eKtab
EN ع
الدماغ البشري
Read free sample

الدماغ البشري

by سامي أحمد الموصلي

Page 1

بسم الله الرحمن الرحيم

يقول بعض الناس إن القلب هو العضو الذي نفكر به ، وأنه يحس بالألم والقلق، غير إن هذا ليس صحيحا ، على الناس أن تعرف أنه من المخ ، ومن المخ وحده تنبع مسراتنا وأفراحنا وضحكنا مثلما تنبع آلامنا وأحزاننا ودموعنا ، ومن خلال المخ وعلى وجه التحديد نحن نفكر ونرى ونسمع ونميز الخبيث من الطيب والجميل من القبيح والسار من المحزن.

-أبقراط-

Page 2

مقدمة ومدخل

خلفية علمية وفلسفية

لاشك أن من أعجب ما خلق الله تعالى من الكينونات الحية هو الإنسان ،-وهذا ما يجمع عليه العلماء في مختلف تخصصاتهم العلمية ، سواء كانوا مؤمنين أو ملحدين ، فالمؤمنون يؤمنون بأن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان بيديه – وهو لم يخلق مخلوقا غيره بهذه المباشرة – كما انه نفخ فيه من روحه – وهو ما جعله يفضل كل مخلوقات الله الأخرى حتى الملائكة الذين أستجدهم له بعد النفخ -، والملحدون يؤمنون أن تطور الكائنات الحية بخواصها الفريدة تبدأ من الأميبا أو الخلية الواحدة لتصل إلى أعلى قمة في التطور إلى الإنسان ، كما يؤمنون أن الجهاز العصبي ودماغ الإنسان هو أعقد حلقة في سلسلة التطور الحيوي سواء كمادة حيوية -دماغ- أو كنشاط لا مادي أو طاقة لهذه المادة الحيوية وهو العقل .

إن فرادة الإنسان ومميزاته على الكائنات الحية كثيرة جدا ، حتى قامت علوم كثيرة على تعدادها ودراستها رغم أن البايلوجيا تتعامل مع الخلية الواحدة كأساس بناء الكائن الحي وهي ببنائها لا تختلف من كائن حي إلى آخر إلا أنها حينما تصل للبحث في تركيبة الخلايا العصبية في الدماغ البشري تقف عند حدود معينة لا تستطيع تجاوزها سواء لتعدد الاختصاصات والوظائف الدماغية لهذه الخلايا أو لعددها البالغ عشرات المليارات كتركيب بنائي أو مئات المليارات لعقد وتشابكات عصبية بين كل خلية شجرية وتفرعاتها مع الخلايا الأخر .

إن جميع أعضاء الجسم الحشوية الباطنية وأعضائه الخارجية وحواسه يمكن تقليدها اليوم صناعيا بعد أن تقدمت العلوم الطبية والالكترونية والتكنولوجية ، وفعلا قامت عمليات زراعة القلوب الصناعية والأطراف الصناعية وصولا إلى الأذن الالكترونية والبنكرياس الالكتروني ولكن لم يمكن حتى الآن زراعة دماغ الكتروني يقوم مقام الدماغ الحي على الرغم من التقدم الكبير في صناعة الآليات الالكترونية والعقول الالكترونية مما سنتحدث عنه في باب البايوالكترونكس .

لقد كانت أعقد مشكلة فكرية وفلسفية في التاريخ البشري هي في القول بأن الدماغ مادة أما نشاطه فلا مادي ، فكان يدور التساؤل كيف تنتج المادة –الدماغ- اللا مادة –العقل والفكر .

وحتى اليوم ورغم التقدم في علم الأعصاب وجراحة الأعصاب والفسلجة الكهربائية للدماغ نجد هناك إشكالا يطرحه العلماء والفلاسفة عن آلية عمل الدماغ العصبية التي تنتج الفكر والعقل كطاقة ونشاط ووظيفة .

لقد طرح بعض المفكرين والفلاسفة القدامى كون أن العقل من نشاط الروح أو النفس وهما مثله لا ماديان ، وقامت عدة نظريات تفسيرية على ضوء هذه الفكرة، إلا انه تبين اليوم أن الروح والنفس إنما هما كينونات لا مادية ، وبالتالي لا يمكن الحديث عن آليات وميكانزمات تدخل المختبر العلمي لإثبات هذه النظرية وافتراضاتها ، بل إن علم النفس بعد دخوله المجال التجريبي المختبري ألغى مفردات النفس والروح من مصطلحاته كليا لأنها أولا وأخيرا لا يمكن البرهنة على وجودها تجريبيا ، فالمختبر أو العلم التجريبي يتعامل مع المادة وتفاعلاتها فقط وهذه المصطلحات لا مجال لها فيه ،وإلا عاد إلى كونه نشاطا فلسفيا وليس نشاطا علميا يمكن تكرار تجاربه والتحقق من نتائجها .

وبقي التساؤل الأول –إمكانية فهم آليات الدماغ –لإفراز العقل والفكر، وكيف تفرز المادة اللا مادة مطروحا على العلماء .

Page 3

وحينما تعمق البحث في الجهاز العصبي للإنسان وكيفية عمله وتحقيق اتصالاته بين الدماغ والأطراف الحركية من أعضاء خارجية ، توصل العلماء إلى وجود الكهربائية كطاقة ناقلة وحاملة للرسائل من الدماغ إلى العضو وبالعكس ، والكهربائية نشاط لا يمكن القول انه مادة لأنه حتى الآن تعددت نظريات تفسير الذبذبات الكهربائية بين كونها فوتونات –جسيمات –أو كونها موجات ، فالفوتونات يمكن إطلاق كلمة مادة عليها مع بعض الإضافات الوصفية الخاصة ، في حين أن الموجات ليست إلا معطيات شكلية عقلية هندسية غير مادية .

وبغض النظر عن المعطيات النهائية لازدواجية التفسير للضوء مثلا وللطاقة الكهربائية الحاملة ، فقد تبين أن الدماغ يقوم بنشاطه العصبي كاتصالات خارجية للأعضاء أو داخلية حشوية عن طريق هذه الكهرباء الحيوية ، بل تطور الأمر إلى البحث عن موجات كهربائية في كل عمل الدماغ الفكري والعقلي والانفعالي ...الخ دعيت موجات ألفا وبيتا ودلتا وثيتا، لقد تبين إذن أن الدماغ كمادة يستخدم مواصلاته لإبلاغ أجزاء الجسم كلها عبر هذه الكهربائية التي يمكن تصويرها والإحساس بها وحساب فولتيتها وأطوال موجاتها .

وحينما درس نشاط الدماغ على ضوء هذه الكهربائية، تحددت كثير من الآليات والميكانزمات للدماغ حتى بدا فرع علمي يتحدث عن الفسيولوجية الكهربائية للدماغ حيث يستخدم الطاقة الكهربائية لتحديد مراكز الانفعالات والأفكار والذاكرة وأي نشاط عقلي يقوم به الدماغ ، بل حتى الأمراض العقلية والنفسية والعصبية أخذت تدرس على ضوء هذه الكهربائية بعد أن تم تصوير الدماغ كهربائيا والتحدث بالالكترودات إلى مراكزه العصبية ومن ثم تم إجراء جراحات عصبية على الدائرات الكهربائية في الدماغ ودرس الجنون كاضطراب كهربائي في الدماغ ومن ثم تم علاج الكثير من هذه الأمراض عن طريق الصدمة الكهربائية والجراحة لقطع أو إيصال الاتصالات بين مركز دماغي وآخر بل حتى تقييم الشخصية نفسيا وتشخيص أمراضها أصبح عن طريق هذه الذبذبات التي حتى اليوم ليس هناك نظرية نهائية فيزيائية تعرفها حقيقة .

ولاشك أن معرفة طريقة عمل الدماغ ومنهجيته وميكانزماته قاد إلى محاولة صنع مشابه له الكترونيا وتقنيا ، فطريقة عمل الدماغ هي طريقة توصف بأنها تقوم على نظام التحكم الأوتوماتيكي –السيبرناطيقا-، وطاقة هذه الطريقة تتواصل عبر الكهرباء في الدماغ ، وهكذا أمكن بناء العقول الالكترونية والكمبيوتر كمشابه ومقلد لعمل الدماغ ، ولما كانت الكهربائية في المادة اللاعضوية يمكن تحقيق تسارع كبير فيها فقد وجدنا كمبيوترات أو عقول الكترونية تسابق الدماغ في عملها فتسبقه بآلاف المرات ضمن سياقات حسابية معينة .

على أن الدماغ الحي في الإنسان بقي متغلبا على كل العقول الالكترونية في كون أن كل هذه العقول لا تستطيع أن تكتب قصيدة واحدة من الشعر الذي يقدمه الدماغ الإنساني الحي ولا تستطيع إنتاج قطعة موسيقية مهما كانت ساذجة، فالإبداع خاصية إنسانية فريدة في الإنسان، ومع أن العقول الالكترونية قد تستطيع خزن كل معلومات العالم في قرص من صناعة النانوتكنولوجي الذي قد يستوعب أكثر من مليون قرص من الذي نتعامل معه اليوم، إلا أن اصغر خلية في الجسم الحي إذا صح التعبير، تخزن من الشريط الوراثي ما لا يستوعبه مثل هذا القرص خاصة حينما نضيف له قدرة استرجاع استذكارية حيوية خارقة في الدماغ الحي ، ومع هذا فقد طرحت فكرة تعشيق أو دمج بين قدرات الكمبيوتر والدماغ الحي فتم الحديث عن ربط ذاكرات الكترونية مع ذاكرة الدماغ الحي وربط أجهزة الكترونية لصيانة الجسم البشري والتعويض عن أية وظيفة داخلية أو خارجية فيه ،بل طرح حتى فكرة ترقيع الدماغ الحي بآليات الكترونية مبرمجة تساعد في القضاء على مرض أو تقوم بعمل الكتروني مشابه للعمل المعطل حيويا في جسم الإنسان ، فما دامت الطاقة الكهربائية هي أداة توحيد بينهما وما دام الجهاز الالكتروني مبني سيبرناطيقيا على ضوء نظام التحكم الأوتوماتيكي للعضو الخاص، فإن من الممكن الوصول إلى طموح كبير ببناء جسم من آلات والكترونيات يوضع فوقه دماغ حي ليصبح الإنسان نصفه حي -الدماغ- ونصفه آلة بقدرات كبيرة ، وبذلك يتم الجمع بين قدرات إبداعية للدماغ الحي التي لا يمكن تقليدها لأنها أساسا لا مادية وبين طاقة ميكانيكية والكترونية لجسم مصنوع من مادة غير عضوية ، هذا الطموح أنجز كأفكار سينمائية ومسلسلات للخيال العلمي إلا أن العمل لازال مستمرا على نفس المنوال والمنهج في الواقع والأيام حبالى بكل عجيب وغريب .

إن معرفة أسرار الدماغ وعجائبه قاد إلى أن يستطيع المشلول المشي والحركة عبر توصيلات عصبية كهربائية للعضو المشلول بإيعازات مراكز الدماغ المسؤولة عن الحركة المحددة ، ولكن هذه لم تكن النتيجة الوحيدة بل إن عكس هذه الآلية أتى بنتائج اكبر وهي القدرة على التحكم بالكمبيوتر من خلال طاقة الدماغ الكهربائية – العصبية دون حتى الحاجة إلى توصيلات سلكية .

فإذا كانت طاقة الدماغ للتحريك تنشأ في المخ كهربائيا ، فيمكن تضخيمها خارجيا حتى تستطيع تحريك الأشياء بمجرد التفكير بها والعزم على إجرائها ، وهذا ما أكده فريق من الباحثين الأمريكيين الذين قطعوا شوطا في هذا الاستخدام للتحكم بالأجهزة المختلفة .

لقد تمكن أربعة أشخاص بمن فيهم قعيدان يستخدمان الكرسي المتحرك من تحريك مؤشر فأرة الكمبيوتر التي يعمل بها الجهاز باستخدام غطاء للرأس مثبت به نحو 64 قطبا كهربائيا وقال العالمان جوناثان وولبو ودنيس ما كفارين - لقد أظهرت نتائج الدراسة أنه يمكن تعليم الأشخاص استخدام الإشارات الكهربائية للدماغ من خلال تسجيلها لتحريك مؤشر الفأرة في اتجاهين بشكل سريع ودقيق -، لقد ارتدى الأشخاص الأربعة الذين خضعوا للتجربة غطاء رأس الكتروني وجلسوا أمام شاشات عرض كبيرة ولم تزرع في رؤوسهم أية أجهزة بل اكتفى الباحثون بالقبعة الالكترونية.

لقد بنيت هذه التجربة على أن نشاط خلايا المخ تنتج إشارات كهربائية يمكن استخدامها بواسطة الأقطاب الالكترونية لتترجم بعد ذلك إلى أوامر للتحكم في الجهاز ، ولا يحتاج مثل هذا النشاط الدماغي لاستخدام عصب أو عضلة معينة لذا فإن الأشخاص المصابين بالجلطات أو الذين يعانون من مشاكل في العمود الفقري يمكنهم استخدام غطاء الرأس الالكتروني بكفاءة .

وليست هذه المرة الأولى التي ينجح فيها الباحثون في مثل هذه التجارب ، فقد استخدم بعض العلماء حركة العين فيما لجأ آخرون لطرق أخرى لتسجيل إشارات المخ الكهربائية للتحكم في الأجهزة ، بل إن فريقا من معهد أم أي تي الأوربي قد صمم غطاء رأس لاسلكي يمكنه ترجمة الإشارات الدماغية للتحكم في إحدى ألعاب الكمبيوتر .

أليس هذا من عجائب الدماغ التي لم تخطر على ذهن فيلسوف أو مفكر قضى عمره وهو يدرس العقل اللا مادي كيف ينتج عن الدماغ المادي ؟ .

وإذا كانت هذه المفردات على المستوى الحركي فقط لكن مفردات الدماغ تتجاوز هذه إلى درجة القول انه يمكن زيادة معدلات الذكاء الإنساني بربطه بالذكاء الصناعي ، حتى أن بعض العلماء أخذ يحذر من تفوق الذكاء الصناعي على ذكاء البشر فيما لو تمت عملية الربط بينهما ، ففي مؤتمر لمعهد الفرادة للذكاء الصناعي حذر العلماء في سان فرانسيسكو من آلات فائقة السرعة قابلة للتفوق على ذكاء البشر خلال فترة قصيرة وقد يتبعها تطوير معالجات الكترونية بسرعة الكمبيوتر لتزرع داخل الأدمغة البشرية لتحفيزها على معالجات حديثة ، وهاهم العلماء ينذرون العالم –إن المستقبل قد ينذر بوصول البشرية إلى منعطف جديد في تاريخها القادرة على إجراء برمجة ذاتية –ويعتقد أن زمن تحقق ذلك سيكون بحلول عام 2029.

لقد كانت ولازالت دراسة الدماغ البشري من أهم الدراسات العلمية والفكرية في تاريخ الإنسان ، وقد وصلت اليوم إلى درجة متقدمة جدا فألعاب الفيديو في اليابان تعرض دمى وألعابا لتنشيط الدماغ عند كبار السن ، ألعاب الكترونية تتخطى العمر ويمكن لكبار السن هناك تلقي دورة تدريب الدماغ، وتنتشر في المكتبات كتب عن الدماغ مصحوبة بأجهزة الروبوت تباع بادعاء أن التربيت على هذا الروبوت يمكن أن يقضي على العجز، وتقدم البلديات برامج لتنشيط العقل لكبار السن في إطار جهد لخفض أخطار الزهايمر .

على أن من أحدث التقنيات في أمريكا اليوم، هي تقنية مسح الدماغ التي ستدخل الانتخابات الأمريكية قريبا ، حيث يعكف العلماء في سانت دياغو- كما تقول السي إن إن- باستخدام نفس تقنية مسح الدماغ المتبعة لفهم المزيد عن مرض الزهايمر والتوحد على اكتشاف الفوارق والاختلافات بين الجمهوريين والديمقراطيين ، ويحاول بعض العلماء خلال موسم الانتخابات الأمريكية توظيف تقنية الدماغ هذه لمساعدة الساسة في سبر أغوار الناخب بصورة أكثر فعالية من الوسائل المتبعة حاليا من عمليات مسح واستطلاع ، ويتنبأ العلماء أن تصبح هذه التقنية إحدى أدوات الحملات الانتخابية في الولايات المتحدة خلال الأربعة أعوام المقبلة بالرغم من بعض التحفظات الأخلاقية على ما أطلق عليه –الترويج العصبي-، وتعتمد هذه التقنية على قياس تدفق الدم ، فعندما تبدأ خلايا المخ في إطلاق إشارات في جزء من المخ الذي يتحكم في الانفعالات تحتاج تلك الخلايا إلى المزيد من الأوكسجين الذي ينقله الدم، عندها يلتقط الجهاز مناطق المخ النشطة في شكل ومضات على شاشة المراقبة .

Page 4

لقد اكتشف عدد من علماء جامعة كاليفورنيا بلوس أنجلس بعد إخضاع عشرة من الديمقراطيين ومثلهم من الجمهوريين للتقنية عقب مشاهدتهم لصورتي مرشحيهم المفضلين جورج بوش وجون كيري ازديادا في نشاط المنطقة المسؤولة عن التقمص العاطفي وبدأت معدلات تدفق الدم على المنطقة التي تتحكم في العواطف في الارتفاع مع عرض صور المنافس المناويء لكلا المجموعتين .

وفي هذا السياق قال أحد العلماء المشاركين –الناس يصدرون الأطنان من القرارات أحيانا دون مبررات واضحة ، فأغلبية صنع القرارات يصدرها العقل اللاواعي وتقنية مسح الدماغ ستستخدم في المستقبل القريب لفهم واختيار السياسيين -.

على أن التقدم الحاصل في علم النانوتكنلوجي فتح آفاقا واسعة أشبه بالخرافة منها بالعلم بمنطقه القديم، فالنانوتكنلوجي الذي يتعامل مع جزيئات وذرات المادة المفردة ، يحاول القفز بين المادة اللاعضوية والمادة العضوية ، لقد فاز العالمان الفرنسي ألبرت فير والألماني بيترغرونبغ بجائزة نوبل لعام 2007 على ما يرتبط بهذا العلم وتطبيقاته في الأقراص الصلبة وهو أول تطبيق فعلي للعلوم النانوتكنلوجية، هذا العلم يتعامل مع الأشياء على مستوى النانو الذي يتضمن جزءا من البليون، فالنانو ثانية هي جزء من بليون من الثانية والنانومتر هو جزء من بليون من المليمتر وهكذا دواليك ، أي أن هذه التكنلوجيا تعد بإعطاء الإنسان التحكم الأقصى بالمادة حيث استطاع البشر الإمساك بالذرات والجزيئات وهي اللبنات الأساسية التي تتألف منها الأشياء كلها بحيث يصبح في الإمكان صنع أي شيء من أي شيء وبأي حجم، يمكن صنع مواد لا تخطر في البال مثل غواصة أو مركبة فضاء بحجم لا يزيد عن ظفر الإصبع أو صنع ورق أقوى من الحديد وهكذا .

ففي إطار التطبيقات التكنولوجية-البيولوجية يعمل العلماء في وادي السليكون على محاكاة الجهاز العصبي للإنسان في الأجهزة الذكية بما فيها الروبوت ،ويتوقع بعضهم تكوين بدائل للأعصاب وأنسجة الدماغ لتوضع في أجهزة الكمبيوتر والرجال الآليين ، وفي المقابل يمكن صنع ألياف متطورة لتحل محل الأعصاب في الإنسان ، كما يسعى البعض إلى تدعيم عمل الدماغ البشري بأنواع متطورة من الرقائق الالكترونية.

على أن ابعد تصور يأتي من محاولة دمج التركيب العضوي باللا عضوي الذي قد ينعكس على الإنسان والكمبيوتر بالشكل التالي : جسم الإنسان يتجدد فمعظم خلاياه تحتوي على خريطة الجينات الوراثية لصناعة كل خلايا الجسم المؤلف مبدئيا من عشرة تريليونات خلية تقريبا ، وتستطيع كل من هذه الخلايا أخذ الصفة لاستبدال نفسها كل بضع سنوات ، هنا يأتي دور تكنولوجيا النانو لأنها قد تتطور إلى حد اقتباس تقنيات عمل الخلايا واستعمالها في تجديد مكونات جهاز الكمبيوتر وهذا يعني أن يجدد الحاسوب -خلاياه-كل فترة خصوصا إذا نجح علم النانوتكنلوجي في مزج المواد العضوية مع غير العضوية فتتصرف المكونات الالكترونية في الحاسوب وكأنها خلايا فعلا .

إن كمبيوتر النانو المقبل يهتم بإدخال مواد بيولوجية من الكائنات الحية لتندمج الأسلاك وسائر أنواع الموصلات ما يجعل منها عناصر ذكية قادرة على التجاوب والتفاعل مع بقية الأجهزة التي يتألف منها الحاسوب ، مثلا لنفكر بالإمكانيات الهائلة للحامض النووي للوراثة الذي يحمل بلايين المعلومات في حجم فائق الصغر في قلب الخلية ، هل يمكن صنع نانو كمبيوتر يشبه الحامض النووي وقدراته ـ وان تضاف إليه قدرات الذكاء الاصطناعي للحواسيب ؟ يعطي هذا السؤال مثالا للتطبيقات التي يحاول العلماء تحقيقها في مجال الاندماج بين البيولوجيا والكمبيوتر من خلال النانو تكنلوجي.

هذا هو المدى الخرافي والسحري العجائبي الذي يصل بين الدماغ الحي والعقل الالكتروني عبر النانوتكنلوجي ، ولاشك أن هناك في الدماغ الحي أبعادا أكثر عمقا مما حدا باليابان أن تخصص هذا العقد من القرن الحادي والعشرين للدماغ دراسة وتخصصا وتعمقا بضوء ما لديها من تقنيات الكترونية ونانوتكنلوجية ولازالت البحوث جارية على قدم وساق في كل أنحاء العالم عن هذا الدماغ الذي تكمن فيه فرادة وتميز الإنسان، وفيه اكبر معجزة خلقها الله هو العقل الناتج عنه ، وهو سر تكليف الله لعباده وسر إعطائهم حرية الاختيار والإرادة دون سائر الموجودات من أبسط ذرة في العالم المادي إلى أعلى ملك في العالم الروحاني عالم الغيب والشهادة على السواء .

حول هذه المواضيع يدور هذا الكتاب أفلا يستحق إذن أن يكون كتاب قراءة لكل إنسان له دماغ فيه هذا التميز والفرادة؟

Page 5

1- الدماغ – العقل:

حينما كتب الكسيس كاريل- الحائز على جائزة نوبل عام 1912 لأبحاثه الطبية - كتابه - الإنسان ذلك المجهول-قال في مقدمته ( لست فيلسوفا ، ولكنني رجل علم فقط قضيت الشطر الأكبر من حياتي في المعمل أدرس الكائنات الحية ، والشطر الباقي في العالم الفسيح أراقب بني الإنسان ، وأحاول أن افهمهم ، ومع ذلك فإنني لا أدعي أنني أعالج أمورا خارج نطاق حقل الملاحظة العلمية ) (1).

وإذا أردنا أن نفهم طبيعة العقل والدماغ في المفهوم المعاصر فإننا يمكن أن نبدأ بما كتبه كاريل في النصف الأول من القرن العشرين في كتابه هذا ، حيث أشار إلى أن الفلاسفة العظام أوقفوا حياتهم في جميع الأزمان والبلدان على بحث معضلة العلاقة بين الدماغ والعقل ، وهل يرجع العقل إلى فسيولوجيا الدماغ أم انه كائن لا مادي يتجاوز كل معطيات الكيمياء والفيزياء والفسيولوجيا ؟

ولعل أوضح نص يمثل الفرق بين الدماغ والفكر عند كاريل جاء في حديثه عن النشاط العقلي حيث قال ( ما هو الفكر ، ذلك الكائن العجيب الذي يعيش في أعماق ذاتنا دون أن يستهلك أي قدر قابل للقياس من النشاط الكيميائي ؟ هل يتصل بأشكال النشاط المعروفة ؟ هل يمكن أن يكون منظم الكون؟ وانه برغم تجاهل الأطباء له أهم من الضوء قطعا ؟ إن العقل مخبأ بداخل مادة حية يهمله الفسيولوجيون والاقتصاديون إهمالا تاما ، كما لا يكاد الأطباء يلاحظونه ، ومع ذلك فإنه أعظم قوة في هذا العالم ...فهل هو نتاج الخلايا العقلية مثلما ينتج البنكرياس الأنسولين والكبد الصفراء ؟ ومن أي مواد يفرز؟ هل يأتي من مواد كانت موجودة سلفا كما يأتي الجلوكوز من الجليوكوجين أو الفيبرين من الفيبريفوجين؟ وهل يحتوي على نوع من النشاط يختلف عن ذلك الذي يدرسه الأطباء ويعبر عن نفسه بقوانين أخرى وتولده خلايا الغشاء المخي ؟ أم هل يجب اعتباره كائنا غير مادي يوجد خارج الفراغ والزمن ، خارج أبعاد العالم الكوني ، ويدخل نفسه في مخنا بطريقة مجهولة لنا ؟ )[2] .

إن هذه التساؤلات لعالم تجريبي وطبيب حاز على جائزة نوبل تضع المقاربة بين العقل والدماغ وضعا صحيحا كما كانت معلومات العلماء في النصف الأول من القرن العشرين. ولعلنا إذا تتبعنا هذه المقاربة نجدها تمتد زمنيا على طول القرن العشرين مع التقدم الكبير في علوم الدماغ والأعصاب والطب النفسي والعصبي ، حيث نجد أن احد أطباء النفس وهو يدرس عمليات غسل الدماغ يفرز فرزا واضحا بين الدماغ والعقل ، بين المخ والفكر فيقول ( يجب ألا يغرب عن البال دوما أن المخ شيء والفكر شي آخر ، فالمخ أو الدماغ إطار أو معمل أو ماكنة فسلجية مؤلفة من الخلايا والألياف العصبية ، أما الفكر فهو عالم غريب مجهول معقد الرموز ، لا نعرف كيف يصنعه المخ وسر علاقته بنشاطه ، ونحن نرى أنفسنا وشخصياتنا ومدى تباينها عن غيرها ، فمنا الانطوائي ومنا الحذر والشكاك ومنا الأريحي والانبساطي والبخيل والهستيري والمطيع والمشاكس ، وعشرات ومئات الاختلافات الشخصية التي تمتد جذورها إلى الوراثة والمحيط أو الوسط المباشر للإنسان في ادوار نضجه الأولى ، فهل تتمكن أي عملية من غسل الدماغ وتحوير الأفكار أن تقلب الشخص الانطوائي إلى هستيري والأريحي المنبسط إلى متشكك منعزل والانبساطي إلى حذر شديد الأوهام؟)[3].

وهكذا نراه يرد على دعوات تقول أن الدماغ والعقل هوية واحدة كما دعا إليها الماديون فيضيف قائلا ( فالدماغ عضو والعقل طاقة ترتبط بالمحيط ، العقل يحدث في الدماغ ، لكن لا مجال لخلق عقل في دماغ لا صلة له ولا تفاعل مع المحيط ، فالعقل هو نتاج اجتماعي )[4].

فإذا ما تقدمنا أكثر مع علماء النفس والفسيولوجيين نجد أن هذه المقاربة تتحول إلى نظريات متعددة ، حيث نجد مثلا النظرية الذاتية ترى ( أن العقل هو هو المخ وتسوي بينهما، وان الحالات النفسية والعمليات العقلية ليست إلا تغيرات فسيولوجية معينة تحدث في الجهاز العصبي المركزي أو حتى في المخ فقط ، وليس العقل أكثر من ذلك )[5] ، هذه النظرية بدأت في الخمسينات من القرن العشرين وتطورت حتى قالت ( أن ليس للعقل من معنى غير ما يحدث في المخ من تغيرات وان خصائص الحياة العقلية هي ذاتها خصائص الجهاز العصبي المركزي أو المخ واحداثهما)[6] .

على أن أصحاب هذه النظرية رفضوا الفكرة الساذجة التي تجعل أن هناك ذاتية واحدة بين العقل والمخ وأنها ذاتية منطقية ضرورية، وبذلك رفضوا القول أن العقل هو المخ في معناه وخصائصه أو أن يكون العقل هو المخ بالتعريف ، وذهبوا إلى ذاتية تجريبية تقول أن مرد الحالات النفسية والعقلية هي المخ وليس ثمة شيء آخر ، وهم يرون أن بين الخبرات النفسية والعقلية والتغيرات الفسيولوجية في المخ ارتباطا ضروريا .

إن هذه الدعوة تعود إلى الاعتقاد بأن كل ما بالكون مادي بطبيعته ولا يوجد شيء غير مادي وهم يرون أن معرفتنا الفسيولوجية إذا تطورت فحينئذ يمكننا تفسير كل الحالات النفسية والعقلية بضوئها .

إن المفارقة بين طبيعة الفكر والعقل وبين المخ والدماغ هي في كون الفكر والعقل لا ماديان في حين أن المخ والدماغ إنما هما مادة فكيف يمكن أن يفرز المخ المادي فكرا لا ماديا ؟.

Page 6

لقد طرحت أفكار معمقة علمية وفلسفية لحل هذه المشكلة منذ الفلسفة اليونانية حيث كان أرسطو يؤكد على لا مادية العقل والفكر ثم جاءت ثنائية ديكارت التي فرزت فرزا طغى على الفلسفة إلى القرن العشرين بين الفكر والدماغ والجسم والنفس .

واليوم نجد أن أحدث ما يطرح في هذا المجال هو ما عبر عنه احد العلماء المعاصرين بالقول ( بعض المشاكل العلمية العويصة المرتبطة بمفهوم الوعي وواحدة من هذه المشاكل هي مشكلة الدماغ- الفكر أو الدماغ- الجسد فقد ظل العلماء يتجادلون ولسنوات عدة فيما إذا كان الفكر محددا بالدماغ ؟ أصر الميكانيكيون –أصحاب المذهب الميكانيكي- على الجواب بالإيجاب ودليلهم على ذلك أن الدماغ إذا مات مات معه الفكر ، أما من يسمون بالحيويين –أصحاب المذهب الحيوي-الذي يقول بان الحياة مستمدة من مبدأ حيوي ولا تعتمد كليا على العمليات الفيزيائية الكيميائية ، فيجادلون بان الدماغ تعبير من تعابيرالفكر يمتد إلى خارج حدوده ودليلهم على ذلك أن بالإمكان تدمير أجزاء من الدماغ فيما يبقى الفكر سليما ) [7] .

إن عدم القدرة على الخروج من هذه الثنائية طرح مفردات جديدة وتفسيرات معقدة لطبيعة هذه العلاقة ، فيطرح علماء البيولوجيا تخريجات معينة لهذه الثنائية فيقول احد العلماء تحت عنوان عقول وأمخاخ مستعرضا وناقدا هذه الآراء (ليس من مجال يتضح فيه مدى الخلط بين مستويات التحليل ومستويات الواقع مثل ما يتضح عند مناقشة علاقة العقول بالأمخاخ فالمخ بالنسبة للتبسيطيين هو شيء بيولوجي محدد ينتج من خصائصه ما نلاحظه من السلوكيات وحالات الفكر أو القصد التي نستنتجها من هذا السلوك والعقل ، حسب الوضع السائد في الفلسفة الغربية أو ما يسمى بمادية الحال-الوسط هو ببساطة ما يمكن أن يرد إلى المخ ، فأحداث العقل -الأفكار والانفعالات وما إلى ذلك- تتسبب عن أحداث المخ أو يمكن اعتبارها ببساطة وسائل غير علمية وغير مرضية للكلام عن هذه الأحداث )[8] .

ولعل التقدم في علم الأعصاب وجراحة الأعصاب كان له إضاءة معينة على هذه المسألة المعقدة ، فهذا عالم الفسيولوجية العصبية جون أكلس الحائز على جائزة نوبل يقول ( إن ذلك المخ المحدد ذا التوصيلات المتينة توجد في نصفه الأيسر منطقة لم يقترب منها بعد بأقطاب كهربائية تسمى المخ الاتصالي ، هي على اتصال مباشر بعقل غير متجسد يستطيع ممارسة سيطرته على آلة المخ )[9] .

وقد توصل علم الأعصاب وفسيولوجيا الأعصاب إلى القول بلا مادية العقل بعد دراسات عديدة لخصها أكلس بالقول ( التجارب التي تتم عن الوعي تختلف في نوعها كل الاختلاف عما يحدث في آلية الأعصاب ، ومع ذلك فإن ما يحدث في آلية الأعصاب شرط ضروري للتجربة وان كان هذا شرطا غير كاف )[10] .

أما تشارلس شرنغتون الذي يعتبر مؤسس فسيولوجيا الأعصاب الحديث فنتيجة بحوثه الرائدة في الجهاز العصبي والدماغ خلص إلى القول ( هكذا ظهر فرق جذري بين الحياة والعقل ، فالحياة مسألة كيمياء وفيزياء أما العقل فهو يستعصي على الكيمياء والفيزياء)[11] .

انه يقر أن أنشطة العقل تتجاوز آليات الفيزياء والكيمياء وكأنه يقول انه لامادي أيضا.

لقد امتدت دراسة النشاط الفسيولوجي للدماغ فتوصلت إلى ما عبر عنه احد العلماء المعاصرين بقوله (إذا فالنشاط الفسيولوجي والكيميائي للدماغ وفقا للنظرية العلمية الجديدة أمر ضروري للإحساس متزامن معه ، ولكنه ليس الإحساس بعينه ، والمادة وحدها لا تستطيع أن تفسر الإدراك الحسي ، فالنظرة القديمة تستطيع أن تتحدث عن الموجات الضوئية والتغيرات الكيميائية والنبضات الكهربائية في الأعصاب ونشاط خلايا المخ ، أما عن عمليات الإبصار والشم والذوق والسمع واللمس ذاتها فليس عند المادية ما تقوله ، أن الإدراك الحسي حقيقة ولكنه ليس المادة ولا هو من خواص المادة وليس في مقدور المادة أن تفسره ، ومن هنا يخلص شرنغتون إلى أن كون وجودنا مؤلفا من عنصرين جوهريين أمر ليس في تصوري ابعد احتمالا بطبيعته من اقتصاره على عنصر واحد فالنظرية الجديدة تفترض وجود عنصرين جوهريين في الإنسان الجسم والعقل )[12] .

على أن أكثر من تخصص في هذا الموضوع بتجاربه على الدماغ هو العالم الكندي بنفيلد الذي أجرى أكثر من ألف عملية تجسس وتحسس للدماغ حتى رسم خريطة كاملة تبين من خلالها مناطق الدماغ المسئولة عن النطق والحركة وجميع الحواس الداخلية والخارجية غير انه لم يستطع-حسب اعترافه- أن يحدد موقع العقل ولا الإرادة في جزء من الدماغ ، فالدماغ عنده هو مقر الإحساس والذاكرة والعواطف والقدرة على الحركة ولكنه فيما يبدو ليس مقر العقل أو الإرادة، وهكذا توصل بنفيلد إلى انه ما من عمل من الأعمال التي نعزوها إلى العقل قد ابتعثه التنبيه بالالكترود أو الإفراز الصرعي ويقول بأنه ليس في قشرة الدماغ أي مكان يستطيع التنبيه الكهربائي فيه أن يجعل المريض يعتقد أو يقرر شيئا ، والالكترود يستطيع أن يثير الأحاسيس والذكريات غير انه لا يقدر أن يجعل المريض يصطنع القياس المنطقي أو يحل مسائل في الجبر بل انه لا يستطيع أن يحدث في الذهن ابسط عناصر الفكر المنطقي ، والالكترود يستطيع أن يجعل جسم المريض يتحرك ولكنه لا يستطيع أن يجعله يريد تحريكه ، انه لا يستطيع أن يكره الإرادة فواضح إذا أن العقل البشري والإرادة البشرية ليس لهما أعضاء جسدية )[13] .

من هنا كانت استنتاجات بنفيلد بان هناك فرقا بين الدماغ والعقل فيقول بان العقل لا الدماغ هو الذي يراقب ويوجه في آن معا ، ويقول بان توقع آلية الدماغ العليا أو أية مجموعة من ردود الفعل مهما بلغت من التعقيد بما يقوم به العقل وبأداء جميع وظائفه أمر محال تماما ، بل انه يؤكد على أن تفسير العقل على أساس النشاط العصبي داخل الدماغ سيظل أمرا مستحيلا كل الاستحالة ، ولذلك نراه يقول بأنه اقرب إلى المنطق أن نقول إن العقل ربما كان جوهرا متميزا ومختلفا عن الجسم .

هكذا يستنتج العلماء في نظرتهم العلمية الجديدة في القرن العشرين بعد أن طغت وحدة عميقة بين العلوم ( ففي القرن العشرين تلتقي الفيزياء ومبحث الأعصاب وعلم النفس الإنساني عند المبدأ نفسه ، عدم قابلية إرجاع العقل إلى مادة وأولية العقل تربط نظرية النسبية بميكانيكا الكم ، وبحوث الدماغ بالانفجار العظيم وشدة القوى النووية بحجم الكون )[14] .

على أن البحث العلمي لهذه العلاقة والمقاربة بين الدماغ والعقل والمخ والفكر قد تطور أكثر بعد أن تقدمت بحوث البيولوجية الجزيئية فأعيد طرح المفهوم المادي الفيزيائي- الكيميائي كتفسير لنشاط الدماغ الذي ينتج العقل وخرجت فلسفة من هذا الطرح تقوم على رد كل شيء إلى مجموعة التفاعلات الكيميافيزياوية، هذه الفلسفة دعيت بفلسفة ليس إلا وخير من يمثلها العالم الفرنسي الحائز على جائزة نوبل بالبيولوجية الجزيئية ومدير معهد باستور في باريس جاك مونود حيث يعبر عن هذا الاتجاه بقوله ( من البكتيريا إلى الإنسان ، تكون الأجهزة الكيميائية من حيث الأساس هي ذاتها في كل من تركيبها وأداء وظائفها ...إن الكائنات الحية مكائن كيميائية وكل الأنظمة العضوية قابلة كليا للتفسير بلغة التفاعلات الكيميائية المحدودة )[15] .

ويفسر -جي زد يونغ-العقل على ضوء هذه المعطيات بالقول ( أن مفاهيم كالعقل والوعي وحتى التفكير وكل التعابير التي تشير إلى احساسات وتجارب ذاتية هي قطعا زائدة أو غير ضرورية، وأن كل ما يسمى بالظاهر العقلية يمكن وصفه بشكل كامل بلغة النشاط الفيزيائي –الكيميائي في الدماغ ، وان الدماغ نفسه يقلص إلى كمبيوتر مفصل له أجزاؤه العصبية بدءا من الترانزستور والأجزاء المعدنية )[16]

إن الواقع النهائي في نظر مونود ليس إلا تفاعل فيزيائي كيميائي في الجزيئات والذرات والجسيمات الأولية، وإذا كان العقل لا يستطيع أن يكون أكثر من اضطراب في الخلايا العصبية في قشرة الدماغ كان من الأفضل -كما يقول جون لويس-حذف الكلمة ذاتها وينبني على ذلك أن التفكير بما فيه تفكير مونود نفسه الذي يقوم بهذه الاكتشافات ويبشر بهذه المسألة لا يمكن وصفه بأنه حقيقي إذا كان يتألف من تفاعلات جزيئية فقط لان أي رد فعل كيميائي في خلية عصبية في قشرة الدماغ لا يستطيع أن يؤكد أي شيء.

وهذا يعني التخلص من العقل والتفكير بما يعنيه من تخلص عالم التثمين الفكري والرسم والأدب والموسيقى حيث يصبح كل ذلك وهميا وظاهرة ثانوية كليا .

فالهدف في نظر مونود ليس له معنى لان العقل ليس أكثر من عمليات فيزيائية -كيميائية ، ولما كانت العمليات العقلية مجرد كيمياء الخلايا العصبية في قشرة الدماغ فهي لا تستطيع خلق هدف .

إن القول بهذه الردية ينفي القيم والواجب والحقوق والفن والدين لان كل شيء إنما هو مادة في حالة تفاعل فيزيا-كيماوي فقط ولا هدف لها .

Page 7

ويرد جون لويس على هذه الأفكار بقوله [17] بأننا لا نتحدث عن جسد وعقل كما لو كانا منفصلين وكلاهما وجد بنفس الطريقة ، إن الأجساد توجد فعلا بوصفها كيانات مادية إلا أن العقل واقعي أو حقيقي بوصفه وظيفة وليس كمادة عقلية ، والعقل يعني أن الكيان العضوي يفكر ولا تصدر عنه ردود فعل فقط كما يفعل فأر مختبر تجاه قطعة من الجبن ، وما يمثل أمامنا هو الواقع الذي لا سبيل إلى الشك فيه لأناس من أمثال فرنسيس كريك وجاكس مونود ذاتهما .

وهكذا تتأكد فرادة الإنسان وكما يقول توينبي ( بظهور الوعي يتجأوز تطور الحياة النفسي والاجتماعي مرحلته البيولوجية الصرفة ...إن وعي الإنسان قد أعطى الإنسان سموا على جميع أنواع الكائنات الأخرى ، كل هذا من خلال عقله ووعيه اللذان لا يمكن ردهما إلى التفاعلات الكيميافيزيأوية ) .

ولم تقف التفسيرات الفيزياكيمياوية مكتوفة الأيدي أمام دعاة تميز العقل عن الدماغ وخاصة بعد الاكتشافات الكبيرة لكهربائية الدماغ وسيبرناطيقية سلوكه ، لذا فقد طرحت أفكار إن لم تكن علمية تجريبية فهي قريبة إليها ، من هذه الأفكار تفسير نشاط الدماغ الشبيه بالكمبيوتر على انه نشاط بايوالكتروني ، أي أن النشاط يشبه عمل الأجهزة الكهربائية كالتلفزيون مثلا لكنه على أساس حيوي لامادي صناعي .

يقول بعض من فسر هذا إن الفجوة بين الإنسان والحيوان تكمن بالقوة الخاصة التي يتمتع بها الجهاز العصبي للإنسان ، فهي أكثر الخلايا قابلية للتعقيد والتضخم ، وان هذا التعقيد هو الذي جعل نشأة المخ الإنساني ممكنة وهو الفرق الأكبر بين الإنسان والحيوان ، وعلى ذلك ( يكون الإنسان هو الحيوان الذي نما جهازه العصبي نموا خارقا ، كما كانت الحياة هي المادة التي نمت فيها مركبات الكربون نموا خارقا ، وبعبارة أخرى يمكن القول بان ذرة الكربون شذت عن غيرها من الذرات بقدرتها على تكوين عدد لانهاية له من المركبات فكانت الحياة ، وكذلك شذت الخلية العصبية عن غيرها من الخلايا بقدرتها على النمو نموا خارقا باتحادها مع مثيلاتها ، وبذلك تكونت الفصوص المخية الخاصة بالإنسان ، وليس الشذوذ في كلتا الحالتين صدفة أو عفوا ولكنه من غير شك نتيجة تركيبية داخلية خاصة بذرة الكربون والخلية العصبية )[18] .

وهكذا يستنتج دعاة هذا الرأي أن ( المخ هو عضو العقل كما تكون العين عضو البصر على فرق بينهما إن العلاقة بين فسيولوجيا العين والبصر واضحة على حين أن المطابقة بين فسيولوجيا المخ ووظيفة العقل ليست واضحة تماما ولا تزال فسيولوجيا المخ في حاجة إلى كثير من الدرس )[19] .

أما كيفية دخول الإلكترون إلى هذا التفسير فتظهر لديهم من خلال عمليات القطع في المخ التي تبين أنها لا تفقد ذاكرة الإنسان أو علمه أي أن هناك دليل على أن فسيولوجيا المخ لم تكن فيزيائية ولا كيميائية ولا تشريحية ، ولم يستطع احد أن يتبين طبيعة هذه الفسيولوجية حتى وقت قريب جدا عندما كشفت الخواص الالكترونية ، هذه الخواص تمهد السبيل إلى فهم فسيولوجيا المخ وعلاقتها بسيكولوجيا العقل .

على أن من دعا إلى هذا التفسير يستدرك انه لم يثبت بعد ثبوتا قاطعا أن عمل المخ الكتروني صريح ولكن فسيولوجيا المخ من غير شك تقوم على قوة إن لم تكن الكترونية فعلا فهي قريبة جدا منها ، ويقول صاحب هذا الرأي بما أن انقسام الخلية منظم تنظيما لا يمكن تصوره على أساس كيميائي أو فيزيائي وإنما يمكن تصوره على انه الكتروني ، كذلك القوة العقلية التي يستطيعها المخ إنما يستطيعها بقوة شبيهة غاية الشبه بالقوة الالكترونية.

إن ما يهمنا هنا ليس التفسير الالكتروني هذا وإنما محاولة المقاربة الممكنة بين العقل والدماغ فدعاة هذا الرأي يعتقدون بأن القوانين الفيزيائية والكيميائية من المستحيل أن تقدر على تفسير الذاكرة البشرية أو الحب أو الضمير لان هذه من الدقة والحد الذي يكون لكل فكرة أو إحساس معنوي مادة كيميائية خاصة به أو ضغط كهربي خاص ، ثم إن الأعمال العقلية العنيفة لا يصحبها زيادة في استهلاك الأوكسجين مما يدل على أن العمليات العقلية ليست كيميائية ،ومن المستحيل أن نتصور إنشاء شعر جميل على انه عمل كيميائي فيزيائي بذلك –كما يقول صاحب هذا الرأي-كان حتما على العلماء القدماء أن ينبذوا الرأي القائل بان اثر تركيب المخ هو اصل وظيفة العقل .

أما بعد اكتشاف القوة الالكترونية حينما تبين أننا نستطيع أن نؤثر في المواد تأثيرا لا يغير من كيميائيتها ولا من فيزيائيتها وإنما يرتب الكتروناتها ترتيبا يختزن هذا التأثير ويستعاد عندما يراد ذلك مثل شريط التسجيل الذي هو أشبه بالذاكرة يمكن تفسير العقل على ضوئه ،وهكذا يقولون –أن كل مؤثر خارجي يخلق بواسطة حواسنا مسالك الكترونية في المخ وهذه المسالك نفسها تصبح طريقا معبدا للمؤثرات التي تحدث بعدها فتسير فيها وقد تعترض طريق مؤثرات أخرى فتقف في طريقها .

لقد وصل هذا الرأي إلى أن المخ بنشاطه الالكتروني يفرز وظائف معنوية عدة منها الذكاء والعقل والضمير والتي صار بها الإنسان أرقى الكائنات الحية ، أما وظيفة المعرفة فيقولون أنها وظيفة عرضية وليست حتمية وليست من ضرورات الوظائف الحيوية بل هي ترف صادفه العقل فأوغل فيه واستعذب نتائجه وأصاب منه فوائد كثيرة لم تكن في أول الأمر واضحة أو مقصودة أو محتملة .

إن المخ بخواصه الالكترونية والكيميائية والفيزيائية والحيوية جماع كل قوانين الكون وهي مركزة فيه تركيزا شديدا وهو سبب تجاوب المخ مع قوانين الكون ( فالمخ وهو جماع القوانين الكونية كلها في صورة مصغرة لا يعدو أن يكون عضوا نظامه اقرب ما يكون إلى نظام الكون/ وكل حدث في الكون أو كل قانون من قوانينه يجد في المخ تجاوبا معه وتوافق النغم بين الاثنين أمر محتمل جدا ) [20].

على أن هذا الحديث النظري لم يقف عند هذه الحدود فقد ظهرت بشكل واضح في القرن العشرين دراسات عن الظواهر الخارقة لدى بعض الناس مثل التخاطر وسبق المعرفة والاستبصار وتحريك الأشياء بقوة العقل وحده ...الخ وبعد دراسات عديدة للتوثيق تبين حقيقة وجود مثل هذه الظواهر ولكن التفسير العلمي الفيزيائي والكيميائي لم يستطع أن يؤدي دوره فيها فعجزت كل معطيات العلم التجريبي المعاصرة عنها وظهر علم الباراسيكولوجي لتأكيد هذه الحقائق وكان مما خلصت إليه هذه الدراسات في تفسيراتها للظواهر الخارقة تأكيد الحقائق التالية ( إن الباراسكولوجي الذي يبحث الخوارق البشرية المعروفة قديما وحديثا إنما يبرهن بشكل أساسي على أن هذه الخوارق البشرية كان لها من طبيعة الإنسان أساسا ترجع إليه ، ومن القدرة العقلية للإنسان على توظيف معطيات الطبيعة لخدمته حق الوجود الاستثنائي والسيادي للإنسان على الطبيعة ، فالباراسيكولوجي إذن يبحث علميا بهذه الظواهر وكيفية حدوثها وتجاوزها لما يعرفه في الطبيعة من قوانين أكدتها مختبراتها ونظرياتها الموثوقة ، انه علم طبيعي ولكنه استثنائي لأنه يبحث ظواهر توصف أساسا بأنها استثنائية خارقة تتجاوز المعروف والاعتيادي والمألوف ، ولكنها في الحقيقة تخضع لطبيعة الإنسان ونفس الإنسان وعقل الإنسان إذا لم نقل دماغ الإنسان نفسه )[21] .

وقد سبق لعلم النفس أن أكد أن هناك قدرات خارقة للاشعور في الإنسان تتجاوز القدرات الطبيعية للشعور والوعي ، اظهر كل ذلك ممارسات التنويم المغناطيسي والعلاج النفسي التحليلي وقد ثبت أن اللاشعور يمارس نشاطه في الجانب الأيمن من الدماغ المسؤول عن الإيمان والانفعالات .

كل هذا كان خلفية لإبراز قدرات العقل التي تتجاوز طبيعته المادية وقدراته المعروفة

على أن هناك شبه إجماع بين العلماء على أن هناك طاقة في الدماغ –العقل تتجاوز كل ما هو معروف ، لذا كان لابد للعلم أن يبحث تجريبيا عن هذه القدرة والطاقة الخارقة ، ولكن كل معطيات العلم التجريبي وحتى نظرياته وقوانينه بقيت عاجزة عن إعطاء التفسير الكيميائي والفيزيائي لهذه الطاقة حتى تم الحديث عن أنها قد تكون طاقة خامسة غير معروفة علميا بعد فلا هي طاقة كهرومغناطيسية ولا جاذبية ولا نووية ضعيفة أو قوية وهذه هي الطاقات المعروفة للعلم ،

وهكذا بدأت سيادة طاقة غير ملموسة وتعرف بآثارها فقط على بحوث الدماغ والعقل فكانت من النظريات التفسيرية المقربة لها القول بأنها طاقة نشاط بايوالكتروني فكيف حدد هؤلاء العلماء هذا التفسير ؟

Page 8

يقول بعض من بحثوا وطرحوا تفسيراتهم ( إن المائة بليون خلية عصبية التي يحتويها الدماغ الإنساني تمثل منظومة بايوكيميائية تتكون من عدد هائل من التراكيب الثانوية التي تجري بينها تفاعلات كيميائية معقدة جدا ، وتشكل بايوكيميائية الدماغ أساس عمله كجهاز بايوالكتروني غاية في التعقيد يتكون من عدد هائل من المنظومات البايوالكترونية الثانوية ، وبسبب من هذه الخواص البايوالكترونية فان الدماغ يستطيع أن يقوم بوظائف شبيهة بتلك التي تقوم بها الأجهزة والمنظومات الالكترونية الصناعية كالعقول الالكترونية ، إلا انه يختلف عن هذه الأخيرة بكون دوائره ومكوناته الالكترونية تتكون من مادة حية تتفاعل فيما بينها الكترو-كيميائيا ، وبالتالي فإن دوائره ومكوناته البايوالكترونية تتجاوز في تعقيدها إلى حد كبير تعقيد الأجهزة الالكترونية العادية )[22] .

أما كيف يفسرون ذلك بالدماغ الذي بلغ درجة التطور والتخصص العالية بحيث ولد منظومات بايوالكترونية بامكانها التفاعل مع الطاقات الفائقة وكيف تصبح هذه الطاقات الفائقة تحت سيطرة الدماغ فيقولون بأن معظم الظواهر الخارقة للعادة التي تشابه في ظاهرها فعاليات أو استخدامات معروفة للطاقة الكهرومغناطيسية كتوارد الأفكار والتحريك الخارق للمألوف غدت غالبا نتيجة سيطرة الدماغ على طاقات فائقة وبالتالي قيام هذه الطاقات بإطاعة أوامر الدماغ ، فظاهرة توارد الأفكار على سبيل المثال تشبه عملية نقل المعلومات لاسلكيا بواسطة الأمواج الراديوية ، وظاهرة التحريك الخارق للمألوف تماثل تقنية التحكم عن بعد التكنولوجية الحديثة التي شاع استعمالها في الكثير من الأجهزة الكهربائية والالكترونية .

وهكذا نجدهم حينما يتعاملون مع الدماغ بغير المفهوم الطبي التشريحي المعروف والمتكون من خلايا عصبية يقولون ( إن تفسير الفعاليات الإنسانية الخارقة للعادة كعلاقة بارامانية بين منظومات دماغية بايوالكترونية فائقة وطاقة فائقة غير بشرية يعطي صورة عن الدماغ تختلف بشكل جوهري عن صورة هذا العضو وفقا للمذهب العصبي ..الذي يقوم عليه وعليه وحده علم فسلجة الأعصاب .. حاليا، إذ ينص المذهب العصبي على أن كافة عمليات الدماغ هي نتيجة نبضات عصبية وما يصاحبها من فعاليات وبالتالي فان هذا المذهب يقوم على أساس من الافتراض القائل بان كل ما يدخل الدماغ إنما يصله عن طريق الحواس الاعتيادية ، إن هذه الفرضية –وكما هو واضح- على خلاف تام مع تفسير الفعاليات الخارقة للعادة كتفاعل بين منظومات دماغية بايوالكترونية فائقة وطاقة فائقة غير بشرية حيث ينص هذا التفسير بشكل واضح على أن الحواس ليست البوابة الوحيدة لما يدخل إلى الدماغ )[23].

من كل ما تقدم نجد أن المقاربة بين العقل والدماغ والفكر والمخ بقيت على حالها سواء على المستوى الفلسفي أو العلمي والسيكولوجي والباراسيكولوجي, والفيزياوي الكيماوي المادي واللامادي ، وبقي التساؤل هل أن الدماغ يحتوي العقل أم أن العقل يستخدم الدماغ ليقول كلمته من خلاله ومن خلال اللغة والكلام المادي ؟ .

إن بعض المفكرين ربط بين العقل والروح وبعضهم ربط بين الروح واللاشعور وتتعدد التسميات والنسب كل ذلك بسبب ثنائية فكرية فلسفية طغت على الفكر البشري فتحولت إلى مادية ولا مادية العقل مقابل التسليم بمادية الدماغ والتركيب الخلوي له ، ولا يمكن البحث بالدماغ وطاقاته دون التعرض لهذه المقاربة لأخذ فكرة واضحة عن التشابه والاختلاف بين مادية الدماغ ولا مادية العقل ، بين الخلايا العصبية والنشاط البايوالكتروني الذي توصف به فإلى أين قاد هذا البحث علماء اليوم خاصة بعد التقدم الكبير في طبيعة فهم المادة ذاتها وتحولاتها إلى طاقة بضوء فيزياء الجسيمات الدقيقة ومعطياتها الغريبة؟ .

إن مسألة ثنائية المادة والعقل أو الدماغ والفكر وبضوء طاقات العقل غير المنظورة والتي تحدث آثارها ماديا جعلت العلماء النفسيين والباراسيكولوجيين يستعينون بمعطيات علم المادة بضوء مفردات الفيزياء النووية وما توصلت إليه بخصوص الطاقة والمادة ،فإذا سلمنا بان العقل هو طاقة والدماغ هو مادة فإن نظرية النسبية قد أكدت اخطر حقيقة في هذا المجال ألا وهو تحول المادة إلى طاقة عبر القانون الأساسي الذي عبرت عنه بالمعادلة التي تقول :الطاقة تساوي الكتلة في مربع سرعة الضوء ، وبذلك أمكن القول بتحول المادة إلى طاقة ، هذا الحل الذي وجده علماء النفس والفسيولوجيون المعاصرين يمكن عن طريقه حل ثنائية الدماغ والعقل أو المخ والفكر ،وإذا ما تعمقنا أكثر في النظريات الفيزياوية المعاصرة سنجد أن نظرية الكم يمكنها المساهمة في حل هذا الإشكال في هذه الثنائية حينما تقول بان هناك عملية تتام بين المادة والعقل فهما مظهران لحقيقة واحدة فكيف عبر العلماء عن كل هذا في إطار تفسير الطاقة بالمادة والمادة بالطاقة ورفع الثنائية إلى تفسير أحادي؟ .

إن النقطة التي يجب الانطلاق منها لتفسير واقع الطاقة والمادة أو العقل والدماغ تستند إلى بديهية معروفة تقول بان كل ما يوجد على مستوى الفيزياء الدقيقة بالتأكيد هو موجود في الأنظمة البيولوجية والفكر أو العقل يمثل تشابهات غريبة مع ميكانيكا الكم ، فلقد أصبحت الكيمياء فرعا من فروع الفيزياء فهي التي تسعى إلى تشكيل بنية جزيئية انطلاقا من الذرة ونواتها بحيث أنها حينما تتجمع تشكل مواد غير عضوية بمقدار ما تشكل مواد عضوية .

إن معطيات الفيزياء النووية تقول أن الالكترونات سالبة الشحنة حينما تصطدم مع البوزترون الذي هو الكترونات موجبة الشحنة فانهما يتحولان إلى طاقة وهو ما يسمى التجريد المادي للطاقة ، كما أن الفوتونات كطاقة يمكن أن تعود فتتحول إلى الكترونات سالبة وموجبة أي بوزترون وهذا يطلق عليه –تجسيم المادة –فالمادة ، الالكترونات تتحول إلى طاقة فوتون، والفوتون كطاقة يتحول إلى مادة الكترونات، وهذه العملية معروفة حادثة سواء بالمختبر أو في الفضاء وقد يعبر عنها باصطدام المادة بضديد المادة أيضا؟

وهنا يتساءل العلماء عن إمكانية القول بان هناك تبادل مادي-طاقوي بين الدماغ والعقل وان الدماغ يرسل علبة من الموجات مشابهة لتلك الني يرسلها الميكانيك الموجي -تلك الموجات- الجسيمات .

لقد اقترح عملاق الفيزياء الكمية فارنر هايزنبرغ وجود شيء فوق مادي قادر على الوجود ذاتيا وان يتحول إلى مثل هذه أو تلك الجسيمة الأولية ، وهذا ما يطرحه بعض العلماء في قوله (عندما يفكر الدماغ إذن من يستطيع أن يقول متى يفكر ؟ فهو يقوم بتحرير –قوى- نفسانية ، ويقصد بذلك طبعا الفكر المبدع الذي يحمل معلومات جديدة ويروم عملا مبدعا جديدا ، ويمكن أن يقصد بالأمر أيضا أفكارا تتعلق بالحب ، هذه الروابط الخارقة التي يمكن أن تربط كل البشر ، من ينكر وجود موجة –جسيم تحمله رسالة على مستوى النفس والفكر المتحرر التي بإمكانها في بعض الحالات أن تكون متحررة من أي اندماج تماما مثل الموجة –الجسيم بالليزر والتي تستطيع الانتشار في كل الاتجاهات وتؤثر بالكون بأكمله )[24] .

إن ما توصل إليه هؤلاء العلماء وهم يبحثون بالظواهر الباراسيكولوجية الخارقة التي لم تستطع أن تفسرها معطيات الفيزياء الكلاسيكية حول الطاقة –وبعد أن أكدوا على أن العقل هو جهاز الأجهزة ولم يزل حاليا مجهولا تماما – توصلوا إلى القول (فدراسة الظواهر الباراسيكولوجية تتيح لنا أن نقول أن الموجة-الجسيم الخاصة بالفكر هي شيء لامادي ، وكيان من غير كتلة ، ودون حقل ،أو شحنة ويمكنها من تجاوز سرعة الضوء ، إذن بإمكانها إدراك الماضي أو التنبؤ بالمستقبل ، هذه الفرضية أيضا قريبة من تلك الفرضية التي أطلقها -بولي-عندما ابتدع فكرة النيترينو: جسم دون كتلة وبدون حقل أو شحنة ولها سرعة تقارب سرعة الضوء ، فالنيترينو تجتاز دماغنا كما لو انه حيز خال وهي تجتاز الأرض برمتها دون أن تتحول أو أن تحيد عن اتجاهها مستمرة في طريقها بكل رصانة ) [25] .

إن الطاقة العقلية تستطيع أن تتحكم بالمادة بدون لمس مادي مرئي ، وقد ثبتت هذه الظاهرة المسماة -بسيكوكينزيا-وأكد هذه الحقيقة الدكتور راين من جامعة ديوك في المختبر وعبر بحوث دامت خمس وعشرون سنة حيث توصل إلى القول (إن الدماغ قوة فيزيائية تستطيع التأثير على المادة مباشرة )[26] .

إن ما ثبت فعلا هو أن العقل يستطيع التحكم في الذرات وفي الإشعاع وأجريت تجارب عديدة على اليورانيوم ولما كانت مفاهيم الفيزياء النووية تتحدث عن موجات وجسيمات المادة في نطاق ما تحت الذرة لذا فان القوة العقلية تستطيع أن تثبت وجودها أكثر في مجالاتها الكهربائية، ولاشك أن هذه الطاقة العقلية ليست مادية وان كانت تخرج من مادة الدماغ وهذا يعني امكان إفراز العقل كطاقة من الدماغ كمادة .

إن لنظرية الفيزياء -نظرية التتام- التي حاز بها - بروكلي- جائزة نوبل يمكنها أن تعطينا ضوءا تفسيريا أدق لطاقة العقل عبر مادة الدماغ ، حيث افترض بروكلي في حديثه عن الموجات المادية بان الإلكترون ( هو جسيمة وموجة في آن معا ، وأطلق -بوهر- على هذه الصفة الثنائية التي تعد أساسية في الفيزياء الحديثة تسمية مبدأ التتام principle of complementacity أي متمما لعضه بعضا –وقد علق هايزنبرغ على هذا بقوله – إن تسمية التتام التي أطلقتها مدرسة كوبنهاكن تتوافق تماما مع مبدئية ثنائية المادة والعقل لديكارت )[27] .

أما بأولي صاحب نظرية الكم فقد عبر عنه في وقت مبكر وقد كان من أكثر الحلول لقبول عملية التوازي بين النفسي والفيزياوي ، أي العمليات العقلية والجسدية متلازمة وان احدهما يتغير بتغير الآخر دون أن يكون بين سلسلتي التغيير علاقة سببية ، ويبدو أن العلوم الحديثة حملتنا على الوصول إلى استيعاب أكثر إقناعا لهذه العلاقة وذلك من خلال استحداث مفهوم التتام في الفيزياء نفسها وقد يكون من أكثر الحلول قبولا هو أن العقل والجسد عبارة عن مظهرين متتامين لنفس الحقيقة .

لقد كانت وجهة نظر القرن التاسع عشر تقول بأن كل التفاعلات تتضمن أجساما مادية ، لكن وجهة النظر هذه لم تدم طويلا ، فنحن اليوم ندرك أن هناك حقولا كاملة غير مادية ، ويقول احد علماء الفيزياء ( إن التفاعلات الميكانيكية الكمية لفيزياء حقل القوى النفسية الخارقة هي بكاملها غير مادية وهذا ما تؤكده أكثر معادلات ميكانيكا الكم أهمية وأكثرها اعتمادا في الوقت الحاضر ..إن هذه المعادلات لا تتطرق مطلقا إلى كتل متحركة إلا أنها تنظم سلوك عقول تجريدية جدا، وهي في كثير من الحالات تتعلق على وجه التأكيد بحقول لا مادية تضاهي في غموضها الجذر التربيعي لاحتمال ما )[28] .

لقد كان اكتشاف العالم الغريب للجسيمات وتناقضاتها دور ا كبيرا في توضيح الصلة المفقودة بين المادة والعقل فجسيم النيترينو المسمى الجسيم الشبح الذي تنبأ بوجوده على أسس نظرية وولف كانك بأولي عام 1930 وثم اصطياده في المختبر بعد خمسة وعشرين عاما ، هذا الجسيم لا يمتلك أي خصائص فيزياوية فهو عديم الكتلة ولا يمتلك شحنة كهربائية أو حقلا مغناطيسيا لذا فهو لا يتأثر بالجاذبية كما لا يمكن أن يتأثر بالحقول المغناطيسية والكهربائية للجسيمات الأخرى أثناء طيرانه بقربهم وهو لا يتوقف إلا عند تصادمه تقابلا وبشكل مباشر مع جسيم أولي آخر ، وقد لقب بالجسيم الشيح لهذه الغرابة في صفاته ، ومن هنا طرح بعض العلماء إمكانية وجود جسيمات قد تسهم في توضيح الصلة المفقودة بين المادة والعقل وهكذا وجدنا العالم الفلكي-فيرسوف- يقول بان ( العقل كينونة كونية أو تفاعل مماثل لتفاعلات القوى بالكهربائية أو قوى الجذب ولابد من وجود –معامل للتحول- تتعادل بواسطته – مادة العقل- مع الكيانات الأخرى للعالم الفيزياوي ، وأشار أيضا إلى امكان وجود جسيمات أولية لمادة العقل أطلق عليها مايندوز mindons وهي تمتلك خواص تشابه نوعا ما خواص النيترينو) [29] .

وبعض العلماء طرح صورة لهذه الكينونة في العمليات النفسية فاعتبرها صفة شكلية أكثر منها جسيمية .

ولو عدنا إلى علماء الفسيولوجيا العصبية فإننا سنرى تأكيدا على وجود طاقة –عقلية غير مرئية بامكانها تحقيق التأثير المادي ، فهذا العالم البريطاني الدكتور-كري ولتر- الذي أجرى اختبارات عديدة على هذه الحقيقة يقول عام 1960 ( إن تسخير ماكنة كهربائية بفعل إرادي يمكن للمرء أن يؤثر على أحداث خارجية من دون حركة أو فعل علني وذلك عبر موجات كهربائية غير محسوسة لدماغ الشخص نفسه )[30].

من كل ما تقدم وبعد دراسات عديدة على مستوى فيزياء الجسيمات الدقيقة وطاقات العقل نرى أن السر- سايرل بيرت- يلخص وجهة نظره بافتراض وجود طاقة خامسة غير معروفة فيزيائيا في العقل فيقول ( إن الفيزياء المعاصرة اعترفت بأربعة أنماط من القوى هي القوة الشديدة والقوى الكهرومغناطيسية والقوى الضعيفة وقوى الجذب الكتلي وكلها تخضع لقوانين خاصة بها ، لكن ليس هناك استحالة مقررة سلفا تمنعنا من افتراض نظام آخر أو نمط آخر من التفاعل بل إننا بانتظار مزيد من البحوث المكثفة)[31].

ويلتقي هذا الطرح مع ما يتحدث به العلماء السوفييت الذين بحثوا غوامض الطاقة الباراسيكولوجية بحثا دقيقا وتحدثوا عن ما يسمونه الطاقة الحيوية حتى أنهم طالبوا ببناء جهاز طاقوي لفسيولوجية الأعضاء الإنسانية وقد تحدث البروفسور- أ ن مندليا نوفسكي - المختص بالعلوم الطبية عن بحوث العلماء السوفييت عن هذه الطاقة فقال (ولكن ما هذه الطاقة التي تتضمن في محتوياتها كل الأنواع المعروفة عن الطاقة ولكنها بنفس الوقت لا تتميز ولا تتصرف كما يتصرف أي نوع منها ، لقد وصفت الهند القديمة تصورا خاصا بخصوص الطاقة باعتقادها إن كل واحدة من الطاقات المعروفة لدينا مبنية بشكلها الخاص من بنى خاصة جزيئات الطاقة ومن هنا نسمع هذه الأيام ما يقال عن التداخل المتبادل بأشكال الطاقة )[32]

ثم يتساءل –ما هي هذه الطاقة المنقذة الغامضة ..الذاتية الوجود والتي لا يزال الكثير من العلماء يضعونها موضع الشك ؟ ويجيب (لقد توصل العلماء السوفييت -ك ا اكور فيجيم وفيكازناجيف -مشاركة مع الكاتب- بوكوليابيف وا اكوديكون- إلى وجود مجال طاقوي حول الكائنات الحية في مستويات متباينة من التطور ، من مكونات هذه المجالات حصلوا عمليا على جميع أشكال الطاقة الحيوية المعروفة لدى الفيزيائيين ، لقد تعود العالم الحديث الاعتراف بكل ما تظهره الأجهزة أما جهاز مجال الطاقة الحيوية فقد سكتوا عنه لحد الآن )[33] .

Page 9

2- الدماغ- الشخصية

حينما تحدث الأطباء منذ ابقراط وحتى القرن العشرين عن طبيعة الدماغ قالوا بان خلايا الإنسان تتغير ،تموت وتولد بدلها خلايا أخرى إلا الدماغ لان كل خبرة الإنسان وشخصيته مبنية على وحدة معلوماتية تبنى في ذاكرته ، فالذاكرة هي وحدة الشخصية ولما كان الإنسان يبقى هو هو على طول حياته لذا فلا يمكن القول أن خلايا الدماغ تموت وتولد مكانها خلايا أخرى ، لأن معنى هذا أن شخصية -ذاكرة الإنسان- سوف تتغير معها وهو ما ليس حاصلا ، من هنا كانت المعلومات الطبية تقف عند حدود خلايا الدماغ فتجعلها باقية طول حياة الفرد وتغتني بالمعلومات عبر ذاكرته التي تحول ممارسة حياته إلى ماض عبر هذه الذكريات المخزونة .

إذن فإن شخصية الإنسان وليدة ذاكرته ، وذاكرته وليدة دماغه وقدرته على الخزن ومن هنا يمكننا أن نفهم طبيعة الشخصية من خلال الدماغ كذاكرة أولا .

على أن العلم الحديث في نهاية القرن العشرين اثبت إن خلايا الدماغ تموت وينمو بدلها خلايا جديدة ، ومع هذا فإن شخصية الإنسان بقيت لان طريقة عمل الدماغ معلوماتيا هي طريقة هولوغرافية فما أن يعطل جزء من الخلايا حتى تقوم خلايا بديلة بنفس نشاطها وكأنها هي وهذه أحدث نظريات تحليل المعلومات والذاكرة طبيا ، فالذاكرة ليس لها موقع واحد في الدماغ كما أثبتت دراسات بنفيلد بل أن الدماغ كله يتوزع المعلومات والذاكرة مما يحافظ على وحدة شخصية الإنسان مهما تلف من بعض أجزاء دماغه .

يقول علماء النفس الفسيولوجي ( إن لجسدنا وحدة عضوية لان الجملة العصبية تنظم انطباعاته وتجمعها ، وهذه الوحدة العضوية هي الأساس الذي تبنى عليه وحدة الشخصية إذا فقد المجموع العصبي وحدته عند بعض الأنواع الحية فقدت الشعور الواضح لشخصيتها ، ولذلك كانت وحدة الشخصية تابعة لمركزية الجملة العصبية )[34]

ولو عدنا إلى معطيات تحديد الشخصية وسماتها كما ذكرها ابقراط لوجدنا أنها تقوم على طبيعة افرازات التركيب العصبي والغددي في الجسم ، أي طبيعة يتحكم بها الدماغ أولا وأخيرا ، لقد حدد ابقراط أربعة أنماط من الشخصية بناء على هذه الافرازات وغلبتها في شخصية عن شخصية أخرى ، فتحدث عن الشخصية الدموية والشخصية المرارية الصفراء والشخصية السوداوية والشخصية البلغمية ( فالنمط الدموي ناجم عن زيادة في إنتاج الدم وهو يؤدي إلى التفاؤل والانشراح والنشاط، أما المزاج المراري فهم ناجم عن زيادة العصارة الصفراء وهو يؤدي إلى المزاج العصبي الحاد والحار وإلى العنف ، والنمط السوداوي ناجم عن زيادة العصارة السوداء في الكبد وهذا يؤدي إلى التشاؤم والغم والاكتئاب -المزاج السوداوي- والنمط البلغمي فهو ناجم عن الافرازات البلغمية في منطقة الفم والحلق والبلعوم ووفرة هذه الافرازات تؤدي إلى برود الهمة وفتور الحركة والكسل والخمول )[35] .

وبغض النظر عن دقة هذه المعلومات اليوم إلا أن الأساس كان هو وصف الشخصية بطابع غلبة عنصر من عناصر الجسم الداخلية وافرازاته أي طبع الشخصية بطابع كيمياء الجسم الداخلية وغلبة بعضها على بعض.

وحتى اليوم نجدان علماء النفس الاكلينكي يؤكدون على العوامل التكوينية للشخصية التي يرجعونها أيضا إلى الجهاز الغددي والعصبي حيث يقولون ( على الرغم من ان الشخصية هي موضوع لدراسة سيكولوجية إلا أننا لا نستطيع أن ننكر اثر العوامل التكوينية البيولوجية في تكوين شخصية الفرد أو بعبارة أدق في تشكيلها وتلوينها إلى حد ما ، ونعني بذلك العوامل والمقومات حالة الجهاز الغددي والعصبي ) [36]

ولاشك أن صعوبة تحديد الشخصية وقياسها هو مسألة مسلم بها حتى أن الانثربولوجيين يتفقون مع علماء النفس على صعوبة هذا التحديد بدقة لعدم تطابقها مع سمة واحدة معينة أو بسيطة ( فالشخصية لا تعتمد على خاصية أو مجموعة من الخصائص فقط ، بل على تفاعلها كلها بعضها مع البعض الآخر في الفرد ومع تعقيدات واقع الحياة التي يعيشها الفرد في مجتمعه )[37]. فالشخصية حتى إذا أمكن قياس سمة الذكاء فيها بفضل الاختيارات المصممة ( لكن الشخصية مسألة اعقد للجوانب العديدة التي تتألف منها مما لا يسمح بإخضاعها إلى أي مقياس )[38] .

لقد تأكد للدارسين في نمو شخصية الفرد اجتماعيا ( إن لكل فرد شخصية جوهرية تتأثر بالمحيط الاجتماعي وأحداثه دون أن تفقد خصوصيتها الفردية ، وان النمو يستمر حتى سن متأخرة للفرد ولا يتوقف كما كان متصورا عند سن المراهقة)[39] وهذا يعني أن التفاعل المزدوج بين الطبيعة والتنشئة هو المسئول عن تفرد كل واحد منا نحن البشر

وهذا يؤكد حقيقة تأثر الشخصية بالدماغ الذي يحفظ استجابات تكيفية وتعليمية عبر الذاكرة بمقدار ما يتحكم بافرازاته بطبيعة بنيوية للشخصية ، بل ثبت أن الكيمياء الدماغية الناتجة عن التعلم تؤثر تأثيرا مباشرا في اكوين الشخصية (إن كيمياء الدماغ الحقيقية تتبدل بفعل التعلم ، ونظرا لتفرد هذه الكيمياء الدماغية في كل إنسان فإن نتائج التعلم تتفاعل من خلال هذا التميز فتولد اختلافات فردية متزايدة ، ومن المرجح أن هذا التنوع الفردي يخدم ديمومة الشخصية وبقاءها )[40]

Page 10

ويؤكد العلماء أن (قدرتنا العظيمة على التعلم تعني أن السلوك يمكن أن يصدر قدرا من المرونة بحيث يسمح بالبقاء في أصناف لا حصر لها من البيئة وفي وجه مختلف التقلبات البيئية وهي تعني أيضا المدة الطويلة التي يستغرقها تعلمنا واعتمادنا الكامل على الكبار في طفولتنا )[41].

وسواء قلنا أن افرازات الغدد والتركيب العصبي وذبذباته الكهربائية وتوصيلاته الكيميائية هي المؤثر الأول لطابع الشخصية أو قلنا أن التعليم والتكيف والتدريب هي المؤثر الثاني في رسم سماتها ، فإن الدماغ هو الوسط الذي تجتمع فيه هذه المؤثرات في بناء ونمو ونمط الشخصية ، فكل حياة الإنسان الماضية هي خبرة وذاكرة ومؤثر في السلوك اللاحق الذي يرسم الشخصية وهما من أنشطة الدماغ وذاكرته ،وكل الدوافع الفسيولوجية والبايلوجية هي مما يسكن ويتحرك من خلال الدماغ وطبيعته المنعكسة على نمط الشخصية .

على أن التقدم العلمي في البيولوجية الجزيئية واكتشاف مفردات الخريطة للجينوم البشري قد دفع بالدراسات المتعلقة بالسلوك والشخصية عبر الدماغ والتركيب الجيني له إلى أمام وبشكل أكثر علمية وتجريبية من الدراسات الإنسانية السابقة فماذا تقول الجينات عن طبيعة العلاقة بين الدماغ والشخصية ؟ وهل الجينات هي التي تحدد الشخصية صحة ومرضا وسلوكا سويا أو مرضيا أم أن الدماغ يلعب الدور الأكبر في كل هذا ؟

لقد كان حديث علماء البيولوجيا قبل اكتشاف خريطة الجينوم البشري الذي تحددت فيها جينات خاصة للسلوك والشخصية ، يدور على ما يسمى الحتمية البيولوجية ولكن بشكل عام ، حيث كان هؤلاء العلماء يذهبون إلى أن الطبيعة البشرية مثبتة في جيناتنا وهم يؤكدون على أن ( الكائن الحي هو رغم كل شيء مجرد طريقة د ن ا في صنع جزيء آخر من د ن ا وان كل شيء موجود في الجين وفقا لمبدأ التخلق السبقي الذي ظل يجري كالسلسلة عبر قرون عديدة من الفكر التبسيطي ) [42] .

وإذا كان هذا الرأي قبل اكتشاف جينات السلوك والشخصية في خريطة الجينوم البشري الحديثة إلا أن هناك آراء أخرى للبيولوجيين الاجتماعيين تذهب إلى أن الجين زائدا البيئة هما من يحدد طبيعة الإنسان وسلوكه وشخصيته ،وتذهب هذه الآراء إلى أن ( العلاقة بين الكائن الحي والبيئة ليست مجرد علاقة تفاعل بين عوامل داخلية وخارجية ،ولكنها علاقة تفاعل لنمو جدلي للكائن الحي ووسطه إذ يستجيب كل منها للآخر)[43]

فالتفاعلية تتخذ نقطة بدايتها من تركيب وراثي مستقل ذاتيا وعالم فيزيائي مستقل ذاتيا ثم تصف الكائن الحي الذي سينمو من هذا المزيج من التركيب الوراثي والبيئة ، ولكن هذه التفاعلية لا تعترف بان الكائن الحي النامي يقوم بإعادة تنظير ما يتعلق بهذه العملية من جوانب ذلك العالم الخارجي وتحديده.

ولا شك أن الوسط الذي تلتقي عنده هذه التفاعلية بين البيولوجية كجينات والبيئة كتعليم واجتماع هو الدماغ الذي يملك الأول كخلقة بدئية سابقة ويهضم الثاني كاكتساب وخبرة وتدريب وذاكرة وتكيف ،

إن اكتشاف خريطة الجينوم البشري وما عبر عنه من جينات للسلوك وللشخصية وكل ما له علاقة بهما يجعل حديث توسط الدماغ بين الوراثي كجينات والبيئة المكتسبة حديثا علميا صادقا. فما الذي يتميز به الدماغ من تركيب جيني أولا لينعكس على السلوك ومن افرازات لغدد وهرمونات تؤثر فعلا في تحديد سمة وطبيعة الشخصية التي تحملها ثانيا ؟

إن المنطلق الأول الذي حددت بموجبه الشخصية على ضوء التركيب الجيني للإنسان هو منطلق عام يقول ( من أنا ؟ أنا كائن بيولوجي جمعتني معا جيناتي ، فهي قد وصفت شكلي وأعطتني أصابعي الخمس في كل يد ،واثنتين وثلاثين سنا في فمي ،وأرست قدرتي لغويا ،وعينت ما يقرب من نصف قدرة ذكائي ،وعندما أتذكر شيئا فان جيناتي هي التي تفعل لي ذلك ،فتضغط زر تشغيل منظومة كريب لتخزين الذاكرة ،وهي التي بنت مخا وأوكلت له مسؤولية القيام بالواجبات اليومية وهي قد أعطتني أيضا انطباعا واضحا بأنني حر في اتخاذ قراري الخاص فيما يتعلق بطريقة سلوكي ويخبرني أي استبطان بسيط أن ما من شي لا أستطيع أن امنع نفسي عن فعله، وبالمثل لا يوجد ما يفرض علي أنني يجب أن افعل أمرا وليس أمرا آخرا )[44]

هذا هو المنظور العام والمعطى العام لكل إنسان ، وهذه هي الآليات البيولوجية والفسيولوجية الطبيعية والفطرية لوصف الإنسان كجسد قائم على برنامج جيني محدد بالفطرة والوراثة.

أما من حيث المنطلق التفصيلي لممارسة كل هذه الأعضاء واجباتها وفعلها وردود فعلها أما العمق الفسيولوجي والتركيب العصبي والهرمونات الكيمائية التي تحدث داخل المخ البشري ومن وجهة نظر علماء الجينوم البشري وإظهارها للشخصية فيتم الحديث عنها بشكل يفسح مجالا للتأثيرات البيئية والاجتماعية في السلوك والشخصية .

إن هذا المنطلق يتحدث عن تركيبات كيميائية تؤثر في الشخصية عبر الجينوم البشري ويتحدث عن أن الجينات ليست هي التي تتحكم كليا بالسلوك والشخصية، أي أن تكون ناتجا حتميا بمجرد وجودها لخلق سلوك معين ،بل تتحدث عن الدماغ الذي تخلقه الجينات للقيام بالتوسط بين الجينات الوراثية والبيئة الاجتماعية بالمعنى الذي يتحدث العلماء عن الدوبامين والسيروتونين بعد أن يؤكدوا على حقيقة وجود عشرة جينات تتساوى في الأهمية يتوافق بنيانها مع التباين في الشخصية.

إن علماء الجينات يتحدثون عن الدوبامين باعتباره الحافز الكيمائي للمخ ويتحدثون عن السيروتونين باعتباره المظهر الكيمائي للشخصية كما يتحدثون عن أن كيمياء المخ ينعكس على الفرد بحيث يصبح مجرما أو صالحا .إنهم يتحدثون عن أن الشخصيات القائدة تتمتع بتركيزات عالية من السيروتونين وتنخفض هذه المستويات عندما يصبح الشخص ضجرا بسهولة ويكثر التماسه لمغامرات جديدة وفي هذا يكمن سبب الاختلاف في الشخصية .

وهم يقولون أيضا (إن الأفراد الذين لديهم جينات طويلة من نوع د4در عندهم استجابة منخفضة للدوبامين ويلزم لهم اتخاذ طريقة تناول للحياة فيها مغامرة أكثر ليحصلوا على طنين الدوبامين نفسه الذي يحصل عليه الأفراد ذوو الجينات القصيرة من أشياء بسيطة ،وهم في بحثهم عن عوامل الطنين هذه ينمون شخصيات ملتمسة للجدة)[45] وهم يؤكدون على أن (زيادة السيروتونين في المخ (يخفف من القلق والاكتئاب وتستطيع حتى أن تحول الأفراد العاديين بصورة معقولة إلى متفائلين )[46]

ويؤكد هؤلاء العلماء أن هناك صلة بين الكولسترول المنخفض والعنف تتضمن دورا يلعبه السيروتونين( والحقيقة أن انخفاض مستوى السيروتونين هو عامل تنبؤ دقيق بالعدوانية في القرود مثلما هو عامل تنبؤ دقيق للاندفاع إلى الجريمة أو الانتحار أو العراك أو الحرق المتعمد عند البشر) [47] .

إن جميع هذه التفصيلات تعمل إذا لم يكن هناك تأثير اجتماعي _بيئي، يضغط عليها وإذا لم يكن هناك دماغ يمتص معلومات وتأثيرات ،واستجابات معينة،إنها في حالة سكونية لا في حالة فعل وانفعال ،إنها معطى أولي وأرضية للفعل،ومن هنا طرحت المفردات الاجتماعية والتأثيرات الخارجية لتشغيل هذه الآليات وبالتالي دخلت البيئة عبر اكتساب الدماغ لمفرداتها على العمل.

وإذا ما نزلنا إلى الواقع العقلي التفصيلي لتوسط المخ بين الجينات الفطرية والسلوك المطلوب بيئيا نجد القول( الحقيقة أن المزاج والعقل والشخصية والسلوك تتحدد اجتماعيا ،ولكن هذا لا يعني أنها لا تتحدد بيولوجيا ذلك أن التأثيرات الاجتماعية تعمل من خلال تشغيل وإيقاف الجينات )[48] إذن فان تشغيل الجينات يتم عن طريق خارجي ومؤثر بيئي واجتماعي خارجي ،فالضغط يستطيع مثلا أن يغير من تعبير الجينات ،وهذا يمكنه أن يؤثر في الاستجابة للضغط وهلم جرا، إن رد فعل الضغط _كما يقول علماء الجينات _ يتشكل بجينات تحت تأثير نزوات من البيئة الاجتماعية وليس العكس ،فإذا كانت الجينات تستطيع التأثير في السلوك فان السلوك أيضا يستطيع التأثير بالجينات، وهذه سببية دائرية ،بل إنهم يذهبون أيعد من ذلك إلى القول بان من الممكن أن تحث الجينات على التغير بوساطة فعل واع وإرادي وبإرادة حرة فنحن ابعد من أن نكون قابعين تحت رحمة جيناتنا الجبارة بل إن جيناتنا كثيرا ما تكون هي القابعة تحت رحمتنا .

ولا شك أن الدماغ أو المخ هو الذي يقوم بكل هذه الأمور، فالمخ تخلقه الجينات وهو لا يكون جيدا إلا بمثل جودة تصميمه الفطري وقد انكتب في الجينات لب الحقيقة من (أن المخ آلة صممت لتعدل بالخبرة وسر طريقة ذلك هو اكبر التحديات للبيولوجية الحديثة ...إلا انه لا شك أن المخ أروع نصب أقيم لقدرات الجينات ،..إن علاقة القائد العظيم انه يعرف متى يعطي تفويضا ،والجينوم قد عرف متى يعطي تفويضا)[49]

لقد ابتكر الجينوم ماكنة ذات سرعة جيدة تكون مهمتها (استخلاص المعلومات في سلوك ،هذه الماكينة هي المخ ،يمدنا الجينوم بأعصاب تخبرنا بالأمر عندما تكون أيدينا ساخنة ويوفر لنا المخ الفعل لنرفع أيدينا عن قمة الموقد )..

وهكذا نستطيع أن نلخص نظرة علماء الجينوم إلى الشخصية بالقول (إن حقيقة ما نسميه بالشخصية هي إلى حد له اعتبار مسالة كيمياء مخ ،وهناك العديد من الطرق المختلفة التي يمكن بها أن تكون هناك علاقة بين هذه المادة الكيمياء الواحدة -أي السيروتونين- والاختلافات الفطرية في الشخصية ، وهذه بدورها تقع فوق العديد من الطرائق المختلفة التي تستجيب بها منظومة السيروتونين في المخ للتأثيرات الخارجية مثل الإشارات الاجتماعية وبعض الأفراد أكثر حساسية من الآخرين لبعض الإشارات الاجتماعية وهذا هو واقع الجينات والبيئات ،متاهة من تفاعلات معقدة فيما بينها وليست بالحتمية ذات الاتجاه الواحد فالسلوك الاجتماعي ليس بعض سلسلة خارجية من الأحداث تأخذ عقولنا وأجسادنا لا ينتج عنها سلوك اجتماعي فحسب وإنما أيضا لتستجيب لهذا السلوك )[50] .

إذن مهما كنا نحن البشر محددين تحديدا مدهشا حسب أوامر جيناتنا ،إلا أننا نتحدد اكبر بما نتعلمه من حياتنا ،فالجينوم كمبيوتر معالج للمعلومات يستخلص معلومات مفيدة من العالم بالانتخاب الطبيعي ويجسد هذه المعلومات في تعميماته ثم يعطيها لماكنة المخ التي يفوضها بسرعة الاستجابة والعمل بالخبرة المعلوماتية هذه ، وهكذا نستطيع أن نضع الدماغ أو المخ في الوسط الذي يجمع الفطرة الجينية مع البيئة المكتسبة لقيادة الإنسان وسلوك الإنسان وتحديد شخصية الإنسان .

ولو أخذنا نشاطا واحدا من نشاطات الدماغ الذي يعكس لدى علماء النفس شخصية الإنسان أكثر من غيره لوجدنا ذلك في الذاكرة ، حيث يقول علماء النفس في قيمة الذاكرة للإنسان ( فالإدراك لا يقوم على تذكر الصورة السابقة كما أن الشخصية لا تقوم إلا على تذكر الماضي فلولا الذاكرة لما تكونت الشخصية ولا تم الإدراك ولا اكتسبت العادات ولا أمكن التخيل والحكم والاستدلال ، وكلما كانت الذاكرة أقوى كان العقل أوسع وأغنى والذين يمارسون الأعمال العقلية محتاجون إلى الذاكرة أكثر من غيرهم لان الذاكرة تعينهم على حفظ المعلومات وتسهل لهم الفهم ) [51] .

أما الأساس العصبي للذاكرة في المخ فنجده لدى علماء النفس والطب النفسي حينما يتحدثون عن اضطرا بات الذاكرة نتيجة إصابة أو تلف في خلايا الفص الصدغي من المخ حيث نهاية مركز العصب السمعي الذي يحمل المنبهات السمعية إلى مستودع الذاكرة في هذه المنطقة ( وقد قام الجراح الكندي المشهور في جامعة مونتريال ويدعى بنفيلد بإجراء عمليات جراحية لاستئصال بعض الأورام الخبيثة في المخ وحدثت بعض الاضطرابات في الذاكرة ، كما انه قام بتنبيه بعض المراكز العصبية في الفص الصدغي بواسطة شحنة كهربائية فلاحظ تنبيه وتنشيط الذاكرة وقوة الاستدعاء والتعرف على الحالة الوجدانية المصحوبة بانفعال بإثارة الحواس الأخرى كالسمعية –أصوات والبصرية-رؤية والشمية –رائحة والتذوق ، ويلاحظ انه في بعض حالات مرض الصرع يكون احد مظاهر السلوك الخارجي بعض شعور الإنذار المبكر للمريض ، اضطرا بات إدراكية في مجال السمع أو الإبصار أو الشم أو التذوق مثل حدوث النوبة الصرعية كما لاحظ ارتباط وجود هذه الظاهرة الفسيولوجية بحالات مرضية عضوية في هذه المنطقة من المخ )[52].

أما الأساس الكيميائي للذاكرة فيقول عنها علم النفس ( إن الذاكرة تختزن في المخ على هيئة تغيرات جزيئية في بروتينات الخلايا في شكل الحامض النووي الديؤكسي ريبوزي أو أل د ن ا وهي نفس البروتينات المسؤولة عن نقل الجينات والخصائص الوراثية ، ولقد وضح أن هناك تأثيرا لمادة الاستايكلوين وهي مادة موصلة بين الأعصاب والقشرة المخية والشحنة الكهربائية مما يدل على أن زيادة هذه المادة قد يساعد في عملية التذكير حيث يمكن قياس هذه المادة في المختبر )[53] .

أما بضوء الجينوم البشري اليوم فيذهب العلماء إلى أن ( الذاكرة ربما تتشكل بالمعنى الحرفي تماما بإحكام الوصلات بين العصبونات ، عندما يتعلم احدنا شيئا فإنه يعدل الشبكة الفيزيقية لمخه بحيث يخلق وصلات جديدة محكمة حيث لم يكن يوجد أي وصلات من قبل أو أنها كانت اضعف ، ولكنني أجد صعوبة في تخيل كيف أن ذاكرتي بالنسبة لمعنى كلمة –فولادو- تتشكل من بعض وصلات مشابك مقواة تصل بين عصبونات معدودة ،من الواضح أن هذا فيه ما يجفل العقل ، وهكذا اشعر بأن العلماء بدلا من أن يزيلوا الغموض عن المشكلة بأن يختزلوها إلى المستوى الجزيئي فإنهم بعيدا عن ذلك قد وضعوا أمامي لغزا جديدا مثيرا ، هو أن أحاول تخيل كيف أن الوصلات بين الخلايا العصبية لا تقتصر على توفير ميكانزم الذاكرة وإنما تكون هي الذاكرة وهي مماثلة تماما في غموضها لفيزياء الكم وأكثر إثارة إلىحد كبير من لوح ويجا والأطباق الطائرة ) [54] .

إن الدراسات المعاصرة عن الذاكرة والمخ وصلت إلى مراحل متقدمة في تحديد موقع الذاكرة وطبيعتها وأنواعها ففي الوقت الذي يشير فيه علماء الدماغ إلى المعرفة الدلالية والمعرفة الشخصية واختلاف ابيعتها في التذكر ويقولون عن الذاكرة ( تمكننا الذاكرة من فهم العالم بان تربط بين خبرتنا الراهنة وبين معارفنا السابقة عن العالم وكيف يعمل ، فنحن نتذكر معاني الكلمات ودلالات الأشياء ونحن نعرف على الأقل الأشياء الأساسية التي تمليها علينا ثقافتنا ، وهذا النوع من المعرفة هو ما يسمى بأل -المعرفة الدلالية- semanticالتي تتميز عن المعرفة الخاصة بحياتنا الشخصية مثلما نتذكر ليلة معينة احتسينا فيها كثيرا من الشراب ومصدر هذه المعرفة الشخصية الذاتية episodic يعتقد أنها تشغل موقعا خاصا بها في جهاز الذاكرة في المخ مختلفا عن الذاكرة الدلالية ، وأحيانا تكون الذاكرة الشخصية باهتة مثلما نخفق في تذكر أحداث ليلة أسرفنا فيها في الشراب ، فالتأثيرات الكيميائية الحيوية للكحول تتداخل مع العمليات الطبيعية التي تنشط الذاكرة في المخ ،وهكذا تتحدد المشكلة أما في اختزان المعلومات أو في استرجاعها والذين يرون أن المشكلة هي مشكلة استرجاع أكثر منها مشكلة تخزين يلاحظون انه عندما يتناول المرء شرابا في وقت لاحق ،فإن الأحداث المرتبطة بالمرة السابقة يتم تذكرها بطريقة مزعجة ومثل هذا التأثير يسمى تذكر معتمد على الحالة الذاتية state-dependent retrieval )[55] .

ويؤكد هؤلاء الباحثون أن الذاكرة تتأثر حين يحدث تلف في المناطق المخية البنية ومناطق فرس النهر وهي من مكونات المخ الأوسط ، وكذلك في المناطق الصدغية من القشرة الدماغية ، وهي أيضا تتأثر بتعاطي الكحول وبالأدوية وبالسموم والكلمات الموجهة للرأس وتقدم العمر والعته وأنماط اختلال الذاكرة في هذه الحالات تشير إلى وجود أنواع مختلفة من الذاكرة ومن عمليات التذكر قصيرة المدى وطويلة المدى ، شخصية ودلالية وإجرائية عملية وصريحة –وقائعية –لفظية وغير لفظية ومحددة الفئة واختلالات الذاكرة يمكن أن تنتج من أخطاء التشفير أو التعزيز أو استدعاء أي من عمليات الذاكرة ) [56] .

على أن البحوث في مجال الذاكرة وخزنها هل هو كهربائي أم كيميائي قادت العلماء إلى تصورات طموحة جدا حيث طرحوا فكرة حقن الذكريات في مخ الإنسان أو نقل الذاكرة من مخ شخص إلى مخ شخص آخر وبالتالي تغيير شخصيته ، ومن ثم طرحوا فكرة مسح الذاكرة بعد أن تبين أن الذكريات قد تزول وتمسح نتيجة ضربة على الرأس ، لقد كانت الأفكار السابقة تقول أن المخ آلة كهربائية وبالتالي فالذاكرة إنما تخزن كهربائيا لكن مع تطور دراسات الجينات والبيولوجية الجزيئية اكتسبت فكرة التخزين الكيميائي للذاكرة دفعا جديدا ، وأخيرا جرى القول أن الذكريات القريبة تخزن كهربائيا والذكريات البعيدة تخزن كيميائيا عن طريق الجينات ، بل إن طموح العلماء وأحلامهم وصلت إلى إمكانية زرع ذكريات جديدة صنعية في مخ الإنسان عن غير الطريق الطبيعي لتكون الذكريات ، فما دامت هذه الإمكانية تتحقق عبر عملية التنويم المغناطيسي للشخص النائم حتى إذا استيقظ اقسم انه مر بمثل هذه الذكريات فكيف إذا توصل العلماء إلى تكوين الذكريات الصناعية وتسجيلها ثم تغذية المخ بها كهربائيا أو كيميائيا ، حيث أن هذه الخبرات الصناعية ستكون أكثر حيوية من كل ما تقدمه السينما العالمية لان هذه الخبرات الصناعية ستؤثر على كل الحواس ،يقول احد الكتاب نقلا عن -آرثر كلارك- كاتب الخيال العلمي ( انه سيصل بنا إلى قمة وسائل وأشكال الترفيه المعروفة ، وان هذه العملية ستنجح في زرع خبرات خيالية أكثر واقعية من الواقع نفسه -، ويتأمل كلارك مستقبل هذا الاكتشاف فيقول – لقد كثر التساؤل حول ما إذا كان معظم الناس يرضون عن حياة اليقظة التي يحيونها إذا ما كانت مصانع الأحلام يمكنها أن تلبي جميع رغباتهم مقابل بضعة قروش هي تكاليف الكهرباء ومصانع الأحلام التي يتحدث عنها هي مخازن الذكريات الجاهزة التي يمكن للشخص أن يختار من بينها عالم الأحلام الذي يحب أن يعيش فيه، أحلام تكون بالنسبة له أقوى من الواقع وإذا نجحنا في زرع ذكريات في مخ الإنسان فهل نصل إلى امكان نقل ما في مخ إنسان من ذكريات إلى مخ شخص آخر ؟ )[57]

إن شخصية الإنسان وليدة ذاكرته وذاكرته وليدة دماغه ومن هنا نفهم طبيعة العلاقة والمقاربة بين الدماغ والشخصية .