Page 1
مقدمة المؤلف
يعد الدكتور محمد جابر الأنصاري رائد الحركة الفكرية والثقافية في مملكة البحرين، وأحد كبار رواد الفكر والسياسة في الوطن العربي· وقد غطت كتاباته، ومقالاته، وتحليلاته السياسية، ورؤاه الفكرية، مساحات واسعة من صحافة الوطن العربي من خليجه إلى محيطه·
وعلى الرغم من أن الدكتور محمد جابر الأنصاري بدأ مشواره بكتابات أدبية ونقدية، إلا أنه اتجه إلى الكتابة في مجالات الفكر والسياسة والثقافة، مثرياً المكتبة العربية بكتب هي في أمس الحاجة إليها في تاريخنا المعاصر·
وقد تبنى مشروعاً فكرياً وثقافياً بالغ الأهمية يتمثل في دراسة البنية الذهنية والبنية المجتمعية للواقع العربي، وهو المشروع الذي نال اهتمام النخب المثقفة في العالم العربي، وأخذت تبرز على صدر صفحات الصحف الكثير من المقالات والدراسات المتعددة التي تناولت فكره بالدراسة والبحث والتحليل، كما أقيمت المنتديات والملتقيات لدراسة مشروعه الفكري من مختلف جوانبه· وشغل فكره ورؤاه كبار المفكرين العرب باعتباره أحد أبرز رواد الفكر العربي في التاريخ المعاصر· وقد اعترف بذلك جمهرة من كبار المفكرين والأدباء والكتاب العرب الذين وثقت شهاداتهم في هذا الكتاب التذكاري للبرهنة على تجاوز فكره ضفاف الخليج وصحراء الجزيرة العربية لينفذ إلى جميع الأقطار العربية المشرقية منها والمغربية·
كان لتنوع دراساته بعد موطنه البحرين، في بيروت ولندن وباريس، وحياته العملية الملتصقة بالثقافة والعمل الأكاديمي والفكري في تلك البلدان التي كانت محطات في حياته العملية، وتكوينه صداقات مع كبار الأدباء والمفكرين العرب والأجانب، واطلاعه على العديد من الدراسات الفكرية والسياسية والثقافية العربية، والأجنبية بحكم إجادته اللغتين الأجنبيتين الأكثر شيوعاً واستعمالاً وهما الانجليزية والفرنسية·· كل تلك المعطيات دفعت به إلى إصدار مؤلفاته التي بلغ عددها عشرين مؤلفاً غطت جوانب مختلفة من الفكر والثقافة، داعماً بذلك مشروعه الفكري الذي أنطلق من خبرة علمية متراكمة، واحتكاك بالعديد من المنظرين والمفكرين في العالمين العربي والأجنبي، ما جعل مشروعه الفكري يفرض نفسه في عالم يموج حالياً بالعديد من التنظيرات والرؤى والإيديولوجيات المختلفة·
Page 2
لقد اختار الدكتور الأنصاري منطقة الفكر فأخذ يطل منها وهي ساحة معرفية مشتركة تقع على خطوط التماس مع الدين والفلسفة والسياسة والأدب، وعالج من خلالها واحدة من أدق إشكاليات العصر وأعقدها وأكثرها مدعاة للجدل والحوار، ألا وهي التوفيقية· كما لامس الخطوط الحمر في بحثه عن أسباب التأزم السياسي عند العرب، وهي حالة مزمنة أخذت من وقته الكثير، إلا أنه استطاع البحث عن جذورها وهي جذور حساسة تلافاها العديد من المفكرين العرب لأنها تلامس المحظور وتكشف المستور·
ويرصـد كتابنــا هـذا (محمد جـابر الأنصـاري: المفكـر والأفكــار) عبر فصوله السبعة شخصية الأنصاري من مختلف جوانبها· فقد تناول الفصل الأول نشأته وأثر مدينة المحرق على تلك النشأة· كما تناول دراسته في داخل البحرين في (الكتاتيب) أي أماكن تحفيظ القرآن الشعبية، ودراسته النظامية في المدرسة التحضيرية بالمحرق، ومدرسة الهداية الخليفية، ومدرسة المنامة الثانوية· وغطى الفصل دارسته في الخارج في بيروت ولندن وباريس·
تحدث الفصل الثاني عن حياته العملية مغطياً مزاولته مهنة التدريس بمدرسة المنامـة الثانوية والمعهد العالي للمعلمين، وعمله في الجهاز الحكومي عضواً في مجلس الدولة عام 1969م في وظيفة رئيس الإعلام، ودوره في تأسيس أسرة الأدباء والكتاب في البحرين· كما تم الحديث عن عمله في قطر في الفترة من عام 1975م إلى عام 1980م وجهوده الثقافية هناك، وعمله في باريس في الفترة من عام 1980م إلى عام 1983م وتعلمه اللغة الفرنسية وحصوله على شهادة من جامعة السربون·
ويبين الفصل الثاني أيضاً عودته إلى البحرين للعمل في جامعة الخليج العربي أستاذاً لدراسات الحضارة الإسلامية والفكر المعاصر اعتباراً من عام 1984م· وفي جانب آخر تناول الفصل تعيينه مستشاراً لجلالة ملك البحرين·
خصص الفصل الثالث لكتاباته الصحفية مغطياً بداياته الأولى عندما كان طالباً بالمرحلة الثانوية ومدرساً بها· كما غطى دوره في الصحافة العربية أثناء وجوده في بيروت وباريس واستكتابه لبعض الصحف العربية· وتحدث الفصل عن مقابلاته الصحفية وظاهرة مشروعه الفكري الذي نشرته الكثير من الصحف العربية·
Page 3
تناول الفصل الرابع مشروعه الفكري مبيناً بحثه عن الحقيقة، ومركزاً على آثار هزيمة حزيران 1967م، ومتطرقاً إلى البنية الفوقية كما برز ذلك في كتابه الموسوعي >الفكر العربي وصراع الأضداد< وتناول الفصل >التوفيقية< من جميع جوانبها· كما تحدث عن التأزم السياسي وحالته المزمنة عند العرب، متطرقاً في نهاية الفصل إلى النظام الديمقراطي والشروط المطلوبة لإنجاح تطبيقه·
ركز الفصل الخامس على مؤلفات الدكتور الأنصاري والتي بلغ عددها زهاء عشرين عنواناً، غطت وفق تقسيم الباحث خمسة حقول معرفية هي: الأدب، والسياسة، والفكر، والسوسيولوجية السياسية، والثقافة، وقد دعمت جميعها خطابه المتميز والمتجسد في الفكر والسياسة·
غطى الفصل السادس محاضراته متخذاً من محاضرة >العرب أمام التجربة اليابانية والقوة الصفراء< التي ألقاها في نادي الخريجين في عام 1985م نموذجاً·
ضم الفصل السابع الذي عرف بعنوان >من أرشيف الدكتور الأنصاري< بعض الرسائل والوثائق المتعددة· وانتهى الكتاب بملاحق مختلفة أهمها الملاحق الببليوغرافية·
لم تكن مهمة تأليف كتاب عن شخصية الأستاذ الدكتور محمد جابر الأنصاري بالمهمة السهلة، على الرغم من توافر مصادر مختلفة ومتعددة يمكن لأي باحث الاستفادة منها·· إلا أن عطاءه المتواصل في الثقافة والأدب والفكر والسياسة، وتبنيه مشروعه الفكري الذي شغل الأمة العربية من محيطها إلى خليجها·· جعل الباحث أمام بحر لجي يصعب شق عبابه بسهولة·
فالدكتور الأنصاري سماؤه عالية وبحره عميق، وفضاؤه واسع، وجميعها معطيات تبرهن على صعوبة إدراك شخصيته والإلمام بها من جوانبها المختلفة في كتاب واحد·
لقد كان حصادي من جني ثمار عطائه هذا الكتاب الذي أضعه بين أيديكم، راجياً أن أكون قد وفقت في تسليط الضوء على بعض جوانب من شخصية مفكرنا وأديبنا الكبير الأستاذ الدكتور محمد جابر الأنصاري·
د· منصور سرحان
البحرين 2008 م
Page 4
النشأة :
ولد الدكتور محمد جابر الأنصاري في مدينة المحرق عام 1939م· وكان والده من أوائل العاملين في صناعة النفط بالبحرين - أي منذ عام 1934م بعد أن كان منشغلا بأعمال البحر في الخليج العربي، حيث كان البحر مصدر الرزق الرئيسي لأبناء البحرين في فترة ما قبل النفط·
كان لمدينة المحرق أثرها الكبير في نشأته، فهي محطته الأولى في رحلته·· في هذا الكون وقد أضافت له قيماً كثيرة، كما أن الكثير من القيم والمكونات التي تسكن داخل نفسه حالياً أساسها المحرق، بخاصة وأنها كانت العاصمة الثقافية للبحرين في العقود الأولى من القرن العشرين· فقد تأسس فيها أول منتدى ثقافي وأول مكتبة خاصة وذلك بمجلس الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة· كما تأسست بها أول مدرسة نظامية في عام 1919م وهي مدرسة الهداية الخليفية التي خرجت العديد من رواد الصحافة والكتابة فيما بعد·
والمحرق كما يتذكرها الدكتور الأنصاري تتمتع بجو متميز، فيه نوع من التضامن الاجتماعي المرتبط بالحس العربي والقيم العربية النبيلة· وعلى الرغم من تفشي الأمية بين أفراد المجتمع البحريني في العقود الخمسة الأولى من القرن المنصرم، إلا أن أبناء البحرين بصورة عامة وأبناء المحرق بصورة خاصة كان لديهم حس قومي وتتبع للأحداث التي كانت تعصف بالعالم بصفة عامة والعالم العربي بصفة خاصة·
ففي المحرق كان الرجال يجلسون أمام الدكاكين ولم يكونوا متعلمين، أو ربما أنصاف متعلمين، غير أنه كان لديهم حس قومي، وحس سياسي واجتماعي· وكانوا يتحدثون في قضايا سياسية عالمية كأحداث الحرب العالمية الثانية وانتصار الحلفاء على دول المحور، ودور ألمانيا بقيادة هتلر في تدمير العديد من مدن القارة الأوروبية واحتلال الكثير من دولها·
وفي مطلع خمسينيات القرن المنصرم بدأ المد القومي يأخذ مجاله في مدينة المحرق، وأخذ الأهالي يتحدثون عن النضال والمعركة ضد الاستعمار الانجليزي، بعد تأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي الذي تعرضت له مصر وبخاصة بورسعيد التي تعرضت إلى قصف شديد·
Page 5
تعرف الدكتور الأنصاري على تلك الأحداث أثناء وجوده طالباً بمدرسة الهداية الخليفية، وهي المدرسة التي مثلت الاتجاه القومي والثقافي آنذاك، باعتبارها أول مؤسسة تعليمية حكومية تنشأ في البلاد، ما يعني أثر هذه الترسبات على مسيرة حياته الدراسية والعملية فيما بعد·
ويستذكر الأنصاري مضيفا : > ما إن نضج وعيي الوطني والعروبي نتيجة تلك التفاعلات حتى أدركت أن البحرين بكل مناطقها ومكوناتها بلد واحد·· بلد واحد من بلدان العروبة السمحة وعلينا أن ننظر إلى أدبها وثقافتها نظرة موحدة دون تجزئة، لذلك في تأريخي لماضي البحرين وحاضرها الأدبي والثقافي اعتبرت المحرق مكملا لبلاد القديم، وجدحفص مكملا للمحرق وكانت سعادتي باكتشاف الشيخ ميثم البحراني عظيمة باعتباره أبرز علماء الكلام والفلسفة ببلادي في العصور الإسلامية· وأعتز أنه بين أول أعلام البحرين الذين كتبت عنهم قبل أربعين سنة، ثم واصلت متابعتي لنتاجه في كل ما أقيم إحياء لفكره من ندوات سواء في البحرين أو خارجها· وكنت بصحبة معالي الشيخ عبدالله بن خالد آل خليفة، رئيس المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، عندما توجه وفد من علماء البحرين وباحثيها في عام 2007م إلى طهران للمشاركة في الندوة التي أقيمت هناك حول جوانب من فكر الشيخ ميثم البحراني كأبرز الشارحين لكتاب > نهج البلاغة<·
وأعتقد أن أية رؤية لأدب البحرين وثقافتها لا تلتزم بمثل هذه النظرة الشاملة، تعتبر رؤية ناقصة وقاصرة مصيرها الإخفاق والفشل، حيث لا يمكن تجزئة حقيقة الوطن الواحد والشعب الواحد في تعبيره عن مكنونه الوجداني ومعاناته الحياتية<·
دراسته في البحرين :
بدأ دراسته الأولى في الكتاتيب (أماكن تحفيظ القرآن الشعبية) حيث تعلم قراءة القرآن الكريم وحفظه، على يد (المطوّع)، وأمضى فترات بين سن السابعة والتاسعة فيها· وقد ساعده هذا الاقتراب المبكر من أسلوب القرآن الكريم على إجادة اللغة العربية، في دراسته النظامية فيما بعد، والتفوق في معظم المواد، وخاصة الاجتماعية والتاريخية، التي تعتبر إجادة العربية بها مدخلاً مهماً للتفوق فيها· أما المواد الرياضية والعلمية فلم يكن لديه ميل خاص إليها، وإن اعتنى بدراستها كجزء من تحصيله المدرسي·
Page 6
بعد حفظه القرآن الكريم التحق بالدراسة النظامية في المحرق وهي المدرسة التحضيرية (بيت الشيخ دعيج، جنوب المحرق) وهو في العاشرة من عمره· ويعود هذا التأخر النسبي في الالتحاق بالدراسة النظامية إلى أن والده رحمه الله لم يكن يعلم بمواعيد انتساب الطلبة الجدد إلى المدارس، وكان يأخذه متأخراً عن الموعد، فيتأجل انتسابه، إلى أن ضبط الموعد بالنسبة إلى المدرسة المذكورة·
ونظراً لإجادته العربية (من المطوّع) وكونه من بيت تعليم للقرآن الكريم، فقد كان والده ووالدته، رحمهما الله، من معلمي القرآن، وكان يستمع إليه منهما منذ الصباح· وبالنظر إلى بلوغه العاشرة، فلم يحتج نتيجة لذلك إلا لسنة دراسية واحدة في المرحلة التحضيرية، بعدها تم تحويله إلى مدرسة الهداية الخليفية شمال المحرق في عام 1950م· وفي بدء عام التحول ذهب إلى الهداية مع أقرانه مشياً على الأقدام من جنوب مدينة المحرق، ولكن في موكب بهيج· وقد أمضى في الهداية الخليفية أربع سنوات، هي سنوات الدراسة الابتدائية حتى عام 1954م·
كان لمدرسة الهداية الخليفية أثرها الكبير في مجرى حياته الثقافية· فقد التقى في هذه المدرسة بكتب القراءة الحرة لأول مرة في حياته من خلال مكتبة مدرسة الهداية الخليفية، وهي كتب ثقافية تختلف في مواضيعها وأهدافها عن الكتب المدرسية التي تركز على المنهج الدراسي المقرر· وكان لتلك الكتب دورها الفاعل في توجهاته الثقافية ونظرته في الفكر بصورة عامة، وفي بنية الفكر العربي والإسلامي بصورة خاصة·
بعد أن أكمل تعليمه الابتدائي انتقل للدراسة الثانوية بمدرسة المنامة الثانوية، وكانت المدرسة الثانوية الوحيدة في البلاد· وقد أتاحت المدرسة الثانوية الفرصة له للتعرف على أعضاء البعثة المصرية المكونة من أشخاص مثقفين من أصحاب المشارب الفكرية المختلفة والاتجاهات الأيدلوجية المتعددة كالإخوان المسلمين، والاتجاه الليبرالي، والاتجاه الوفدي· وكان يستمع مع أقرانه من الطلاب عن هذه الاتجاهات ويتم مناقشتها مع أساتذة البعثة المصرية·
Page 7
شهد في مدرسة المنامة الثانوية الكثير من الأمور والأنشطة السياسية، ومنها مظاهرات ضد العدوان الثلاثي على بورسعيد في عام 1956م، وإعلان الوحدة بين مصر وسوريا عام 1958م، وكان على وشك التخرج من الرابع ثانوي وهو تقسيم دراسي قديم يمثل ما قبل التوجيهي بسنة واحدة· وشارك أثناء دراسته الثانوية في خطب الصباح مع الدكتور غازي القصيبي، حيث كانا يتناوبان الخطابة وفق مواضيع يتم اختيارها بعناية تامة· وكانت مكتبة المدرسة الثانوية حافلة بالكتب والمراجع المهمة، وفيها تعرف إلى كتاب >فيض الخاطر< لأحمد أمين، المكون من عدة أجزاء جمعت بين دفتيها مقالاته الوجيزة التي مازال يعتبرها نماذج ممتازة للنثر العربي الجديد· فقد كانت من المختصر المفيد·
أنهى المرحلة الثانوية في عام 1958م، وكان ترتيبه الأول على المدرسة - أدبي وعلمي - ونال ما يزيد على 90%، وكان من حقه الذهاب إلى بريطانيا في بعثة دراسية على نفقة الحكومة، لكنه لم يكن يمتلك >الوساطة< القوية لذلك كون والده من عمال النفط، لذلك تم إرساله مع البقية ممن هم أقل معدلات منه إلى الجامعة الأمريكية ببيروت، وفي ذلك كما يقول الأنصاري: >كان ذلك من حظه<· فقد كانت بيروت مدينة حية عامرة بالفكر والاتجاهات السياسية والحياة، كما كانت الجامعة الأمريكية من أفضل مراكز التعليم في الشرق الأوسط من حيث المستوى الأكاديمي·
وفي حادثة تسترعى الانتباه في حياته الدراسية المبكرة، وهي أن تقدم لمسابقة مصرية في نقد بعض الكتب بالتنسيق مع إدارة التعليم في البحرين، ونال نتيجة ممتازة، فكان من حقه السفر إلى مصر لاستلام جائزته، لكن ذلك لم يحدث، فقد اعترض الإنجليز على سفره إلى القاهرة في أعوام المواجهة المصرية ضدهم· وتم السكوت تماماً عن هذه المسابقة والسفرة، وحرمانه من رؤية القاهرة واستلام الجائزة·
كان الأساتذة المصريون في المدرسة الثانوية يشجعونه على الدراسة في مصر، بخاصة وأن المؤتمر الإسلامي ومقره القاهرة يقدم منحات دراسية وبعثات بعد قيام ثورة يوليو في مصر· وقد استدعي من قبل بعض الأساتذة وفاتحوه في الذهاب لإكمال دراسته في القاهرة· وكان الأستاذ ياسين الشريف من أبناء فلسطين يدرس في الثانوية وأصبح فيما بعد سفير فلسطين في الدوحة، كان يهمه أن يدرس الأنصاري في الأزهر·
كان الأنصاري على صلة بالأستاذ ياسين الشريف فقد كان ومجموعة من الطلبة يناقشونه في الأمور الدينية، ووجدوه إسلاميا معتدلا وواسع الأفق· وكانوا يتناقشون معه بمنطق الشباب، ومنطق المد القومي آنذاك· وحاول مراراً ترغيب الأنصاري للدراسة في الأزهر، أما بقية الأساتذة المصريين فكان همهم أن يذهب إلى إحدى الجامعات في مصر·
Page 8
دراسته في البحرين :
بدأ دراسته الأولى في الكتاتيب (أماكن تحفيظ القرآن الشعبية) حيث تعلم قراءة القرآن الكريم وحفظه، على يد (المطوّع)، وأمضى فترات بين سن السابعة والتاسعة فيها· وقد ساعده هذا الاقتراب المبكر من أسلوب القرآن الكريم على إجادة اللغة العربية، في دراسته النظامية فيما بعد، والتفوق في معظم المواد، وخاصة الاجتماعية والتاريخية، التي تعتبر إجادة العربية بها مدخلاً مهماً للتفوق فيها· أما المواد الرياضية والعلمية فلم يكن لديه ميل خاص إليها، وإن اعتنى بدراستها كجزء من تحصيله المدرسي·
بعد حفظه القرآن الكريم التحق بالدراسة النظامية في المحرق وهي المدرسة التحضيرية (بيت الشيخ دعيج، جنوب المحرق) وهو في العاشرة من عمره· ويعود هذا التأخر النسبي في الالتحاق بالدراسة النظامية إلى أن والده رحمه الله لم يكن يعلم بمواعيد انتساب الطلبة الجدد إلى المدارس، وكان يأخذه متأخراً عن الموعد، فيتأجل انتسابه، إلى أن ضبط الموعد بالنسبة إلى المدرسة المذكورة·
ونظراً لإجادته العربية (من المطوّع) وكونه من بيت تعليم للقرآن الكريم، فقد كان والده ووالدته، رحمهما الله، من معلمي القرآن، وكان يستمع إليه منهما منذ الصباح· وبالنظر إلى بلوغه العاشرة، فلم يحتج نتيجة لذلك إلا لسنة دراسية واحدة في المرحلة التحضيرية، بعدها تم تحويله إلى مدرسة الهداية الخليفية شمال المحرق في عام 1950م· وفي بدء عام التحول ذهب إلى الهداية مع أقرانه مشياً على الأقدام من جنوب مدينة المحرق، ولكن في موكب بهيج· وقد أمضى في الهداية الخليفية أربع سنوات، هي سنوات الدراسة الابتدائية حتى عام 1954م·
كان لمدرسة الهداية الخليفية أثرها الكبير في مجرى حياته الثقافية· فقد التقى في هذه المدرسة بكتب القراءة الحرة لأول مرة في حياته من خلال مكتبة مدرسة الهداية الخليفية، وهي كتب ثقافية تختلف في مواضيعها وأهدافها عن الكتب المدرسية التي تركز على المنهج الدراسي المقرر· وكان لتلك الكتب دورها الفاعل في توجهاته الثقافية ونظرته في الفكر بصورة عامة، وفي بنية الفكر العربي والإسلامي بصورة خاصة·
Page 9
بعد أن أكمل تعليمه الابتدائي انتقل للدراسة الثانوية بمدرسة المنامة الثانوية، وكانت المدرسة الثانوية الوحيدة في البلاد· وقد أتاحت المدرسة الثانوية الفرصة له للتعرف على أعضاء البعثة المصرية المكونة من أشخاص مثقفين من أصحاب المشارب الفكرية المختلفة والاتجاهات الأيدلوجية المتعددة كالإخوان المسلمين، والاتجاه الليبرالي، والاتجاه الوفدي· وكان يستمع مع أقرانه من الطلاب عن هذه الاتجاهات ويتم مناقشتها مع أساتذة البعثة المصرية·
شهد في مدرسة المنامة الثانوية الكثير من الأمور والأنشطة السياسية، ومنها مظاهرات ضد العدوان الثلاثي على بورسعيد في عام 1956م، وإعلان الوحدة بين مصر وسوريا عام 1958م، وكان على وشك التخرج من الرابع ثانوي وهو تقسيم دراسي قديم يمثل ما قبل التوجيهي بسنة واحدة· وشارك أثناء دراسته الثانوية في خطب الصباح مع الدكتور غازي القصيبي، حيث كانا يتناوبان الخطابة وفق مواضيع يتم اختيارها بعناية تامة· وكانت مكتبة المدرسة الثانوية حافلة بالكتب والمراجع المهمة، وفيها تعرف إلى كتاب فيض الخاطر لأحمد أمين، المكون من عدة أجزاء جمعت بين دفتيها مقالاته الوجيزة التي مازال يعتبرها نماذج ممتازة للنثر العربي الجديد· فقد كانت من المختصر المفيد·
أنهى المرحلة الثانوية في عام 1958م، وكان ترتيبه الأول على المدرسة - أدبي وعلمي - ونال ما يزيد على 90%، وكان من حقه الذهاب إلى بريطانيا في بعثة دراسية على نفقة الحكومة، لكنه لم يكن يمتلك الوساطة القوية لذلك كون والده من عمال النفط، لذلك تم إرساله مع البقية ممن هم أقل معدلات منه إلى الجامعة الأمريكية ببيروت، وفي ذلك كما يقول الأنصاري: كان ذلك من حظه· فقد كانت بيروت مدينة حية عامرة بالفكر والاتجاهات السياسية والحياة، كما كانت الجامعة الأمريكية من أفضل مراكز التعليم في الشرق الأوسط من حيث المستوى الأكاديمي·
Page 10
وفي حادثة تسترعى الانتباه في حياته الدراسية المبكرة، وهي أن تقدم لمسابقة مصرية في نقد بعض الكتب بالتنسيق مع إدارة التعليم في البحرين، ونال نتيجة ممتازة، فكان من حقه السفر إلى مصر لاستلام جائزته، لكن ذلك لم يحدث، فقد اعترض الإنجليز على سفره إلى القاهرة في أعوام المواجهة المصرية ضدهم· وتم السكوت تماماً عن هذه المسابقة والسفرة، وحرمانه من رؤية القاهرة واستلام الجائزة·
كان الأساتذة المصريون في المدرسة الثانوية يشجعونه على الدراسة في مصر، بخاصة وأن المؤتمر الإسلامي ومقره القاهرة يقدم منحات دراسية وبعثات بعد قيام ثورة يوليو في مصر· وقد استدعي من قبل بعض الأساتذة وفاتحوه في الذهاب لإكمال دراسته في القاهرة· وكان الأستاذ ياسين الشريف من أبناء فلسطين يدرس في الثانوية وأصبح فيما بعد سفير فلسطين في الدوحة، كان يهمه أن يدرس الأنصاري في الأزهر·
كان الأنصاري على صلة بالأستاذ ياسين الشريف فقد كان ومجموعة من الطلبة يناقشونه في الأمور الدينية، ووجدوه إسلاميا معتدلا وواسع الأفق· وكانوا يتناقشون معه بمنطق الشباب، ومنطق المد القومي آنذاك· وحاول مراراً ترغيب الأنصاري للدراسة في الأزهر، أما بقية الأساتذة المصريين فكان همهم أن يذهب إلى إحدى الجامعات في مصر·