Page 1
هذه السلوى العجيبة:
فرشاة، علبة الوان صغيرة، أوراق بأحجام وسمك وسطوح مختلفة، بين أحضانها تندس محتمية صفائح لوحات قديمة، قلم صغير كاد أن يستهلك، إسفنجة تشربت بألوان وأزمنة وذرات ورق ذائب وبصمات أصابع··
لوح خشبي رقيق تأطر بخطوط مشرشرة وبقع وألوان بمستويات مختلفة يمكنك معرفة أعمارها كما في حلقات مقطع جذع دوح معمّر·
تحملها تحت ذراعك برفق وحنو
تحمل هنا مشاعرك وانطباعاتك ورؤاك، أحلامك وشوقك والحنين الشاف الممض··
تحمـل بهـا التجربـة ولحظـة الانبهار في اكتشاف موقع ومعلم··
تحمل حزمة ضوء معفـّر، يتسلل كاللص بين أغصان غابة كثيفة·
هنا اصطياد لحظة سكون من ظلال غيمة سابحة فوق حقل أخضر·
هنا في هذا الخزين من الوريقات والخطوط واللون المنساب المرتـَشف تكمن معالم كآباتك وإحباطاتك·
تعبر من خلال مساحاتك الورقية الملونة ليل النجم الساهر، واحتراق فحمة الديجور، والضوء المنتشر الذي لا حدود له، والظلال الزاحفة، وأبخرة الوديان··
تحمل تحت ذراعك زرقة البحر الملتمع، الكابي، المعتم، الشاف بخضاب البنفسج، متورد الخلجان بالحصى·
تحمل البحر أقحواني الأفق··
Page 2
لحظة سارعت لتستوحي منه على وريقاتك، لقطة من مزاجه البحري··
عبرتَ فيها بألوانك على عجل وانفعال منبهر منتش··
وجدت نفسك وفرشاتك وألوانك قد أبدلت مسارك ومسار كل أدواتك، لتماشي مزاجه المتبدل في غنج، ثانية بثانية···
هنا تحت ذراعك، وأنت تسير على غيمة من ذهول حالم، شاشات مترامية الأبعاد تظهر عليها تفاصيل ذكرياتك، براقة متفجرة الألوان زاهية حينا، ضبابية غامضة عسيرة الوضوح حينا آخر·
عدّتك تلك، قرّبت الأبعاد التي تلاشت·· الهيئات والفضائات المترامية·· الجدران المصمتة والنخرة المتهاوية·· الواحة والصحراء·· النهر المتدفق والجدول الرائق··
ضفاف الطين والرمل·· وأرضاً مشت فيها أخاديد الجفاف المعروقة···
هنا سعف النخل المتناثر الهفهاف كشعور السعالي في ليلة عاصفة·
هنا حزنها الأزلى المستوحش في لفح هاجرة صموت··
هنا تحت ذراعك جبال كردستان الملونة تتدرج بوضوح عبر الزرقة البنفسجية من أوشحة الغروب، تخال السلاسل المتلاشية في الأفق البعيد تمتد إلى أبدّية غامضة··
هنا وتحت ذراعك الوطن الذي تستحضره متى ما أمضّك الشوق وأنهكتك الغربة··
لقد انرت بما تحمل عتمة الشمال الاسكندنافي الطويلة الحزينة··
أنت أيها المقرور بالبرد والغربة! ها قد ألهبت بتوهج ألوانك اصقاع العدم الجليدية·
كم كانت تلك الأدوات المتواضعة بديلا عن عقاقير الاكتئاب وأسرّة الردهات الصامتة الأكثر اكتئابا،
Page 3
كانت فرشاتك حبل نجاتك الذي تسلقته لتخرج من عتمة أقبية الإحباط إلى فسحة الأمل النيرة·
·· وفيما أنت في فيافيك، حاملا متاع همومك، تجد فسحة صغيرة من تعب التجوال والضياع·· تسارع فتلقي بعصا ترحالك في استراحة بين المتاهات·
تجد ركنا دافئا تضع فيه حاملة خشبية·· علب ألوانك وأنابيبها·· لفائف من أقمشة الكتان·· صفحات وسيعة من الورق·· رزماً من كتب، وعددا من أشرطة موسيقية··
فجأة تكتشف أنك ابتـنيت وطنا صغيرا تستعيض به عن الوطن المتنائي عنك يوما بعد آخر··
ذلك السراب المخادع الذي كلما اقتربت من صفحة مياهه بعطشك الممض، نأى عنك إلى أفق أبعد·
·· يا لك من مزمن ضياع··
على مشارف عقدك الثامن، وما زلت عند مفترق الطرقات·
هل انت الذي تتبع الضباب أم أنه هو الذي يتبعك، ها هي أحزمة منه تقترب منك متوجسة، شاحبة، حذرة، تنزلق فوقها أوشحة أخرى باتجاهات مغايرة··
حواشي الاوشحة المتهدلة تـُسحب فوق سطح التربة الندية التي تبان من خلال الستائر الشافة المشرشرة بقعا وأخاديد وكتلا طينية·
تتوارى هذه المعالم لتظهر بعد لحظة في مكان آخر··
Page 4
التربة الندية تزحف·
على مبعدة من مكانك ترتفع أبخرة متموجة، مذكّرة بغيمات دخان متصاعد عن مواقد التنانير المشجورة بالسعف والأعواد اليابسة عند الفجر في بيوت طينية منثورة بين حقول الجنوب·
·· أشباح عجيبة ملوّنة تطل متـنقلة هنا وهناك، من خلال كوى نصف شفافة بين وشاحات الأبخرة البعيدة··
تتبدل الألوان وكثافاتها زاحفة، مبدلة هيئات رسومها دون انقطاع·
إنها أشباح الغابة البعيدة، حين تتحرك غابة (دوناي- نورماندي) في مواجهتك
تحث الخطى لتلحق الأحزمة الشفافة وكوى الألوان المتحركة التي تلاعبك فتعاود الظهور عن يمينك·· عن شمالك·
تهرب منك·
تتلاشى الألوان والهيئات الشبحية··
تلتف في متاهات زجاج مضبب متماوج··
يندى خدك·
تواصل سيرك دون معلم مرئي·· تطفو·· تستقر على سطح لين·· تنحدر فوق أحجار بليلة زلقة··
أنت الآن تخوّض في جدول بارد يمتزج خريره بحفيف أشجار تقترب··
للضباب همس مبهم··
Page 5
تغوص في الوحل مصرّا على متابعة تخبطك كطفل عنود··
وخز يدمي ذراعك·
تتخطى سياج أسلاك شائكة فتنهب مساميره نتفا من ثيابك··
تـُدمى ساقاك
تسير حثيثا في مجاهلك··
أنت محوط الآن بأحزمة ضباب أكثف وأشباح تتحرك·· تظهر وتختفي·· انها جذوع السنديان الضخم العتيق··
تواصل··
خيمات وسيعة من أغصان الصنوبر تهفهف فوق رأسك··
تضرب إحداها قينثال عليك مطر إبري وقطيرات تنثر وجهك بالماء والعطر الصنوبري··
تسكر بنشوة عابرة·
تزداد كثافة الألوان وروائح اللحاء والأغصان المنخورة، والجذوع وحصيرة الإبر الصنوبرية المتخمرة، والعفص والأعشاب الندية··
·· لتربة الغابة المنتفخة بالأشنات عطر يتمايز عن كل ذاك المزيج الآخر من عطور الأشجار وبقاياها·
·· يتنامى فضولك من ذلك المشهد، يلفـّك غموض يمتزج بخوف الغريزة من عتمات مجاهل الطبيعة البدائية··
Page 6
ما الذي يختبيء وراء هذه الظلال المزدحمة وأمواج أوشحة الضباب المبحر في اتجاهات ومستويات متباينة ؟
تتهادى أمامك الأوشحة بإغراء وغنج·· تنسرب بين اشباح الجذوع·· تغريك باللحاق·· أشباح غواني (جيزيل) المسحورات بعشقهن القاتل يسحبنك إلى المجهول فتتبع ولـِهاً مأخوذا·
·· تعبـق من جديد عطور العفص وإبر الصنوبر الندية المذوبة بعبق الأرض المبقعة بالكتل الهشة من التربة المنتفخة بالطحالب والأشنات·
·· بثور انفقعت وأخرى آن لها أن تنفقع عن فوهات عاتمة الخضرة مبقـّعة بحبيبات سود·
تنحني متأملا هذا البركان الخامد الصغير··
في قعر الهوة بقايا من فتات حمم··
إبر صنوبر عتيق متيبس··
أتربة فحمية هشة··
قطع لحاء متنخر··
بقايا هلامية لزجة لفطر الثعلب الهرِم·
تغرف بكفك من مزيج الدورق الترابي·· تقربه من أنفك وتستنشق عبقه ملء رئتيك··
لحظة سكر عابرة تتجدد·
Page 7
تواصل إبحارك السندبادي في بحور الغلالات الشافة وعماليق الظلال وأشباح الغواني الراقصة·
فجأة تخترق الأحزمة الضبابية السابحة أصابع ساحرات متشعبة مستدقة·· يمتد بعضها صوبك في حين ترتفع أخرى، ممشطة شعورا كثة متشابكة خضراء تتدلى من بعضها جدائل معثكلة ملفوفة بشباك من خيوط العناكب·
·· تزيح الأغصان وتطفو على وجهك ابتسامة منتشية من دعابات الساحرات الطفولية، التي تحاول استثارة خوفك الغريزي ونبش مكامنه··
تحني رأسك مارا تحت أنامل الأغصان العارية·· تحس بالأنامل المستدقة تمشط شعر رأسك·· تسمع أنين تكسّر بعض هذه الأنامل الرقيقة·· تزيح البعض الآخر بأناة وحذر عطوف، وأنت تواصل خطواتك·· تخشى أن تفسد دعاباتهن بكسر أنامل رقيقة أخرى·· تسمع صرير حطام أطراف أخرى تساقطت عبر أزمنة متباعدة·· تحس حصيرتها الإسفجية تحت قدميك·
فجأة، وكما تنزاح ستارة مسرح بأناة وبطء وصمت، تتباعد الأبخرة وتشف··
تنساب حزم متكسرة من الضوء بين الكتل الكثيفة الخضرة·
·· تخطو بضعة أمتار تجاه منابع الضوء·· ينبلج أفق رحيب لماع الخضرة تنزلق فوقه بقع النور المصفرة البراقة··
Page 8
تبدل الآن البقع النـيّرة المخضوضرة أماكنها، منسابة كحلم صامت عجول، تاركة بين مجالات سياحتها أخاديد زرقاء وبنفسجية، ومربعات صفراء وأخرى عاتمة الخضرة·
تعود من رحلتك تلك عند حلول المساء·· تفتح باب وطنك الصغير فتقابلك بحفاوة رائحة زيت الكتان الطرية، المخلوطة بمزيج من محاليل المذيبات، التي تذكرك برائحة علكة المستكي·
تزيح من على سطح اللوح الخشبي الواسع علب أصباغ وأنابيب الألوان الزيتية والفرش، وسكاكين المزج المعدنية الرقيقة، وصحونا، وقطع ألواح زجاجية وأواني فخارية تستخدمها بديلا عن لوح مزج الألوان الخشبي·
·· تفسح مجالا لصفحة ورق حبيبية السطح، خشنة، مدغمة البياض·
·· تضع علبة ألوانك المائية العتيقة·· تفتحها بلهفة المحب·
·· تضع أكوابا من الماء·
تستل فرشاة ناعمة·· تبلّها، ترطب بها حدقات الألوان··
تعود من جديد في سياحة أخرى فوق سطح الورق·
تبدأ الصفحة بالاتساع·· تترامى أبعاد حواشيها·· يبدأ السطح الورقي بالتحول إلى عالم غامض·
Page 9
·· تنساب مبحرا من جديد في متاهات أوشحة الضباب المتداخلة·
·· تتمايز وتتضح معالم جذوع السنديان الضخمة وخيمة أغصان الصنوبر الهفهافة·
·· ينفغر ثغر ذلك الوعاء العجيب من بثور تربة الغابة المنفقعة·
يتراكم ذلك الخليط العجائبي من حمم التربة، وبقايا الغابة النخرة والأشنات في قعر ذلك الوعاء·
·· تفوح في الغرفة الصغيرة روائح رحم الغابة المظلم·
أشم من جديد ذلك الخليط من عطور العفص وإبر الصنوبر الندية، وبثور التربة المنتفخة بالطحالب والأشنات، وقطع اللحاء العتيق المنخور، والبقايا الهلامية لعطر الثعلب الهرم·
تغص حنجرتك بغرغرة مكبوتة، تندى عيناك، تتصاعد حسرة مسموعة إلى شفتيك·
تهرع إلى باب الغرفة·
·· تفتحه على عجل·
·· قبل أن تضع قدمك خارجه، ترفع رأسك إلى السماء مطالبا، لا سائلا، فسحة قصيرة أخرى من العمر·
Page 10
إختر ميتتك!
الساعة الضوئية فوق كومدينو السرير تشير إلى الثانية· من الإطار المعدني القريب، تتوضح اكثر معالم الوجه جامد النظرات والابتسامة·
يفتح العقيد الباب وهو يدندن لحنا فولكلوريا·· يدير مفتاح الضوء·
الزوجة العارية تغفو بدعة حالمة·· رأسها فوق صدر الرجل الأسمر العاري المستلقي إلى جانبها·
·· يتبادلان النظر هو والرجل العاري·
يتقدم العقيد بملابسه العسكرية بخطى ثابتة هادئة صوب جدار الغرفة·· يمد ذراعه على طولها، منتقيا من بين الأسلحة الأثرية المعلقة سامورايا يابانيا·· يرفعه من علاقته الحريرية المذهبة فتتلاصف صفحته الفولاذية الصقيلة·· يمسك قبضته بكفه الأيمن·· ينظر لحظة بخشوع إليه وهو يرتفع إلى مستوى بصره·· يجس حدة حاشيته بإصبعه·· يرفع رأسه ويتقدم بالسلاح المتلامع الثابت في كفه، وعيناه مصوبتان إلى جسد الرجل العاري المنكمش فوق السرير، وكأنه يخترق ذلك الجسد ببصره في البقعة التي سيخترق فيها نصل السيف العتيق طبقات الصدر المكشوف·
يقفز جسد الرجل الأسمر العاري إلى الزواية المحاذية لرأس السرير الواسع، على حين ينقلب جسد المرأة اللدن البض الممتد في صحوة فزِعة فوق أغطية السرير الحريرية، وترتـّج العجيزة الممتلئة، وينعقد الذراعان فوق الرأس المنكفىء، ويصدر من الوجه المنحشر في الوسادة أنين مختنق مرتجف مذعور·
يواصل العقيد تقدمه بثبات، وعيناه تترصدان حركات الرجل العاري الذي قفز إلى الزاوية نصف العاتمة من الغرفة·