eKtab
EN ع
الدر المنثور من تراث أهل البيت والصحابة
Read free sample

الدر المنثور من تراث أهل البيت والصحابة

by علاء الدين المدرس

Page 1
بسم الله الرحمن الرحيم
 
 إنما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً 
 
(سورة الأحزاب: 33)
 
 والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي اللّه عنهم ورضوا عنه واعد لهم جناتٍ تجري تحتها النهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم (سورة التوبة: 100)
 
 والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل اللّه والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقاً لهم مغفرة ورزق كريم (سورة الأنفال: 74)
 
وقال رسول اللّه  : الأرواح جنود مجندة، ما تشابه منه ائتلف وما تناكر منها اختلف، والناس معادن خيارهم في الجاهلية، خيارهم في الإسلام إذا فقهوا. (حديث صحيح)
 
وقال  : لا تسبوا أصحابي فلو انفق أحدكم مثل أُحدٍ ذهباً ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه. (متفق عليه)
 
الإهــداء
 
إلى القلوب المستنيرة بنور القرآن، والتي لا تتبع القول جزافاً من دون علم ولا سلطان مبين..
 
وإلى دعاة الوحدة والتعايش الاسلامي..
 
وإلى محبي الآل والأصحاب.. الذين يودون أن تحل المذهبية السمحة والتعايش البنّاء محل الطائفية والخصومة والتعصب…
 
نهدي هذه الروايات المختارة من كتب الإمامية المعتبرة( ).
Page 2
مقدمة
 
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته واهتدى بهديه إلى يوم الدين.. وبعد
 
فإن هذا البحث التجميعي المتواضع، هو محاولة هادفة لوضع عدد من الروايات المنيرة المختارة التي حاولنا جمعها من الكتب الأصيلة والمعتبرة من كتب الشيعة الإمامية، بين يدي القارئ الكريم، لتشكل في مجموعها، صورة فنية رائعة للود والأخوة والعلاقات الطيبة التي كانت تحكم الجيل النبوي الشريف وعلى رأسهم أهل البيت وكبار الصحابة، وتم التركيز في اختيار الروايات على العلاقة بين الخلفاء الراشدين وأحفادهم من جهة والبيت النبوي الشريف من جهة أخرى. وقبل الاسترسال في أثر هذه الروايات الطيبة وأمثالها، نود أن نؤكد حقيقة مهمة في النظرة إلى التسنن والتـشيع الأصيل، والتي قـد تعـبر عـن وجـهة نظـر الكثـير مـن العلمـاء والمفكرين الإسلاميين اليوم، ونخص منهم بالدرجة الأولى دعاة الوحدة والتقريب الربّاني، إذ أن جوهر التسنن والتشيع في حقيقة الأمر واحد، وانهما فرعا الشجرة المباركة، شجرة الإسلام العظيم، وانهما وجهان لعملة واحدة، وان الخلاف بينهما – في الأصل – شكلي ومصطنع، كما إننا يمكننا القول دون مجازفة أو تردد، أن جلّ الخلاف قد ظهر بعد منتصف القرن الثالث الهجري، ثم تأصل في العهد البويهي العباسي، ثم استحكم في العصور المتأخرة، وبالذات بعد تبني المكفّرات والأفكار الطائفية المغالية ونشرها في مطلع العصر الصفوي، وانتشار الاضطهاد الديني والصراع الطائفي بين الصفويين والعثمانيين في القرون الأخيرة. لذا فأننا كلّما توغلنا في القدم والعودة إلى عصور الإسلام الأولى وقرون الخيرية في عصر النبوة وما تلاه، نجد التطابق والتماثل بين التشيع العلوي الأصيل والتسنن النبوي الأصيل. لذا فانه من البديهي للباحث أن يجد أنه ليس من الصعب جمع الروايات المنيرة والأخبار المباركة كلما رجعنا إلى المصادر الإسلامية الأصيلة والقديمة التي سبقت الصراع الطائفي بين المسلمين في عصور الانحطاط والطائفية، وإننا نستطيع القول بأن هذه الروايات المختارة التي تم جمعها من الكتب الإمامية المعروفة، هي أقباس منيرة من تراث الآل والأصحاب، لا ندري كيف غفل عنها بعض المسلمين فابتعدوا عن عقيدة حب الآل والأصحاب وعن منهج القرآن الكريم في المحبة والأخوة والتعايش البنّاء الذي يريده اللّه لعباده، ومع ذلك فقد اتضح لكل ذي لب من المسلمين المؤمنين أن حبل الكذب قصير، ودور الغلو محدود في صناعة الحياة الطيبة بين الناس، بعد الدور المشبوه للبعض في إثارة الحقد والخصومة الطائفية بين أتباع المذاهب الإسلامية، فتصدى العديد من الكتاب والمؤرخين والعلماء لكشف اللثام عن ذلك الدر المكنون من تراث الآل والأصحاب في التراث الإسلامي، وسيلمس القارئ في تلك الروايات المنيرة التي يشهد بها علماء الإمامية سواء المعتدلون منهم أم المتشددون- وحتى المتأخرين منهم - ما تقرّ به عينه، ويؤكد له عمق الصلة بين أهل البيت لاسيما أئمتهم والخلفاء الراشدين وغيرهم من المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بإحسان، مما يدفعنا -اضطرارا- لإعادة النظر في روايات التكفير والتحريف والسب والطعن وروايات الغلو والتأليه والشطح والانحراف والتراث الأسطوري والخرافي التي تعج بها كتب الغلاة والمتعصبين وأشباههم، ويدفعنا للمحاولة الجادة لاستبعاد ذلك الركام الأسود الذي يدعو إلى سب الصحابة وافتراض العداوة بين أركان جيل النبوة، واحتقار تاريخنا المجيد والمضي في شطط الغلو والخصومة بين المسلمين، لذلك كان هذا المنهج القرآني في عرض الصورة المشرقة لمجتمع الآل والأصحاب ومن تبعهم بإحسان يرتبط ارتباطاً جدلياً بمنهج التصحيح والتقريب وإعادة النظر في التراث الإسلامي الذي يشتمل على روايات مدسوسة وبدع ومنكرات مفضوحة وضعت لهدم الدين والعقيدة ونشر الفرقة والتناحر بين المسلمين وتبرير منهج الصراع والقتل والتكفير، بجانب الروايات المضيئة التي يألفها الحس الإسلامي المؤمن والذوق الإنساني السليم، وتتفق تماما مع روح القرآن الكريم والهدي النبوي الشريف، ويمكننا- علماء ودعاة ومثقفون وقراء مؤمنون- الاستعانة في تشخيص التراث المدسوس ومحاولة استبعاده-بعد التوكل على الله سبحانه- بعلم الجرح والتعديل وتراجم الرجال لدى الفريقين، لتحديد الروايات الساقطة ووفق المنهج العلمي أيضاً، فتتظافر حين ذاك النظرة القرآنية والعلمية لدراسة النصوص والروايات مع النظرة الإيمانية والأخلاقية التي تنسجم مع الذوق الإسلامي والقرآني لاستخراج التراث المنير والدر المنثور في ذلك البحر الزاخر من تراثنا العظيم( )..
 
قال تعالى:
 
فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض( ).
 
نسأله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، خدمة لديننا الحنيف، وتوحيداً للصفوف والجهود..
 
واللّه الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
 
1 المحرم 1419هـ
Page 3
الصلة بين أبي بكر وأهل البيت
 
كانت العلاقة بين بيت النبوة وبيت الصديق وثيقة وودية لا يتصور معها الاختلاف والتباعد بين البيتين الكريمين، مهما نسج الغلاة والأعداء الأساطير والأباطيل، فان نسيجهم أوهن من نسج العنكبوت( ) ونذكر أدناه عدداً من الروايات والأخبار المروية في كتب الإمامية التي تؤكد هذه الصلة الطيبة والمحبة والاخوة التي كانت تسود علاقة أهل البيت بالصديق وأهل بيته.
 
يقول الشيخ المفيد( ) كان أمير المؤمنين يتعشى ليلة عند الحسن وليلة عند الحسين وليلة عند عبد اللّه بن العباس( ). يقول ابن عباس صاحب الإمام علي وعامله المقرب ومستشاره وهو يذكر الصديق : رحم اللّه أبا بكر كان واللّه للفقراء رحيماً وللقرآن تالياً وعن المنكر ناهياً وبدينه عارفاً ومن اللّه خائفاً وعن المنهيات زاجراً وبالمعروف أمراً وبالليل قائماً وبالنهار صائماً، فاق أصحابه ورعاً وكفافاً وسادهم زهداً وعفافاً( ).
 
ويروي الحسن بن علي  عن النبي  : إنما أبو بكر مني بمنزلة السمع( ). وكان الحسن بن علي  يوقر أبا بكر وعمر بحيث جعل أحد شروط الصلح مع معاوية، إن يحكم في الناس بالكتاب والسنة وسيرة الخلفاء الراشدين( ).
 
وعن زين العابدين  انه جاءه نفر من الغلاة فقالوا في أبي بكر وعمر وعثمان، فلما فرغوا من كلامهم قال لهم : إلا تخبروني.. أنتم : المهاجرون الأولون الذين اخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من اللّه ورضواناً، أولئك هم الصادقون قالوا: لا. قال: فأنتم: الذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم، ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة قالوا: لا، قال: أما أنتم قد تبرأتم أن تكونوا من أحد هذين الفريقين، وأنا أشهد أنكم لستم من الذين قال اللّه فيهم: والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا. اخرجوا عني فعل اللّه بكم( ).
 
يروي الاربلي أيضا عن عروة بن عبد اللّه( ) قال سألت الإمام الباقر عن حلية السيف، فقال: لا بأس به قد حلى أبو بكر الصديق سيفه. قال: قلت: وتقول الصديق؟ فوثب وثبة واستقبل القبلة فقال : نعم الصديق، فمن لم يقل له الصديق.. فلا صدق اللّه له قولاً في الدنيا والآخرة( ).
 
ويروي الطبرسي عن الباقر  أنه قال:ولست بمنكر فضل أبي بكر ولست بمنكر فضل عمر، ولكن أبا بكر أفضل من عمر( ).
Page 4
ويـروي القاضي الشـوشتري، إن رجلا سأل الإمام الصادق  عن أبي بكر وعمر، فقال : إمامان عادلان مقسطان، كانا على الحق وماتا عليه، فعليهما رحمة اللّه يوم القيامة( ). ويروي الشريف المرتضى (وهو أخو الشريف الرضي) عن جعفر الصادق  انه كان يتولاهما، ويأتي القـبر فيسـلم عليهما مع تسـليمه على رسول اللّه( ). ويروي الاربلي عن الصادق  أنه كان يقول ولدني أبو بكر مرتين( ). لان أمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر، وامها (أي والدة أم الصادق) أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق( )، فيرجع نسب الصادق إلى الصديق عن طريقين وإلى المرتضى عن طريق واحد.
 
وأخيراً يروي الحسن العسكري في فضل الصديق وورعه، وهو يسرد واقعة الهجرة، إن النبي  بعد أن سأل علياً  أن ينام في فراشه، قال لأبي بكر، أرضيت أن تكون معي يا أبا بكر. تطلب كما أطلب وتتحمل عني أنواع العذاب؟ فأجابه بالسمع والطاعة والمحبة وقال: وهل أنا ومالي وولدي إلا فداؤك ؟ فقال رسول اللّه : لا جرم أن اللّه أطلع على قلبك، ووجده موافقاً لما جرى على لسانك.. جعلك مني بمنزلة السمع والبصر والرأس من الجسد والروح من البدن( )..
 
وكان أبو بكر الصديق هو الأخ الأكبر الوفي المخلص للإمام علي، والمســاعد القائـم بأعباء زواجـه.. روى الطوسي عن علي  قوله : أتاني أبو بكـر وعمر فقالا: لو أتيت رسول اللّه  فذكـرت له فاطمــة، قال فأتيتــه فلما رآني رســول اللّه  ضحك ثم قال: ما جاء بك يا علي وما حاجتك؟ قال فذكرت له قرابتي وقدمي في الإسلام ونصرتي له وجهادي، فقال: يا علي صدقت، فأنت افضل مما تذكر، فقلت: يا رسول اللّه، فاطمة تزوجنيها( ). ويقول المجلسي : إن أبا بكر وعمر وسعد بن معاذ، هم الذين سعوا في زواج علي من فاطمة، وانهم تواعدوا علياً أن يسـاعدوه بالمـال، وان أبـا بكــر هو الذي شــجع علياً علـى زواج فاطمـة  وهو الذي ساعده المساعدة الفعلية لذلك، وهو الذي هيأ له أسباب الزواج، بأمر رسول اللّه( ).
 
موقف أهل البيت من خلافة أبي بكر
 
يذكر الإمام علي (كرم اللّه وجهه) بيعته لأبي بكر بعد أن بايع الناس فيقول: (فمشيت إلى أبي بكر فبايعته، ونهضت في تلك الأحداث حتـى زاغ البـاطل وزهـق... وكانت كلمة اللّه هـي العليـا ولـو كره الكافرون، فتولى أبو بكر تلك الأمور، فيسر وسدد، وقارب واقتصد، فصحبته مناصحاً وأطعته فيما أطاع اللّه فيه مجاهداً)( ).
 
ويقول سيدنا علي  : فاختار المسلمون بعده (أي بعد النبي  ) رجلاً منهم فقارب وسدد بحسب استطاعته على خوف وجد( ).
Page 5
ويقول علي والزبير (ابن عمة النبي) : إنا نرى أبا بكر أحق الناس بها، انه لصاحب الغار وثاني اثنين، وإنا لنعرف له سنّه، ولقد أمره رسول اللّه بالصلاة بالناس وهو حي( ).
 
كما يذكر ابن أبي الحديد: أنه بعد بيعته واجتماع السقيفة، جاء أبو سفيان إلى علي ، وعرض عليه أن يمد يده ليبايعه ويسانده في الترشيح للخلافة، فقال له علي : لا حاجة لنا إلى خيلك ورجلك، لولا أنا رأينا أبا بكر لها أهلاً لما تركناه( ).
 
وحين طعن ( أي الإمام علي ) سُئِل أن يوصي بالخلافة فقال: ما أوصى رسول اللّه  فأوصي، ولكن إن أراد اللّه خيراً فيجمعهم على خيرهم كما جمعهم على خيرهم بعد نبيهم( ).
 
كما روى مراراً في خطبه في الكوفة، وهو يرتقي المنبر: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، رواه البلخي عن شريك حين سُئِل: أيهما أفضل أبو بكر أم علي فقال أبو بكر، فقال السائل : تقول هذا وأنت شيعي، فقال له: نعم. من لم يقل هذا فليس شيعياً، واللّه لقد رقى هذه الأعواد [أي المنبر] علي فقال : إلا إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر، فكيف نرد قوله وكيف نكذبه، واللّه ما كان كذاباً( ).
 
ويؤكد الإمام علي  ولاية الصديق، فيقول: الموالي له ناجٍ والمعادي له كافر هالك، والمتخذ دونه وليجة ضال مشرك( ).
 
ويروي الميرزا تقي خان شيبهر صاحب ناسخ التواريخ : إن ناساً من رؤساء الكوفة وأشرافها الذين بايعوا زيداً حضروا يوماً عنده، وقالوا له : رحمك اللّه ماذا تقول في حق أبي بكر وعمر ؟ قال : ما أقول فيهما إلا خيراً.. كما لم أسمع فيهما من أهل بيتي (بيت النبوة) إلا خيراً، ما ظلمانا ولا أحداً غيرنا، وعملا بكتاب اللّه وسنة رسوله( ).
 
ويقول : لما سمع أهل الكوفة منه هذه المقالة رفضوه، ومالوا إلى أخيه الباقر، فقال زيد: رفضونا اليوم، ولذلك سُمّيت هذه الجماعة بالرافضة( ).
 
ويروى أبو الفرج الأصفهاني الإمامي المعتقد عن عبد اللّه بن جرير أنه قال: رأيت جعفر الصادق يمسك لزيد بن علي الركاب، ويسوي ثيابه على السرج( ). والإمام زيد بن علي شقيق الإمام محمد الباقر وعم الإمام جعفر الصادق الذي قيل فيه: انه كان حليف القرآن( ).
 
ويروي سلمان الفارسي حديثا عن النبي  الذي قال فيه إن (سلمان منا أهل البيت)( ). فيقول عن أبي بكر الصديق، قال النبي : ما سبقكم أبو بكر بصوم ولا صلاة ولكن بشيء وقر في قلبه( ).
 
وكان علي  مستشاراً أميناً لأبي بكر  أعانه في كل أموره وصدق صحبته قال اليعقوبي: (وأراد أبو بكر أن يغزو الروم فتشاور جماعة من أصحاب رســول اللّه  فقدمــوا وأخــروا فاسـتشـــار عليـاً  فأشار عليه أن يفعل، فقال: إن فعلت ظفرت ؟ فقال : بشرت بخير، فقام أبو بكر في الناس خطيباً وامرهم إن يتجهزوا إلى الروم) وفي رواية: (سأل الصديق عليـاً: كيف ومن أين تبشر؟ قال من النبي حيث سمعته يبشر بتلك البشارة فقال أبو بكر: سـررتني بمـا أسمعتني من رسول اللّه يا أبا الحسن بشرك اللّه)( ).
Page 6
وكان النبي  حريصاً على أبي بكر إلى حد أن منعه من مبارزة ابنه يوم بدر وهو فارس، فقال له:(شم سيفك وارجع إلى مكانك، ومتعنا بنفسك)( ). فجعل بقاءه متعة له عليه الصـلاة والسلام وتلك أرقى درجات الخلـة والمحبـة والصحبة المباركــة الـتي كانـت بـين النبي  وصاحبه أبي بكر الصديق.
 
خــلافة أبي بكر الصــديـق
 
لم تقتصر مناصرة وتأييد أهل البيت لأبي بكر الصديق في الأقوال والمواقف والتعاون في سبيل بناء دولة الإسلام ونشر نوره، وانما كان من ثمار ذلك، وفوقه، أن يصاهر أهل البيت الصحابة وأبناءهم وفي مقدمتهم الخلفاء الراشدين، فكانوا يتزوجون منهم ويزوجون لهم ويتبادلون ما بينهم التحف والصلات ويجري بينهم من المعاملات ما يجري بين الأقرباء المتحابين والأحباء المتقاربين، وكيف لا؟ وهم أغصان شجرة واحدة وثمرة نخل واحد.
 
يقول الإمام علي في صحة خلافة أبي بكر في إحدى رسائله إلى معاوية : أنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يرد. وانما الشورى للمهاجرين والأنصار، فان اجتمعوا على رجل وسموه إماماً كان ذلك لله رضىً، فان خرج عن أمرهم خارج بطعن أو بدعة.. ردّوه إلى ما خرج منه، فان أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين، وولاه اللّه ما تولى( ).
 
ويـروي الطبرسـي عن محمد الباقر قال: لما تــوفى رسول اللّه  وورد الكتاب إلى أسامة بن زيد حب رسول اللّه  انصرف بمن معه من الجيش، حتى دخل المدينة، فلما رأى اجتماع الخلق على أبي بكر انطلق إلى علي بن أبي طالب فقال وسأله ؛ هل بايعته ؟ فقال علي  : نعم( ).
 
ويؤكد المجتهد الإمامي السيد محمد حسين كاشف الغطاء مبايعة الإمام علي للصديق في كتابه (اصل الشيعة وأصولها) وقد حاول أن يوفق بين منهج الفريقين في النظر إلى الخلافة الراشدة عموماً( ).
 
وبقي سؤال، قد يطرحه البعض لماذا تأخر علي عن البيعة أياما. يجيب ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة، فيقول : ثم قام أبو بكر، فخطب الناس واعتذر إليهم وقال: إن بيعتي كانت فلتة وقى اللّه شرها وخشيت الفتنة، وأيم اللّه، ما حرصت عليها يوماً قط، ولقد قلدت أمراً عظيماً مالي به طاقة ولا يدان ولوددت أن أقوى الناس عليه مكاني، وجعل يعتذر إليهم، فقبل المهاجرون عذره، وقال علي والزبير : ما غضبنا إلا في المشورة وإنا نرى أبا بكر أحق الناس بها، انه لصاحب الغار، وإنا لنعرف له سنّه ولقد أمره رسول اللّه  بالصلاة بالناس وهو حي( ).
Page 7
ويروي ابن أبي الحديد عن مبايعة بني عبد مناف لأبي بكر، فيقول : كان خالد بن سعيد بن العاص الأموي من عمال رسول اللّه  على اليمن. فلما قبض رسول اللّه جاء المدينة وقد بايع الناس أبا بكر، فاحتبس عن أبي بكر فلم يبايعه أياما، وقد بايع الناس، وأتى بني هاشم (بنو عمه وشطر بني عبد مناف الأول) قائلاً: الظهر والبطن والشعار دون الدثار، والعصا دون اللحى فإذا رضيتم رضينا. وإذا سخطتم سخطنا، حدثوني إن كنتم قد بايعتم هذا الرجل ؟ قالوا : نعم! قال: على بردٍ ورضا من جماعتكم؟ قالوا: نعم ! قال: فأنا أرضى وأبايع إذا بايعتم. أما واللّه يا بني هاشم، إنكم لطوال الشجر الطيب الثمر، ثم انه بايع أبا بكر( ).
 
اقتداء علي بأبي بكر في الصلاة وقبوله الهدايا منه
 
كان عليٌّ راضياً بخلافة الصديق ومشاركاً له في معاملاته وقضاياه قابلاً منه الهدايا، رافعاً إليه الشكاوى، مصلياً خلفه، عاملاً معه بالمحبة والأخوة محباً له، مبغضاً من يبغضه. وقد شهد بذلك الغلاة والمعتدلون وعلماء الفريقين.
 
وحين أراد المسلمون من علي  أن يستلم الخلافة قال لهم: (وأنا لكم وزيراً خير لكم مني أميراً)( ) يذكرهم بذلك أيام الشيخين أبو بكر وعمر حينما كان مستشاراً مسموعاً، ومشيراً منفذة كلمته. ويروي اليعقوبي إن علياً نصح أبا بكر يوماً، بغزو الروم وبشره بالنصر( ).
 
ويقول اليعقوبي الإمامي: وكان ممن يؤخذ عنه الفقه في أيام أبي بكر، علي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وعبد اللّه بن مسعود( ).
 
ويذكر ابن أبي الحديد، إن الخليفة أبا بكر أمر علياً والزبير وطلحة وابن مسعود أن يرأسوا جمع من الحرس لحراسة المدينة، حين جاء وفد من الكفار إلى المدينة ورأوا بالمسلمين ضعفاً وقلة، لذهاب الجيوش لحرب المرتدين، وبقوا كذلك حتى آمنوا منهم( ).
 
وقبل الإمام علي  من جملة هدايا الخليفة، الصهباء التغلبية الجارية التي سبيت في معركة عين التمر، بقيادة خالد بن الوليد في حروب العراق. وولدت له عمر ورقية. واسمها الصهباء (أم حبيب) بنت ربيعة( ). كما منحه الصديق خولة بنت جعفر بن قيس الحنفية التي سبيت في حرب اليمامة، وولدت له أشهر أولاده بعد الحسنين: محمد بن الحنفية( ).
 
كما وردت روايات عديدة في المصادر الإمامية بقبوله هو وأولاده الهدايا المالية والخمس وأموال الفيء من الصديق وبقية الخلفاء وكان علي هو المتولي والقاسم في عهد الصديق على الخمس والفيء( ).
 
وكانت هذه الأموال بيد علي ثم كانت بيد الحسن ثم الحسين ثم الحسن بن الحسن ثم زيد بن الحسن( ).
Page 8
وكان عليٌّ يؤدي الصلوات الخمس في المسجد خلف الصديق. راضياً بإمامته، ومظهراً للناس اتفاقه ووئامه معه. وقال الطبرسي في صلاة علي خلف أبي بكر: فذاك مسلم به( ).
 
وكان الصديق يحمل الحسن بن علي - وهو طفل صغير - على عاتقه، ويداعبه ويلاعبه ويقول : بأبي شبيه بالنبي غير شبيه بعلي وعلي يضحك( ).
 
وكانت أسماء بنت عميس (زوج أبي بكر الصديق) من أقرب النساء إلى فاطمة زوج علي، حتى آخر أيامها، إذ كانت تمرض فاطمة بنت رسول اللّه  في مرض موتها، وكانت معها حتى الأنفاس الأخيرة وشاركت في غسلها وتجهيزها إلى مثواها( ).
 
وحين مرضت فاطمة، كان علي يصلي في المسجد الصلوات الخمس، فلما صلى، قال له أبو بكر وعمر : كيف بنت رسول اللّه ؟ وحين ماتت أقبل أبو بكر وعمر يعزيان علياً ويقولان: يا أبا الحسن لا تسبقنا بالصلاة على ابنة رسول اللّه( ).
 
ويدافع الإمام الباقر عن موقف أبي بكر وعمر في فدك، بعد أن سأله بعض الناس بقولهم: جعلني اللّه فداك، أبو بكر وعمر هل ظلماكم في حقكم شيئاً ؟ فقال: لا والذي انزل القرآن على عبده ليكون للعالمين نذيراً، ما ظلمانا من حقنا مثقال حبة من خردل. قلت: جعلت فداك أما أتولاهما؟ قال نعم ويحك، تولّهما في الدنيا والآخرة، وما يصيبك ففي عنقي( )، ويقول زيد بن علي في قضية فدك: وأيم اللّه لو رجع الأمر إلي لقضيت فيه بقضاء أبي بكر( ).
 
مصاهرات البكريين مع أهل البيت
 
كانت السيدة عائشة بنت أبي بكر الصديق( ) زوجة النـبي  ومن احب الناس إليه، وأم المؤمنين بنص القرآن، ودون إنكار من أحد، فإنها حقيقة ثابتة، وهي طاهرة مطهرة بشهادة القرآن أيضا، وكانت أختها أسماء ذات النطاقين زوجة الزبير، واخوتهما أم كلثوم زوجة طلحة وهما من كبار الصحابة.
 
ثم أسماء بنت عميس، كانت زوجة لجعفر بن أبي طالب شقيق الإمام علي  فلما مات عنها تزوجها الصديق وولدت له ولداً سماه محمداً، وهو الذي ولاّه الإمام علي على مصر، ولما مات أبو بكر تزوجها علي بن أبي طالب. فولدت له ولداً سماه يحيى( ).
 
وحفيدة الصديق أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر كانت متزوجة من محمد الباقر  كما يذكر الكليني في أصوله.. تحت عنوان مولد جعفر : (ولد أبو عبد اللّه  سنة ثلاث وثمانين، ومضى في شوال من سـنة ثمان وأربعين ومائة وله خمس وستون سنة ودفــن بالبقيع في القـبر الـذي دفن فيـه أبوه، وجـدّه والحســـن بن علي، وأمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر، وأمها أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر( ).
 
ويقول ابن عنبه( ): أمه (أي جعفر) أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر، وامها أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر ولهذا كان الصادق  يقول: ولدني أبو بكر مرتين( ).