eKtab
EN ع
الدكتورة هناء
Read free sample

الدكتورة هناء

by ريم بسيوني

Page 1
(1)

..... هناك أيام في حياة الإنسان تمرُّ في هدوء ورتابة ، وهناك أيام تمرُّ في نشوة عارمة ، وأيام تمرُّ في ضيق وكسل وأيام! ربنا يكفينا شَّرها. وكان هذا اليوم بالذات يبدو كئيباً طويلاً كأيامها الماضية ، وبصفة خاصة لأن هذا هو يوم عيد ميلادها..الأربعين.

وكانت قد أقسمت لنفسها منذ عشرين عاماً إنها في عيد ميلادها الأربعين سوف تقيم حفلاً كبيراً تدعو له زوجها، وأقارب زوجها، وأصدقاء أولادها، وكل الضباط ، وكل الموظفين ، وكل ربَّات البيوت ، وكل من له سلطة وحق اتخاذ القرار ، . وكل من يملك مصيره بيده ، وكل من يصنع قدره ، وكل العمال والفلاحين.

و عندما جاء اليوم ، كانت هناء وحيدة وحدة تضيق منها القطط البرية في بيت امرأة عانس.

عانس! كلمة مخيفة ورهيبة.

ولكنها ليست عانساً ، ولا تبدو في الأربعين على الإطلاق. نظرت إلى نفسها في المرآة ، تبدو في الثلاثين ، ربما في العشرين ، فحجمها ضئيل ، ومعصمها رفيع ورقيق.

وكيف تصاب المرأة بالكهولة؟ عندما يفقد معصمها رونقه! وكان معصمها في قمة رونقه ، وملامحها الصغيرة الحادة لم تتغير. لم تزل ملامح فأر رمادي صغير ، وجسدها لم يفقد رونقه ، وحتى التجاعيد الطفيفة حول عينيها ليست واضحة بالعين المجرَّدة.

وكان يوماً مملاًّ ومخيفاً. وكانت شجاعة ، وتخاف من مواجهة هذا اليوم. وكعادتها كانت منظمة وتكتب كل خططها لليوم.

في الساعة التاسعة ستذهب لزيارة أستاذتها في المستشفى بعد أن أصيبت بجلطة طفيفة ، ثم تحاول من جديد مقابلة رئيس القسم ، ثم تجهز نفسها للسفر غداً إلى المؤتمر العلمي.

و كان شيء واحد يسيطر عليها.

فكرة واحدة تأكل عقلها.

سوف تذهب لرئيس القسم وهي لم تزل عذراء.

سوف تجهز للمؤتمر وهي لم تزل عذراء.

وسوف تتم الأربعين وهي لم تزل عذراء.

وكانت الفكرة تصيبها بالقرف ، وكان لابد من مخرج ، فعذريتها أصبحت تخنقها وتطرحها أرضاً. عذريتها التي حافظت عليها سنين أصبحت عدوها اللدود. ومن يستحق أن يفض بكارة دكتورة هناء؟ هل وُلد من يستحق هذا أم لم يولد بعد؟

و كانت فكرة واحدة تسيطر عليها: اليوم لابد أن تفقد عذريتها، سريعاً ، وإلاَّ أصبحت عانساً كئيبة في الأربعين. إذا فقدت عذريتها اليوم فستصبح امرأة في الأربعين. وهذا شيء مُشرِّف. أما أن تبقى فتاة في الأربعين لأن من يستحقها لم يولد بعد فهذه كارثة ، وهي عملية وتعرف ماذا تريد .

جلست دكتورة هناء سعد تتأمل سكرتير رئيس القسم في عصبية وترقُّب وغيظ لم تشعر بمثله من قبل. لو كان هناك رغبة واحدة في حياتها اليوم فهي أن تدق على رأس عبد الحميد سكرتير رئيس القسم بمطرقة صلبة وقاسية حتى ترى وتشعر بدمائه على يديها وأنفها وعينيها.

كان يقول بلهجة الحاكم بأمر الله يوم أن منع الملوخية وحرق شوارع القاهرة: يا دكتورة هناء..قلت لك الدكتور سامي مشغول قوي.

تنفست الصعداء ، وقالت في صوت حاد مرتعش: يجب أن يمضي على الموافقة على سفري اليوم. لو لم يفعل لن أستطيع أن أسافر إلى المؤتمر ولو لم أسافر ...

قاطعها الرجل في ضيق: يا دكتورة هناء قلت لك مشغول.

ثم أدار وجهه عنها في ازدراء ، وبدأ في التكلم مع أستاذ آخر.

لم تكن مستعدة للاستسلام. يجب أن تسافر غداً. واليوم يجب أن تفقد عذريتها ، ويجب أن تنال من السكرتير ، ويجب أن تفترس حقها من فم الذئاب.

هذا هو عصر الافتراس ، وعصر عبد الحميد ، وعصر الخوف والنفاق والكسل ، وعصر الطغاة والمستعمرين. هذا عصر تكرهه وجو لا تعرفه ، وهذا السكرتير يثير القرف في نفسها.

أغمضت عينيها وهي تجلس وتستمع للإطراء على السكرتير من كل أستاذ جامعي يتمنى رضا رئيس القسم.
Page 2
كم جلست؟..كم بقت؟.

حتى سمعت صوت السكرتير القوي: دكتورة هناء..الدكتور سامي عايز يقابلك.

قامت في خطى ثابتة بفستانها الفضفاض وشعرها الأسود وحذائها الغريب البرتقالي ، وفتحت الباب في ثقة ، ونظرت إلى زميلها المتفوق في النفاق والعلاقات العامة! رئيس القسم. وكانت تكره سامي وزوجته وابنه المعيد وكل عائلته التي تعمل في الجامعة. كانت تكره سامي الرجل وسامي الأستاذ.

و كان الشعور متبادلاً.

قال في سخرية: تريدين الذهاب إلى أمريكا يا هناء؟

كان يناديها هناء ، وكان عليها أن تناديه بدكتور سامي! وكانت تكره أن تناديه.

قالت في فتور: أريد الموافقة على المؤتمر. طلبت موافقتك منذ ثلاثة أشهر ولم توافق بعد ، لماذا؟

قال في حدة: أنا من أسأل وأنت تجيبين ، وليس العكس.

شعرت بالحرارة تسري في عروقها ، وقالت في قوة: اسأل إذن؟

نظر إلى تل من أوراق الامتحانات ، وقال: لم تصححي امتحاناتك. يمكنني تحويلك إلى التحقيق!

قالت في قوة وكل جزء من جسدها يهتز: لم أصحح هذه الأوراق لأنني لم أدرّس هذه المادة وأنت تعرف هذا. درَّسها دكتور علي ثم سافر إلى السعودية إعارة ، وأنت وافقت له على الإعارة ولا توافق لي على حضور مؤتمر علمي سيفيدني في...

قاطعها في حزم: هل قلت: أنت؟ حضرتك..تقصدين حضرتك! هناء إما أن تصححي الامتحانات أو لن أوافق.

فتحت فمها فأكمل: ليس عندي وقت لأضيعه..عندك خمسمائة ورقة ، هل تستطيعين تصحيحها حتى الصباح؟ إذا كنت تستطيعين ، فسأمضي لك على الموافقة ، وسوف تمضين لي على أنك استلمت الأوراق ، وسوف تسلمينها لعبد الحميد في الصباح.

نظرت إليه في ذهول وفزع واليأس يتسلل إلى رأسها والأفكار تتراكم بداخلها.

عيد ميلادها الأربعين..مازالت عذارء.

غداً ستذهب إلى أمريكا حيث يقطن حبها الأول ، رامي المصري.

و اليوم يجب أن تفقد عذريتها ، وتصحح خمسمائة ورقة ، وتصفع سامي صفعة قوية ، ثم تدك رأس عبد الحميد بمطرقة قوية، ثم تفقد عذريتها..ثم تذهب إلى المؤتمر..و ربما تقابل رامي ، وربما لا.

ثم تفقد عذريتها.

ستعود إلى البيت ثم..

جلست على المقعد تحملق في عبد الحميد من جديد وعلى فخذيها خمسمائة امتحان ، بالكاد تستطيع أن ترى وجه عبد الحميد.

- دكتورة هناء.

نظرت من بين الأوراق إلى الشاب الواقف أمامها وقالت في ميكانيكية: إزيك يا خالد.

ابتسم لها الشاب وقال وعيناه لا تلتقي بعينيها أبداً: عايزة مساعدة يا دكتورة؟ أشيلك الورق ده؟

قالت وهي تحاول الوقوف: ياريت يا خالد.

حمل الأوراق منها ، فقامت واتجهت إلى الباب دون أن تنبس بكلمة إلى عبد الحميد.

سارت بجانب الشاب ونظرت إليه ، رفعت عينيها إلى رأسه ، كان أسمر ونحيفاً. كان مصرياًّ وعيناه أبداً لا تقابل عينيها. الخجل ينبثق من كل ملامحه ، والثقة تسطع من بين شفتيه ، وكانت تحتاج رجلاً. وكان خالد لم يتعدَّ الخامسة أو السادسة والعشرين..و كانت هي في الأربعين ولكنها كانت صغيرة وضئيلة ، والشعر الأبيض كانت تعالجه بسرعة بصبغة سوداء قوية تناسب حاجبيها السوداوان الثقيلان.

قال في هدوء: إلى أين؟

- كنت تريد دكتور سامي يا خالد؟ أنا آسفة سوف أعطلك عن..

قاطعها في هدوء: سأذهب له بعد ساعة ، هل تحتاجين مساعدة يا دكتورة؟.

نظرت لعينيه ، فأدار عينيه في خجل. ابتسمت قائلة: أحتاج إلى الكثير من المساعدة. الكثير من المساعدة.

قال في نفس هدوئه الذي كان يستفزها: تحت أمرك.

- شكراً يا خالد..فاكر لما كنت بدرسلك شعر فيكتوري ، كنت أحسن طالب عندي.
Page 3
- ربنا يخليك يا دكتورة.

كان خالد طالباً مثالياًّ ، وكان مطيعاً ، وكان خدوماً ، وكان يعمل بجد ونشاط ، وكان فقيرًا. وكانت ترى فقره في هواياته وعمله المستمر وحنقه على الأغنياء ، وطريقته البسيطة في التعبير الصريح أحيانا عن نفسه ، وطريقته المحنكة في البعد عن الصراعات.

قالت في فرح: هل يمكنك أن تساعدني في تصحيح هذه الأوراق؟..أنت تعرف يا خالد عندي مؤتمر غداً ، ولو لم أنته من تصحيح كل الامتحانات لن أستطيع الذهاب إلى المؤتمر.

قال في تلقائية: بالطبع يا دكتورة. تحت أمرك. اتركي لي نصفهم، وسوف أسهر عليهم اليوم.

قالت مسرعة: لا. هذه مسئولية. يجب أن تصححها أمامي. معلهش يا خالد أنا عارفة إنك خدوم. ممكن تيجي تصححها عندي.

نظر إليها في شيء من الفزع ، ثم قال: لو حضرتك سبتيهم أنا ..

قاطعته: خالد لن أستطيع أن اتركهم ، وأنا فقط أطلب منك أن تصححها في بيتي ، وأنا لست وحيدة في البيت.

تنفس في ارتياح قائلاً: أنا آسف كنت أظن أنك..بالطبع سآتي. بعد صلاة المغرب كويس؟ أصل عندي شوية مشاوير.

قالت في انتصار : آه كويس جدًّا.

أضاءت نور الصالة الكبيرة وألقت بالامتحانات على المنضدة الكبيرة. كان بيتها قديمًا ، كان بيت والديها..و هنا ودعتهما الاثنين ، وهنا ستقضى بقية عمرها ، ربما وحيدة ، وربما لا. هنا عاشت معظم الأربعين عامًا ، وأحبت بيتها ، وأصبح لها عادات محددة لا تستطيع العيش بدونها. كانت تقتصد في الكهرباء على عكس أختها ، وكانت تطفيء النور حتى الساعة السابعة مساءً كل يوم وفي السابعة تضيء نور حجرتها فقط ، وتبدأ في القراءة واحتساء القهوة. وقبل النوم كانت تفتح الشباك الكبير في حجرة نومها ، وتتنفس في عمق ، وتنظر إلى الشارع المزدحم في الزمالك ، وتشرب الكاموميل الذي نصح به البعض والذي تشربه قبل النوم منذ عشر سنوات عندما ماتت والدتها. ثم تذهب إلى سريرها ، وتتمنى النوم كما يشتهي الرجل امرأة يعشقها. وأحياناً يأتي ، وأحياناً لا يأتي.

وكانت دكتورة هناء حريصة ومنظمة. وكان لكل شيء مكان في المطبخ ، وكانت لا تأكل الحلويات سوى عندما تزور أختها. وكانت تأكل اللحم مرة في الأسبوع فقط ، وتعشق اللحم المشوي، ولا تحب الشوي. كانت تشتري اللحم من محل حاتي ، ثم تبدأ في عملية تطهيره التي تأخذ عادةً ساعة. وبما أنها تأكل وجبتها الرئيسية الساعة السادسة مساءً كان عليها أن تخطط لشراء اللحم المشوي مبكراً.

تبدأ عملية التطهير بالتخلص من الطحينة والسلطة والخبز ، ثم وضع اللحم في الفرن لمدة نصف ساعة بعد التقاط نقاط البقدونس المتناثرة على اللحم بعناية وإتقان.

و لم تكن تحب الدكتورة هناء الزيارات وخاصة زيارات عائلتها. كانت ترى نظرة الطمع في عيني أخيها ، ونظرة القلق في عيني أختها ، وكانت تكره الطمع والقلق .

كان مطبخها كما تركته أمها منذ عشر سنوات ، وكان نظيفاً ، وكانت المأكولات الموجودة في البيت قليلة ومغذية. سلاطة .. مجهزة بعناية ، وشوربة مجمدة ، وأسماك مجمدة ، وقطعة صدر دجاج تأكلها يوم الخميس بعد الانتهاء من عملها.

أمسكت بكوبها الخاص ، وبدأت تعد القهوة في هدوء وهي تتذكر كلمات أختها الكبيرة: يا هناء..لا رجالة ولا أكل طيب عايشة ليه! دي متع الحياة يا هناء.

نظرت لمعصمها الرفيع في فخر ، هي جميلة وهذا يكفي. يجب أن تبقى جميلة ورقيقة وصغيرة ورفيعة و..ترى من سيتذكر عيد ميلادها الأربعين؟

ماذا تعرف عن خالد؟ تعرف أنه يسكن في بولاق. كان يقول هذا كثيراً وفي فخر ، وكان واثقاً بنفسه ، ولكن عينيه لا تقابل عيني امرأة أبداً. هل هو أيضا عذراء مثلها؟

ماذا تعرف عن خالد؟ تعرف أنه متدين لا يسهو عن صلاة ، وتعرف أنه كان الطالب المثالي ، وأن صديقه العزيز شاب ضرير ، وكان خالد يساعده في كل شيء. وكان خالد مثالاً للمصري الطيب الصبور ، وكان من الأوائل ، وعُيِّنَ في الجامعة ، وحصل على الماجستير في ترجمات القرآن ، وكان رجلاً وكان شاباً وكان ما تريد.

جلست في هدوء وهي تحتسي القهوة وتنظر إلى ساعة الحائط السوداء. مشكلة. خالد متدين. ماذا تتوقع منه؟

و هي؟ تؤمن بالله ، ولكنها تشعر بحنق غريب وإحباط لم تشعر به من قبل. ولا ترى جريمة في أن تفقد عذريتها ، فالعفة تاج الفتاه في العشرين ، وزينتها في الثلاثين ، وكربها في الأربعين! ويكفي عفة ، وماذا جنت من العفة؟ وهل تعرف رائحة رجل؟ لمسة رجل؟ ماذا تعرف عن الرجال؟ رامي لم يلمسها قط! ما بال الرجال في مصر؟ هل يخافون المرأة؟ ما المخيف في المرأة؟ ولماذا كل هذا التفكير؟ ولماذا كل هذه الشهامة! ولماذا لم تفقد عذريتها كل هذا الوقت؟! ولماذا لم تنس رامي مع أنه نسيها؟ ولماذا ضاع عمرها بين بعثة ومذاكرة وخوف وحب مستحيل؟

كانت غبية ، وانتهى عصر الغباء.

كانت كسولة ، وانتهى عصر الكسل.

وبعد أن تفقد عذريتها..ماذا تفعل؟

تحتفل وتحتفل. تلقي بهذا القيد في نهر النيل ، فالعوانس لا يتزوجن أبداً. العوانس عار على المجتمع. الرجل لا يتزوج عانساً في الأربعين ، بل أرملة أو مطلقة. عندما تفقد عذريتها ستقيم احتفالاً كبيراً وتدعو له دكتور سامي وعبد الحميد وأخاها وأختها والبواب ونجاة الشغالة وربما..

أمسكت ببطنها..ربما آن لهذا الرحم النائم أن يصحو ، وهذه البيضات التي ضاعت هباءً أن تُبعث. ربما آن للمرأة بداخلها أن تثور وتسيطر على الدكتورة المحترمة.

ربما آن لهذا المخدع أن يشتعل وينبض.

ربما..

خالد متدين. خالد لا تعرف عنه شيئاً.

خالد ربما يكون على علاقة ، وربما يجدها باهتة وعجوزاً ، وربما..

و هي قط لم تحاول إغواء رجل أي رجل. لماذا لا تكره الرجال اذن؟ لماذا لا تقرر أن الرجال آفة من آفات المجتمع. لو كرهت الرجال سترضى بالأمر الواقع كما فعلت أستاذتها من قبل. آه لو كرهت الرجال.

و هل تعرفهم أصلاً؟! ماذا تعرف عن الرجال؟

اليوم ستعرف كل شيء عن الرجال. كل شيء من مصدر موثوق به!

و لكن يجب ألا تنسى أن أمامها خمسمائة ورقة يجب أن تصححها وأن إغواء شاب كخالد لن يكون سهلاً.

كان عليها أن تفكر في كل الحيل التي قرأت عنها ، فحياتها فقيرة وخبرتها يرثى لها. وكيف ستغويه؟

لم تكن تريد أن تغويه ، كانت تريده أن يخترق هذا الحاجز الذي يقف عائقاً أمام أنوثتها ، ولم تكن تريد إغواءه قط.

و تذكرت رواية الطريق إلى الهند وكيف دخلت الفتاة الإنجليزية إلى الكهف مع الرجل الهندي ثم اتهمته بأنه اغتصبها ، ولم تكن متأكدة من الأحداث داخل الكهف. كانت تدرّس الرواية للسنة الرابعة ، وكان خالد أحد طلابها وقال في دهشة: لا أفهم هذه الرواية ، هل يقصد الكاتب فعلاً أن الفتاه الإنجليزية لا تتذكر حادثاً كهذا؟ هذا هراء. هذه حقائق لا تنسى.
Page 4
ولكنها هي كانت تصدق الفتاة ، وتعتقد أن من السهل على العقل أن يثمل دون خمر. من السهل على العقل أن يفقد السيطرة دون أن يبتلع أحد أي حبوب هلوسة.

ولكل عقل مدخل ، ولكل عقل نقطة ضعف ، ولكل عقل استعداد للثمالة!

وهي أكبر من خالد ، وهي ذكية ، وهي..تحتاج إلى تصحيح خمسمائة ورقة ، ثم تحتاج إلى أن تفقد عذريتها ، ثم تحتاج إلى أن تصحو مبكراً للرحيل إلى أمريكا.

ثم تحتاج إلى أن تنشط هذا الرحم الكسول ، ثم تحتاج إلى أن تنتقم من سامي وعبد الحميد ، وكل من له سلطة وسلطان ، وكل من يخدم أصحاب السلطة والسلطان.

وقف خالد أمام الباب في خجل وتردَّد ، فقالت مسرعة: اتفضل يا خالد .

دخل في هدوء ، أشارت له بالجلوس. جلس على كرسي فقالت في جدية: هل نبدأ التصحيح الآن؟

نظر إليها وكانت تفهم سؤاله. قالت في ثقة مع أنها لم تعتد الكذب: نجاة الشغالة جوه في الأوضة لو كنت عايز حاجة.

هدأ بعض الشيء ، وبدأ يصحح الأوراق على المنضدة الطويلة.

كانت تنظر إليه وهو يصحح الأوراق في تركيز. كان يعمل بجد، وكان يرتدي قميصًا كاروهات وبنطلون جينز .

قالت وهي تنظر إليه وتترك القلم من يدها: لا أعرف كيف أشكرك يا خالد.

قال دون أن ينظر إليها: عينينا ليكي يا دكتورة.

قالت مسرعة: عندك أخوات؟

- أخ وأخت.

- مثلي تماماً. هل تزوجوا؟

- أخي الصغير خطب منذ شهرين ، وأختي في المدرسة.

قالت في لامبالاه: وأنت؟

قال وهو لم يزل منكفئاً على الامتحانات: أنا كنت مرتبطاً منذ سنة ولكن..

قالت في حماس: كانت زميلتك في الجامعة!

نظر إليها فجأة في شيء من الدهشة. دكتورة هناء لم يكن معروفاً عنها حب الاستطلاع. كان معروفاً عنها أنها صعبة في كل شيء ، في الدرجات ، في المعاملة ، كانت محسّوكة ومعقدة وتحيا في عالم آخر ، ولم تكن تهتم بتفاصيل الآخرين قط ، ولكنه كان معجباً بأخلاقها وضميرها. كان معروفاً عنها أنها لا تحب الوساطة وتعمل بجد ، ولم يكن يتصور يوماً أنه سيذهب إلى بيتها وستسأله عن حياته هكذا.

نظر إلى ساعته..كانت الحادية عشرة قال في تردد: الوقت متأخر يا دكتورة ..ممكن آخد الورق معايا وأجيبه بكرة الصبح ، حسهر عليه طول الليل.

لقد أخطأت بسؤالها عن حياته! ها هي ذي تخطيء. قالت مسرعة: لا لا يمكن.

فتح فمه فقالت في قوة: ولكن إذا كنت تعبت يمكنك أن تذهب وسأحاول أنا.

ساد الصمت برهة وهي لا تتنفس. ماذا لو رحل!

كان عليها أن تبدو قوية واثقة.

ماذا لو وافق.

قبل أن ينطق قالت مسرعة: أنا آسفة يا خالد ، كنت أعتقد أنك كنت طالباً عندي ، وانك لن تتردد في المجيء إلى بيتي

قال في حزم: سأبقى ساعة.

قالت في عدوانية: هل تخاف من البواب؟ الكل يعرف أنك طالب عندي وأننا نعمل معاً.

- مش ممكن يا دكتورة أفضل هنا ، ده ميصحش.

قالت في غيظ: ليه؟

قال في تلقائية: ميصحش. حرام.

قامت والاحمرار يبدو على وجنتيها: تحتاج إلى قهوة أو شاي؟

قال: ياريت يا دكتورة شاي بثلاث ملاعق سكر.

- ليس عندي سكر. لا أستعمله.

ابتسم قائلاً: أنت عكس أمي ، لو لم يكن في بيتنا سكر كانت أمي ستعلن الحرب علينا جميعاً.

بدأ يتخلى عن تحفظه من جديد ، ولم تكن تريد أن تتكلم. كانت تخاف أن تنبس بكلمة تخيفه ، وكانت تريد عقله ثملاً. ولن يصبح عقله ثملاً قبل ساعات وساعات. كانت تريده أن ينغمس في التصحيح وينسى الوقت.

و مَّر الوقت. وكلما مَّر كلما شعرت بالأمل يقترب.
Page 5
قالت فجاة: هل تعتقد أن مساعدتك لي حرام؟ أعني أن تصحح أنت امتحانات مطلوبة مني ، هذا استغلال.

ابتسم وكانت المرة الاولى التي تراه مبتسماً ، وقال: ولكن هذه ليست مادتك. هذه مادة الدكتور على ، وهو سافر ، لذا لا يهم من يصححها.

- ما رأيك في الدكتور سامي؟

- نصاب!

- عفواً

- تريدين رأيي

- لا تحبه.

- هو نصاب ، وأنا لا أحب النصابين.

- و الدكتور علي؟

- دكتور محترم.

- و أنا؟

- صعبة بعض الشيء ، ولا أدري ما نتوقعه في امتحاناتك ، ولكنك طيبة وعندك ضمير.

- لم أكن اتصور أنك بهذه الصراحة. دائمًا تبدو متحفظاً أو صامتاً ، ولا ادري بماذا تفكر.

- بماذا أفكر؟

- بماذا تفكر؟

- بعائلتي.

- تحبها؟

- هي كل ما أملك.

- أنا لم يعد عندي عائلة ، توفي والدي ، ولا أعرف شيئاً عن أخي وأختي.

- سافرا؟

- لا

- هناك قطيعة بينكم.

- لا. أقصد ، كل منا له حياته ، ولا أحد يهتم بالآخر.

ساد الصمت برهة. لأول مرة ينظر إليها. التقت أعينهما ، فقال وهو ينظر إلى ساعته: الواحدة يا دكتورة.

قالت في يأس: كم ورقة تبقت؟ أنا عندي خمسين ، وأنت؟

نظر إلى الورق: حوالي أربعين.

صمت برهة ثم قال: هل يمكن أن أستعمل الموبايل؟

ثم أخرج التليفون ، وبدأ في الاتصال بنمرة وهي تنظر إليه.. تتفحصه.

- أيوه يا قمر ..إزيك يا حاجة. معلهش حتأخر شوية ..لأ كلي علشان خاطري ، يمكن ساعة كمان. طيب يا حبيبتي ، خلي بالك من نفسك..لا اله الا الله.

فتحت عينيها في ذهول: كنت تتكلم مع أمك؟

قال في تلقائية وهو يرفع ذراعه ويمدد ظهره على المقعد: نعم.

- تريد شاياً؟

- لو لم يكن عنك سكر فلا أريد شاياً.

نظرت إليه..لأول مرة تشعر بأنه رفع الكلفه بينهما. وهي لا تحب هذا. نعم تريده أن يشاركها الفراش الليلة ، ولكنها أبدا لا تريده أن يرفع الكلفة بينهما.

بدأت في تصحيح الامتحانات من جديد ، وساد الصمت ساعة اخرى ، ثم قام قائلاً وهو يبتسم: خلاص يا دكتورة. كل الامتحانات اتصححت.

قام. نعم دون كلمة ، وانتهى كل شيء. كل خططها ، كل آمالها، سوف تبقى عذراء إلى الأبد ، سوف تموت عذراء.

قالت في فزع: خالد متمشيش!

نظر إليها في ذهول فقالت مسرعة: عندي حاجة عايزة أديهالك.

لم يكن يفهم ماذا تريد وماذا حلَّ بالدكتورة هناء.

توقف في مكانه ، فجرت هي إلى المطبخ القديم ، نظرت إلى السقف العالي. كم هو عال وكئيب و..لم تنظفه الخادمة. نعم لم تنظفه. عندما تعود من أمريكا سوف تتفاهم مع خادمتها التي لم تنظف سقف المطبخ. أما الآن فعليها أن تغوي هذا الشاب الذي بدأت تكرهه. وبدأ صبرها ينفد ،

وكانت تعرف ماذا تريد وماذا ستفعل وكانت خططتها مرسومة بعناية.

امسكت بالكبس الرئيسي وهي في المطبخ ، وخلعت الكبس من البريزة ، وانقطع التيار كما أرادت.

تنفست الصعداء ، في الظلام ستستطيع أن تعطيه ما تريد ، وفي ظلام الليل وظلام المنزل ربما يصاب بالثمالة!

قالت في صوت عال: النور اتقطع يا خالد حجيب شمعة.

وكانت الشمعة جاهزة أمامها.

أضاءتها وعادت إلى الصالة. كان هو قد فتح باب الشقة وأمسك به.

قالت: خالد لماذا تقف هنا؟ ادخل من فضلك.

قال في صرامة: يجب أن اعود.

قبل أن يتحرك قالت من جديد: أرجوك انتظر خمس دقائق هناك مشكلة كبيرة.

لأول مرة ينظر إلى عينيها وكأن الشك بدأ يساوره وكأنه لا يعرفها.
Page 6
قال في فضول: مشكلة؟
أغلقت الباب ، وقالت وهي تقف أمامه: هذا البيت مسكون!
انفجر في الضحك" مسكون"؟
أمسكت بيده قبل أن يتحرك ، وبدأت في الكلام المستمر حتى لا ينطق. جرته إلى الكنبة الكبيرة. بدا وكأنه مستسلم لها.
- اسمعني يا خالد. أنا شفتهم بنفسي بيطلعوا لما النور يتقطع ، تبدأ الست تطير زي الدخان ، وبعدين الراجل يولّع في الشمع ويطفيه والأصوات..محدش يسمعها غيري.
نظر إليها في دهشة ولم ينطق. جلس على الأريكة يستمع في صمت.
كانت تنبس بالهراء ، وكانت تعرف ، ولم تكن تعتقد في هذه الأشياء ، ولكنها كانت متأكدة أنه هو يعتقد فيها.
قالت في خوف: هل تسمع شيئاً؟
قال والمشهد قد بدأ يستهويه: هل تمزحين يا دكتورة؟
- أبداً. هل تؤمن بالجن؟
- بالطبع.
- هل تعرف أحداً ممسوساً؟
- ممسوس كيف؟
- عليه جن يعني.
- آه ..طبعاً ، عمتي كان عليها جن.
- و عملت إيه؟
- صلت وواحد شيخ تقي ساعدها ..كانت تعبانة قوي..تصوري الجن قرصها في صوبع رجلها واتشل !
تنفست في ارتياح. لقد اقترب الهدف.
- هل تسمع يا خالد؟ ماذا أفعل في هذه الأصوات التي تلاحقني. تصور يوم موت أمي كنت أسمعها طوال الليل و..
صمتت ولم تعد تكذب.
- كنت أخاف من دخول حجرتها ، لم أزل أخاف من دخول حجرتها ، دائماً أشعر بها واقفة بجانب السرير وتوبخني لأني مازلت وحيدة.
هل كانت المرارة تصاحب صوتها؟ هل سمعها.
ساد الصمت. كانا يجلسان على الأريكة. لم تتحرك..نظرت إلى الشمعة ، ربطت عينيها بها ، وشعرت بدموع تتساقط في صمت.
هذه فرصتها. وكانت تعرف أن الضعف صفة من الصفات الحميدة في المرأة. المشكلة أنها لم تكن يوماً ضعيفة ، ولم يجرؤ يوماً رجل على أن يخترقها. والرجل يريد النصر ، والمرأة تريد الهزيمة ، وهي تكره الهزيمة والضعف.
مسحت دموعها ، وقالت مسرعة: أشعر بالخوف..من الظلام. من الوحدة من..الموت الذي يحاصرني.
بلع ريقه وهم بالقيام فأمسكت بيده قائلة: لا تتركني يا خالد. ليس الآن. لا تتركني في الظلام.
جلس من جديد في هدوء.
وكان عليها التصرف سريعاً.
ألقت برأسها على صدره في بطء ، وهمست وهي تضع يدها على صدره وتلصق جسدها بجسده: ترى أيوجد جن في هذا البيت؟
همس في ارتباك: لا أدري.
لم يتحرك. لم يدفع بها. ماذا يدور بعقله. كانت تود أن تعرف. وربما لن تعرف أبداً.
ألصقت خدها برقبته في تلقائية وهمست: أكره الليل والوحدة والصمت و..أنت؟ لماذا لا تتكلم؟
- دكتورة هناء الشمعة على وشك الانتهاء..هل تريدين..؟
- أريد..أن أهبك شيئاً ، هل تتذكر؟
- لا أعرفإ ان كنت أستحقه!
- لم يعد غالياً..أصبح قديماً وباهتاً.
- لا اعتقد أنك تملكين أي شيء قديم وباهت.
- أعطني فرصة.
- لماذا أنا؟
- لا تسأل. لا تتكلم.
انطفأت الشمعة وكانت فرصتها وهي تتحسس جسده وهو يضمها في قوة.
و لم تكن تحب القبلات ، ولم تكن تعرفها ولا تريدها. كانت تريد شيئاً واحداً ، ولم تعد تحتاج إلى كلمات وكل ما شعرت به هو معصمها الرقيق ينبض بين يديه. والهدف يقترب.
كم مَّر..
كانت تتنهد وهي تبتسم لنفسها وتنام على الأريكة والارتياح يبدو على كل جسدها.
وكان قد رحل.
Page 7
من طبعها الوصول إلى أهدافها في سرعة وحرفية. ولم تكن تحتاج إلى أن تخلع كل ملابسها ، ولم تكن تريد كل المقدمات الآن. كانت تريد تنفيذ المهمة فقط.

و كانت قد وهبته الهدية ، وكانت الساعة الخامسة صباحاً. وكانت متعبة ، ولابد أن تفكر في أمريكا والمؤتمر ونجاحها المبهر اليوم.

صوت الآذان دائماً يريحه ويعطيه الثقة في الغد وخاصةً أذان الفجر. أما اليوم..أما اليوم..

أغمض عينيه ، وطأطا رأسه ، ولم يشعر باليد التي تمسك بكتفه في البداية حتى سمع صوت صديقه: خالد..الصلاه يا خالد. ماذا بك؟

لم ينظر إليه..كان محمد صديقه الضرير. أقرب صديق إليه. أقرب إليه من أخيه.

دق محمد على كتفه من جديد ، وقال وهو يتحسس طريقه في الظلام المكتوب عليه منذ الطفولة..كان يتحسس طريقه لصديقه ولا يجده!

- ماذا بك؟ لماذا تأخرت؟

تنفس في بطء وكأنه يحاول أن يفهم ماذا جرى أمس ، ثم قال في هدوء: كنت أساعد الدكتورة هناء في تصحيح الامتحانات.

ابتسم محمد وهو يتحسس المقعد قبل أن يجلس ، وكانت انامله معتادة على أن تتحسس كل شيء وأي شيء دون خجل أو تردد.

- دكتورة هناء المعقدة! هل تتذكر محاضرتنا معها..كانت دائما تشرح بإفاضة ، ثم تنتظر في تحد وكأننا من عالم آخر ولن نفهم كلمة مما تقول. ست قوية ولكن مسكينة!

قال في شيء من اللامبالاة: مسكينة لماذا؟

- لا أدري..في هذه السن..كم تبلغ من العمر؟ في أواخر الثلاثينات على ما اعتقد.

صمت فجأة ثم قال وفكرة قد طرأت له: هل تظنها مازالت عذراء؟

قال خالد في ضيق: حرام نتكلم على أعراض النساء وقت صلاة الفجر. اذهب لتصلي.

- و أنت؟ لماذا لا تصلي؟ ماذا فعلت؟ هل ذهبت إلى غانية!

قال في غضب: كيف تقول هذا؟

- كنت أمزح..و لكنك لا تتهاون عن صلاة الفجر أبداً..لماذا اليوم؟

لم ينطق وكان يشعر بضيق غريب.

قال محمد في مكر: بذمتك ألم تتساءل ما إذا كانت عذراء أم لا؟ أنا أظنها عذراء..صوتها به شجن غريب. هل هي جميلة يا خالد؟

- لا أدري. ربما؟

- كنت تصف لي كل شيء.

- هل سنتكلم عنها طوال الليل؟ أنا متعب يا محمد.

- فلنتكلم عن صفاء إذن؟ آه كم أشتاق إلى امرأة وأنت في يدك الزواج من صفاء في ثوان ولا تفعل!

- ربما أفعل.

- قررت أن تعود إليها. هذا أفضل. هي بنت طيبة وبتحبك! وأمك وأختك مش عايزينك تتجوز ، لكن أنت محتاج للجواز. كلنا محتاجين للجواز. الراجل بالذات غير الست. الست مش بتحس بلّي إحنا بنحس بيه. ممكن تعيش من غير جواز..يمكن أن تبقى عذراء إن أرادت ، أما الرجل فلا يستطيع.

- نعم إن أرادت.

- عذراء هي إذن؟

فكر قليلاً ثم قال: إمَّا أنها عذراء أو كانت عذراء.

- لا أفهم.

- لا يهم..اذهب لتصلي.

- ماذا بك يا خالد؟

- اليوم..انقلبت حياتي رأسا على عقب. شيء لم اتوقعه ولم أطلبه ألقى علي كاهلي. فليسامحنى الله. لم أكن أريد هذا..اذهب لتصلي وادعُ الله لي ولا تسألني أبداً..ماذا حدث اليوم.
Page 8
(2)

..... نظر البواب للدكتورة هناء وهي تحمل الامتحانات وتتجه إلى سيارتها البيجو القديمة في ازدراء ، وقال وهو يدير وجهه: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم!

توقفت والتفتت له في فزع ثم قالت: لماذا تقول هذا؟.

أدار عينيه عنها وهو يتمتم بكلمات لا تسمعها. كانت تعرف لماذا يقول هذا. ولم تكن تدري ماذا تفعل..تعنفه؟ تهدده؟ ترشيه؟ تشرح نفسها له؟ تدافع عن نفسها؟

ولكنها قالت لنفسها في قوة! إذا كان في هذا البلد عليها أن تشرح نفسها للبواب كل يوم لأنها امرأة فمن الأفضل أن تذهب إلى بلد آخر أكثر تحضراً. ولم يخطر في بالها قط أن تعطي البواب عشرة جنيهات وتشرح له أن خالداً طالب عندها. وعشرة جنيهات كفيلة بأن تفتح كل الأبواب المغلقة داخل عقله! وعشرة جنيهات كفيلة بجعله يفكر كحارس خاص لأميرة فرنسية! إذا كان هناك أميرة فرنسية!

وعشرة جنيهات كانت كفيلة بفتح قلبه وغسل نيته وشرح الموقف!

ولكنها لم تكن تنوي التضحية بعشرة جنيهات ، ولم تكن تنوي أن تبدأ الآن بإعطاء الرشاوي!

وشعرت بأنها حرة طليقة للمرة الأولى ، والحمل قد زال عن ظهرها ، والالم والخزي تلاشا من نفسها.

وسوف تسافر إلى المؤتمر ، وربما تقابل رامي في أمريكا ، وربما لا. وفي كل الحالات هي ليست عذراء.

صورة شقتها لم تترك مخيلتها ، وكانت تحب شقتها إلى أبعد الحدود.

ولم تتغير الشقة كثيراً منذ وفاة أمها. أبقت كل شيء كما هو وحافظت على كل الأثاث وكل ما هو غال وثمين ، ولم يكن عندها طفل ينهك قوى الشقة ، ولا زائر يجلس على كنبة الصالون فيغير لونها مع الزمن. كان الصالون المدهب طراز الستينيات الذي اشترته أمها وقت زواجها كما هو ودائما تغطية بغطاء أبيض بسيط ونظيف. وكان الفيديو الذي اشترته منذ عشرة أعوام نظيفاًُ أيضاً ومغطى بمفرش كروشيه اشترته من ألمانيا في أحد المؤتمرات منذ أعوام. وحتى ريموت الفيديو كان في أحسن حال وكيسته السيلوفان لم تزل تغطيه ، وهكذا الحال مع التليفزيون الذي تغطيه بمفرش معيّن قبل النوم كل يوم. فتلوث القاهرة لا يُعلَى عليه ، وهي تحب أشياءها جدًّا ، هي كل ما تملك.

البهو الكبير في شقتها به القليل من الأثاث ، ولكن على يسار البهو غرفة الطعام. وهي أجمل ما في البيت ، هي كل فخرها ، الطاولة القديمة من الخشب الأرو البني والبوفيه العالي العظيم برفوفه الزجاجية!

هذا البوفيه هو صاحب كل مقتنياتها وعمرها ، وكانت تعشق التحف مثل والدها ، وتشتري الكثير منها. إذا كان هناك شيء تستطيع أن تبذّر فيه فهو شراء الفازات والتماثيل الصغيرة وأطقم الشوك الفضية القديمة ، وكل ثروتها كانت في هذا البوفيه الهائل ، وكانت المقتنيات تطل من البوفيه في حذر وفخر وشوق وانتظار لمن يلقي عليها نظرة او نظرتين.

وما كان يزعجها في بيتها أحياناً هو الممر الضيق الطويل طول العمر ، والمظلم معظم الوقت لأنها تقتصد في الكهرباء. وكان في نهاية الممر حجرة أمها وأبيها التي هي حجرتها هي الآن. وبجانب الحجرة حجرتان لا تفتحهما أبداً. واحدة كانت لأخيها ، والثانية لها هي وأختها ، ثم الحمام القديم الممتليء بمعطر الجو وكل أنواع الزيوت الصحية كاللافندر والكاموميل لتهدئة الأعصاب عندما تستحم.

هذا هو بيت الدكتورة هناء الذي اضطرت إلى أن تدفع لأخيها وأختها حقهما في ميراثه حتى تستأثر به وتعيش الذكريات ، وتتذكر أمها وأباها ، وتسمع أصواتهما مع صوت الموسيقى في صباح كل يوم. وكانت تحب حياتها هكذا. فقط احيانا كانت هناك ليال طويلة وسحاب كثيف يغمر جسدها البارد فيفيقه ولا يشبعه..يخنق عنقها في الليل المظلم ولا يقتلها ابداً. وكانت تخاف هذه الليال ويا ويل من يقابلها في الصباح ، تنفجر فيه بكل طاقتها وبقدر طاقتها ولا تفقد طاقتها.

الأن شعرت برغبة في أن تمر ببولاق!

شعرت برغبة في أن ترى بولاق قبل السفر ، للعلم فقط وليس أكثر. وكانت تمر على حي بولاق من حين إلى حين ، ولكنها لم تنظر قط إلى الحي على أنه مهم في حياتها.

لم يلفت نظرها في الحي سوى الكمية الرهيبة من البشر التي تنهال على محلات الفول والفلافل صباحاً والتصاق البشر بعضهم ببعض. كل هؤلاء..هذا الكم الضخم من البشر الذي يتصرف برتابة ونظام! وفي صمت مزعج. وصياح مكبوت.

وما لفت انتباهها هو صوت الموسيقى الصاخبة الذي يخرج من كل المحلات ولكل محل أغنيه مختلفة ، وكانت الأغاني ممتزجة داخل بولاق كل الامتزاج. مدفوسة في بعضها كالبشر بالضبط!

أراحت رأسها على مقعد الطائرة وهواء التكييف المزعج يتجة مباشرة إلى عينها اليمنى! أغمضت عينيها وبدأت تسترجع صوراً من ماضيها..منذ عشرين عاماً!

صوراً لفتاه تحب زميلاً لها في صمت. وكان رامي هادئاً متردداً وخجولاً. أعجبها ضعفه وتردده!

تم تعينهما معاً في القسم. اقتربت منه أكثر. كانا يتكلمان لساعات عن شكسبير وديكنز. وكان عاقلاً ، وكان ناضجاً وكان يفكر في الكون ويتأمل العالم.

مَّر عام وهو زميلها وهي تحبه في صمت ، كان يتمنى أن يهاجر إلى أمريكا. كان يتمنى أن يذهب في بعثة. وجاءت البعثة لها هي.

و أرادت أن تعرف مشاعره تجاهها. دائماً يتكلم عن أمه واحترامه لها ، وماذا تريد أمه ، وماذا تتوقع وأبداً لا يتكلم عنها أو عنه.

جلست أمامه في المكتب.
Page 9
أخذت تعبث بالأوراق في عصبية وتفرك أصابعها ، وقالت في يأس: هل أجرؤ على أن أحلم؟

بلع ريقه. طأطأ رأسه وهمس في صوت مبحوح: لا.

و كانت قوية ، وكانت تتخذ خطوة المبادرة ، وكانت تشعر به ، وكانت تريد أن تمد له يد المساعدة وكانت تعشق التحدي! والانتصار!

و مع أن إجابته خذلتها وربما كانت تتوقعها منذ البداية قالت في تحد: هل كنت واهمة؟ هل كل ما كنت أتصوره وهم! كنت غبية إلى هذا الحد..

قال في تأثر: هناء..أنت لست غبية.

قالت في عصبية: سأسافر بعد أسبوع.

قال وهو يثبت نظره إلى الأرض: أعرف. أنا..لم أجرؤ على الحلم يا هناء ، ولكنني..

سكت لحظات ثم قال: وما الفائدة؟ حتى إذا كنت أبادلك المشاعر فما الفائدة؟ أنت تعرفين ، أليس كذلك؟

قالت في انتصار: تبادلني المشاعر.

ابتسم قائلاً في شيء من الضيق والخوف: أنت..مشكلة في حد ذاتك..أنت..كالشاحنة الهائلة..لا أحد يستطيع السيطرة عليك ، أتعرفين هذا؟

نظرت إليه في غضب: أنا شاحنة!

- لا تضغطي أكثر يا هناء. انسي. النسيان أجمل نعمة أعطاها لنا الله!

فتحت عينيها وكلماته لم تزل تدوي في أذنيها: انسي..انسي.

ربما لن ترى رامي مرة أخرى أبداً. لماذا ظنت أنها سترى رامي من جديد؟

و من هو رامي الآن؟ هل هو نفس الشاب الذي أحبته منذ عشرين عاماً؟

تذكرت أيامها ووحدتها في أمريكا وجلدها وصبرها وعزيمتها وحلمها به يوماً بعد يوم.

قال إنها لا تجرؤ على الحلم..و لكنها كانت تجرؤ على كل شيء!

ليته يعرف الآن أنها تجرؤ على كل شيء.

عندما جاء دور رامي للبعثة لم يعد من أمريكا. استقر هناك وتزوج من مصرية ، ولا أحد يعرف عنه أكثر من ذلك.

تنهدت في إرهاق. كان يوماً طويلاً أمس. وكان رامي من عائلة تشبه عائلتها ، وكان من حي المهندسين ، وكان يتكلم معها بوجل واحترام ، ولم يكن من بولاق ، ولم يكن يتحسس طريقه من بين بقايا بشر يسحقون كل يوم آلاف المرَّات.

هل سترى رامي؟

و لو قابلته كيف ستخبره أنها لم تعد عذراء؟ كيف ستخبره؟!

ألن تكف عن التفكير فيه؟ ألم يخرج من حياتها منذ أعوام؟.

لم تكن تحب الذهاب إلى أمريكا ولم تكن تتذكر سوى أيام الوحدة والعمل واليأس. كانت تبحث عنه في المؤتمر في كل الوجوه ولم تجده. أعطت محاضرة عن الأدب النسائي في العصر الفيكتوري، ثم جلست في بهو الجامعة الكبيرة في كاليفورنيا تحتسي العصير الصحي الخالى من السكر وتفكر في حياتها.

ماذا ستفعل الآن بعد أن فقدت عذريتها؟

كانت تستمع إلى اللغة الأنجليزية من حولها وعيناها لا ترى سوى بلاطة واحدة في الأرض. كانت بلاطة بيضاء من الرخام. وبها بعض الحفر الصغيرة.. وماذا ستفعل مع خالد؟

لا شيء. كان أداه لتحقيق هدف وقد تحقق الهدف ، والآن لا يوجد أي داعٍ لاستعمال الأداة.

هل أساءت الاختيار؟ لا. خالد طيب وبسيط وابن بلد ومتدين، ولن ينطق بكلمة ، ولو نطق ستذبحه بيديها! عليه أن يعرف هذا. عليها أن توضح له هذا عندما تعود.

هناك حفرة صغيرة في هذه البلاطة..هل كانت موجودة منذ زمن أم أنها جديدة؟

ستوضح له أنه لو نطق بكلمة فسوف..

وهذا الحذاء الذي ترتديه هذه الأمريكية حذاء ذو كعب عال جداً ، كيف تمشي به! تمشي كالديناصورات بأرجل مفتوحة وكأنها لا تتقن المشي بعد.

لو نطق!

سمعت صوتاً تعرفه..رفعت عيناها من الأرض وهي تتوقع أن تراه. رامي. ألم تات إلى هنا من أجل رامي؟ هذه جامعة رامي. كان لابد أن ترى رامي.

و لكنها لم تر رامي..كان رجلاً آخر لا تعرفه. رأت الزمن في ملامحه ، وخافت على صورتها في عينيه!

جلس بجانبها. رجل في الأربعينيات ، شعره معظمه أبيض ، ملامحه تغيرت ، ونظرته تغيرت ، وكان رجلاً آخر!
Page 10
صوته لم يتغير.

لو نطق!

قالت في حماس: رامي!

ابتسم في شيء من التردد والضيق: هناء..كيف حالك؟ لا لن أسألك..بالطبع أنت بخير. هل حصلت على رئاسة القسم أم لا؟

كانت تتوقع سؤالاً آخر..لم يسأله! كم طفلاً عندك؟ ما اسم زوجك؟ هل مازلت عذراء؟قالت وهي تنظر لأصابعه الغليظة التي لم تعد تعرفها ، وللدبلة التي دفسها في أحد أصابعه ونساها للأبد.

- لا لم أحصل على رئاسة القسم بعد.

- و لكنك تكتبين كثيراً وتعملين كثيراً كالعادة. قرأت بحثك الجديد.

تفحصت وجه ، ولم تكن تدري هل رأت في وجهه غيرة أم إعجاب!

لم يسألها.. لماذا؟

تنهد وهو ينظر إليها وفي عينيه شيء من الرقة: كيف حالك يا هناء؟ عمر لم أرك؟ ماذا فعل الزمن بك؟

قالت في تحد: ماذا فعل الزمن بك؟

- الكثير.

صمت لثوان ثم قال: هل جئت إلى هنا لتقابليني؟

فتحت فمها في فزع لتتكلم فقال مسرعاً: بالطبع جئت لتقابليني، كنت في إجازة أمس ، لذا لم أحضر محاضرتك أنا آسف. كنت أعرف أنك ستأتين يوماً..و عندما تأتين ستتحدينني وتنتصرين علي.

قالت في فخر: أنا أنشر أكثر منك ، هذا أكيد!

همس في دفء: وأنت أحلى مني أيضا! كما كنت منذ عشرين عاماً. بالطبع لم تتزوجي.

- لماذا تقول هذا؟

- لأنني أعرف أنه لا يوجد رجل في العالم يستطيع السيطرة عليك يا هناء!

- ربما تزوجت من أجنبي!

- قلت رجل في العالم وليس في مصر. ياه يا هناء! عمر فات!

- سعيد بالبقاء في أمريكا؟

صمت دقائق: ما الفرق بين أمريكا ومصر؟

- الديمقراطية والحرية والعدالة!

ابتسم في تهكم: لا يوجد عدالة ولا ديمقراطية في أي بلد في العالم. الأقوى يشرع القانون ، والأضعف ينفذ القانون. ولكن متى ستتولين رئاسة القسم؟!

- لما ربنا ياخد سامي وأمثاله!

- سامي فتحي! هو رئيس القسم؟ حظك تعس جداًّ!

فتحت فمها..كيف تخبره بأنها فقدت عذريتها؟ وهل تستطيع؟!

ما أحمقها..رتبت كل شيء لهذا اليوم ، والآن لا تعرف كيف تخبره!

قالت من جديد: هل ستعود إلى مصر قريباً؟

قال في تلقائية: لا.

- زوجتك تحب أمريكا؟

- تكره أمريكا ككرهها لأمي ، ولكنها تحيا في أمريكا ومع أمي! مسكينة. بل أنا المسكين ، فعلي تحمل أمريكا وزوجتي وأمي!

ابتسمت. على الأقل لا يبد سعيداً! على الأقل لم يحصل على كل شيء ، وهي لم تحصل على أي شيء!

ساد الصمت للحظات. لحظات محرجة. ثم نظر إلى ساعته ، وقامت هي قائلة: سوف أغادر غداً.

قال في شيء من الخجل: مش قادر أعزمك في بيتنا ، أصل مراتي مسافرة ، وأنا كمان حسافر بكره.

ابتسمت في برود قائلة: مش مهم يا رامي. المرة الجاية!

قال في حماس: آه المرة الجاية.

ثم ابتسمت في مكر قائلة: على فكرة! أنت مش عارف كل حاجة عني زي ما أنت فاكر!

نظر إليها لثوان وهو لا يفهم ماذا تقصد ، فابتسمت في انتصار من جديد: أشوفك مرة تانية قريب إن شاء الله.

هز رأسه بالايجاب وهو يحاول فهم جملتها الأخيرة ولا يستطيع. وربما لن يفكر فيها كثيراً!

كانت رحلة أمريكا قصيرة وهشة كالسحاب.

قالت..هل أجرؤ على الحلم؟

و قال: لا!