حواسه.
لم تسحب سميرة يدها وتركتها بين يديه وأخذتها رعشة أشبه بالقشعريرة. انتابها شعور بالخوف، من نفسها أكثر مما من روبير. بالخوف من المجهول ورغبة لذيذة في اكتشاف هذا العالم المجهول وهي لأول مرة تسلم يدها هكذا لرجل. ها هو يطلب يدها وتسلمه إياها بكل رضى. لمعت في ذهنها صور الفرح الذي كان يغمرها وهي طفلة تشاهد الأعراس في القرية، البعيدة عنها الآن، الواقعة على كتف واد سحيق، ما بين جبل «العزّ» الذي يناطح السحاب ونهر «الصلاة» الذي يكاد يجري تحت مستوى سطح البحر. التقت عيناها بعينيه. تاهت في عمق زرقتهما السماوية، وسمعت صوت أم كلثوم، قادماً إلى مسمعها من إحدى ليالي صيف العروبة النابض الصاخب، يردد:
«هات عينيك تسرح في دنيتهم عينيّ، هات أيديك ترتاح للمستهم أيديّ...».
إلى أن جاء يوم تناولا فيه العشاء في مطعم هندي، «ماهارانا بالاس»، غير بعيد عن المكتبة، قرب البورصة، في شارع صغير هادىء، شارع «سان مارك» (القديس مرقص). بعد العشاء انطلقا مشياً على الأقدام عبر الشوارع الصغيرة المؤدية إلى حديقة «القصر الملكي» القريبة من اللو؟ر ومنها إلى الشاتلي والسان ميشال مروراً بالجسر الجديد (بون نوف) وهو أقدم جسور باريس. وتجاذبا أطراف الحديث في عدة مواضيع قبل أن يصلا إلى موضوع جميلة.
لكثرة ما سمع روبير اسم جميلة خلال فترة تقارب الشهرين من معرفته بسميرة، لم يعد يكتم رغبته في معرفة كل شيء عن علاقة هاتين الصديقتين:
ـ أعتقد أنّ صداقتك مع جميلة كانت صداقة حقيقية.
ـ لو كانت حقيقية لما انتهت. لكنها كانت كبيرة فعلاً.
ـ لا أدري، هل بإمكاني أن أعوض خسارتك هذه بصداقتي لك؟
ـ تحدثني نفسي بأنّ صداقتك لي وصداقتي لك، أي صداقتنا، ستتجاوز بكثير تلك التي جمعتني بجميلة.
ـ هذا ما أتمناه أنا أيضاً.
نزولاً عند رغبة روبير هذه لم تمانع سميرة في المصارحة التامة عن علاقتها السابقة بجميلة وكأنها تريد أن ترمي بهذا العبء الذي تحمله على كاهلها من مجرد تذكرها لهذه العلاقة. تريد أن ترمي هذا الحمل في مجرى السين وتستريح. وقد شجعها على البوح بأسرار هذه العلاقة السابقة إحساسها بتوطد علاقتها الراهنة بروبير وثقتها بجدارته وأمانته على أسرارها.
على طول الطريق المؤدي إلى بول؟ار السان ميشال والوقفات الطويلة أحياناً، وخاصة على «الجسر الجديد» وجسر «السان ميشال» الواصلين بين جزيرة «السيتي» والضفتين اليمنى واليسرى للسين، استرسلت سميرة في الحديث عن صداقتها مع جميلة وروبير يصغي إليها باهتمام. وعندما وصلا إلى الرقم 37 حيث شقة سميرة كان الحديث قد بدأ يمس الجانب الحميم من العلاقة وبدا على وجه سميرة الانفعال والحماس. تابعت حديثها وهي تدخل باب المبنى وتوعز إلى روبير بالدخول دون سؤال أو اقتراح حتى خيّل إليه وكأنه جميلة أو كأن سميرة ترى فيه جميلة فلم يبد أي اعتراض. صعدا الدرج حتى الطابق الثاني.
ـ سنتناول كأساً من الشاي، ما رأيك؟ (وهي تفتح باب شقتها).
ـ بكل سرور!
ـ تفضل، أدخل.
ـ لا، بعدك.
دخلت سميرة ودخل وراءها روبير. لأول مرة يدخل إلى شقة سميرة. انتابه شعور غريب بالغبطة يخالطه بعض الحذر إذ تذكر علاقته السابقة التي عانى منها قبل أن يتمكن من الخلاص. لم تنتبه سميرة إلى أنّ روبير موجود في شقتها للمرة الأولى وظلت مستغرقة في حديثها عن جميلة، وهي تملأ الابريق المخصص للشاي ماءً وتضعه على النار، حتى بادرها مبدياً إعجابه:
ـ يا للأناقة والترتيب! لن أجرؤ على دعوتك إلى شقتي أبداً.
ـ المعذرة، لم أرتب شيئاً، إذ لم أتوقع أن نأتي إلى هنا معاً. على كل حال لا يوجد الكثير من الأثاث للترتيب، فهذه الغرفة كما ترى بمثابة صالون ومكتب وغرفة جلوس، فيها هذا المقعد الذي يتسع لشخصين أو لثلاثة عند الضرورة النادرة والطاولة بما عليها من كتب وأوراق وحولها أربعة كراس وهذه خزانة الكتب. لا يبقى مجال للحركة كما ترى.
ـ أرى، أرى، هذه مشكلة الشقق الباريسية إجمالاً. بل إنها فسيحة غرفتك هذه، ولا شك أن المقعد يتحول إلى سرير للنوم في الليل.
ـ من حسن الحظ أنّ هناك غرفة أخرى للنوم ولكن لا تزيد مساحتها عن مساحة هذه. تعال وألق نظرة عليها.
دفعت سميرة باب غرفة النوم التي تتسع بالكاد لسريرين وخزانة للثياب. المسافة بين السريرين لا تزيد عن نصف متر.
ـ أنت تعيشين في قصر! لا شك أنك أميرة من أميرات النفط.
ـ لست أميرة ولكنني لا أشكو العوز و «الحمد لله» كما نقول بالعربية. لم أخبرك أنّ والدي اشترى لي هذه الشقة لأسكن فيها وشقة أخرى مماثلة أؤجرها وأستفيد من إيجارها بمثابة منحتي الدراسية. وهذا سريرك، عفواً! إنما أقصد سرير جميلة.
«يا لها من زلة لسان» علا وجنتيها الاحمرار ولم تدر كيف تمحي هذه الزلقة. ولكن روبير قابل الموقف بالمزاح والضحك:
ـ أرجوك، أنا لست جميلة.
«زلة لسان، ولكنها تفصح ما في الوعي أو في اللاوعي».
ـ صحيح أنك لست جميلة، ولكنك «جميلة»، أنت «جميلي».
لم يفهم روبير لعب سميرة بالكلمات العربية فشرحت له وضحكت. ضحك لها بدوره وأحس بشيء من الخجل وسارع يرد لها المجاملة محاولاً الاستفادة من درسه الأول في اللغة العربية:
ـ وأنت جميلة، جميلتي. ولكن لا أريدك أن تكوني جميلتي مثلما كانت جميلتك السابقة لك. أعني ما أعني.
ـ فهمتك. اطمئن، أنا لست جميلة، أنا سميرة، سميرتك.
وشرحت له معنى السمر والسمير بالعربية فأعجبه ذلك وعلق قائلاً:
ـ لغتكم العربية جميلة. الأسماء فيها شاعرية. حتى الكلمات العادية عندما نسمعها دون أن نفهمها لها موسيقى عذبة. وخاصة من فمك يا سميرتي، يا شهرزادي. فهاتي من حديثك المباح وزيدي فيه حتى الصباح.
ضحكا ملء جوارحهما ومدت يدها نحو يده دليل موافقة ورضى في حركة لا يفهمها الأوروبيون حقاً، أما روبير فصار يفهمها على الرغم من أنه لا يقوم بها بعفويته. ولكنه هذه المرة فهمها بأكثر من معناها العادي. لم ينتظر ليتأكد من صحة ما فهم بل أخذ على عاتقه مسؤولية فهمه واحتفظ بيد سميرة بين كلتا يديه يتحسس بشرتها الناعمة الملمس، الدافئة، الحنطاوية. وأحس في بشرتها شيئاً آخر غير الدفء والنعومة، شيئاً آخر لم يستطع أن يحدده كما لم يستطع مقاومته. كأنه وقع في حقل جاذبية لم يعرفها من قبل، جاذبية تشده من يديه وتأخذ بكليته برفق إلى هاوية سحيقة.
هذه البشرة، تنضح رقة وجمالاً. تبث نداءات. يسمعها بكل حواسه.
لم تسحب سميرة يدها وتركتها بين يديه وأخذتها رعشة أشبه بالقشعريرة. انتابها شعور بالخوف، من نفسها أكثر مما من روبير. بالخوف من المجهول ورغبة لذيذة في اكتشاف هذا العالم المجهول وهي لأول مرة تسلم يدها هكذا لرجل. ها هو يطلب يدها وتسلمه إياها بكل رضى. لمعت في ذهنها صور الفرح الذي كان يغمرها وهي طفلة تشاهد الأعراس في القرية، البعيدة عنها الآن، الواقعة على كتف واد سحيق، ما بين جبل «العزّ» الذي يناطح السحاب ونهر «الصلاة» الذي يكاد يجري تحت مستوى سطح البحر. التقت عيناها بعينيه. تاهت في عمق زرقتهما السماوية، وسمعت صوت أم كلثوم، قادماً إلى مسمعها من إحدى ليالي صيف العروبة النابض الصاخب، يردد:
«هات عينيك تسرح في دنيتهم عينيّ، هات أيديك ترتاح للمستهم أيديّ...».
Page 8
أُخذ روبير بروعة سواد عينيها اللوزيتين.
وسرى تيار من كهرباء غير فيزيائية ولا بيوفيزيائية عبر الدائرة المكتملة ما بين اليدين والعينين وحقلي نظرهما. تسارعت دورتهما الدموية في حركة واحدة. وأحسا بخطورة الموقف، بقداسته. خيّم عليهما صمت كوني شمولي وانعقد لسان كل منهما عن الكلام وتعطل جسداهما عن الحراك. لم يعكر صفو هذا السكون إلّا رائحة حريق خفيفة تسربت إلى أنفيهما فانتفضت سميرة: «الشاي، الشاي، احترق الأبريق!»، ونهضت مسرعة إلى المطبخ لتطفىء نار الغاز ولحق بها روبير:
ـ لن نشرب هذا الشاي اليوم فقد سكرنا من مشروب آخر.
ـ لم يحترق كلياً، بإمكاننا أن نجرب ثانية.
ـ حسناً، إذا شئت.
ـ كنا بصدد الحديث عن جميلة. لم ينته المسلسل بعد!
ـ بل وصلنا إلى موضع مشوق جداً. قلت إنّ صداقتكما دخلت طور العلاقة الحميمة يوم كنتما مراهقتين. ماذا تقصدين بالعلاقة الحميمة؟
ـ بدأ ذلك مع بداية تفتح جسدينا. تسبقني جميلة ببضعة أشهر كانت كافية لتجعل منها السبّاقة في هذا المضمار. كنا، كلما سنحت لنا الفرصة، في غرفتي أو في غرفتها، نقف أمام المرآة ونتعرّى.
نقارن بين جسمينا. جميلة أطول مني بقليل وممتلئة أكثر مني بعض الشيء. أعترف لها أنها أجمل مني، وهي تؤكد لي العكس. كنا في حالة إعجاب الواحدة منا بالأخرى.
نتبادل الملامسة والملاعبة.
كانت فترة رائعة لذيذة.
ثم جاءت فترة توقفنا فيها عن هذه الممارسات وانصرفنا إلى الدراسة. لم أعرف أية مغامرة أخرى هناك غير هذا التقارب مع جميلة. أما هي فأخبرتني عن بعض مغامراتها مع الفتيان. مغامرات لم تتجاوز اختلاس قبلة أو لمسة أو ضمة، حسب قولها.
عندما أقمنا في باريس معاً، هنا في هذه الشقة، عدنا إلى لعبنا المفضل، إلى الوقوف أمام المرآة. وصرنا نتمادى أكثر في اللعب. جميلة شجاعة، أكثر مني. كنت أستسلم لمبادرتها في ابتكار ألوان جديدة من اللعب اللذيذ. قالت لي مرة: «ينقصنا شيء واحد لتكتمل اللعبة». وجاءت ذات يوم تبشرني: «اليوم اكتملت اللعبة». ومارسنا لوناً جديداً من اللعب. كان لذيذاً، ولكن...
سكتت سميرة وتورّد وجهها بفعل الذكريات ولاحظت علامات الإثارة لدى روبير فراحت تعتذر مؤكدة أنها لم تقصد ذلك.
ـ قصدت أو لم تقصدي. أنت مثيرة. فلا مجال للاعتذار عن كونك على ما أنت عليه. إنني أنتظر هذا اليوم بفارغ صبر منذ اليوم الأول الذي لمحتك فيه قبالتي على المقعد رقم 283. سواد عينيك.
«ليت الذي خلق العيون السودَ
خلق القلوب الخافقات حديدا»
تذكرت سميرة هذا البيت الذي لم تقرأه في كتاب ولكن لكثرة ما قيل على مسمعها وصوبها حفظته عن ظهر قلب. وهمسته في أذن روبير الذي لم يفقه منه شيئاً، ولكنه طرب لموسيقاه ومن دغدغة أنفاسها الحارة لأذنه وهزته رعشة لذيذة حاول عبثاً أن يكبتها ليستمع إلى الترجمة.
ـ سواد عينيك. بشرتك. كل شيء فيك مدعاة للإثارة، مدخل إلى حلم جميل، إلى عالم «ألف ليلة وليلة».
أخذ بيدها ونهض وإياها إلى المطبخ. أطفأ الغاز. توجها إلى الغرفة. ووقفا أمام المرآة.
* * *
وصل بهما المطاف هذه المرة، بعد أن خرجا من المكتبة ومرا بحديقة «القصر الملكي»، باللو؟ر والتويلري، إلى ساحة الكونكورد.
ـ التاريخ الفرنسي كله مكثف في هذه الساحة.
ـ تقصد ساحة الكونكورد؟
ـ نعم، هذه الساحة كانت تحمل اسم ساحة الثورة وقبل الثورة ساحة الملك لويس الخامس عشر. من الملكية إلى الثورة إلى المصالحة والوفاق (هذا معنى الكونكورد).
ـ ألا تذكر من هو الفنان صاحب اللوحة التي تحمل اسم «ساحة الكونكورد» وتمثل الساحة مزدحمة بالدجاج الأبيض، لوحة جميلة؟
ـ أذكر أنني رأيت لوحة من هذا القبيل ولكن لا أذكر اسم الفنان. وأذكر أن الدجاج ديوك وليس دجاجات. إنها معبرة جداً، فالديك في اصطلاح الفرنسيين يمثل الفرنسي نفسه، بينما الدجاج عموماً يرمز إلى الخضوع والطاعة. هكذا يرى صاحبنا الفنان الكونكورد بعد الثورة.
ـ لا شك في أنه شيوعي، من المدرسة «الواقعية»، على رمزية، على ثورية!
ـ على الأرجح. (رادّاً الابتسامة بضحكة).
تمشيا من الكونكورد صعوداً باتجاه «قوس النصر» على أعرض رصيف في باريس وربما في العالم. يقول الفرنسيون إن الشانزيليزيه أجمل جادة في العالم، لجهة الكونكورد تغطي الرصيفين أشجار كثيفة ظليلة من الكستناء البرية والمكان مقصود للنزهات. ولكن الاكتظاظ بالمتمشين يبدأ بعد مستديرة الأليزيه حتى قوس النصر، حيث ينبض العصب التجاري الأكبر في باريس على جانبي الجادة. الجانب الأيمن أكثر ازدحاماً بالمشاة لأنه أغنى بالواجهات والغاليريات، بينما الجانب الأيسر تشغله مكاتب شركات طيران ومصارف. أما مقاهي الأرصفة فمنتشرة على الجانبين.
كان الطقس جميلاً في هذه الأمسية من أمسيات الصيف لا تفسدها الأمطار الغزيرة كما يحصل أحياناً.
عندما تمطر في الصيف في هذا البلد تمطر حبالاً، على حد تعبير الفرنسيين، أو «قططاً وكلاباً» كما يقول الإنكليز، كيف نقول بالعربية؟ مطر غزير، مدرار؟ طوفان؟، الروس يقولون «تدلق من دلو».
وسرى تيار من كهرباء غير فيزيائية ولا بيوفيزيائية عبر الدائرة المكتملة ما بين اليدين والعينين وحقلي نظرهما. تسارعت دورتهما الدموية في حركة واحدة. وأحسا بخطورة الموقف، بقداسته. خيّم عليهما صمت كوني شمولي وانعقد لسان كل منهما عن الكلام وتعطل جسداهما عن الحراك. لم يعكر صفو هذا السكون إلّا رائحة حريق خفيفة تسربت إلى أنفيهما فانتفضت سميرة: «الشاي، الشاي، احترق الأبريق!»، ونهضت مسرعة إلى المطبخ لتطفىء نار الغاز ولحق بها روبير:
ـ لن نشرب هذا الشاي اليوم فقد سكرنا من مشروب آخر.
ـ لم يحترق كلياً، بإمكاننا أن نجرب ثانية.
ـ حسناً، إذا شئت.
ـ كنا بصدد الحديث عن جميلة. لم ينته المسلسل بعد!
ـ بل وصلنا إلى موضع مشوق جداً. قلت إنّ صداقتكما دخلت طور العلاقة الحميمة يوم كنتما مراهقتين. ماذا تقصدين بالعلاقة الحميمة؟
ـ بدأ ذلك مع بداية تفتح جسدينا. تسبقني جميلة ببضعة أشهر كانت كافية لتجعل منها السبّاقة في هذا المضمار. كنا، كلما سنحت لنا الفرصة، في غرفتي أو في غرفتها، نقف أمام المرآة ونتعرّى.
نقارن بين جسمينا. جميلة أطول مني بقليل وممتلئة أكثر مني بعض الشيء. أعترف لها أنها أجمل مني، وهي تؤكد لي العكس. كنا في حالة إعجاب الواحدة منا بالأخرى.
نتبادل الملامسة والملاعبة.
كانت فترة رائعة لذيذة.
ثم جاءت فترة توقفنا فيها عن هذه الممارسات وانصرفنا إلى الدراسة. لم أعرف أية مغامرة أخرى هناك غير هذا التقارب مع جميلة. أما هي فأخبرتني عن بعض مغامراتها مع الفتيان. مغامرات لم تتجاوز اختلاس قبلة أو لمسة أو ضمة، حسب قولها.
عندما أقمنا في باريس معاً، هنا في هذه الشقة، عدنا إلى لعبنا المفضل، إلى الوقوف أمام المرآة. وصرنا نتمادى أكثر في اللعب. جميلة شجاعة، أكثر مني. كنت أستسلم لمبادرتها في ابتكار ألوان جديدة من اللعب اللذيذ. قالت لي مرة: «ينقصنا شيء واحد لتكتمل اللعبة». وجاءت ذات يوم تبشرني: «اليوم اكتملت اللعبة». ومارسنا لوناً جديداً من اللعب. كان لذيذاً، ولكن...
سكتت سميرة وتورّد وجهها بفعل الذكريات ولاحظت علامات الإثارة لدى روبير فراحت تعتذر مؤكدة أنها لم تقصد ذلك.
ـ قصدت أو لم تقصدي. أنت مثيرة. فلا مجال للاعتذار عن كونك على ما أنت عليه. إنني أنتظر هذا اليوم بفارغ صبر منذ اليوم الأول الذي لمحتك فيه قبالتي على المقعد رقم 283. سواد عينيك.
«ليت الذي خلق العيون السودَ
خلق القلوب الخافقات حديدا»
تذكرت سميرة هذا البيت الذي لم تقرأه في كتاب ولكن لكثرة ما قيل على مسمعها وصوبها حفظته عن ظهر قلب. وهمسته في أذن روبير الذي لم يفقه منه شيئاً، ولكنه طرب لموسيقاه ومن دغدغة أنفاسها الحارة لأذنه وهزته رعشة لذيذة حاول عبثاً أن يكبتها ليستمع إلى الترجمة.
ـ سواد عينيك. بشرتك. كل شيء فيك مدعاة للإثارة، مدخل إلى حلم جميل، إلى عالم «ألف ليلة وليلة».
أخذ بيدها ونهض وإياها إلى المطبخ. أطفأ الغاز. توجها إلى الغرفة. ووقفا أمام المرآة.
* * *
وصل بهما المطاف هذه المرة، بعد أن خرجا من المكتبة ومرا بحديقة «القصر الملكي»، باللو؟ر والتويلري، إلى ساحة الكونكورد.
ـ التاريخ الفرنسي كله مكثف في هذه الساحة.
ـ تقصد ساحة الكونكورد؟
ـ نعم، هذه الساحة كانت تحمل اسم ساحة الثورة وقبل الثورة ساحة الملك لويس الخامس عشر. من الملكية إلى الثورة إلى المصالحة والوفاق (هذا معنى الكونكورد).
ـ ألا تذكر من هو الفنان صاحب اللوحة التي تحمل اسم «ساحة الكونكورد» وتمثل الساحة مزدحمة بالدجاج الأبيض، لوحة جميلة؟
ـ أذكر أنني رأيت لوحة من هذا القبيل ولكن لا أذكر اسم الفنان. وأذكر أن الدجاج ديوك وليس دجاجات. إنها معبرة جداً، فالديك في اصطلاح الفرنسيين يمثل الفرنسي نفسه، بينما الدجاج عموماً يرمز إلى الخضوع والطاعة. هكذا يرى صاحبنا الفنان الكونكورد بعد الثورة.
ـ لا شك في أنه شيوعي، من المدرسة «الواقعية»، على رمزية، على ثورية!
ـ على الأرجح. (رادّاً الابتسامة بضحكة).
تمشيا من الكونكورد صعوداً باتجاه «قوس النصر» على أعرض رصيف في باريس وربما في العالم. يقول الفرنسيون إن الشانزيليزيه أجمل جادة في العالم، لجهة الكونكورد تغطي الرصيفين أشجار كثيفة ظليلة من الكستناء البرية والمكان مقصود للنزهات. ولكن الاكتظاظ بالمتمشين يبدأ بعد مستديرة الأليزيه حتى قوس النصر، حيث ينبض العصب التجاري الأكبر في باريس على جانبي الجادة. الجانب الأيمن أكثر ازدحاماً بالمشاة لأنه أغنى بالواجهات والغاليريات، بينما الجانب الأيسر تشغله مكاتب شركات طيران ومصارف. أما مقاهي الأرصفة فمنتشرة على الجانبين.
كان الطقس جميلاً في هذه الأمسية من أمسيات الصيف لا تفسدها الأمطار الغزيرة كما يحصل أحياناً.
عندما تمطر في الصيف في هذا البلد تمطر حبالاً، على حد تعبير الفرنسيين، أو «قططاً وكلاباً» كما يقول الإنكليز، كيف نقول بالعربية؟ مطر غزير، مدرار؟ طوفان؟، الروس يقولون «تدلق من دلو».
Page 9
في مثل هذه الأمسيات يظن المشاهد أنه في مهرجان عالمي كبير، برج بابل، يسمع من كل اللهجات واللغات. اللغة العربية بلهجاتها المختلفة لها حضور قوي إن لم يكن الأقوى. والأزياء كذلك.
توقفا أمام محل «فيرجين ميغا ستور» المتخصص في بيع كل ما له علاقة بالموسيقى، أشرطة، أسطوانات، أجهزة تسجيل. يعج بالزوار، وخاصة الناشئة المراهقين والمراهقات.
ـ أخيراً ربح فيرجين معركته ضد السلطات وصار يفتح أبوابه يوم الأحد وطيلة أيام الأسبوع حتى ساعة متأخرة في الليل.
ـ أي معركة؟
ـ عندنا قانون يمنع المحلات التجارية، ما عدا بعض الاستثناءات، من العمل يوم الأحد. ولا شك أن هذا القانون في حينه كان انتصاراً للحركة العمالية وضمانة للعطلة الأسبوعية الإلزامية.
ـ لهذا السبب تقفل المكتبة الوطنية أبوابها يوم الأحد؟
ـ تماماً. ولكن فيرجين فتح يوم الأحد وتحدى القانون بحجة أنه يبيع منتجات ثقافية على غرار المتاحف مثلاً، والعطلة الأسبوعية للعاملين طيلة الأسبوع هي الفرصة الوحيدة للاهتمام بالثقافة. وقامت القيامة ضده.
المفارقة في هذه المعركة أن خصوم العمل يوم الأحد ليسوا فقط من أتباع العقلية القديمة ذات الصلة بالموقف الديني الكنسي، بل ومن النقابات التي تعتبر نفسها تقدمية ويسارية.
في هذا العصر، عصر ملايين العاطلين عن العمل، تعترض النقابات على العمل يوم الأحد علماً بأن العطلة الأسبوعية مضمونة للعمال بموجب قانون العمل الذي يثبت الحد الأقصى لساعات العمل في الأسبوع عند أربعين، أو خمس وثلاثين ساعة حسب القانون الجديد، ويضمن بذلك يومي عطلة إسبوعياً لكل عامل. هناك الآلاف من العاطلين عن العمل أو من الطلاب الذين يتمنون العمل ليوم واحد أو يومين في الأسبوع ويفضلون أن يكون ذلك يومي السبت والأحد. عداك عن أن كثيرين من مستهلكي الثقافة لا يجدون غير يوم الأحد لتعاطي الثقافة.
ـ أنا أتمنى أن تكون المكتبة الوطنية والمكتبات البلدية مفتوحة يوم الأحد والأعياد الرسمية.
ـ البلدان الأخرى تجازوت هذه التضييقات. ولكن هذا النسق الفرنسي القديم الثقيل الوطأة يلقي بوزنه أمام عجلات التطور والتجديد. في كل مرة لا بد من ثورة وثورة مضادة وخسائر وضحايا.
تابعا المسير، وتفادياً للازدحام الشديد على الجهة اليمنى انتقلا إلى الجهة الأخرى من الجادة حيث يوجد مقهى الفوكيتس.
ـ هذه قضية أخرى، قضية الفوكيتس. كان على وشك أن يشتريه ثري عربي فوقعت ضجة واحتجاجات وتدخلت وزارة الثقافة لتمنع عملية البيع، وتصنّف المقهى ضمن التراث الثقافي الوطني لارتباطه بأسماء مشاهير فرنسيين في عالم الثقافة كانوا يرتادونه أو ما زالوا.
لم تعلق سميرة على هذه القضية. فهي لا تدري إذا ما كان موقف السلطات الفرنسية سليماً أو خاطئاً. ولكن بالنسبة لمن؟ ومن أية زاوية؟ اقتصادية؟ ثقافية؟
ـ لا أدري. هذه مسألة لا تهمني إطلاقاً. لنبحث عن مكان متواضع نسبياً نأكل فيه وجبة خفيفة.
ـ ما رأيك بالماكدونالد؟
ـ الماكدونالد، ولم لا؟
ـ الماكدونالد أيضاً. تثور ثائرة الكثير من الفرنسيين ضد هذا النمط من «الثقافة الغذائية» على الطريقة الأميركية. ولكنه يؤدي خدمة لملايين من المستهلكين في الوقت الذي تكون فيه المطاعم الأخرى مقفلة أبوابها ما بين الثالثة بعد الظهر والثامنة مساء أو بعد العاشرة ليلاً. وعلى الرغم من تزايد عدد هذه المطاعم، أشباه الماكدونالد، برغر كينغ، كويك وغيرها، فهي مكتظة بالزبائن في أي ساعة من أوقات النهار والليل. وخلافاً لمحلات السندويش الأخرى وجبات الماكدونالد متنوعة، سمك، دجاج، لحم بقر، بطاطا، عصير برتقال، كوكا، حلويات عدة.
ـ نمشي إلى الماكدونالد، أنا أحب البطاطا المقلية، ولكن قل لي قبل أن نمشي كم يدفعون لك من العمولة؟
أعجبه تعليقها وضحكا طويلاً قبل أن يضيف.
ـ ما زال ينقصنا الكثير من المرونة في التعاطي مع العصر، السرعة، التنويع، توظيف الطاقات المتاحة... كم من باحث فرنسي لم يجد عملاً هنا غادر إلى الولايات المتحدة حيث يعمل بنجاح. لم نسمع أن باحثاً أميركياً واحداً غادر الولايات المتحدة ليعمل في فرنسا.
ـ أنتم أيضاً تعانون من هجرة الأدمغة؟
ـ هجرة أدمغة، بطالة أدمغة، فساد أدمغة، تكلس أدمغة، كل مشاكل الأدمغة.
ـ ومع ذلك أنا أفضل العيش في فرنسا على أميركا. لم تعجبني الحياة في الولايات المتحدة. أظن أن الحياة الثقافية هنا أغنى. ربما أميركا لرجال الأعمال، للبزنس.
ـ هذا رأيي أيضاً. ولكن الثقافة تخضع بدورها لضرورات العصر ولا بد لها من التكيف مع هذه الضرورات.
ـ العولمة، العولمة يا صاح!
* * *
توقفا أمام محل «فيرجين ميغا ستور» المتخصص في بيع كل ما له علاقة بالموسيقى، أشرطة، أسطوانات، أجهزة تسجيل. يعج بالزوار، وخاصة الناشئة المراهقين والمراهقات.
ـ أخيراً ربح فيرجين معركته ضد السلطات وصار يفتح أبوابه يوم الأحد وطيلة أيام الأسبوع حتى ساعة متأخرة في الليل.
ـ أي معركة؟
ـ عندنا قانون يمنع المحلات التجارية، ما عدا بعض الاستثناءات، من العمل يوم الأحد. ولا شك أن هذا القانون في حينه كان انتصاراً للحركة العمالية وضمانة للعطلة الأسبوعية الإلزامية.
ـ لهذا السبب تقفل المكتبة الوطنية أبوابها يوم الأحد؟
ـ تماماً. ولكن فيرجين فتح يوم الأحد وتحدى القانون بحجة أنه يبيع منتجات ثقافية على غرار المتاحف مثلاً، والعطلة الأسبوعية للعاملين طيلة الأسبوع هي الفرصة الوحيدة للاهتمام بالثقافة. وقامت القيامة ضده.
المفارقة في هذه المعركة أن خصوم العمل يوم الأحد ليسوا فقط من أتباع العقلية القديمة ذات الصلة بالموقف الديني الكنسي، بل ومن النقابات التي تعتبر نفسها تقدمية ويسارية.
في هذا العصر، عصر ملايين العاطلين عن العمل، تعترض النقابات على العمل يوم الأحد علماً بأن العطلة الأسبوعية مضمونة للعمال بموجب قانون العمل الذي يثبت الحد الأقصى لساعات العمل في الأسبوع عند أربعين، أو خمس وثلاثين ساعة حسب القانون الجديد، ويضمن بذلك يومي عطلة إسبوعياً لكل عامل. هناك الآلاف من العاطلين عن العمل أو من الطلاب الذين يتمنون العمل ليوم واحد أو يومين في الأسبوع ويفضلون أن يكون ذلك يومي السبت والأحد. عداك عن أن كثيرين من مستهلكي الثقافة لا يجدون غير يوم الأحد لتعاطي الثقافة.
ـ أنا أتمنى أن تكون المكتبة الوطنية والمكتبات البلدية مفتوحة يوم الأحد والأعياد الرسمية.
ـ البلدان الأخرى تجازوت هذه التضييقات. ولكن هذا النسق الفرنسي القديم الثقيل الوطأة يلقي بوزنه أمام عجلات التطور والتجديد. في كل مرة لا بد من ثورة وثورة مضادة وخسائر وضحايا.
تابعا المسير، وتفادياً للازدحام الشديد على الجهة اليمنى انتقلا إلى الجهة الأخرى من الجادة حيث يوجد مقهى الفوكيتس.
ـ هذه قضية أخرى، قضية الفوكيتس. كان على وشك أن يشتريه ثري عربي فوقعت ضجة واحتجاجات وتدخلت وزارة الثقافة لتمنع عملية البيع، وتصنّف المقهى ضمن التراث الثقافي الوطني لارتباطه بأسماء مشاهير فرنسيين في عالم الثقافة كانوا يرتادونه أو ما زالوا.
لم تعلق سميرة على هذه القضية. فهي لا تدري إذا ما كان موقف السلطات الفرنسية سليماً أو خاطئاً. ولكن بالنسبة لمن؟ ومن أية زاوية؟ اقتصادية؟ ثقافية؟
ـ لا أدري. هذه مسألة لا تهمني إطلاقاً. لنبحث عن مكان متواضع نسبياً نأكل فيه وجبة خفيفة.
ـ ما رأيك بالماكدونالد؟
ـ الماكدونالد، ولم لا؟
ـ الماكدونالد أيضاً. تثور ثائرة الكثير من الفرنسيين ضد هذا النمط من «الثقافة الغذائية» على الطريقة الأميركية. ولكنه يؤدي خدمة لملايين من المستهلكين في الوقت الذي تكون فيه المطاعم الأخرى مقفلة أبوابها ما بين الثالثة بعد الظهر والثامنة مساء أو بعد العاشرة ليلاً. وعلى الرغم من تزايد عدد هذه المطاعم، أشباه الماكدونالد، برغر كينغ، كويك وغيرها، فهي مكتظة بالزبائن في أي ساعة من أوقات النهار والليل. وخلافاً لمحلات السندويش الأخرى وجبات الماكدونالد متنوعة، سمك، دجاج، لحم بقر، بطاطا، عصير برتقال، كوكا، حلويات عدة.
ـ نمشي إلى الماكدونالد، أنا أحب البطاطا المقلية، ولكن قل لي قبل أن نمشي كم يدفعون لك من العمولة؟
أعجبه تعليقها وضحكا طويلاً قبل أن يضيف.
ـ ما زال ينقصنا الكثير من المرونة في التعاطي مع العصر، السرعة، التنويع، توظيف الطاقات المتاحة... كم من باحث فرنسي لم يجد عملاً هنا غادر إلى الولايات المتحدة حيث يعمل بنجاح. لم نسمع أن باحثاً أميركياً واحداً غادر الولايات المتحدة ليعمل في فرنسا.
ـ أنتم أيضاً تعانون من هجرة الأدمغة؟
ـ هجرة أدمغة، بطالة أدمغة، فساد أدمغة، تكلس أدمغة، كل مشاكل الأدمغة.
ـ ومع ذلك أنا أفضل العيش في فرنسا على أميركا. لم تعجبني الحياة في الولايات المتحدة. أظن أن الحياة الثقافية هنا أغنى. ربما أميركا لرجال الأعمال، للبزنس.
ـ هذا رأيي أيضاً. ولكن الثقافة تخضع بدورها لضرورات العصر ولا بد لها من التكيف مع هذه الضرورات.
ـ العولمة، العولمة يا صاح!
* * *
Page 10
أحست سميرة مع روبير بمتعة لم تعرفها سابقاً مع جميلة. ومع ذلك عاودها شعور بالمرارة كذلك الذي كانت تحسه في تجربتها مع صديقتها. كانت جميلة سريعة، تصعد بسرعة، تصل إلى الذروة بسرعة وتهبط بسرعة جذلى منتشية بينما سميرة ما تزال في طور الصعود وإذا بها منهكة والقمة غير بعيدة ولكنها بعيدة عنها، ثم تهبط وكأنها تتراجع القهقرى.
مع روبير اقتربت أكثر بكثير وكادت تصل. ولكن لم يحصل.
لماذا؟ لماذا لم يحصل؟ لم يكن روبير سريعاً، جميلة كانت أسرع منه.
وتراءى لروبير أنها تحاذيه فمد لها يد العون ولم يفلح في رفعها إلى القمة. أحس بالذنب وحاول أن يخفف عنها:
ـ لعلّي كنت سريعاً أكثر من اللزوم، المعذرة.
ـ لا، لا داعي للاعتذار فالذنب ليس ذنبك.
ـ غالباً ما يحصل هذا في اللقاء الأول، في المرة الأولى. لا تقلقي سيكون الأمر أفضل في المرة القادمة. جسدانا بحاجة إلى تعارف، إلى ابتكار لغة خاصة بهما. لنترك لهما المجال. سنعيد الكرّة. ولا بد من أن ننجح.
ـ لا، لا على الفور.
ـ بعد حين، بعد الشاي.
ضحكت سميرة عند ذكر الشاي.
شربا الشاي وأعادا الكرة، ولكن بدون فارق كبير في النتيجة. تفاقم شعور سميرة بالمرارة. وراح كل منهما يشد بالمسؤولية صوبه ويهوّن على الآخر.
قاربت الساعة الثانية صباحاً. اقترحت عليه أن يبقى. أصر على العودة متذرعاً بالتعب وحاجة كل منهما إلى الراحة. تواعدا على اللقاء في المكتبة بعد سويعات.
* * *
وضع يسراه على بطنها الصغيرة المقعّرة فانزعجت من برودة يده.
سحب يده بسرعة وحاول أن يضعها بين ردفيها فأحس ببرودتهما مقارنة مع بطنها واطمأنّت إلى دفء يده النسبي. ظنّ أنها تحثه على تدفئة الأجزاء الأخرى الباردة من جسدها. فركز اهتمامه على الردفين، يتحسس استدارتهما واشتدادهما. الواحد منهما يملأ كفه وكأنه طابة فوتبول مخملية الملمس؛ ركّز أيضاً على الفخذين الرخاميين، يدلكهما ويلامسهما بما دفىء من جسده متوقعاً المزيد من الاطمئنان من جانبها.
* * *
تذكرت سميرة لعبة «الفروسية» التي كانت تلعبها وهي طفلة مع صبيان الحارة وكأنّها واحد منهم. يمتطي كل منهم قضيباً من رمان أو قصب وكأنه يمتطي حصاناً وينزل به إلى ميدان السباق. أعجبتها هذه اللعبة وربحت قصب السباق أكثر من مرة. ولكن لم يخطر ببالها آنذاك أنها ستلعب يوماً وهي كبيرة مثل هذه اللعبة. لم يخطر ببالها أنها ستكون يوماً هي الفرس والفارس في آن معاً، وأنها ستمتطي قضيباً ليس كتلك القضبان الصبيانية وفي وضعية كهذه تعجبها هذه الوضعية في العادة، ولكن ليس هذه المرة. هذه المرة لا تريد أن تكتفي بدور الفرس على الرغم من استمتاعها بهذا الدور، فهي تريد أن تكون الفارس وأن تقود لعبة الفروسية هذه وتتحكم بها كما يحلو لها. إذ طالما راودها حلم أن تمتطي جواداً يصعد بها إلى السماء السابعة. تعجبها هذه الوضعية عندما يحتضن روبير ردفيها ويبعث فيهما الدفء وبدورهما يصبحان مصدراً للدفء والحيوية والنشاط. بعد أن يكون قضيبه طرياً صغيراً، يكفي أن تشد عليه بردفيها، فيشتد ويمتد حتى يخترق الوادي من أقصاه إلى أقصاه. من أقصى الدبر إلى أقصى القبل حيث يلامس سفوح البطن ويعبث بالغابة الاستوائية فتنتابها رعشة تقشعر لها الشجيرات على طول الوادي وعلى امتداد الدلتا وينشق الوادي إلى ضفتين تتسعان وتضيقان. تحتضنان الجواد فيضطرب جيئة وذهاباً ويقاوم عبثاً الوقوع في المنزلق الذي يشده إلى الهاوية. وهي تعرف أن هذه الوضعية من أكثر الوضعيات إثارة لشريكها فتستسلم في العادة كالنعجة الوديعة وتترك العنان للجواد في مبادراته المجنونة واثقة من أن مآله إلى الانزلاق داخل المرآب. مآله أن ينزلق في الأتون. مهما دار وحام ولف وعرج صعوداً أو نزولاً، يمنة أو يسرة، ينزلق في الأتون يتخبط معربداً مزمجراً مهمدراً مزبداً قاذفاً حممه حتى يقع في ما يشبه الإغماء. ليس عبثاً أن يطلق بعضهم تسمية «الموت الصغير» على لحظة الإغماء هذه. ولكن ما أن يدخل المرآب حتى تفقد هي زمام التحكم به. فينتابها مزيج من المشاعر المتضاربة. ما بين لذة وحسرة، ما بين متعة وخيبة، ما بين شوق وأسف. تستأنس سميرة للعبة الفروسية هذه ولكنها لا تسيطر فيها على زمام المبادرة. هذه المرة، لا تريد الاكتفاء بدور المتلقي بل تريد أن تتحكم بمجرى الأمور حتى النهاية السعيدة، فلا بد من تغيير الوضعية.
* * *
بعد أن أحس بدفء يده صعد بها إلى أعلى ماراً ببطنها بأطراف أنامله واصلاً إلى نهديها الملتهبين تحت لباس قطني رقيق ناعم الملمس. فراح يدغدغهما بكل ما أوتي من رقة ورفق ضاغطاً بعض الشيء على الحلمة مرة وعلى العضلة مرة أخرى.
هذا هو الحجم الذي يحلم به منذ زمن ولم يلاقه من قبل. لاقى أصغر. لاقى أكبر، لكن هذا الحجم هو الأمثل للدغدغة والملاعبة، حجم البرتقالة. ما زالا شديدين، بشرتهما في منتهى النعومة. كم من مرة قال لها كلاماً من هذا القبيل، وهو يشيد بهما وبجسدها عموماً وبرقّة بشرتها.
وهي تشنف أذنيها بسماع هذا الغزل وتطرب له وتحاول أن تماشيه في مشاعره وأحساسيه، لكنها تصطدم في كل مرة بشعور مرير.
* * *
مع روبير اقتربت أكثر بكثير وكادت تصل. ولكن لم يحصل.
لماذا؟ لماذا لم يحصل؟ لم يكن روبير سريعاً، جميلة كانت أسرع منه.
وتراءى لروبير أنها تحاذيه فمد لها يد العون ولم يفلح في رفعها إلى القمة. أحس بالذنب وحاول أن يخفف عنها:
ـ لعلّي كنت سريعاً أكثر من اللزوم، المعذرة.
ـ لا، لا داعي للاعتذار فالذنب ليس ذنبك.
ـ غالباً ما يحصل هذا في اللقاء الأول، في المرة الأولى. لا تقلقي سيكون الأمر أفضل في المرة القادمة. جسدانا بحاجة إلى تعارف، إلى ابتكار لغة خاصة بهما. لنترك لهما المجال. سنعيد الكرّة. ولا بد من أن ننجح.
ـ لا، لا على الفور.
ـ بعد حين، بعد الشاي.
ضحكت سميرة عند ذكر الشاي.
شربا الشاي وأعادا الكرة، ولكن بدون فارق كبير في النتيجة. تفاقم شعور سميرة بالمرارة. وراح كل منهما يشد بالمسؤولية صوبه ويهوّن على الآخر.
قاربت الساعة الثانية صباحاً. اقترحت عليه أن يبقى. أصر على العودة متذرعاً بالتعب وحاجة كل منهما إلى الراحة. تواعدا على اللقاء في المكتبة بعد سويعات.
* * *
وضع يسراه على بطنها الصغيرة المقعّرة فانزعجت من برودة يده.
سحب يده بسرعة وحاول أن يضعها بين ردفيها فأحس ببرودتهما مقارنة مع بطنها واطمأنّت إلى دفء يده النسبي. ظنّ أنها تحثه على تدفئة الأجزاء الأخرى الباردة من جسدها. فركز اهتمامه على الردفين، يتحسس استدارتهما واشتدادهما. الواحد منهما يملأ كفه وكأنه طابة فوتبول مخملية الملمس؛ ركّز أيضاً على الفخذين الرخاميين، يدلكهما ويلامسهما بما دفىء من جسده متوقعاً المزيد من الاطمئنان من جانبها.
* * *
تذكرت سميرة لعبة «الفروسية» التي كانت تلعبها وهي طفلة مع صبيان الحارة وكأنّها واحد منهم. يمتطي كل منهم قضيباً من رمان أو قصب وكأنه يمتطي حصاناً وينزل به إلى ميدان السباق. أعجبتها هذه اللعبة وربحت قصب السباق أكثر من مرة. ولكن لم يخطر ببالها آنذاك أنها ستلعب يوماً وهي كبيرة مثل هذه اللعبة. لم يخطر ببالها أنها ستكون يوماً هي الفرس والفارس في آن معاً، وأنها ستمتطي قضيباً ليس كتلك القضبان الصبيانية وفي وضعية كهذه تعجبها هذه الوضعية في العادة، ولكن ليس هذه المرة. هذه المرة لا تريد أن تكتفي بدور الفرس على الرغم من استمتاعها بهذا الدور، فهي تريد أن تكون الفارس وأن تقود لعبة الفروسية هذه وتتحكم بها كما يحلو لها. إذ طالما راودها حلم أن تمتطي جواداً يصعد بها إلى السماء السابعة. تعجبها هذه الوضعية عندما يحتضن روبير ردفيها ويبعث فيهما الدفء وبدورهما يصبحان مصدراً للدفء والحيوية والنشاط. بعد أن يكون قضيبه طرياً صغيراً، يكفي أن تشد عليه بردفيها، فيشتد ويمتد حتى يخترق الوادي من أقصاه إلى أقصاه. من أقصى الدبر إلى أقصى القبل حيث يلامس سفوح البطن ويعبث بالغابة الاستوائية فتنتابها رعشة تقشعر لها الشجيرات على طول الوادي وعلى امتداد الدلتا وينشق الوادي إلى ضفتين تتسعان وتضيقان. تحتضنان الجواد فيضطرب جيئة وذهاباً ويقاوم عبثاً الوقوع في المنزلق الذي يشده إلى الهاوية. وهي تعرف أن هذه الوضعية من أكثر الوضعيات إثارة لشريكها فتستسلم في العادة كالنعجة الوديعة وتترك العنان للجواد في مبادراته المجنونة واثقة من أن مآله إلى الانزلاق داخل المرآب. مآله أن ينزلق في الأتون. مهما دار وحام ولف وعرج صعوداً أو نزولاً، يمنة أو يسرة، ينزلق في الأتون يتخبط معربداً مزمجراً مهمدراً مزبداً قاذفاً حممه حتى يقع في ما يشبه الإغماء. ليس عبثاً أن يطلق بعضهم تسمية «الموت الصغير» على لحظة الإغماء هذه. ولكن ما أن يدخل المرآب حتى تفقد هي زمام التحكم به. فينتابها مزيج من المشاعر المتضاربة. ما بين لذة وحسرة، ما بين متعة وخيبة، ما بين شوق وأسف. تستأنس سميرة للعبة الفروسية هذه ولكنها لا تسيطر فيها على زمام المبادرة. هذه المرة، لا تريد الاكتفاء بدور المتلقي بل تريد أن تتحكم بمجرى الأمور حتى النهاية السعيدة، فلا بد من تغيير الوضعية.
* * *
بعد أن أحس بدفء يده صعد بها إلى أعلى ماراً ببطنها بأطراف أنامله واصلاً إلى نهديها الملتهبين تحت لباس قطني رقيق ناعم الملمس. فراح يدغدغهما بكل ما أوتي من رقة ورفق ضاغطاً بعض الشيء على الحلمة مرة وعلى العضلة مرة أخرى.
هذا هو الحجم الذي يحلم به منذ زمن ولم يلاقه من قبل. لاقى أصغر. لاقى أكبر، لكن هذا الحجم هو الأمثل للدغدغة والملاعبة، حجم البرتقالة. ما زالا شديدين، بشرتهما في منتهى النعومة. كم من مرة قال لها كلاماً من هذا القبيل، وهو يشيد بهما وبجسدها عموماً وبرقّة بشرتها.
وهي تشنف أذنيها بسماع هذا الغزل وتطرب له وتحاول أن تماشيه في مشاعره وأحساسيه، لكنها تصطدم في كل مرة بشعور مرير.
* * *