eKtab
EN ع
الدين ونشوء العلم الحديث
Read free sample

الدين ونشوء العلم الحديث

by ريجر هوكاس

Page 1
مقدمة المترجم

مازال موضوع العلم وتاريخه محل اهتمام كبير بين الباحثين من مؤرخي العلم ومن المشتغلين به ؛ مع كثرة ماصدر وما يصدر عنه ، منذ بداية القرن العشرين وليومنا هذا من دراسات تتناول الابعاد المختلفة لنشوء العلم كقوة من قوى صياغة التاريخ المعاصر للانسانية . ومن بين الابعاد المهمة هي علاقة البنية الفكرية للمجتمع الذي ينمو فيه العلم ، وعلى وجه الخصوص بنية الفكر الديني ، إيمانا وعقائدا وممارسات ، وتاثيراتها على العلم من حيث تحفيز نموه أو أعاقته .

وهذا الكتاب ليس استعراضا لتاريخ الصراع بين العلم وبين الدين كما قد يبدو للقارئ الذي يختزن في ذاكرته موقف الكنيسة الرومانية من الاكتشـافات العلمية ، وعلى وجه الخصوص ، تلك المتعلقة بكروية الارض لصلتها المباشرة بعقيدة الكتاب المقدس من كل مايخالف ماجاء به . بل يطرح من البدء مفهموما جديدا مغايرا لما عرفناه عن الاثر السلبي للدين في نمو العلم وتقدمه . إذ يقودنا المؤلف ، متعقبا نشوء العلم منذ الاغريق ومرورا بالقرون الوسطى وعصر النهضة وفترة الاصلاح الديني ، بفضل معرفته الموسوعية في تاريخ الفلسفة والدين والعلم والثقافة ، الى الاستنتاج بان العلم في جزءه الاعظم هو نتاج التأثير الديني ( المسيحي ) على الفكر الغربي . فالمؤلف في اطار منهج لايعتمد السرد أو الوصف بل النفاذ في عمق الظواهر الاجتماعية والفكرية السائدة خلال العصور الوسطى ، يدلف الى تحليل مقام الايمان الديني ، باعتباره أحد أهم العوامل الفكرية التي ساعدت وهيأت خلق المناخ الملائم لنمو العلمِ وتَقدَمِه والترويج له . وهو بذلك يرفض اعتبار العلم نشاط إدراكي معرفي للفرد العالم بعيدا عن عصره ومؤسساته الفكرية .

ويتناول المؤلف على وجه الخصوص أثر الحركة الاصلاحية الدينية- البروتستانتية - ضمن اطار معقد العوامل المختلفة والتي منها على سبيل المثال النزعة الانسانية والتاثيرات الفكرية والاقتصادية- في نشوء العلم في فترة زمنية معينة وفي بقعة معينة . بمعنى اخر كيف كان لعقيدة دينية بعينها رؤية استحسان، إن لم تكن وجوب الجد والاجتهاد في ، طلب العلم والبحث في اسرار الطبيعة ؛ على إنه واجب بل جزء من مقومات الايمان الديني لذلك المذهب .

ولذلك يبحث المؤلف دور البروتستانت كحركة فكرية في تشجيع العلم والترويج له من حيث :

- تشجيع حرية الفكر إذ إن مبدأ كهانة جميع المؤمنين مثلا شجع استقلال الفكر في تفسير كتاب الطبيعة فضلا عن تفسير كتاب الانجيل ؛

- تأكيدهم على التعاليم الانجيلية في رفض ربوبية الطبيعة بل اعتبارها خلقا من أعمال الله الذي يجدر الاعجاب به وتأمله ودراسته وتقصي قوانينها لوضعها في خدمة البشرية وهو مادفعهم إلى اتخاذ نظرة إيجابية من كتاب الله المفتوح أمامهم ؛

- تمجيد العمل يدوي في كافة المجالات منطلقين من إيمانهم أن أي عمل هو دعوة إلهية للتبصر في كتابه المفتوح أمام اعينهم ولذلك لم يألوا جهدا للانعتاق من أسر النظرة الأغريقية ومنطقها الأرسطوي في تمجيد الأستنتاج النظري وإهمال التجارب التي ساعدت بل وكانت أساس التقدم العلمي ؛

- الابتعاد عن حرفية تفسير النص المقدس الذي كان سببا أساسيا في أعاقة تقدم العلم .

وصفوة القول إن البنية الفكرية للبروتستانت حبذت فيهم الميل أكثر من الكاثوليك لتقبل الاراء الجديدة في العلم ؛ بمعنى أنهم كانوا اقل معارضة للعلوم مما كان عند سلطة روما . وكما اشار توماس كلبرر 1655 إن الاصلاح الديني رفض وجود سلطة بابوية في الدين مثلما رفض الاصلاح العلمي وجود سلطة بابوية في الفلسفة . أضف لذلك إن توماس سبرات في كتابه تاريخ الجمعية الملكية-الانجليزية- 1667 قال ان الاصلاحيين – العلميين منهم والمتديين- يجمعهما أمر ترويج النسخة الأصلية من كتابي " الله : الطبيعة والانجيل متجاوزين حرفية الباحثين فضلا عن حرفية رجال الدين .

ويناقش المؤلف أطروحة عالم الاجتماع الامريكي روبرت مرتون (1938) القائلة إن لقيم الزهد والتقشف البروتستانتية أثر ومقام مهم في التعجيل بالثورة العلمية ، من حيث إن أفكار التطهريين أولت قيمة عالية لبعض أشكال العلم خاصة تلك التي ينتج عنها منافع عملية في حياة المؤمنين ؛ مع أن مرتون لم يتنكر أيضا لاهمية القوى الاجتماعية والاقتصادية - في تلك الفترة - في نشوء حركة العلم الحديث .
Page 2
وواضح أن أطروحة مرتون كما يبدو منها متاثرة باطروحة ماكس فيبر عن أثر القيم البروتستانتية ، التي نادى بها كإلفن من حيث الجد والاجتهاد في العمل، والتقشف واتخاذ موقف بناء ايجابي دائما ، في نشوء الرأسمالية . فنتج عن هذه الممارسات الاخلاقية تراكم المال والذي لم يكن غاية في ذاته بل ناتج عرضي لهذه الممارسات . وأكدت هذه المبادئ على وجوب ان يتبعها المؤمنون مع علمهم أن قدرهم النهائي هو بيد الله .

ويؤسس المؤلف وفقا لذلك أن الكتاب المقدس ، مع افتقاده لنظرة علمية شاملة عن الكون وعدم احتواءه لبيانات علمية دقيقة وسليمة ، كان له تأثير إيجابي على نمو العلم . بمعنى آخر كان الكتاب المقدس أحد عوامل خلق المناخ الفكري لتقدم العلم في أوروبا ، مقللا من أهمية العامل الاغريقي الذي يعتبره كثيرون إنه مصدر من مصادر التأسيس للثورة العلمية في القرون الوسطى .

وينتهي للقول " ان كانت مكونات أجزاء جسم العلم إغريقية ، فإن فيتاميناته وهورموناته - أي روحه- انجيلية" .

ويمكننا تلخيص أهم استنتاجات المؤلف بالاتي :

إن جذور الثورة العلمية في اوربا لم تأت من الفكر الاغريقي كما هو شائع، بل تجدها موجودة في بدايات الفترة الحديثة ، يعني القرنين السابع والثامن عشر. وهنا يؤكد المؤلف على عدم المغالاة في مساهمة الاغريق في إرساء اسس الفكر العلمي الاوروبي من حيث انهم وحدهم تركوا بصمات واضحة على طريقة التفكير الاوربي .

عدم تحميل كتبة الانجيل التفسيرات التي عارضت وأعاقت نمو العلم ؛ وإن لم تؤثر الخلافات عن المحتوى العلمي المزعوم لنصوص الكتاب المقدس على تقدم العلم في كل الاوقات والأماكن .

أثرت بعض الاِتجاهات العامة لفكر الكتاب المقدس- وإن لم يحتوِ على اية صورة للعلم ولم يتضمن بيانات علمية مقارنة بالميراث الفكري للاغريق الذي امتلك صورة موسعة عن العالم- على نمو العلم من نحو نزع الصفة الالوهية عن الطبيعة وتثمين العقل البشري واحترام العمل اليدوي .

الدين هو أحد أكثر العوامل المؤثرة في الحياة الفكرية من حيث إن اعتقادات الناس عن الرب قد أثرت على تصورهم عن الطبيعة وبالتالي على طريقة بحثهم في الطبيعة .

والكتاب مع إنه صدر في سبعينيات القرن الماضي ، إلاّ إنه لايزال يحتفظ بجدة اطروحته ولهذا فهو من بين اكثر المراجع المسخدمة في كثير من الدراسات والكتب التي تناولت علاقة الدين والعلم والتي تلت صدوره ، اذ بلغ عدد الكتب التي استخدمته في مراجعها الى مائة وخمسين كتابا تقريبا . وهو دراسة في فلسفة العلم وعلم الاجتماع الديني . والمؤلف رجر هوكاس ( 1906-1994 ) استاذ تاريخ العلم في جامعة أوترخت في هولندا . وله مؤلفات كثيرة تربو على المائتين او تزيد مابين دراسات وكتب متخصصة عن تاريخ العلوم ، فضلا عن العلاقة بين العلم وبين الدين . ويعتبر من جيل الذين أدخلوا تدريس تاريخ العلم للجامعات الامريكية والاوروبية . وكان استاذا زائرا في جامعات المانيا وبريطانيا وبولندا والبرتغال والولايات المتحدة الامريكية .

وبخصوص عملي في الترجمة : فإنني أومن أن مهمة المترجم لاتخرج عن كونه ساعي بريد ينقل رسالة المؤلف بأمانة . وعليه لاأميل للتعليق على النص وإن تطلب ذلك ، لأنها ستخرج المترجم عن مهمته فينصب نفسه سلطة على النص وعلى القارئ معا مما يحرم الاخير حقه في الإستمتاع بالنص واستنطاقه في اطار العلاقة بين النص وبين المتلقي . أضف الى ذلك أنني لم أذكرْ كل الاعلام الواردة – في تاريخ العلم- لكثرتها ولأن بعضها معروفا حتى لغير المتخصص ولعلي لاأكون مخطئا في الاختيار . ولكنني وجدتني أحينا مضطرا لشرح وبايجاز بعض المفاهيم والمصطلحات التي ربما تواجه القارئ غير المتخصص للمرة الاولى وهي ضرورية لفهم سياق النص ولهذا وضعتها في هوامش المترجم . ولأن المؤلف يقتبس احيانا ضمنا أو جزء ، وجدت من الضروري ايراد النص الكامل الذي اقتبس منه المؤلف بالرجوع الى النص الاصلي كما في الاقتباس عن ميلتون وعن نيوتن مثلا . والتعابير الموجودة بين معقوفين [] أو بين شارحتين - - هي من إضافاتي لتوضيح النص اما الواردة بين ( ) فهي اضافات المؤلف في المتن . ذكرت في أحيان كثيرة المقابل الاجنبي بين ( ) . ونقلت هوامش المؤلف كاملة في نهاية كل فصل وترجمت كل نصوصها حتى إذا أراد القارئ الرجوع لاشارات المؤلف ، سهل عليه ذلك .

زيد العامري الرفاعي

ولاية جنوب استراليا 2007
Page 3
المقـــدمة

حدثت الثورة الاساسية في الفكر العلمي في القرنين السادس والسابع عشر . ومع ضخامة التغيير الذي حدث في عصرنا فلم يتخلَ بلانك واينشتاين وبور عن منجزات نيوتن العلمية وبالتالي لم يهجروها ؛ على خلاف العلم القديم- الحديث بدءًا من كوبرنيكوس وحتى نيوتن ، الذي أحال علم الاقدمين وعلم العصور الوسطى إلى لاشئ .

وتطرح هذه الدراسة السؤال الآتي : لماذا نشأ العلم في مكان معين ، أوروبا بالذات ، وفي زمان معين وليس في مكان آخر أو في عصر آخر . من المعروف إن للاغريق دينا علينا ، في الاقل ، في مجال امتلاك أدواتنا الفكرية العامة ، إن لم يكنْ في مجال الاعتقادات الخاصة ؛ وأيا كان رفض القرنين السادس والسابع عشر للتراث العلمي القديم غير انهما استمرا في إستخدام أجزاء منه كالمنطق والرياضيات والتجريب .

ولم ينلْ المصدر الاخر للحضارة الاوروبية ، وهو الدين- اليهودي المسيحي- ، قسطه من الدراسة والتقويم كما يجب . إذ أن الرأي السائد الان يرى إن العلم قد نما بفضل علوم الاقدمين وعلى الضد من الفكر الديني لدرجة أننا نجد بين علماء اللاهوت ورجال الدين من يعبرون أحيانا وبحماس عظيم عن رفض الماضي الكنسي وفي لوم الكنيسة على دورها في أعاقة نمو العلم وتطوره . وقد أكدنا مرارا في هذا الكتاب الدور السلبي لتفسير الكتاب المقدس في معارضة النظريات العلمية الجديدة عن حركة الارض وعمر الارض وأصل النوع الحيواني ؛ ولكن يجدر الأنتباه الى خطأ أن نْحَّمل أرسطو وزر أتباعه المدرسيين عن كل التفسيرات المنحازة و السلبية وحتى السخيفة لفلسفته وبالقدر نفسه يجب أن لانحمل كتبة الانجيل وزر التفسيرات المشوهة التي قدمها أولئك الذين عارضوا الافكار العلمية والاكتشافات العلمية . علاوة على هذا لم تؤثرْ الخلافات حول المحتوى العلمي المزعوم لنصوص الكتاب المقدس ، على تطور العلم في كل البلدان او في كل العصور .

من الناحية الاخرى ، يوضح البحث الدقيق وجود فرق أساسي بين الميراث الفكري للاغريق وبين الميراث الفكري للكتاب المقدس . فحين امتلك الاغريق صورة علمية موسعة عن العالم وأرسوا أصول بعض الفروع العلمية مثل علم الفضاء والبصريات ؛ نجد على نقيض ذلك أن الكتاب المقدس لم يبين أي صورة للعالم ولم يتضمن بيانات علمية قد تستخدم كأساس لتقدم أضافي . وبالتالي ، كانت مساهمات اليهود الباقية الاثر اقل بكثير من مساهمات الاغريق للمحتوى المادي لعلومنا . ولعدم اقتصار التراث الأساسي للاغريق على نظرياتهم الخاصة بل في موقفهم العام الذي تركوه لنا ( موقف البحث العقلاني للطبيعة بوساطة المنطق والرياضيات والملاحظة ) قد يستنتج المرء مما طرحناه انفا : ان الامر لايصدق على تاثير الكتاب المقدس بنفس الشي . وقد لايكون لرؤية العالم الموجودة في الانجيل ، إن لم تكنْ صورة العالم ، تاثير إيجابي دائم على العلم . ولم يعدٌ مستساغًا القول و ببساطة : إن الاغريَق وحدهم قد تركوا بصماتهم الواضحة على طريقة تفكيرنا العلمية مع معرفتنا بتأثر الفكر الاوروبي بعمق بالمصادر الاغريقية-الرومانية والانجيلية ؛ مع علمنا أن مضامين العلم وطرقه حتى زمن الثورة العلمية في القرنين السادس والسابع عشر ، لم تختلف كثيرا عن مثيلاتها في القدم . وإذ رفض بعض اوائل المسيحين كلية الفلسفة والعلم الاغريقين ، فان اخرين ذهبوا بعيدا في ايجاد تسوية معهما ولكن بدون ايجاد طرق جديدة . وكانت بداية علم الفترة المسيحية مشابه لنهاية علم الفترة الوثنية المنحلة .

في العصور الوسطى كانت قراءة الانجيل لحد كبير بعيون إغريقية ولذلك جاءت النتيجة أحيانا تسوية غير موفقة ، ولذلك يصعب القول بوجود تأثير إيجابي للاهوت المسيحي على التراث القديم . ولم يتخذ العلم الوسطي أي خطوة للتخلص من العيوب الأساسية الموروثة في المنهج الاغريقي عن الطبيعة لاننا نجد ثانية نفس التهوين للطاقة البشرية وتاليه الطبيعة والافراط في تثمين العقل البشري والحط من العمل اليدوي .

وهذا يثير السؤال التالي هل إن خطوات تصحيح هذا الضعف والتي ظهرت لاحقا- بالاخص نزع الصفة الالوهية عن الطبيعة و تثمين متواضع للعقل البشري واحترام للعمل اليدوي- كانت كامنة في الاوجه المنسية والمهملة للتراث الانجيلي . فإن كان الامر كذلك ، فيجدر بنا تشخيص بعض الاتجاهات العامة لفكر الأنجيل والتي ربما أثرت وبصورة صحية سليمة على نمو العلم وأن تكون قد سعت ( هذه الاتجاهات ) في القرنين السادس والسابع عشر للتغلب على نواقص الموقف الاغريقي .

ومع إن الدين عامل مهم في خلق المناخ الروحي للفكر اِلا أنه ليس العامل الوحيد؛ بل كان للمؤثرات الخارجية من اجتماعية واقتصادية وسياسية وجغرافية، فضلا عن المؤثرات الداخلية مثل الفلسفة أو الاخلاق مقامها كذلك . وبتداخل هذه العوامل وتشابكها يصبح الموقف أكثر تعقيدا وتشابكا ، مثل التداخل الشديد للمفاهيم الدينية وللمفاهيم الاجتماعية . و كان الدين ، في الفترة التي نشَأ خلالها العلم الحديث ، أحد أكثر العوامل المؤثرة في الحياة الفكرية ؛ إذ اثرت اعتقادات الناس عن الرب ( أو الالهة ) على تصورهم عن الطبيعة والذي اثر في المقابل على طريقة بحثهم للطبيعة ، يعنى على علمهم .

نستقصي في المحاضرات التالية المدى الذي أثرت فيه العوامل الأغريقية والعوامل الأنجيلية في خلق وإيجاد موقف معين عن الطبيعة . وسنبين ذلك بمقارنة المفاهيم الأغريقية منها والمسيحية عن الرب والطبيعة ، فضلا عن المنهجيات العلمية التي نتجت من هذه التصورات مع إشارة خاصة الى مدى العقل البشري وحدوده ( العقلانية والتجريبية ) ، والطاقة البشرية ( حدود الطبيعة والفن ) ومقام الرأس ( الدماغ ) واليد ( القابلية البدنية ) في استقصاء الطبيعة وبحثها .
Page 4
الفصل الأول
الله والطبيعة
1 - 1 وجهة النظر الإغريقية
1 - 1 - 1 ما قبل سقراط

في اللاهوت الإغريقي القديم ، ارتبط موضوع أصل الآلهة ارتباطا وثيقا بنشأة الكون ؛ إذ كانت الآلهة تجسيدا للقوى الكونية الناتجة من عمليات الحب والتكاثر . والعالم ، بنظر هذا اللاهوت ، كائن حي وبالتالي المصدر الالهي لكل الموجودات الحية و بضمنها الآلهة نفسها . ومع أن الفيزيقا الأيونية جردت الأساطير من طابعها البشري ، إلا أن الفكرة الأساسية عن العالم ظلت كما هي . فالطبيعة ( Physis ) تمثل عندهم أساسا عملية صيرورة كل الأشياء فضلا عن نموها ، وعمليا كانت تعني لهم نفس ماتعنيه عملية التكوين . وأصبحت "المادة" ، هي الكائن الإلهي نفسه ، التيامتزجت به وتوحدت معه(1) . اعتبر طاليس (القرن السادس قبل الميلاد) الماء هو أصل كل الاشياء و حسبما ذكر ارسطو فقدماء الاغريق قالوا الشئ نفسه بطريقة اسطورية عندما أعتبروا المحيطات والبحار هما أصل العالم(2) . ويروى أن هيراقليطس ( Heraclitus ) ، القائل أن النار هي أصل كل الاشياء ، كان يقف قرب نار المطبخ ويرحب بضيوفه قائلا : "هلموا ، حيث توجد الهة هنا أيضا" . لقد اعتبر هؤلاء الفلاسفة الطبيعة إله ، اي كيانا أزليا يولد نفسه باستمرار ، فضلا عن مساواتها أحيانا بالآلهة الاولمبية . وبهذه الطريقة استعادت هذه الآلهة الاولمبية ، المخلوقة من الأرواح التي سكنت الأشجار والبحيرات والأنهار ، خاصيتها الأصلية عقلانيا . وكما قال اشيلوس* ( Aeschylus ) : " زيوس هو الأثير ، زيوس هو الأرض ، السماء هي زيوس، زيوس هو الكل وكل ما فوقه" . ولربما كانت الفلسفة تعبيرا عن موت الآلهة القديمة غير انها -[أي الفلسفة] ذاتها كانت دينا"(3) .

بعد أن برهن الفلاسفة إلايليون Eleatic philosophers ( القرن الخامس قبل الميلاد ) الثبات المطلق لوجود الكيان الالهي دون إن يعتريه أي تغيير ، إنشغل فلاسفة الطبيعة المتأخرين بمسألة"حفظ الظواهر"* . وبينا هم يؤكدون على فكرة ثبات الكيان المثالي ، سعوا في الوقت نفسه إلى تفسير التغيرات المرئية في عالم الظواهر من خلال إعادة ترتيب وفصل واتحاد الدقائق الصغيرة غير القابلة للتغير . وكانت عناصر امبدوقليس (Empedocles) الأربعة ( الأرض والماء والهواء والنار ) تحمل أسماء الآلهة الاولمبية . وولدت هذه العناصر باتحادها بقوة الحب (افروديتAphrodite ) كل الأشياء ابتداء من الشمس والأرض والأشجار وحتى "الآلهة الأزلية الخالدة" .(4)

والفلاسفة الذريون برفضهم وجود أي مبدأ عقلي في الطبيعة ، ظلوا ، في هذه القضية ، خارج التراث الديني للفلاسفة الطبيعيين ؛ و لكنهم بقوا داخله عندما ألهوا الطبيعة بقدر تاليه سابقيهم تقريبا . وأقر الذريون أيضا بثبات الكيان المثالي ولكنهم ، مثل امبدوقليس ، دافعوا عن الشرك الفلسفي بدلا من تأييدهم للتوحيد الفلسفي الذي أتى به فلاسفة إيليا . وافترضوا [أي الذريون] عددا لانهائيا من الذرات غير القابلة للانقسام وغير المتغيرة ، بأنواع لانهائية من الأشكال والأحجام ، تتحرك في فضاء فارغ لانهائي . وبذلك فسرت مسالة حفظ الظواهر بإرجاع ورد كل تغير مرئي ظاهري إلى تغير موضعي لهذه الذرات والى انفصالها أو إعادة ترتيبها . وهنا فقد تجزأ الوجود الإلهي إلى ذرات ظلت تحمل خواص إلهية واضحة وكانت هذه الذرات ازلية غير متغيرة ومكتفية ذاتيا . واعتقد الذريون بوقوع وحدوث كل الحوادث وفقا لقانون الضرورة ( Law of Necessity ) . على أن هذه الضرورة ، وهي علة فاعلة ، تستقر في الخواص الموروثة للذرات ، وهي ليست علة غائية ولا غاية .

ومع ذلك نجد في هذه الضرورة أثرًا من الدين القديم الذي أعتبر أن القدر والضرورة والعدل كلها أوجها لنظام عالم كوني تميز بمعاقبة كل من ينتهكه حتى لو كان من الالهة(5) . فوفقا لهيراقليطس يبقى إله الشمس داخل الحدود المخصصة له وإلا ستكتشفه الارواح المنتقمة والتي هي عبيد الهة العدالة(6) . ومن ثم كانت الضرورة ، كما لو أنها اله اعَلى super - god ، هي النظام الاخلاقي للطبيعة والذي يخضع لها[ أي للضرورة] الالهة الاولمبية والهة فلاسفة الطبيعة وحتى الهة الذرة . ومع التباين الشديد بين تصورات فلاسفة ماقبل سقراط ، فما كانت " تاملات وافتراضاتكل من فلاسفة الايونين والايلين والفيثاغوريين ، غير البحث عن الالوهية : يعني البحث عن الجوهر الالهي الذي يقدر ويسند ويدعم نمو العالم وتطوره " كما قال جلبرت (O . Gilbert (7.
Page 5
1 - 1 - 2 أفلاطون

تأثر أفلاطون ( 429 - 348 ق . م ) كثيرا بالفلاسفة الايلين إذ اعتبر المثل ( Ideas ) المطلقة الثبات هي العالم الحقيقي بينما التغير وعالم الظواهر المرئي ليس سوى صور وهمية ؛ ولهذا تتناسب المعرفة مع درجة أو منزلة الوجود الفعلي لموضوعها [أي موضوع المعرفة] ، بحيث تكون نسبة الحقيقة للمعتقد كنسبة الوجود للصيرورة . "فالمثل" هي النماذج الازلية والتي يكون فيها تكاثر الاشياء المرئية تكاثرا للصور المشوهة وليس تكاثرا للصور الحقيقية فعلا.

أورد أفلاطون ، في محاورته تيماوس ( Timaios ) ، تفسيرا لأصل العالم المرئي وفيه أن صانع العالم ( demiourgos ) ، وهو "خالق" شخصي ، قد صاغ العالم وشكله وفقا لخطة محددة ؛ ولكن نشاطه قد تقيد وتحدد بالامرين التاليين : إذ كان عليه أن لا يتبع تصميمه و خطته بلنموذج المثل الازلية وثانيا كان عليه ان يضع ويترك بصمة المثل على المادة المضطربة العنيدة التي لم يخلقها بنفسه. فصانع العالم قوة منظمة تهب العقل وتضعه في المادة غير العاقلة(8) أكثر مما هو خالق بالمعنى الانجيلي . وما كان باستطاعته فعل شئ سوى محاكاة المثل وحتى هذه لم يقم بها على الوجه الصحيح لأن المادة أبدت مقاومه وممانعة ساعية لتأخيره .

ومن الصعب تعيين موقع صانع العالم في التسلسل الأفلاطوني ، فربما كان هو التجسيد الاسطوري للمثل السامية عن الخير ؛ وعليه لايكون تاريخ أصل العالم غير ترجمة للتسلسل الزمني للعلاقة الوجودية المحضة والتي يرمز فيها صانع العالم الى المثل . وبذلك يتوضح لنا سبب قوله ان صانع العالم خلق الارض والسماوات والالهة و" بضمنها نفسه"(9) . وهنا تظهر صعوبات جمة في التفسير كما أدركها أفلاطون عندما قال : ( أنه لأمر عسير على الفهم أن "صانع"هذا الكون هو مصدره ) (10) .

واعتبر أفلاطون الكون المرئي نفسه كائنا إلهيا ، صورة للإله الأعلى ، أي عالم المثل . وضمن هذا الكون الألهي ، نجد عشيرة الالهة السماوية - النجوم والشمس والقمر والارض - تشمل "الالهة المرئية و الالهة المخلوقة" . وفي محاورات اخرى ، تحمل هذه الاجسام اسماء الالهة الاولمبية ( كان زيوس مكافئ مكان النجوم الثابتة* وهستيا كانت هي الارض )(11) التي مع عدم قدمها أساسا فلم تتحلل ولم تندثرْ ولما كان يستحيل على الإله الازلي خلق الكائنات الأرضية الفانية ، وجب على هذه "الآلهة المخلوقة" أن تتولى خلق أجسام الناس والحيوانات بينما تولى الاله الاعلى أمر أرواح هذه المخلوقات .

رفض أفلاطون المفهوم السفسطي عن الضرورة العمياء للطبيعة ، إذ تحتل الاشياء المرئية التي سماها معارضوه بالطبيعة*Physis ، الموقع الثاني لانها نفسها كانت نتائج العقل والتصميم . وبالتالي استخدم أفلاطون مصطلح Physis ليعبر به عن روح العالم ( مبدأ حركة الكون وحياته ) وعن المثل وحتى عن النجوم . ويجب ان نتذكر اعتبار كل هذه الكيانات " هي كيانات الهية" ، يعني ان أفلاطون حافظ على التراث الاغريقي القديم ولكن بتركيز مختلف حين جعل ال Physis ، وهو عقل العالم ، اله قديم ازلي .
Page 6
1 - 1 - 3 أرسطو

وجه أرسطو ( 384 - 322 ق . م ) عنايته وتأكيده نحو عالم الاشياء المرئية ، فكان يرى توافق عالم المثل ( او عالم الصورForms كما كان يسميه ) مع العالم المرئي وفيه ان الكون الكروي ذو حركة دورانية ومركزه هي الارض الثابتة . وهنا اختلاف جوهري بين العالم العلوي المتكون من الاثير الذي لايسمح بغير الحركات الدائرية وبين العالم السفلي المكون من العناصر الأربعة الأرض والماء والهواء والنار حيث الحركة الطبيعية الوحيدة فيه هي الحركة بخطوط مستقيمة اما للاسفل متجهة نحو مركز العالم او للاعلى متجهة نحو كوكب القمر.

واله أرسطو هو المحرك الاول ( Prime Mover ) الذي لم يكنْ علة فاعلة بل علة غائية ولايهتم بالعالم لانه منهمك بتأمل ذاته . والمحرك الاول ليس هو الخالق وذلك بسبب قدم العالم والصور ( المثل Forms ) والمادة جميعا . من الناحية الاخرى ، أدرك أرسطو تماما وجود تغير في هذا العالم السفلي ( عالم تحت القمر ) بسبب وجود الصور فيه . قد تموت الافراد وتظهر للوجود ، غير أن هذه التغيرات تبقى دائما هي نفسها ؛ فنفس الصور التي كانت موجودة ستبقى دائما موجودة و قد تتغير الافراد غير أن النوع يبقى هو نفسه دون تغيير . وبما أن المحرك الأول هو أعلى الصور وأرقاها ( بطريقة مماثلة لمثل أفلاطون عن الخير ) فيتبع ذلك مشاركة حتى الصور الواطئة ( lower Forms ) في ثباته . إن جوهر أو صورة الشئ الطبيعي هو غاية تطوره الفردي ؛ إنها "طبيعته"physis ، لذلك فالعلم الطبيعي[الفيزياء] هو المبحث الذي يدرس ال physis ، صورة كل شئ ويدرس كذلك الحركات أو التغييرات التي تتجة صوب التحقق الكامل للصور .

والـ Physis ايضا عبارة عن مجموع كل الصور ( Forms ) في نظامها ونسقها العقليين ؛ وهي قديمة أزلية ، غير قابلة للتغيير ، غير مخلوقة وذاتية التكاثر وعقلانية ( rational ) . وتكلم أرسطو عن الطبيعة بطريقة المشبهة (anthropomorphic) لأنه كان يرى أن الطبيعة تصنعالاشياء ( demiourgein ) " فالطبيعة Nature تصنع كل شي وفقا لغرض معلوم"(12) . وكلما أقتربت الصور من الصورة الراقية ، ازداد قربها من كونها صور الهية ؛ لذلك فالاجرام السماوية والنجوم والمجرات كلها كائنات الهية أزلية ومفكرة وغير فانية حتى كافراد . وفي رأي أرسطو ، استمدت الالهة الاولمبية أصلها" من خطأ تصور قوى الطبيعة الالهية القديمة"(13) .

1 - 1 - 4 ا لرواقيون

تبنى الرواقيون مثلما فعل أرسطو وأفلاطون ، تصورًا ثنائيًا عن العالم . وعندهم كان المبدأ الروحي العقلي للهواء ، والاثير أو النار ( فالنار بالنسبة لهم صورة لطيفة من صور المادة ) هو سبب بناء المادة الكبيرة الضخمة (Ousia) وتشكيلها . أما أرواح الحيوانات والبشر والاجرام السماوية فهي كلها أجزاء من روح هذا العالم الشامل ، لذلك تكون جميع الاشياء في حالة علاقات متجانسة غير متنافرة مع بعضها البعض و كل الأشياء مركبة وفقا لتصميم وخطة . إن الطبيعةNature ككل هي فكر العالم وروحه ؛ وهي تماثل زيوس دين العامة : " أن كل الأشياء ملأنه بجوبتر[كبيرالهة اليونان]كما يقول فرجل (Vergil (14.
Page 7
1 - 1 - 5 جالينوس

نرى في كتابات هذا الطبيب الإغريقي ( 201 - 129 ق . م ) التي كان لها تأثيرًا بالغًا في العصور اللاحقة ، نفس المبدأ الغائي ، و نفس صفات الله والطبيعة ، ونفس التأكيد على الفن الإلهي . لقد اعتبر مسيحيو القرون الوسطى ومسيحيو عصر النهضة جالينوس ، مثل اعتبارهم سينيكا* ،بسبب هذا المبدأ الغائي الربوبي ، إنه من أتباع المسيح . وأنه لحق أن جالينوس قدم مثلا نادرا عن كاتب وثني يتعاطف مع قصة موسى في الخلق لأنه أدرك خطة الهية فيها ؛ لكنه رفض الرواية الموسوية لأن اله كتاب التكوين طليق ولا تقيد نشاطاته طبيعة المادة(15) .

1 - 1 - 6 العصور الوسطى

أثرت الفلسفة الاغريقية سويا مع اللاهوت الإغريقي تأثيرًا قويًا فيما بعد على الفكر المسيحي ، إذ اتحد النظام اللاهوتي الطبيعي ، أو الفلسفة الطبيعية اللاهوتية ، للرواقيين بالمفاهيم المسيحية في مسالة الطبيعة من جهة اعتبارها [أي الطبيعة] موكلة برعاية المسار المنتظم للعالم والذي يتدخل فيه اله الكتاب المقدس أحيانا . أعتبر أفلاطونيو القرن الثاني عشر (برنارد سلفسترس وألانوس الليلي) الطبيعة أنها نوع من الوجود المتوسط بين الله وبين العالم : " إن الطبيعة ، بنعمة الله هي نائب وقائم مقام مملكة العالم"(16) . ووظفت فلسفة أرسطو لاقامة تسوية أخرى بين اللاهوت الانجيلي وبين الفلسفة الوثنية . لكنه كما سنرى بعد قليل ، ان اللاهوتيين المسيحيين عارضوا باستمرار هذا الاتجاه الطبيعي الذي انتقص من سلطة الله المطلقة .

1 - 2 وجهة نظر الكتاب المقدس

يلاحظ وجود تناقض قوي بين تأليه الدين الوثني للطبيعة و تأليه الفلسفة الإغريقية العقلاني لها وبين عدم تأليهها في الكتاب المقدس . فدين إسرائيل على النقيض من دين مجاوريه عبدة الطبيعة ، ظاهرة فريدة . لأن أله إسرائيل أوجد ، بكلمته ، كل الأشياء من العدم(17) ، فهو قادر : إذ لا تعارضه أية مادة يراد تهيئتها وتطويعها ، و ما كان عليه التعامل مع الصورالقديمة الأزلية ؛ لأن أرادته المطلقة هي وحدها التي خلقت العالم وتحفظ ديمومته واستمراريته . وفي الفصل الأول من سفر التكوين نجد انه ما من شيء إطلاقا له إدعاء الألوهية سوى الله ؛ وحتى الشمس والقمر والآلهة العظمى للشعوب المجاورة قد اتخذت مكانها بين النباتات والحيوانات ووضعت في خدمة البشرية(18) . ولآلهة الإغريق أصل ومنشأ رغم خلودها ، بينما اله الكتاب المقدس هو الإله الوحيد الثابت والأزلي على خلاف كل الأشياء المخلوقة التي تكون عرضة للتغير والفناء(19) . ليس لأي شيء أخر سلطة إلهية ولا حتى بالتفويض"الله واحد ، ولا يوجد إله سواه ، لا إله إلا هو"(20) .

ويؤكد العهد الجديد ثانية المفهوم القائل بعدمِ وجود دورة أزلية للطبيعة أو للتاريخ . فتاريخ العالم يتجه نحو غايته النهَائية والسماء والأرض مقدر عليهما الرجوع ثانية للعدم الذي خرجتا منه ذات مرة . ولله وحده يعود خلق العالم فضلا عن ديمومته ؛ يعني أن يهوه ليس كائن ربوبي أعلى والذي ، بعد إتمام عملية الخلق ، يترك كل شي لقوانين الطبيعة الفطرية ، وهو لا ينسحب ، مثلما فعل صانع العالم الأفلاطوني ، إلى "طريق الوجود الذي يختص به وحده" . بل يبقى للأبد الإرادة والقوة وراء كل الحوادث" (21) - فلقد "أدام المسيح كل الأشياء بكلمة سلطته"(22) . ويصدق وجودنظام وترتيب في العالم الحي علاوة على وجوده في عالم الجماد (*) الا أن هَذا النظام لايظهر بطريقة خاصة به وإنما كشهادة أو بينة للعناية الابوية الالهية بالانسان وبالحيوانات . لايعرف الكتاب المقدس شيئا عن (تاليه) الطبيعة (23) ولكنه يميز فقط "المخلوقات" المعتمدة بصورة مطلقة في نشوءها ووجودها على إرادة الله . وبالتالي فأعجاب المرء وإندهاشه بعالم الطبيعة مُتَأتٍ من كونه عمل الله ولأنه بينة على خالقه ولكنه لايؤلهه أبدًا . يمكن أن يولد ( تأليه ) الطبيعة في الانسان شعور الخشية من الله وهو شعور يسهل تجاوزه بمعرفة أن الانسان هو خليفة لله فيشاركه في (24) "السيطرة على سمك البحار وطيور الهواء والماشية وعلى كل الارض . . . . . " (25). وهكذا في تعارض كلي للدين الوثني ، نجد أن الطبيعة ليست الها يخاف منه فيعبد بل هي صنع الله الذي يجب الاعجاب به وبشدة ودراسته وتدبير إدارته . ونجد كذلك عند مقارنة الدين الوثني بالدين المسيحي تناقضا جوهريا في الافكار المتعلقه بالله والانسان ؛ ففي الكتاب المقدس لم يعد الله والطبيعة معارضين للانسان وإنما نجد أن الله والانسان يواجهان معا الطبيعة ، لذلك ينطوي إنكار توافق الله مع الطبيعة ضمنا على إنكار وجود عنصر الهي في الطبيعة .
Page 8
1 - 3 موجد العالم وصانعه وخالقه

كانت الطبيعة في نظر أغلب الفلاسفة الاغريق كائنا الهيا حيا يخلق كل الأشياء وكل الالهة والرجال والحيوانات بعملية الانجاب والتكاثر . وأعتقد هسيود*Hesiod ان الارض انَجبت الجبال بينما نرى في كتاب التكوين انه امر الله الذي فصل الارض اليابسة عن البحر .

يبدو للوهلة الاولى أن صانع العالم الأفلاطوني يشابه خالق الكتاب المقدس : فصانع العالم الأفلاطوني يحيل المادة إلى الصورة المطلوبه مثلما يفعل الخزاف ومن جهة أخرى نجد القديس باول يقارن بطريقة مماثلة العلاقة بين الله والانسان بالعلاقة الموجوده بين الطين وصانع الخزف(26) وتحدثت مزامير النبي داوود عن عمل اصابع الله (27) . ومع ذلك توجد اختلافات كبيرة بين صانع العالم الأفلاطوني وخالق الكتاب المقدس : أولا ، ففكرة أو صورة الخزاف والطين ، في الانجيل ، هي محض مجاز يعبر عن تبعية الانسان بينما المقارنة عند أفلاطون أعمق غورًا إذ أن صانع العالم مثل الانسان الحرفي الذي يصنع الأوعية المنزلية ، عليه أن يجمع شيئين موجودين هما المادة والخطة - فالمادة تقاوم أتمام العمل أما الخطة فتقيد حرية تصميمه . ثانيا ، يترك صانع العالم الأفلاطوني أمر بقاء الكون ومعيشته الى روح العالم وقد يفوض لها تركيب الكائنات الحية وبضمنها الانسان لأن هذا الخزاف الالهي يرى أنه دون كرامته وخارج قدرته أن يصنع وعاءًا أرضيًا بشريًا بينما يرى الخالق في سفر التكوين، من ناحية أخرى ، أن قمة عمله هي خلق الانسان . وثالثا ، نجد في محاورة تيماوس أن الانسان قد خلقته الهة ثانوية على صورة الكون - وهو محض خيال الاله وصورته بينما الانسان في الكتاب المقدس قد خلق على صورة الله .

قادت فكرة روح العالم ، وبصورة حتمية ، إلى فكرة أن الكون ( kosmos ) عبارة عن كائن حي وأن التكاثر والأنجاب هو عمل الطبيعة الاساسي . وبينما تتضمن فكرة التصميم العقلي تحول الخالق الى صانع ، نجد أن الخاصية العضوية للعالم تتحدث عن أنه ، إلى حد ما ( ربما بصورةاستعارية ) ، موجد الكون أو منجبه . وجعله أفلاطون يتحدث قائلا عن "الافعال التي انا موجدها وصانعها" (28) . وفي الحقيقة فوظيفة الاب هذه هي التي لم تمكنه من اَْنجاب الانسان حالاً - الشبيه يولد الشبيه . ويقول" اذا انجبت بشرًا" فانهم سيتساوون مع الالهة" . إن الفرق بين الأب المنجب والصانع هو أن الأب ينقل صورته (Form) بعملية التكاثر الذاتي ( والتي لاتنطوي ضمنا إنه أدى عملاً عقليًا ) بينما يقوم الصانع بنقل الصورة التي تأملها عقله . وهاتان الفكرتان متحدتان في محاورة تيماوس .

وعلى النقيض من أفلاطون ، لم يستعن أرسطو بالاساطير وفي تعليله لصيرورة الاشياء رأى أن الطبيعة بنفسها تجمع صفات كل من الصانع والمنجب معا . ولكنه ميز ، كما ميز أفلاطون ، سمتين رئيسيتين في الطبيعة : كونها من المعقولات* ( intelligible ) فضلا عن أنها كائن حي (living organism) . وتنطوي السمة الاولى على تولي الطبيعة صنع الاشياء كما يفعل الصانع كالنجار أو الطباخ ، مع أن أرسطو لم يذهب الى حد القول أن الطبيعة واعية لعملها أو حتى أقل من ذلك إنها حرة . ونواتج الطبيعة هي من المعقولات لأنها نتائج التكاثر الذاتي للصورالعقلانية[rational Forms] ، يعني تاكيد فكرة انجاب الشبيه للشبيه . وقد استعيرت صورة (Logos) * الجنين من الأب الذي يمتلكها عادة(29). وهذا يعني أن التكاثر الذاتي هو عملية عقلية تنتج شيئا شبيها فضلا عن كونه الهيا وشيئا حيا . تمثل عمليتا التكاثر والتخليق السمتين العقلية والعضوية لوجهة نظر الاغريق عن الطبيعة .

ويصدق هذا التفسير أيضا على مفاهيم الرواقيين ، فحسب مايقول زينون أن الروح ( أو النار ) تدخل المادة كحيمن مخصب وبذلك تحدث وتولد الحياة والنظام و القانون . ويعبر المصطلح الرواقي "المبادئ التكاثرية العقلية" لطبائع وجواهر الأشياء ، على نحو كاف ومحكم ، عن السمتين اللتين تنطوي عليهما وجهة نظر الأغريق عن الطبيعة وهما السمة النظرية العقلية لصنع الأشياء طبقا للتصميم فضلا عن السمة الحياتية [البيولوجية] لتوالد هذه الاشياء وتكاثرها . وحسب ما يقول شيشرون إن من الضروري إعتبار الطبيعة كائن عاقل لأنها تولد الأشياء العاقلة (30) ؛ وفضلا عن هذا يجب اعتبارها [ الطبيعة] مساوية ومشابهه للنباتات والحيوانات أكثر من مساواتها لاي جسم جامد ميت . إذ أننا نجد أن المصطلح اللاتيني ( natura - artifex ) يتضمن الوظيفتين الصنويتين للمنجب والصانع : فكلمة natura تختص بالتكاثر من البذرة وال artifex تعنى بالخاصية العقلانية لهذه العملية . وهذا الانتاج العقلاني ليس تخليقا حرا بل يبقى ضمن حدود التكرار الحياتي [ البيولوجي] الأزلي بسبب اعتبار العالم كائن حي .

وظهرت تأثيرات عميقة لاحقة بسبب هذا الفرق الكبير بين المفهوم الانجيلي للخالق المتسامي المتعالي الذي يخرج العالم من العدم بارادته الحرة وبين المفهوم الاغريقي للنمو والتوالد بواسطة الطبيعة الالهية الأصلية . فقد أثر اعتماد واختيار أي من هذين المفهومين كاساس روحي لعلم الطبيعة ، تاثيرا ملحوظا على نمو العلم وتقدمه فيما بعد ؛ لان العلماء ، كما هو معروف ، يستخدمون في طرقهم العلمية تصوراتهم المسبقة عن الطبيعة وهذه التصورات المسبقة بدورها تعتمد ، من بين أمور أخرى ، على إيمان العالم واعتقاده عن الله . وقد واجهت الفلاسفة المسيحيين في نهايات العهد القديم وفي العصور الوسطى صعوبات جمة عند تعاملهم مع العلم ومع الفلسفة الوثنيين ، بسبب خلو الكتاب المقدس من أي نظام فلسفي أو علمي عن الكون ، فصعب عليهم تفريق وتمييز الحنطة من الزوان* .

و تتضمن فكرة الخالق الالهي الآن تبعية المخلوقات المطلقة له فضلا عن تميزها الكلي عنه . وهذا المفهوم لم يتفقْ تمامًا مع الرأي السائد بين فلاسفة القرون الوسطى من المسيحيين ؛ إذ اعتبروا[ تأليه] الطبيعة Nature سلطة شبه مستقلة وعليه فوقوع الحوادث وفقا للطبيعة يعني إنها قد تبعت نموذجا بدى عقليا لعقل الانسان وهو ما قال به أرسطو . وحقق [تاليه] الطبيعة وفقا لهذا النسق أو النظام الوجود الكلي الشامل لصورها العقلية الباطنية بوساطة العلل الفاعلة والعلل الغائية . وبذلك استمر تأثير كل من القوى الكونية ، و "الحب" و"توالد" الدين القديم للطبيعة بفضل استخدام العلل الغائية وبطريقة دقيقة . وهكذا اعتمدت وجهة النظر المسيحية في العصور الوسطى المفهوم الأرسطي فقط ولم تتخطاه ؛ معتبرة النظام التام الدائم للطبيعة سنة شَرعها الله والذي يسيطر عليه ويتحكم به بطريقة خارقة للطبيعة super - natural ( المصطلح مهم - التشديد من المؤلف ) عند إتيانه بمعجزة . وقد اعتبر توما الاكويني أن أحدى الوظائف الاساسية للفلسفة الطبيعية هي مساعدتنا على تمييز ومعرفة مايعود لله فقط ( مثل المعجزات أو أصل الأشياء ) من تلك التي تعود للطبيعة . على أن الانجيل يرد ويرجع لله حالاً كل الحوادث حتى لو بدت تافهة . ولم تكن تلك الاشياء الطبيعية سوى وسائل الله ولم يكن نظام الطبيعة معتمدًا على المنطق الباطني بل على عناية الله بمخلوقاته . ولا يتدخل الله في شأن نظام ما من أنظمة الطبيعة المتميز بشبه استقلاله والذي يعمل أما وفقا لنموذج منتظم دائم أو بطريقة استثنائية جدا او حتى بطريقة فريدة متميزة .
Page 9
1 - 4 صورة العالم الميكانيكية

بدأت النظرة المسيحية عن العالم منذ القرن السادس عشر ، خلافاً لما قد يتوقعه المرء ، بمحاباة نشوء العلم الحديث وصورة العالم المقترنة بهذا النشوء . وقد حل نموذح العالم كآلة [ماكينة] محل نموذج العالم ككائن ولقد تميز التطور الحاصل منذ كوبرنيكوس حتى نيوتن بمكانيكية صورة العالم واتخذه اسما له .

وغالبا مايقال الآن أن الذريين الاغريق أنكروا أيضا الوهية وربوبية الطبيعة ولم يكونوا أقل شأنا من الفلاسفة الميكانيكين في القرن السابع عشر في إرجاعهم كل تغيير الى إتحاد الدقائق الصغيرة وانفصالها وحركتها أيضا . وبذلك كانوا [أي الذريون] أقرب الى المسيحية وإلى العلم الحديث منهم إلى أفلاطون وأرسطو والرواقيين ، في هذا الخصوص في الاقل ، لأنهم لم يشاطروا الاغريق نظرتهم السائدة انذاك بأن"كل الاشياء ملانة بالالهة . كان المسيحيون والابيقوريون على السواء ، من وجهة نظر المناصرين لدين الطبيعة القديم ، "ملحدين" . وفي نفس السياق ، في القرن السابع عشر ، اعتبر أنصار المدرسة الارسطوية القديمة أن الفلسفة الميكانيكية ستنتهي بالضرورة إلى الالحاد بينما نرى من جهة اخرى ان بعض المسيحيين من أنصار "الفلسفة الجديدة" ( بيكمان ، باسو ، جاسيندي ، وبويل Beeckman,Basso,Gassendi,Boyle ) كانوا معجبينبالابيقوريين . أكد بويل أن مذهب"المادة والحركة" قد وقر الله أكثر مما أعطاه مذهب "الطبيعة" ، وقال ان أرسطو أضر بالدين أكثر من أبيقور(31) . ولكنه [اي بويل] أدرك في الوقت نفسه أن أبيقور ( Epicurus ) ولوقريطس ( Lucretius ) قدما وعرضا ، بدلا من الله الواحد الذي رفضوه ، أعدادا لانهائية من الالهة والذرات ، التي عزوا اليها بعض الصفات الالوهية مثل الازلية[القدم] والسيادة ؛ ولهذا اعتبر بويل التباين الموجود بين فلسفته وبين فلسفة أبيقور أكبر من التشابه بينهما . وهنا كان بويل محقا تماما من وجهتي النظر الدينية والعلمية . وقد شاركت النظرية الذرية القديمة الفلسفة الميكانيكة الاعتقاد القائل بأن التغير يحدث من خلال المادة والحركة [أي بسبب المادة والحركة] لكن النظرية الذرية لم تدرك التصميم في الطبيعة ، لأن الالية هي نتاج او ناتج التصميم . لذلك استبعد مفهوم العالم كالة [ماكينة] كل من النظرية الطبيعية العضوية لارسطو و مادية ابيقور . وارتبط مفهوم الماكينة بمفهوم الصانع بعيدا عنها [عن الماكينة طبعا] مما يعني ذلك ، الارتباط بالايمان التوحيدي في الله المتعالي . وقال بويل أن الانسان الذي يقارن العالم بساعة ستراسبورغ يمكنه قبول أن الله هو خالق هذا العالم ومدبره (32) .

ولا "يظهر" عنصر التصميم في الفلسفة الميكانيكية من "طبائع" الأشياء بل ينشأ من الخواص التي أودعها الله فيها . فقد تؤدي هذه الخواص إلى "صور" مختلفة عن أي صورة ظاهرة معروضة حتى ألان . وعرفت الفلسفة الميكانيكية أيضا العلل الغائية التي أعتقدت أنها تعود إلى مستوى أخر غير مستوى النظرية ( الفيزياء الصرفة ) لأن الغاية التي صنعت من أجلها الساعة لا تفسر طريقة عملها وسلوكها . وكان مستوى الغائية في الفلسفة الميكانيكية أعلى من مستواه في النظرية الفيزيائية . وإذ نجد أن نموذج الكائن الحي[ للعالم ] يشير لفكرة العلة الغائية الباطنية ( حفظ حياة الفرد ) ، نرى أن نموذج العالم الآلة يجد سبب وجوده في خطة صانعها وفي خارج نفسه أيضا . والعالم ككائن يتوالد ويتكاثر بينما كماكينة فانه يركب ويصنع . وهذا سبب كون نموذج العالم كماكينة يوافق كثيرًا نظرة الكتاب المقدس عن العالم (33) . لذلك لم تكن الفلسفة الميكانيكية في القرن السابع عشر تسوية جديدة بين المسيحية في هذا الوقت وبين المادية القديمة بدلا من العضوية القديمة أو المثالية القديمة وإنما على العكس كانت قفزة او خطوة باتجاه تنصير علم الطبيعة وانعتاقه . ولما عجزت إلحادية الماديين عن العالم ولاعقلنة المثاليين له عن إيجاد النموذج الصحيح للعلم ، فقداستطاعت صورة العالم الميكانيكية ( عدم التأليه المتطرف في السياق الإنجيلي ) اداء ذلك أي إيجاد نموذج العلم الصحيح .

ولم يقدم نموذج الآلة طبعا صورة كافية لوقوع صانع الآلة تحت تأثير قيود وتحديدات شديدة تفرضها خواص المواد وصفاتها بينما يخلق الخالق مواده بنفسه وتتمتع الآلة بعد تصنيعها مباشرة بقدر من الاستقلالية ؛ غير أن الله في كتب الإنجيل لا يتخلى إطلاقا عن عمله لأن هذا يعني تحول العمل إلى عدم . ولقد كانت فكرة الإله – الميكانيكي خاضعة لفكرة الإله - الخالق ولكنها ليست متعارضة أو متنازعة معها[أي تنازع فكرة الميكانيكي مع فكرة الخالق] كما هو الحال مع فكرة الإله المنجب للكون . لذلك ففكرة العالم كالة مع غيابها في الكتاب المقدس ، تتفق مع روحه أكثر من فكرة العالم - كائن .

وللكتاب المقدس وجهة نظره الخاصة عن العالم وهي تبعيته ألمطلقه لخالقه، غير أن هذه النظرة لاتعطي صورة محددة عن العالم . وتتوافق صورة العالم كماكينة مع فكرة الله كصانع . ولعدم وجود نظير بشري لنشاط الخالق المقتدر فلايمكن لاي نموذج التعبير عن ناتج هذا النشاط وهو العالم كله . إذ لا يوجد في الطبيعة ما يعيننا على المعرفة الحقيقية بالله لأنه كما قال فرنسيس بيكون " أن المعرفة كلها تتقدم عن طريق التشابه والمماثلة – إن الله هو الشبيه الوحيد لنفسه ولا يشترك مع أي مخلوق بأي شي إلا بطريق الخطاب" (34) . ولا يمكن التعبير عن ماهية الطبيعة فعلا بتشبيهها "بالماكينة" ، ومن هو الله فعلا لا يمكن تشبيه "بالميكانيكي" . ولا يمكن فعل ذلك[ تمثيل حقيقة الله ] حتى لو اختزل العلم الطبيعي إلى علم الرياضيات وتسمية الله بسبب صعوبة التعبيرعنه " (35) بأنه عالم رياضيات عظيم .
 
Page 10
1 - 5 النقد الميكانيكي لوجهة نظر العالم العضوية

أكد بعض الفلاسفة الميكانيكيين وبعض العلماء في القرن السابع عشر من أمثال باسو و بويل ونيوتن ضرورة عدم تأليه وتعظيم صور أرسطو و لا ذرات المحدثين لأنهم أدركوا وجود عنصر وثني في كثير من الفلسفة الطبيعية السائدة في زمنهم معتبرين الصور الجوهرية أفكارا باطلة ذات دلالات ميتافيزيقية ضارة .

1 - 5 - 1 باسوBasso

رفض الطبيب الفرنسي سباستيان باسوSebastian Basso عام 1621 ، (36) الصور الجوهرية والمخلوقات الذاتية المفكرة* ( Intelligences ) لكون تلك الصور "خارقة للطبيعة" ( numina ) ولانها قوى الوهية تقريبا تسكن الاشجار والينابيع حسب رأي الدين الاغريقي القديم . وترى الفلسفة المدرسية الحالية [اي زمن باسو] أن هذه االصور هي نواب الله . وكان باسو مؤيدا لفكرة أن "عقل" الله موجود في كل الاشياء والحوادث فيحركها ويقودها إلى غايتها النهائية ولذلك أعتقد بزيف وبطلان "الطبائع" الخاصة أو الصور الخاصة ؛ لأنه كان يرى وجود "طبيعة" واحدة عامة فقط وعلة شاملة فقط وتلك هي الله . وكل ما كان منسوبا للطبيعة سابقا أرجعه الى الله : " الموجود في كل مكان ويصنع كل الأشياء حالا" كما يعلمنا الكتاب المقدس . وقد رفض باسو فكرة اليسوعيين ( Jesuits ) القائلة بوجود تعاون بين الطبيعة الفطرية للاشياء وبين الله ، لأنها ولدتْ الأرباك والتشويش . وفي رأيه ليس هناك مايلغي سلطة الله المطلقة وسيادته ، فديمومة العالم عملية مستمرة وعليه فمفهوم الطبيعة كنائب لله ووصي له هو مفهوم باطل. ولأن الله يعمل وفقا للنظام وللقانون فقد يبدو كأن الأنواع المختلفة تتوق لغاياتها بواسطة بعض القوى الغريزية التي نسميها "طبيعة" . ومن ثم أبقى باسو النظرية الغائية على المستوى الديني أو المستوى الميتافيزيقي ولكنه على مستوى الفيزياء لم يتردْد في القول أن الذرات تتحرك مصادفة واتفاقا وليس وفق هدف غائي . وهذا يعني أنه ، على نقيض الذريين القدماء ، رفض العلل الغائية من وجهة نظر منهجية وليس من وجهة نظر وجودية [انطولوجية] .

1 - 5 - 2 - بويل

في عامي 1666 و1682 بين بويل بوضوح مستندا الى مبادئ الكتاب المقدس عدم تاليه الطبيعة والعلم الطبيعي ؛ ففي استعراضه النقدي لمفهوم الطبيعة(37) يؤكد أن المفهوم الذي غالبا مايقدم الطبيعة على أنها كائن الهي ، ماهو الا "شئ نظري" . و"الفكرة الشائعة عند العامة" هي تجديف لله وعائق لتقصي أفعاله . فالله كمهندس بارع أودع قوانين الحركة في المادة وحفظ هذه القوانين بالعمل المستمر الذي لايحتاج فيه إلى نائب أو وصي . أن ( تاليه ) الطبيعة ليست" فاعل منفصل" بل "مجموعة قواعد" . وقد فضل بويل مصطلح" قاعدة" على مصطلح "قانون الطبيعة" لأن القانون عبارة عن قاعدة فعل تمليها إرادة عليا ، لأنه من الواضح أن نجد الاذكياء فقط ممن وهبوا العقل قادرون على تقبل وتلقي "القوانين" . و"روح العالم" الأفلاطونية ، بنظر بويل ، تشابه "الطبيعة" الارسطوية . لذلك رفض كليا التعبير الشائع انذاك بان"الله والطبيعة لايفعلان شيئا عبثا" لانهما ذكرا معا ليس "كخالق ومخلوق بل كحاكمين ومسيطرين مرتبطين على طريقة القنصلين الرومانيين*" . ولانه ضد ضرورة تاليه الطبيعة ، فقد اكد أن الله هو "الفاعل الأكثر حرية" الذي لم يخلق عالم الضرورة وهو الذي انشأها عندما لم يكن هناك جوهر سواه ولا مخلوق يدين له بالتزام أو يقيده بمنة . ومن الواضح أن بويل لم يعتبر أفلاطون موسى الاثينين*Attic moses .

وقد بزت فكرة ( تأليه ) الطبيعة في بقائها واستمراريتها "فلسفة الجمهور" ، يعني الفلسفة المدرسية في ايام بويل . وتحدث دارون في القرن الثامن عشر عن الانتخاب الطبيعي بنفس طريقة المشبهة قائلا أن "الانتخاب يختار وبمهارة لا تخطئ أجود الأصناف" ، لذلك تسائل معاصره الجيولوجي جارلس ليل عن قصد دارون في تأليه الانتخاب الطبيعي . وحتى اليوم فالإشارة لتأليه الطبيعة تعني لكثير من أعضاء الكنيسة العلمية أنها توسل الى المعبود بينما مناشدة ما هو "طبيعي" لا يزال يبدو أنه يمتلك قوة الأمر الإلهي عند بعض قادة الكنيسة الكاثوليكية . ومازال تأليه الطبيعة وعبادتها امرًا حيًا موجودًا و أن حقيقة عدم وجود طائفة خاصة بهذا المعبود لاينفي العكس أي لا يقدم دليلا على نفيها أو ضدها . وحتى في العصور الغابرة لم تكن هناك طائفة خاصة تعبد الطبيعة ولم تبنى هياكل ومعابد أما اليوم فأنها تعبد تحت أسماء آلهة أخرى .

ونلحظ وجود بعض أثار الفكرة القديمة للطبيعة في الفلسفة الميكانيكية لبويل كالتي عند نيوتن أيضا ؛ فقد أشار بويل أن عجز المادة والحركة عن تفسير الظواهر لهو دليل على تدخل المعجزة الإلهية (*) . ونلحظ أثرًا مشابه من شبه الربوبية عند نيوتن الذي آمن بأن الله يعيد أحيانا تنظيم ماكينة العالم . ومع ذلك قدم نيوتن رأيا واضحًا عن العلاقة بين الله ومخلوقاته عندما رفض فكرة أن الله ، الموجود في العالم كله ، بالتالي هو روح العالم*" إنه ليس روح العالم بل سيده وسلطانه .. لان الأله هو الكلمة التي تعبر عن الصلة التي تشير الى العباد .. أن واجب الوجود مهما كان كاملا ، وبدون سلطان، لا يمكن أن نسميه الأله الرب ، لأننا نقول الهي أنا ، الهك أنت ، اله اسرائيل .. ولكن لانستطيع أن نقول ازلي انا my eternal ، أزلك انتyour eternal ، ازل اسرائيل .. Eternal of Israel ولا نستطيع أن نقول My infinite او My Perfect لأن هذهالعناوين والتعابير ليس لها صلة بالعباد .. لأن الأله بدون سلطان ، وبدون تدبير ، ماهو إلاَّ ضرورة Necessity وتأليه للطبيعة .. " (38) * . ويصدق أيضا أن نيوتن اعتقد أن السياق العام للطبيعة هو نتيجة تـأثير فعالية الله المديمة المباشرة . وعمليا ، نجد في المذهب الميكانيكي لاتباع بويل ونيوتن ميلا نحو شبه الربوبية التي ربما اختلفت بالدرجة وليس بالجوهر عن شبه الربوبية عند أنصار "فلسفة الجمهور" .