eKtab
EN ع
الفعل السياسي بوصفه ثورة
Read free sample

الفعل السياسي بوصفه ثورة

by مجموعة مؤلفين

Page 1
تقديم

د. محمد شوقي الزين

كانت الفيلسوفة الألمانية الأميركية حنّه آرنت الغائب في الدراسات الفلسفية العربية ما عدا بعض المقالات أو الترجمات أو الكتب الضئيلة (1) أو الرسائل الجامعية التي ننتظر يوماً أن تخرج إلى النور لتفيد القارئ العربي بالأفكار الأصيلة والتثويرية لهذه الفيلسوفة. بعض أعمالها مثل «الشرط الإنساني» ( 1958 )، «حياة الفكر» ( 1978 )، «محاولات في الفهم» ( 1983 )، «قراءات في الفلسفة السياسية عند كانط» ( 1992 )، «المسؤولية والحكم» ( 2003 ) هي في حاجة ماسّة إلى الترجمة. أقول كانت غائبة بالمقارنة مع كثافة الدراسات والترجمات والكتب والملتقيات المخصَّصة لها في القارات الخمس من العالم. تأتي هذه المحاولة لتلبّي الحاجة وتضطلع بقراءة في أفكار آرنت من زوايا مختلفة وتشمل مباحث متنوّعة لها علاقة بالفاعلية البشرية وسؤال الحرية ومسألة السياسة والفضاء العمومي ومعضلة العنف والاستبداد بالإضافة إلى مباحث الثقافة والتربية والتاريخ والتراث. في ظل الانتفاضات الحامية الوطيس التي مرّت بها الرقعة الجغرافية العربية ولاتزال تتكبّد هزّاتها الثانوية، ألا تُشكّل أفكار آرنت مادّة دسمة وثريّة في قراءة الشرط الإنساني العربي؟ ألا يمكن لنظرياتها في السياسة والحرية أن تُضيء بعض الزوايا المعتمة من وجودنا وحياتنا؟ يشتغل فكر آرنت كـ«نسق فلسفي» تتعاضد فيه المفاهيم وتتحوّل وتتّخذ مواقع جديدة تبعاً للتفسير الممكن وضعه بشأن تطوّر السياسة أو الثقافة عبر التاريخ. يمكن أن نطرح جُملة من البداهات التي التزمت بها آرنت طيلة مشوارها الفكري والتي تُدبّر الهيكل العام لكتاباتها الفلسفية والسياسية. تكمن هذه البداهات في اعتبار الحرية جوهر السياسة؛ وأنّ هذه الحرية لا تتحقّق سوى في السياسة.

كيف ذلك وبأيّ معنى؟ يمكن إيضاح بعض المفاتيح المفهومية التي جعلت من هذه الفكرة بداهة ممكنة. فالحرية ترتبط بالفعل والسياسة ترتبط أيضاً بالفعل، فلا يمكن للحرية أن تتحقّق سوى في المجال السياسي؛ ونقصد بذلك مجال الفضاء العمومي والتشاور والسجال لتشكيل رؤية جمالية حول الوجود البشري يتحقّق فيها الخير والعدل وكل المقولات التي شكّلت بدورها المعجم الثريّ والخصب لدى القدماء. فماذا تقصد آرنت بالحرية والسياسة والفعل؟ هذا ما يعكف هذا الكتاب على مقاربته. إنّ الثلاثية «العمل والأثر والفعل» هي ثلاثية جوهرية في كتابات آرنت، بينها علاقات متحوّلة وليست ثابتة، علاقات لم تنفكّ عن التطوّر والتقهقر عبر التاريخ؛ ولذلك جنّدت آرنت الأدوات الفلسفية في قراءة هذه الثلاثية وتبيان المواطن التي أصبحت فيها هذه الثلاثية لعبة شطرنج تتحوّل فيها المقولات تبعاً للعصور والعقليات. إذا اختفى الفعل في السياسة، فما الأمر الذي حلّ مكانه؟ هل هو العمل؟ هل هو الأثر؟ وقبل كل شيء، ما الذي نعنيه بهذه المفاهيم؟ كيف ترتّبت هذه المفاهيم وتحوّلت؟ وقبل كل شيء، على أيّ أساس بُنيت وتطوّرت؟ هذا ما تحاول الدراسات المجموعة في طيات هذا الكتاب الإجابة عنه. أشير إلى أنّ المعرّبين ليسوا متّفقين حول المفردات المناسبة: «الكدح ـ العمل ـ الفعل» (علي عبود)؛ «العمل ـ الحِرفة ـ الفعل» (زهير الخويلدي)؛ «الشغل ـ العمل ـ الفعل» (عبد الإله دعال)؛ وأخيراً اقتراح المفكّر طه عبد الرحمن «الشغل ـ الصنع ـ العمل» في كتابه «سؤال العمل: بحث عن الأصول العملية في الفكر والعلم» (2) .

لا يمكن أن نفرض مصطلحاً ما لم نوضّح كل الأبعاد التقنية واللغوية والفكرية التي تتفق مع المقاصد النظرية للفيلسوفة، ولأنني أنطلق من قناعة راسخة وهي أنّ «المتعذّر ترجمته» ( intraduisible ) هو فاتحة ثراء وتنوّع ومواظبة في البحث ، ولأنّ المقولات ليست بالضرورة مترادفات، بل هناك معطيات تاريخية وإيديولوجية تحدّد خاصية كل مفهوم وتُلبسه هذه الدلالة أو تلك في هذا العصر أو ذاك تبعاً لهذا النزوع المهيمن أو ذاك. إذا كنتُ أميل إلى الأخذ بهذه المفردات (العمل ـ الأثر ـ الفعل)، فلأنّ «العمل» هنا ليس فقط الكدح أو الشغل (اليدوي خصوصاً) ولكن «عمل» الأجهزة الهضمية والتناسلية، أي الكائن البشري برمّته، بأعضائه وأجهزته، في «عمل» ويشترك في ذلك مع الحيوان، لأنّ آرنت تربط هذا النظام بالحياة في وظائفها العضوية والبيولوجية، عكس الفعل الذي يرتبط بالعالم (بالمعنى الفينومينولوجي، وخصوصاً المعنى الهايدغري الذي أخذت به)؛ و « الأثر» هو البصمة، ما يتركه الإنسان من أدوات وصنائع ويدخل في نطاق «الشيئية» (أشياء يدوية، لوحات فنية، نصوص شعرية أو نثرية مكتوبة، إلخ)، واختيار «الأثر» له مسوّغ من حيث أنّه يحيل إلى «الأثر الفني» الذي جعلته آرنت في نطاق «العالم»، لا في نطاق «الحياة». أخيراً، «الفعل» هو المباشرة بالمعنى التداولي (أن تقول هو أن تفعل كما يسلّم التداوليون مثل أوستن وسيرل ) وبالمعنى الأدائي كأداء عبقري لسيمفونية أو رقصة. لهذا السبب تربط آرنت الفعل بلحظة الميلاد (حدث جديد) وبالمعجزة (شيء يفتتح الوجود )، أي أنه ينخرط بحذافيره في العالم فقط.

هذه الثلاثية هي «العمود الفقري» الذي يشدّ أجزاء الهيكل العام لفكر آرنت وكل التنظيرات حول السياسة والعنف والثقافة والثورة هي مبنية على هذا الأساس ولعبة التبادل بين المقولات: اقتحام العمل للأثر هو طغيان الحياة على المجتمع، ويتحوّل الفعل (السياسة) إلى مجرّد عيالة الأفراد بتوفير المأكل والمسكن والمنكح أو ما يسميه ميشال فوكو «السياسة الحيوية» ( biopolitique )؛ اقتحام الأثر للفعل هو طغيان النموذج الاجتماعي على الأداء السياسي، حيث يتمّ نقل نموذج الأب الراعي للأسرة (النشاط الخاص: priv é ) إلى الحاكم العائل للمجتمع (النشاط العام: public )، ونقل نموذج الأثر من صُنع وفبركة إلى النظام السياسي والقضائي بحياكة القوانين وفبركة الأحكام، إلخ. ويتعرّض هذا النموذج إلى الجحوظ باستعمال «الأثر التقني» لتدعيم النشاط السياسي: تقنية الردع والتسلط بالبيروقراطية والعنف واستخدام السلاح من أجل القهر والاستبداد، وهي حالات شاذّة ولاإنسانية ميّزت الأنظمة التوتاليتارية (الكلانية، الاستبدادية) عندما أصبح الفعل السياسي فيها عبارة عن «أثر تقني» في تجميع القوّة وبسط الهيمنة وتطويع الحشود، إلخ؛ وهو أمر توقفت عنده دراسات علي عبود ونادرة السنوسي وعامر عبد زيد ورشيد العلوي ورفقة رعد، ومحمد بكاي. فكما نرى ، التغيّر في أنظمة السلوك والحكم السياسي، بين تطوّرها أو تقهقرها، هو رهين هذه «اللعبة في الشطرنج» بين المقولات التأسيسية للفاعلية البشرية. فإمّا «تنقبض» هذه الأشكال وتصبح أدوات تخدم «جدلية الوسائل والغايات» كما تسميها آرنت وتتعدّى حدود بعضها البعض، أو «تنبسط» لتصبح أشكالاً مرنة تنفرد بالاضطلاع بمهام حصرية وإقليمية تخص الثقافة والتربية والوعي التاريخي والسجال في الفضاء العمومي وقضايا الفكر والمسؤولية والحكم والأخلاق وهي مسألة عالجتها بحوث زهير الخويلدي والعياشي الدراوي وأنيس المليتي ونبيل فازيو ومديحة دبابي وهيفاء النكيّس وسعاد حمداش.

و انفردت دراسات علي عبود ومحمد جلوب الفرحان ونداء ابراهيم خليل بتقديم سيرة ذاتية عن الفيلسوفة ومواقفها الفلسفية تجاه عصر عاينته بثقله الإيديولوجي وتراجيديته البشرية وثرائه الفكري والنظري. وتكفّلت أماني أبو رحمة وعبد الرحمن باجودة وحاج محمد وجهاد شارف ونبيل فازيو بتعريب بعض المقالات الأساسية للفيلسوفة للاطلاع المباشر على أفكارها ومواقفها الفلسفية والسياسية.

يعتبر هذا العمل إضافة مفيدة إلى المكتبة العربية في انتظار دراسات وقراءات أخرى تُبرز جوانب أخرى من الحياة الفكرية والنضالية للفيلسوفة حنّه آرنت.

حنّه آرنت: كشف انحجاب الفعل ونسيانه،

أو في م لابسات الوضع الإنساني.

د. علي عبود المحمداوي

مدرس الفلسفة في كلية الآداب

جامعة بغداد ـ العراق
Page 2
حَنه آرنت: سيرة نشطة لامرأة استثنائية

تماهت حَنّه آرنت ( Hannah Arendt ) مع مشروعها تطبيقاً وتمثيلاً، فكانت بالفعل تلك الشُعلة النشطة من الفاعليّة السياسيّة، والناقدة القادرة على استعادة ما نُسي من الإنسان وحرياته، في مستويات فضح الضياع الذي أنتجه العصر الحديث، ولاسيما نتاجاته المهلكة في السبيل السياسي (من التوتاليتارية وهيمنة البروباغاندا (*) ، واقتحام الضروري لمساكن الحرية، إلى غياب الفعل)، الذي لم يستطع الفكاك من متاهات الإقفار لمعنى الإنسانية.

ولدت حَنّه آرنت في 15 تشرين الأول/اكتوبر عام 1906 في هانوفر ـ بالمانيا، في عائلة ذات أصول يهودية ، اهتمت بالأدب والمعرفة. فقدت والدها في مطلع حياتها حيث لم تتجاوز عقدها الأول، ولذلك كان للأُم الدور الأساسي في تنشئتها، فتحصلت على ثقافتها من أمها، ورافقها وصف اليسارية، بسبب تلك المكتسبات عن الأم. واطلعت على التطورات السياسية في المانيا بما في ذلك مايتعلق بالزمرة السبارتاكوسية للحزب الاشتراكي الديموقراطي، التي مثلت جماعة شيوعية ظهرت في المانيا 1918 بزعامة روزا لكسمبورغ ( *) ( Rosa Luxemburg ) تلك المجموعة التي وصفت بأنها حركة يسارية ضد الحزب الحاكم الذي انشقت منه لاتهامها له باليمينية (*) .

درست آرنت الفلسفة في جامعة ماربورغ، وذلك تحت إشراف هايدغر (*) ، وارتبطا بعلاقة عاطفية، وانعكس فيما بعد تأثير هايدغر على آرنت في جوانب عدة، منها: استعادتها الإرث اليوناني ولاسيما في أصول المفاهيم واشتقاقاتها ودلالاتها، وكذلك في تمجيدها لحياة اليونان أصلاً. لجأت إلى كارل ياسبرز ( *) لتنجز أطروح تها فـي الدكتوراه على يديـه بعنوان: «مفهـوم الحب لدى أوغسطين» ( The Concept of love in Augustine ) في عام 1929 . تلك الرسالة التي رافقتها في رحلتها وهجرتها من بلد لآخر بنسختها الالمانية. بعد وصول النازية إلى سدة الحكم الالماني سنة 1933 ، وبعد اعتقالها ثم إطلاق سراحها (يقال إن ذلك الأمر تم بتدخل هايدغر لدى السلطات النازية، لقربه من النظام حينها) اضطرت حَنّه آرنت لمغادرة المانيا، وبدأت حياة دامت أكثر من ثماني عشرة سنة مثلت تجربة للشخص الذي لاوطن له ولاهوية أو جنسية. انتقلت في أولى مراحلها إلى باريس والتقت فيها بوالتر بنيامين، وجون بول سارتر، وألبير كامو، وريمون ارون؛ واستطاع النازي أن يدخل فرنسا ويحتلها، وحينها سيقت آرنت إلى محتشد اليهود «غورس» إلّا أنّها تمكنت من الهرب، فانتقلت إلى منفى جديد هو الولايات المتحدة الأميركية بعد مساعدة ادورنو لدخولها في عام 1941 ، وقد تمكنت فيها وبعد مرور عشر سنوات من اكتساب الجنسية لتصبح مواطنة أميركية. (3) ورسخت آرنت نفسها في نيويورك واستمرت بالتدريس والكتابة إلى أن توفيت فيها عام 1975 .

تركت آرنت آثاراً جمة من المؤلفات، منها:

الحب والقديس أوغسطين.

أسس التوتاليتارية. (معاداة السامية، الامبريالية، النظام الشمولي).

راحيل فارنهاغن : سيرة حياة امرأة يهودية من القرن التاسع عشر.

مقالات في الفهم.

الوضع الإنساني.

بين الماضي والمستقبل: ستة تمارين في الفكر السياسي.

الرجال في العصور المظلمة.

ما السياسة؟

من الكذب إلى العنف.

آيخمان في أورشليم: تقرير عن تفاهة الشر.

أزمات الجمهورية . (الكذب في السياسة، وفي العنف، وفي العصيان المدني، أفكار في السياسة والثورة).

في الثورة.

حياة الفكر (حياة العقل).

محاضرات في الفلسفة السياسية لدى كانط.

كتابات يهودية.

المسؤولية والحكم. (مجموعة محاضرات محررة).

وعود السياسة (مجموعة محاضرات محررة).

تأملات في الأدب والثقافة (مشترك).
Page 3
كانت آرنت، حقاً، امرأة فريدة، ومتميزة، واستثنائية في إصرارها ، وقوة عزيمتها، وفي انتشالها نفسها من كبوات الزمن التي رافقتها منذ صغرها في العائلة، وفي الزواج، وفي الحب، وفي المعرفة ، وفي الهوية، وفي الهجرة، وفي المطاردة، وفي ترسيخ الجذر من جديد، وفي أن تكتب وتبدع رغم كل ذلك؛ إنسانة استثنائية . كانت تلك الثورة التي أعلمتنا بشروطها فكانت البدء من جديد على الدوام، إنها اللامتوقع الدائم إنها حَنّه آرنت .

نوستولوجيا نحو أرسطو:

في تفصيلات الحياة الإنسانية

من التأمل إلى الممارسة وتحديد المزاولة

لا يمكن أن نفهم آرنت دونما معرفة مجال اشتغالها الأساسي أو اهتمامها الأصلي. وندعي أننا مسكنا تلك الثيمة؛ إنها شبكة التصنيف للحياة الإنسانية وأوضاعها، ومن ثم أنشطتها. إن َّها تستدعي في كل ذلك بعداً تراثيّاً يعود بجذره إلى الفكر الارسطي في تصنيف الحياة إلى ما يقابل النظر أو التجريد ومايقابل العملية أو النشاط. وذلك من أجل تأسيس نظرية في السياسة؛ لا ندّعي جدتها بكل تفرعاتها وإنما فيها الكثير من محاكاة حياة الدولة ـ المدينة اليونانية ( Polis) .

تنشطر الحياة، كما قرأها أرسطو (4) وكررتها آرنت بشيء من التغيير الطفيف، إلى شطرين هما : (5)

1 ـ الحياة التأملية أو التفكرية (حياة النظر) ( Vita Contempletiva ) وتتضمن حياة الفكر أو العقل أو لنقل الحياة التي تنشغل بتأمل الوجود وما هو دائم أو أبدي.

2 ـ الحياة النشطة أو (حياة العمل ـ بمعناه العام) ( Vita Activa ) وتمثل الحياة الفعلية التي تتعلق بما نزاوله وما نمارسه مع الاشياء والآخرين. فالانفصال الحاصل بينهما حسب افلاطون وأرسطو أيضاً، لا تعتمد فيه آرنت قولاً، بل إنها تجد مهمة الفكر هي اختراق عالم الممارسة في التطبيقات السياسية والأخلاقية، ولامعنى اليوم للفكر إن انزوى خارجها، فلا طائل منه حينها، وحينما توكل إليه مهام التحرر، والتفعيل، والعقلنة، فإن ذلك لا يجعله مقبولاً إن كان منعزلاً. فلا الفكر من أجل الفكر مقبول، كما لو نفكر بلا عمل، ولا الممارسة بلا فكر مقبولة، كأن نفعل بلا تفكير.

وتؤكد آرنت أن التفكير ليس حال دهشة مطلقة وعزلة لا آخر لها، بل إنه حال امتلاء بالوجود مع الآخرين وهو يحمل صفتين:

ـ التأملية : والتي يتمثل التفكير فيها بأنه انطواء أو انعكاس الأنا على نفسه.

ـ الثنائية التذاوتية: والتي بوساطتها يتحقق الحوار بين وعيين، وذلك يؤكد الحاجة إلى الآخر؛ فالفكر بالأساس حوار: داخلي تارة وخارجي تارة أخرى. (6)

وما يهمنا حسب آرنت هو تفصيلات الحياة النشطة بوصفها بيئة الوضع الإنساني وأنشطته، فهي تنقسم إلى الكدح (7) ( Labor) والعمل ( Work) والفعل ( Action) ، ذلك التمييز الذي يهدف إلى تحديد نشاطات الإنسان وما يقابلها من أوضاع بشرية وما ينتج عنها.

تقصد آرنت (8) من الكدح ( Labor) : كل نشاط يتوافق مع العمليات البيولوجية أو مايتطلبه الجسد الإنساني من عمليات النمو والتمثيل الغذائي، فالهم الأساس فيه هو الاستهلاك لديمومة الحياة. يقابل هذا النشاط الوضع الإنساني المنهمك في الحياة نفسها لاغيرها. أما العمل ( Work) ، فيمثل: النشاط اللاطبيعي، أو لنقل الصنائعي في الوجود الإنساني. فهو يوفر عالماً من الأشياء المصطنعة، وهو ذو أمد طويل نسبياً في الاستهلاك، فهو يقدم أدوات لتبقى فترة أطول غير ملتصقة بالفناء مباشرة كما هي الحال مع مطلب الكدح ( Labor) ؛ والنشاط هذا يقابل وضعاً إنسانياً متعلقاً بشؤون الحياة الدنيوية في العالم الذي نصنعه. ويشير النشاط الثالث وهو الفعل ( Action) إلى : الفاعلية الوحيدة، التي من شأنها أن تذهب مباشرة إلى ما بين الأشخاص أو في عالم المابين الإنساني، الذي نقطنه بشكل تعددي أو جماعي، ولا تتوسطه الأشياء والمواد كما في الكدح ( Labor) أو العمل ( Work) . وفي هذا التمييز مقاربة مما قدمه أرسطو في ما يقابل الكدح ( Labor) بوصفه يخص الشؤون الحياتية الخاصة لمطلب الحياة الأسرية بصفتها العبودية أو الطاعة والخصوصية، وما يقابل العمل ( Work) في طبقة العمال وما يمارسونه من حرف بوساطة أيديهم لخلق أدوات في عالمنا، والفعل ( Action) هو صفة الاحرار الذين أُذنت لهم وخصصت الممارسة السياسية في فضائها العام. (9)

وما يميز الكدح ( Labor) عن العمل ( Work) هو أن الأول يقوم على استهلاك مايكدح من أجله مباشرة، فالاستهلاك هو سبب ديمومة الحياة؛ بينما العمل (Work) يصنع أثراً أكثر دواماً بهيئة صنائعية لوسائل تشكل عالماً من الأشياء خارجاً عن ذواتنا لكننا نعيشه. وعلى ذلك وصفت آرنت الكدح (Labor) بأنه ما يتعلق بأجسادنا (10) ، بينما العمل (Work) هو مايتعلق بأيدينا. في إشارة إلى الحيوانية والطبيعية في الأول، واللاطبيعية والصناعية ـ البشرية في الثاني. هنا يظهر تصنيف آخر للوضع الإنساني الخاص بهما وهو الكادح الحيواني (Animal Laborans) والصانع الإنساني (Homo Faber) ، تلك الأوضاع التي تبين ماهية الإنسان وموقعيته في سلم التصنيف الآرنتي. ويعني الكادح الحيواني: من لايعمل بحرية ويكون مدفوعاً بحاجات جسده وساعياً إلى ضرورات الحياة لضمانها، والصانع الإنساني سيكون همه أن يستعمل يديه ووسائله لغرض صنع أشياء في عالمنا تكوّن وسائل وغايات أخرى. (11)

يبقى الفعل (Action) فهو مايمارس خارج هذه الانهماكات في الحياة وصنعها، إنه لايتعلق بماديات العالم واشيائه بل بالأشخاص الذين يسكنون هذا العالم، إنه ما يتعلق بالانوجاد مع الآخر والتفاعل معه، إنه الحرية، وهي بدورها السلطة. (12) وذلك الانوجاد تعددي بطبيعته لأن الآخر دائم الوجود لتحقيق معنى الفعل (Action) ، وذلك الفعل مع الآخر لا يمكن أن يتم أو تتحقق ماهيته، أصلاً ، دونما القول؛ فالفعل والقول كلاهما يشكلان الشرط الأساسي للنشاط السياسي ، وذلك يقوم بدوره على مبدأي المساواة والتميز. فإن لم يكن أفراد المجتمع متساوين فإنهم لايستطيعون فهم بعضهم البعض، وإن لم يكونوا متمايزين فإنهم لايمكنهم أن يعبروا عما هم، وكيف يرغبون أن يكونوا؛ إنهم بحاجة للفعل والقول ليفهموا أنفسهم والآخرين، فالإشارات والأصوات إنما هي أدوات لتحقيق ذواتهم ومايكفيهم لحاجاتهم عبر تلك الافعال والاقوال. إنها إظهار لماهم عليه إجابة على سؤال من أنتم؟ (13) وذلك إنما يستدعي ضرورة الفهم السياسي الأثيني، إذ إن المدينة (Polis) كانت هي والميدان السياسي بأسره «حيّزاً للمظاهر من صنع الإنسان، حيث تكون الافعال والكلمات الإنسانية معروضة للجمهور الذي يشهد واقعيتها ويحكم على جدارتها» (14) . ولذلك كان اشتقاق (Politics) من (Polis) ، كما جاء بجذره من الإغريق (15) ، وذلك يستلزم الإشارة والاعتماد على البعد النقاشي في الاقوال التي تلازم الفعل الحر في الميدان العام بوصفه نشاطاً عاماً. فالنقاشات أو الفعل بوصفه تفاعلاً سياسياً يبقى كاشفاً عن معنى أن تكون إنساناً ومواطنا ً حائزاً على حقوق المساواة والإمكان في الإسهام السياسي.

وتقترن المساواة في التفكير الإغريقي بشكل وثيق مع الحرية، حرية التعبير والتفكير والتصرف. إلا أن وجود الحرية غير كافل للديموقراطية بشكل فعال ، إذ يلزم على المواطنيين أنْ يكونوا فاعلين في استعمالهم الحرية ، وذلك عبر قوة إرادتهم وهو ما يتجلى في نقاشاتهم العمومية في الساحات والأماكن والفضاءات العامة ( Agora ). وبذلك فالمواطنون الأثينيون يكونون مرتبطين كمشاركين سياسيين بمبدأ المساواة، والذي يعتمد بدوره على حرية الفعل أساساً (16) . وتلك الصفات تلتصق بحالة السياسة في المدينة (Polis) التي تكشف عن اختباء وخفاء الذات لتضعها بين أيدي الآخرين (ظاهرة) في أمل التشارك والتذاوت لغرض تحصيل السعادة بتحقيق فضائل الاجتماع السياسي الممكنة.
Page 4
إنَّ تحديد ماهية الإنسان مقابل الغير لايعني اللامساواة وإنما التميز، إن التميز يعني امتلاكك لصفات تكتسب بالعيش والخبرة، وليس بما تمتلكه بالولادة، فالمساواة هي جوهر الوضع الإنساني المنتج بتعلقه بالفعل السياسي، وهو ما ستدفع به آرنت لكي يكون مبدأً لذلك الفعل، بينما تدع التمايز قائماً في الحيز الاجتماعي. الأمر الذي يخيل بصورة عمل ذات وجهين: الأول، سياسي يلتزم فكرة المساواة في الحق والفعل والإسهام كمكتسب يلزم توافره لدخول الحيز أو المجال العام؛ والثاني، اجتماعي يلتزم التمايز بوصفه ملتصقاً بنشاطات خاصة وليس بنشاطٍ عامٍ كما في الحيز السياسي، لكن الأمر هذا ليس خالياً من الإشكال والضبابية في المعنى، فالحيز الاجتماعي هو نفسه المساهم عبر تلك الذوات المشكلة له في الحيز السياسي. لكن قد يكون المخرج في أن آرنت قصدت أن يكون التمايز مصطنعاً والمساواة أصلية أو طبيعية . وفي ذلك نقد واضح لما جاء به أرسطو في دفاعه عن نظام العبودية بوصفه نظاماً طبيعياً. ولذلك فالاجتماعي يأخذ بعداً في الضرورة والاختلاف. أي أن الاجتماعي يؤخذ بصورة الخاص أو ما تسميه آرنت بمايجب أن يكون حميمياً، «فكلما ألغى المجتمع الحديث الاختلاف بين ما هو خصوصي وما هو عمومي، بين ما لايمكنه التفتح إلا في الظل ومايقتضي الظهور أمام الجميع تحت الأضواء الساطعة للعالم العمومي، أو بصيغة أخرى، كلما وضع المجتمع بين ما هو عمومي وماهو خصوصي دائرة اجتماعية يتحول فيها هذا إلى ذاك وبالعكس» (17) ، إذ تميز آرنت بين السياسي والاجتماعي في جعل الاول دليلاً على النشاط الإنساني العلني والتعددية وعالم اللامتوقع الحر؛ بينما الاجتماعي هو عالم الحاجة إلى الكسب والمعيشة والإطعام وتوفير المؤن، فهو عالم ضرورة. (18) أي أن ما هو اجتماعي يأخذ ذلك الضروري بصورة الإبقاء في حيز «الخاص»، وقد أنتج العصر الحديث خرقاً لهذا الفهم فحصلت أزمة ابتلاع السياسي/ العام من خلال الخاص؛ وذلك بهيمنة الاقتصادي الذي هو مكمن تدبير عائلي إلى الحالة البشرية العامة التي تسبح في فضاء الحرية والتفاعل. وهنا يمكن أن نؤشر على معنى الاستبداد الذي سحب تاريخياً من نطاق العائلة والخاص إلى الحيز السياسي، في مجاوزة دفعت الأمم نتيجتها، فكلمة المستبد « Despot » في أصلها تعود للجذر اليوناني « Despots » والذي يعني رب الأسرة ومدبر شؤونها، أو القائم عليها (19) ، والاختراق الذي حصل في هذا الانتقال يوضح ما أشارت له آرنت في اختراق الاجتماعي للسياسي بصورة واضحة. وذلك قد يبين معنى الراعي الذي يتضمن في الأدبيات الإسلامية. والمشكل نفسه يجر إلى هذا المعنى في ثقافتنا.

وبما أن الأفعال « Actions » تتضمن نوعاً من الفذلكة أو البراعة، وذلك ما يتعلق بالفن، في روحية الإبداع فيه، فإننا نجدها تميل إلى تعريف السياسة بوصفها فناً، خلافاً للتصور القائل بأنها علم، وليس المقصود هنا أنها عمل فني، كما يُتوهَم مع المعنى الحرفي للكلمة، وإنما هو قول يُحمَل على المجاز، أي على البعد الإنساني الإبداعي ومستوى الفعل المنتج في أفق الحرية. والمؤسس بالتالي لمعنى الدولة. (20) وثمة تصور للفعل « Action » الذي تقصده آرنت يأخذ شكل هجنة بين السياسة والفن: فصورة آرنت للفضاء العام هي أشبه بفكرة المسرح؛ الذي يعنى بالتطلع إلى الجمهور وكشف الشخصيات المسرحية عبر الاقوال والافعال الممارسة أمامهم، وغياب ذلك الوضوح أو تلك الإنارة للفعل هي هدف وواقع الحياة في الأنظمة الشمولية، (سنعرج عليها لاحقاً في البحث)، ذلك الغياب الذي سببه انعدام ذلك التواصل بل وانتفاء معنى المجتمع أيضاً. (21) . وفي هذا التصور «لاتبتعد آرنت،كثيراً، عن التصور الكانطي؛ فهي تمنح للفعل قيمة أدائية ( Praxis ) شبيهة بالفنون التنفيذية من عزف ورقص وعرض، فليس غريباً إذا كانت ترى في التراجيديا الإغريقية الصورة المثلى في وصف السياسة، لأن جوانب المسرح والعرض الفني تليق بشكل وافٍ بالفعل كأداء وليس كأثر أو غاية راقية» (22) .

ولذلك نجد ريكور (*) يفهم محاولة آرنت بأنها: رهان لاستخراج تصور للسياسة بهيئة نظرية في الحكم الذوقي ـ الفني، وذلك أجدى من ربطها بنظرية في الحكم الغائي بوساطة فلسفة في التاريخ (23) ، وعليه، فقد استطاعت أن تشكك وبصورة مشروعة في إمكانية حجب السياسي من طرف الاجتماعي بشكله البسيط في فلسفة التاريخ وحتميتها والتي يتصورها ريكور تابعة لفلسفة الطبيعة وموجهة قصدياً باتجاه المستقبل للإنسانية. (24) وخطر الاحتكام إلى فلسفة التاريخ عوضاً عن نظرية في السياسة كما في الـ (Polis) إنما هو أن الأولى لاتنظر للمواطنين كأشخاص متميزين ومنفردين، بل أن موضوعها هو كلية الجنس البشري. (25) ونحن نعي أن مسألة التحكم أو القول بمسار حتمي لتاريخ الإنسانية إنما هو نوع من عالم الضرورة، وقتل الحرية. بينما المطلب هو كيف نحافظ عليها في خضم اقتحامات ذلك الضروري لعالمها والتعامل مع التعدد فيها الذي يقتضي الاعتراف بفردانية البشر فيها وأهمية تفاعلهم.

فثمة تطور مهم وخطير، في الآن نفسه، يحمل نقيضين: (26)

ـ الاول، في الاعتراف بأن الدائرة الاجتماعية ضرورية وأمر مطلوب ومرغوب به، وذلك بالقدر الذي يسمح للأفراد أن يطوروا فروقهم أو تميزاتهم وفرادتهم. وذلك بتأكيد شخصياتهم.

ـ الثاني، أن هنالك دماراً سيلحقه هذا التطور للدائرة الاجتماعية، وهو يكشف نفسه بالتدخل في دائرة النشاط العام.

ونتيجة لما سبق، حاولت آرنت أن تكشف عن تحول عظيم الأثر في فهم الحرية والمساواة؛ بما هما صفتان للعالم السياسي والمجال العام، فهما لم تكونا مبدأين أصيلين في الطبع الإنساني مع دولة المدينة، وإنما مكتسبتان بفضل القانون وصفة المواطنة، بينما تحول ذلك الفهم إلى معكوسه مع العصر الحديث، إذ يقرر أن الحرية والمساواة صفتان ملازمتان للطبيعة البشرية منذ الولادة، وأن المؤسسات الاجتماعية والسياسية هي التي خلقت التفاوت والقيود، ولذلك أصبح موضوع الثورة مرتبطاً بمطلب التحرر وإعادة الأمور إلى نصابها مع الزيادة في التنظيم لها. (27) ولذلك ستمثل الثورة وجهاً آخر لفهم الفعل الإنساني لأن ماهيته تجر معها كل معاني البدء من جديد والولادة والإبداع والخلق الحر والجدة.

تقول آرنت: «إن قدرة الإنسان على الفعل هي التي تجعله كائناً سياسياً؛ وهي التي تمكنه من أن يلتقي بأمثاله من البشر وأن يفعل معهم بشكل متناسق، وأن يتوصل إلى تحقيق أهداف ومشاريع، ما كان من شأنها أبداً أن تتسلل إلى عقله... لو أنه لم يتمتع بتلك الهبة: هبة السباحة نحو آفاق جديدة في الحياة» (28) ، أي أنه يأخذ، وبتعددية الأفراد كبيئة للتفاعل، بهيئة نقد لكل أشكال القسر التي يتضمنها معنى هيمنة طرف من الناس على الآخرين بشكل الحكم، ولذلك نجد آرنت تحدد ثلاثة تعبيرات خالفت ونقضت تقاليد التراث الغربي السياسي الآنف الذكر، وهي (29) :

1 ـ تعبير الفعل (Action) بوصفه بداية بالجديد « الابتداء»، كما مع الإغريق.

2 ـ التعبير التأسيسي بوصفه نتاجاً لذلك الفعل، كما جاء مع الرومان.

3 ـ التعبير المسيحي عن الفعل والمسامحة (الصفح) وهو يرتبط بلزوم المعرفة بأننا إذا قمنا بالفعل فإننا يجب أن نكون مستعدين للمسامحة.

وهذه التشكلية التجديدية، والتأسيسية والتسامحية: هي ماهية الفعل السياسي الذي تبني آرنت عليه كل آمالها في استعادة كنز السلطة المفقود.

بقي لنا ولإكمال النسج الآرنتي أن نبين أن هنالك اختلافاً بين عالم الفعل (Action) وعالم الكدح (Labor) والعمل (Work) ، فعالم الفعل هو عالم الحرية كما أسلفنا، وعالم الكدح والعمل هو عالم الضرورة لأنه محكوم كما ضمَّنا آنفاً بالمطلب الاستهلاكي والإنتاجي الذي يتحكم فيه سلوك الوسائل والغايات لديمومة الحياة وصناعة أدواتها والفوز بمادياتها. لذلك يسمى عالم الفعل بالممارسة ( Praxis )؛ وعالم الكدح والعمل بالمزاولة ( poiesis) . والفرق بينهما أساسه الضرورة والتخلص منها . الفعل كما نريد أو القول كما ينبغي مع الممارسة؛ والسبب الأكثر وثوقاً مع المزاولة. (30)
Page 5
وترى آرنت أن الوضعية البشرية تتميز بكون الناس، وبوصفهم كائنات فانية، يخلقون عالماً يكون مأوى لهم ولمدة محدودة، ولأن هذا العالم هو من صنعهم ولأنهم يتغيرون باستمرار فهو معرض دائماً للتآكل والاضمحلال، وبالتالي فإن خطر الفناء ستكون نتيجته تماماً كصانعيه. ولحمايته من ذلك الفناء ودفعه باتجاه الخلود يلزم العمل باستمرار على استقراره، وذلك الاستقرار يكون ممكناً بوسيلة التربية. (31)

ويمكن فهم الوضع الإنساني في تراتبياته وفق افتراضات ثلاثة هي: (32)

1 ـ إن الإنسان متميز عن غيره من المخلوقات بكونه الراغب بالخلود دوماً.

2 ـ إن هذه الرغبة تتحقق فقط من خلال الفعل، من خلال الممارسة ( Praxis ) بمعناها التذاوتي والحر.

3 ـ إن هذا الفعل يلزم أن يجد له من يحفظه من شهود يحفظون ذكراه؛ أي تأريخه وتوثيقه.

وينتج من ذلك أن السياسة هي أعلى مجالات مستويات الفعل وأشكاله، بوصفها الفعل بصفة عمومية. أي الدوام بالفعل المجدد، على خلاف نزعة المحافظة التي تعني إبقاء الحال كما هو؛ إذ لا تصدق نزعة الحماية الأخيرة هذه إلا على حال التنشئة والتربية في المجتمع أو الأسرة وليس في النشاط العام.

وقد يبدو الأمر مشوشاً في فكر آرنت عند محطة التربية حينما نجدها تبني عليها آمالاً سياسية، وليس التشويش ذلك في طبيعة العلاقة وإنما في تحديدها للتربية بأنها نزعة محافظة، لنفحص قولها : «إن النزعة المحافظة بمعنى المحافظة على الوضع القائم، هي جوهر التربية» (33) ، مقارنة بقولها: «لقد ولجنا هذا العالم عن طريق الولادة ، وبفضلها يتجدد العالم باستمرار. وتشكل التربية النقطة التي فيها ما إذا كنا نحب هذا العالم بما يكفي لنتحمل مسؤوليته، ونعمل على إنقاذه من هذا الخراب الذي سيؤول اليه حتماً، لولا هذا التجدد، ولولا وفود اليافعين الجدد عليه.... فبواسطة التربية نهيئ الأجيال الجديدة للقيام بمهمة تجديد عالم مشترك للجميع» (34) ؛ هذه النصوص في حقيقتها مصدر ذلك الأشكال في أنه إذا كان مجال التربية الشأن الخاص، فكيف عليها أن تؤدي غرضاً في الشأن العام؟ وإن كانت محافظة فكيف لها أن تسعى إلى الجدة؟

لعل قراءة متسرعة توحي بهذا الأمر، إلا أن تفحص النص جيداً يجعلنا نفهم التربية، بقدر نزعتها الدفاعية عن حال معينة، ونتأولها بحال الحفاظ على الصيرورة والاستمرار في محاولات الخلق للجديد الدائمة. بدافع الإيمان بالتقدم، وإمكان الحل والتطوير للإمساك بزمام الأمور وبأيدي إنسانية فاعلة، بدل الانفلات الذي وضعتنا به الأداتية .

الفعل (Action) يقوم على أساس الحرية كما أشرنا لذلك سابقاً ، إلّا أنه يتضمن في حيز دلالته الخاص معنى التعدد والتضامن في فهم آرنت، والتعددية هي من أهم سمات الفعل بل أن بها ينكشف ويتضح معناها، فعلى الفعل أن يخلق الجديد ويعرضه أمام الآخرين الذين لايمكن الاعتزال عنهم، لأن الفعل بطبعه تذاوتي، وهنا تظهر التعددية بوصفها تكثيراً للجهات الفاعلة داخل فضاء الحرية وهو الضامن للفعل السياسي، كما في أداء الفنانين الذي يحتاجون إلى جمهور مستمع أو مشاهد، فمن دون الظهور ذاك في الفضاءات العامة ونيل الاعتراف من قبل الآخرين، ومن دون التعريف بالذوات ومشاريعها قولاً وفعلاً، لايمكن تأسيس الفعل السياسي الذي تتضح حاجته إلى التعددية كضمان آخر على الحرية. (35)

الفعل (Action) بوصفه نقاشاً ونشاطاً يهدف إلى الاتفاق لتسيير الشأن السياسي بأفضل الصور، إنما يتضمن (بمبادئه التي تُعنى بالحرية والمساواة) أن يخلق حساً مشتركاً يجسم المهمة وخطرها، لذلك فهي تنشئ نوعاً من التضامن، الذي يجب أن يخلقه الهم بالفعل السياسي وتدعمه التربية والتنشئة على ذلك الفعل وذلك الانهماك به، ما سيكون ظاهراً بقوة في كل لحظات التغيير السياسي، علاوة على مطلبها الأساس في الفعل كآلية ناجعة في المعالجة السياسية.

وبطبيعة الحال، فالافعال تتطلب الكلمات ـ الأقوال، لأن هذه الأخيرة هي التي تكشف اهداف ونوايا الفاعلين، وهذا يفسر معنى أن يكون الفعل تذاوتياً، والذي يتوقف على مدى استعداد المشاركين في التواصل للتفاهم المتبادل، ولذلك فإن المعيار في جودة الفعل هو التعددية والتضامن. (36)

وذلك التضامن الذي سيكشف بدوره عن نقضه الضمني لفكرة الحكم التي جلبها التراث السياسي بوصفه المعنى المحدد للسلطة، فقد وجهت آرنت نقداً لهذا التراث من زمن افلاطون إلى يومنا الحاضر، متمثلاً في تشخيصها للبس والخلط الحاصلين في فهم معنى الحكم والسلطة، وذلك الخلط الذي تعتقده سبب نتائج مدمرة للنشاط السياسي، على وجه الإجمال . فالحكم هو تقسيم المجتمع إلى من يصدر الأوامر ومن ينفذها ، أي إلى حاكم ومحكوم. وهذا التصور ـ بتعبير آرنت ـ ما هو إلا علاقة ماقبل سياسية، وليس في صلب الفعل السياسي؛ وبما أن التقاليد التي ألفينا بها تراث الفكر السياسي تقوم على فكرة الحكم، لذلك فإن آرنت تعده تراثاً هارباً وفاراً من السياسة . وفي مقابل فكرة «الحكم» وضعت فكرة «السلطة» لإعادة الفعل السياسي الحقيقي والدخول في النشاط السياسي؛ لامجاورته أو مضادته واصطناعه، وهذه الفكرة (أي السلطة) تعبر عن العلاقة بين الأفراد الذي يعدون أنداداً لبعضهم بعضاً، وبمبادرة أحدهم للفعل فإنه يجد في الآخرين إعانة على إنجازه ومن خلالهم، وتكون نتيجة اللجوء إلى فكرة «السلطة » إنتاجاً لتنظيم اجتماعي يحفظ مزايا الحكومة من طرف أول، ومن طرف ثان يحفظ حريات الأفراد التي كانوا يمتلكونها قبل إنشائهم الحكومة هذه وتلك إنما هي استعارات في حقيقتها من روسو . (37)

ولإنجاز فكرة التضامن تبحث آرنت في نصوص روسو لتقبض على معناه في المصلحة العامة، فقد كان روسو يتمنى أن يكشف عن «مبدأ جامع ضمن الأمة نفسها، يكون صالحاً للسياسة الداخلية كذلك. وعليه كانت مشكلته هي أن يجد عدواً مشتركاً خارج نطاق الشؤون الخارجية، وكان حله لها أن مثل هذا العدو موجود في صدر كل مواطن من المواطنين، أي في إرادته الخاصة ومصلحته» (38) ويكمن إبداع روسو هنا في أنه عكس النظرية التي ترى في الخطر أو العدو الخارجي أساساً ودافعاً للتضامن ليعيده إلى النفس البشرية وماتحتويه من ميل إلى المصالح الخاصة.

ومهمة التضامن أن يكون متمماً لفاعلية الفعل السياسي وسعيه للقضاء على مكابدة الطرف المستغَل أو الأضعف في المعادلة السياسية. ولذلك تكون المصلحة المشتركة بمثابة شرف للجنس البشري أو وقار الإنسان وعظمته؛ لأن التضامن يشاطر العقل في التعميم وهو يرتبط بتفهم إرادة ومطلب الأقوياء والأغنياء كما يتفهم مطالب وإرادات الضعفاء والفقراء. (39) وهنا تبدو مهمة الفعل (Action) بوصفها سعياً إلى خلق بيئة صالحة لتداول الأفكار والأقوال التي تعنى بالشأن العام بصورة شفافة وعلنية وحقيقية من طرف؛ وبصورة مسؤولة من طرف آخر.
Page 6
وإذا كانت آرنت ترى العنف (*) وليد عدم المعرفة بأهمية الشأن العام والفعل في فضائه من قبل بعض الناس مما يستدعي ذلك لديهم اللجوء إلى العنف بضديته على السياسة؛ تقول: «إنه لمن غير الواقعي ومن غير العقلاني أن تتوقع من الناس الذين لايملكون أدنى تصور لماهو الشأن العام أن يتصرفوا بشكل غير عنيف، وأن يتحاججوا بصورة عقلانية بالنسبة إلى ما يخص مصالحهم» (40) . ولذلك سيستدعينا النسق الآرنتي للتعريج إلى ماهية مضادات السلطة والفعل السياسي.

لكن، ما الذي حدث للمجال العام والسلطة والفاعلية السياسية؟ وما الذي جعلها تحمل معاني مغايرة لما ينبغي أن تكون عليه؟ أو ما الذي جعلها تنهار، بكلمة أخرى؟ وكيف الفعل لاستعادة تلك الحالة السياسية من التفاعل البينذاتي ومجاله العام وسلطته الحقيقية؟ هل العنف هو الحل الوحيد؟ هل من حل آخر؟ هذه التساؤلات هي التي تفتتح لدينا المطلب الثاني في بحثنا. وذلك في تحديد المفاهيم وتشخيص أعطاب الفكر السياسي من تراثه إلى معاصرته ومن أنساقه إلى تحولاته وحتى تشوهاته ـ إن صحت العبارة ـ؛ ومايقتضيه البحث من إمكانات التصحيح والاستعادة للمعنى الأصيل.

تداخل مفهومي وفرز واقعي

للسلطة والعنف والشمولية

في السلطة والعنف: نقد إقالة التفاعلية وكشف تبعيات الأداتية

إذا كان لابد لنا، وكما تدعونا لذلك آرنت، أن نفهم العنف مضاداً للسلطة، فما هي ماهيتها بالدقة؟ وما العنف؟ لعلنا بهذه الدعوة نحاول إنجاز الجهاز المفاهيمي لفيلسوفتنا، في محاولة لكشف الزيوف والالتباسات الحاصلة في فهمنا لمفرداته، والتي دخلت أطرنا الفهمية كمعايير، بسبب التراث التقليدي للفكر السياسي.

ترى آرنت أن السلطة إنما تعني: قدرة الإنسان، ليس على الفعل فقط، بل الفعل المتناسق. لذلك فهي ليست ميزة فردية وإنما تأخذ أبعاداً جماعية، لأن الجماعة قد تكون موضوعاً أو مصدراً لانبثاقها. وباختفاء الجماعة تختفي السلطة. (41) وهي هنا لاعلاقة لها بالأشياء والوسائلية كما أشرنا إلى ماهية الفعل في المطلب السابق. بينما العنف لديها بطبعه أدواتي؛ وهو: أداة ترافق ال قدرة، وبكلمة أخرى ، هو وسيلة لمضاعفة طبيعة القدرة. وهو محتاج إلى توجيه وتسويغ؛ توجيه إلى سبيل الهدف الذي يبغيه، وتسويغ من الطرف المستعمل للعنف (42) . وبالرغم من أن العنف لايعتمد على رأي عام أو وجود عدو معين، إلا أنه يقدم أدوات تزيد من القدرة البشرية. (43) لكن ما هي القدرة؟ لكي تضاعفها ويصبح الناتج عنفاً.

القدرة هي خاصية فردية، متعلقة بوجود شيء أو شخص، ويمكن أن تبرهن على ذاتها في العلاقة مع الأشياء والأشخاص الآخرين. فهي تمثل نوعاً من التميز والاستقلال لحاملها. (44) وذلك يعني وصفها مكسباً للمركز والقابلية والإمكانية التي يتمتع بها من يمتلكها. لكن ألا يستدعي العنف معنى القوة؟ ترد آرنت بالرفض النسبي، وتحديد العنف بجزئية للقوة. فالقوة: هي ما ينتج عن الحركات الطبيعية أو الاجتماعية من طاقة مؤثرة. وقد ترد بوصفها رديفاً للعنف، إذا فهمنا الاستعمال الأخير بوصفه وسيلة للإكراه وتلك هي صورة للقوة من صور أخرى. (45) لكن هذه القوة إنما تحتاج بصورتها الخضوعية مفهوما ً آخر حسب آرنت هو التسلط أو الهيبة، وهي تشير إلى أن من يمتلكها يصبح موضوعاً لذلك الخضوع دونما أي شروط ، من إكراه أو إقناع، ولذلك يشكل الاحتقار أو الازدراء العدو الأول لها. (46)

وفي عودة إلى التمييز الأساس بين السلطة والعنف يجب أن نفهم أنه يقتضي البحث في جوهرهما معاً، في مقاربة لما يحقق ماهيتهما، فنجد آرنت تقول إن:

«السلطة لاتحتاج إلى تبرير، انطلاقاً من كونها لا تقبل أي فصل عن وجود الجماعات السياسية نفسه. وماتحتاج اليه السلطة إنما هو المشروعية... تنبثق السلطة في كل مكان يجتمع فيه الناس ويتصرفون بالتناسق فيما بينهم، لكنها تستنبط مشروعيتها من اللقاء الاول، أكثر مما تستنبطها من أي عمل قد يلي ذلك. إن المشروعية، حين تجابه تحدياً، تسند نفسها في التوجه إلى الماضي، أما التبرير فإنه يرتبط بغائية تصله مباشرة بالمستقبل» (47) .

وهنا تتبين السلطة ومشروعيتها وتسويغها ، أما العنف فإنه قد يبرر على حد قول آرنت إلا أنه لن يجد أبداً ما يجعله مشروعاً إلا في حالة الدفاع عن النفس، وذلك حينما يبدو الخطر واضحاً على النفس فيصبح منطق الغاية تسوغ الوسيلة هو المعيار المعتمد. (48)

ومن الناحية السياسية ، لايكفي، حسب آرنت، أن نقول إنهما (أي السلطة والعنف) ليسا شيئاً واحداً، بل هما متعارضان، فحينما يكون أحدهما حاكماً يلزم غياب الآخر. والعنف إنما يظهر حينما تكون السلطة مهددة البقاء . وبإمكان العنف أن يتحكم بالسلطة إلا أنه عاجز عن خلقها . (49) وتؤكد آرنت الفعل المتجدد الذي يقتضيه الفعل السياسي، بوصفه مسطرة لتحديد الخط الفاصل بين السلطة والعنف، فهما لاينتميان إلى حيز الحياة الطبيعية، وإنما هما جزء من فضاء السياسة، الحيز الذي لايضمن إنسانيته إلا بإمكان الإنسان على الفعل والقابلية على البدء بالجديد دوماً. (50) هذا البدء بالجديد يعني اللاتخطيط الغائي/الوسائلي؛ فالعنف وسائلي يهدف إلى غاية من شأنها أن تسوغه. أما حينما نمارس فعلاً (Action) فإننا لن نكون عارفين ومتيقنين من أنه سيؤدي إلى نتيجة لازمة، (51) وذلك يعني أننا بحوارنا وحجاجاتنا في التداول للشؤون العامة نستعمل السلطة بوصفها ملاذاً لحفظ الفعل، بل هي الفعل نفسه.

قد تتبادر إلى الذهن رابطة دلالية بين العنف والإرهاب، إلّا أنه ليس كذلك بالدقة أو بصفة عامة . بل أن الحكومة التي تمسك السلطة مع وجود العنف بعد تدمير وتفتت كل سلطة، هناك حيث يرفض العنف التنازل عن مكانه في إخضاع كل شيء لسيطرته، هناك يبدو الإرهاب مرتبطاً بالتفتت الاجتماعي، ومن هذا المنطلق تفرق آرنت بين الأنظمة التوتاليتارية والأنظمة الديكتاتورية القائمة على العنف؛ في أن الأولى تقف مضادة لكل صاحب سلطة حتى الأصدقاء لها، وأن ذروة الإرهاب ستكون ظاهرة حينما تلتهم الدولة البوليسية أبناءها، بينما الديكتاتورية هي ضد من يعارض السلطة بشكلها المزيف بالحكم، وبالتالي فإن السلطة تنتفي مع الأنظمة التوتاليتارية لغياب فعل التناسق والبعد الاجتماعي فيها. (52) وسنعود لفهم العنف، بوجهه الآخر، في نوع من معقولية هادفة للتثوير ومن ثم لإعادة مكانة الفعل السياسي وتحرير السلطة في المطلب الأخير.

لكن هل من إجابة أخرى يمكن أن تقدمها لنا المجتمعات الحديثة؟ ولاسيما في وضع لايحتمل اليوم مزيداً من العنف . قد تمثل الإجابة بالإيجاب والتحديد بأنّ العصيان المدني فرصة لفسحة الأمل بالحياة دونما أدوات العنف المادية. فكيف تعاملت آرنت مع العصيان بوصفه حلاً لاستعادة الفعل السياسي؟ ألحت آرنت على أن العصيان المدني صورة لاعتراض الأقليات على إقصائها وتهميشها. ولذلك نجد أن القناعة تكون لمن يقبل شكل الحكومة والسلطة ف ي الدولة ويعارض الأقلية فتعمد لانتهاج هذا الأسلوب. وحقاً نرى أن ذلك يفتح فضاءً للحرية أكثر لإمكانية الحفاظ على الفعل السياسي قبل العنف أو بعيداً عن التعنيف الذي في لحظة حدوثه ينفي السلطة . لذلك نجد آرنت تقول: «إننا نتعامل مع أقليات منظمة، تقف ضد اكثريات ممتنعة عن التعليق، رغم أنها ليست «ساكتة»، وأ ظن أن من غير الممكن نكران أن هذه الأغلبيات قد غيرت أسلوبها وفكرها بدرجة كبيرة تحت ضغط الأقليات» (53) .

ولذلك فآرنت تنظر للعصيان المدني بأنه شرعي بقدر عدم تجاوزه الاتفاقات التبادلية بين الأفراد الأحرار بهيئة قانون، وهي العقود والمواثيق والفعل المتبادل، والميزة الأكبر للصيغة الأفقية لنظرية العقد الاجتماعي هي أن تلك التبادلية تلزم كل فرد تجاه مواطني مجتمعه. وهذا هو الشكل الوحيد لنظام الحكم الذي يلتزم فيه المواطنون مع بعضهم ليس من خلال الذكريات التاريخية أو التجانس الإثني، كما هو الحال في دولة الأمة، ولا من خلال النظام الديكتاتوري لهوبز، الذي «يرهبهم جميعاً» وبذلك يوحدهم، بل من خلال قوة العهود المتبادلة. (54) وتلك هي القناعة التي تكمن في الصيغة الأفقية للعقد الاجتماعي، وليست بموجب قرارات الأغلبية. (على النقيض من ذلك، كان تفكير الكثير من واضعي الدستور ينصب على حماية الأقليات المعارضة.) ويشبه المحتوى الأخلاقي لهذا الاقتناع المحتوى الأخلاقي لجميع الاتفاقات والعقود؛ فهو يتضمن الالتزام للمحافظة عليها. وهذا الالتزام متأصل في جميع العهود . فكل منظمة إنسانية، سواء كانت اجتماعية أو سياسية، تعتمد بشكل تام على قدرة الإنسان على تقديم العهود والالتزام بها. الواجب الأخلاقي الوحيد المباشر للمواطن هو تلك الرغبة الثنائية الأبعاد لإعطاء الثقة والمحافظة على الضمانة الموثوقة لعقده المستقبلي والذي يشكل الحالة ما قبل السياسية لجميع المزايا الأخرى، خصوصاً السياسية . (55) وأي خرق لتلك القناعة يستدعي ظهور التمرد والعصيان.
Page 7
وتشخص آرنت مكمن الخلل والداعي إلى العصيان والمقاومة، بأنه في الغالب مشكل دستوري في التشريعات التي تقع تحته، فثمَة جدل على أن القناعة بالدستور، الاتفاق الإجماعي، تتضمن قبولاً بالقوانين التشريعية أيضاً، لأنه في حالة الحكومات التمثيلية يكون الشعب قد ساهم في تشكيل تلك الحكومات. وهذه القناعة، من وجهة نظر آرنت، افتراضية (خيالية ) تماماً؛ قد فقدت كل جدارة لها بالتصديق. فالجمهورية التمثيلية نفسها هي اليوم في أزمة، في جزء منها بسبب كونها قد فقدت بمرور الوقت جميع المؤسسات التي كانت تسمح للمواطنين بالمشاركة الحقيقية، وفي جزئها الآخر لأنها قد تأثرت بشكل كبير نتيجة المرض الذي يعاني منه النظام الحزبي، فالخطر الحالي للتمرد، هو الأزمة الدستورية في المقام الأول، وقد تأثرت تلك الأزمة بعاملين مختلفين بشكل كبير، واللذين تسببت عواقبهما المؤسفة ب حدة معينة فضلاً عن تشويشات عامة حول الدستور:

ـ التحديات المتكررة للدستور من جانب الإدارة، وما يعقبها من فقدان الثقة بالعمليات الدستورية من جانب الشعب، ويعني ذلك، سحب القناعة .

ـ عدم الرغبة الأكثر تطرفاً لقطاعات معينة من الشعب بالاعتراف بالاتفاق الإجماعي (56) . ومشكل الاعتراف بالتعاقد الأصلي يبقى إشكالاً راهناً ودافعاً لكثير من حركات التمرد. ولذلك يحاول المتضررون من التشريع ومشكلة الاعتراف بالتعاقد الأصلي تأسيس تشكيلات تدافع عن مصالحهم الخاصة وتمثل جماعات مصالح وضغط.

ولذلك ترى آرنت أن العصيانات المدنية ليست سوى صورة محدثة للاتحادات الطوعية، وهي تتناغم مع التقاليد القديمة للولايات المتحدة الأميركية. ومن أفضل ما يصفها نجد كلمات توكيفيل: «يتحد المواطنون الذين يشكلون أقلية أولاً من أجل إظهار قوتهم العددية والتقليل من القوة المعنوية للأكثرية»؟ وبالتأكيد فقد مر زمن طويل قبل أن تظهر إلى الوجود «اتحادات معنوية و فكرية» من بين الاتحادات الطوعية والتي هي على النقيض ، فتبدو أنها قد تشكلت من أجل حماية المصالح الخاصة، لمجموعات الضغط واللوبيات التي تمثلها في واشنطن. وليس هنالك من شك في أن السمعة المريبة للّوبيات هي مستحقة، مثلما أن السمعة المريبة للسياسيين قد أصبحت بكل وضوح مستحقة أحياناً . ومع ذلك، فالحقيقة أن مجموعات الضغط هي أيضاً اتحادات طوعية، حيث إن تأثيرها كبير لدرجة تكفي لأن يطلق عليها «حكومة مساعدة». (57)

وتنتقد آرنت سلوك المحاكم في اعتبارها العصيان المدني جزءاً من المؤامرة، وإن خارق القانون الوحيد الذي تعده المحكمة غير مجرم هو المعترض الضميري، وما يسمى بـ « المؤامرة» و هي تهمة مضلِّلة إلى حد بعيد بحق العصيان المدني في هكذا حالات، تتطلب ليس فقط «التنفس جماعياً» بل السرية ، بينما العصيان المدني عكس ذلك فهو يحصل في العلن . (58) أي أن الفارق بين العصيان والمؤامرة يلزم أن يكون واضحا ً، حيث يكون الأول علنياً ومباشراً وموجهاً للسلطة لأسباب أصلها الإخلال بالاتفاق العام أو عدم الرضا عنه، والمؤامرة هي أعمال لاقانونية تهدف إلى الإطاحة أو التخريب بالمنظومة السياسية لأهداف جماعات لاتهدف إلى التحسين وإنما إلى التغيير بالمطلق، وكل ذلك سريٌ، وغالباً ما تأخذ أبعاداً أجنبية.

ولمعالجة ذلك الميل الخطير للجهاز القضائي، ترى آرنت إمكان الجدوى في إقامة عصيان مدني بين مؤسساتنا السياسية بوصفه علاجاً لهذا الفشل التام للمراجعة القضائية. فالخطوة الأولى تكون بنيل الاعتراف بالأقليات التي يحق لها القيام بالعصيان المدني نفسه الذي يمنح للمجموعات العديدة ذات الهدف الخاص (مجموعات الأقليات) في البلد، والتعامل مع مجموعات العصيان المدني بطريقة التعامل نفسها مع مجموعات الضغط، و التي يسمح لها، من خلال ممثليها ـ وهم اللوبيات المسجلة ـ بالتأثير في الكونغرس و«مساعدته» عبر وسائل الإقناع، والرأي المؤهل والعديد من مؤسساتها. قد تكون الأقليات الفكرية هذه قادرة على فرض نفسها كقوة ليست فقط «ينظر لها عن بعد في التظاهرات وعرض وجهات نظرها علنياً، بل أيضاً حاضرة دائماً ويحسب لها الحساب في الشؤون اليومية للحكومة ». وتكون الخطوة التالية الاعتراف العلني أن التعديل الأول لا يغطي حق الاتحاد لا في لغته ولا في روحه ـ كما يطبق عملياً في البلد ـ وهذا الامتياز الثمين والذي أصبح تطبيقه (كما لاحظ توكيفيل) «يترافق مع تصرفات الناس وعاداتهم» منذ قرون. فإن كان شيء ما بحاجة إلى تعديل دستوري عاجل ويستحق الصعوبة التي ترافقه فهو بالتأكيد هذا الالتزام. ربما كانت ثمة حاجة طارئة قبل أن نتمكن من العثور على موطن للعصيان المدني، ليس فقط في لغتنا السياسية، بل في نظامنا السياسي أيضاً. إن الحاجة الطارئة هي في متناول اليد بالتأكيد عندما تفشل المؤسسات القائمة في البلد في العمل بشكل مناسب وتفقد سلطاتها قوتها وهي تلك الحاجة الطارئة التي أبدلت اليوم في الولايات المتحدة الاتحاد الطوعي بالعصيان المدني وحولت القناعة بالمقاومة (59) .

ها نحن أمام إمكان الاختلاف في إمكان التحسين والتغيير للسلطة القائمة وممارساتها وأصولها، ولذلك نجد أنفسنا ملزمين باختبار نموذج التوتاليتارية لنفحص مقولات آرنت فيها وعن إمكان الخلاص من تمييعها وصهرها للفعل السياسي وإنجاز بحثنا في إمكان إرجاع السلطة لفضائها، وتحرير الإنسان من كبت هذه التغريبات.

في نقد التوتاليتارية (*) : حركةً ونظاماً وممارسةً

أو من المخيال عن جذرية الشر إلى واقعية تفاهته

يعد كتاب آرنت الموسوم بـ « أسس التوتاليتارية» ـ 1951 المنجز الأهم الذي دفعها لتحتل مكانتها في مصاف النخبة الفكرية في النصف الثاني للقرن العشرين، أحاول هنا أن أربط هذا النتاج بالنسق الفلسفي لها في كونها خطوة متممة لفهم مجريات التحول من الوضع الطبيعي للسلطة إلى امتيازها بالعنف وخروجها من حيزها المفروض إلى واقع مخالف له في جعلها أداة هيمنة، أو صورة حكم.

فقد عملت التوتاليتارية حركة ونظاماً على تهديم وسائط المجال العام ومايخلص به من رأي عام وتجسيد لإرادة السلطة، وذلك أدى إلى خلق مناخ متدهور للرأي القائل بجعل الناس «راغبة في دفع الثمن على شكل تأييد لقيام دولة بوليسية، تمارس إرهاباً خفيا ً هدفه أن يسود في الشارع شعار «القانون والنظام» (60) . لعل هذا الشعور هو الذي دفع بعجلة التوتاليتارية إلى أن تنجز مهمتها في القضاء على فاعلية المجتمع وتحويلها إلى انصياع تام لتلك الهيمنة الكُليانية.

تهدف التوتاليتارية إلى القضاء على الفعل الإنساني ، فسيطرتها «تنحو إلى إلغاء الحرية الموصوفة، بل تميل إلى القضاء على كل ظاهرة عفوية بشرية عامة ولاتكتفي بتقليص الحرية، أيا ً كان مبلغ الاستبداد في ذلك... إن النظام التوتاليتاري هو غياب كل سلطة أو تراتبية من شأنها أن تعيّن نظام الحكم» (61) . وأتمّتْ التوتاليتارية خطتها في الاستحكام والإقالة للفعل السياسي، بخلق تصور لدى الجماهير (بمعناها السلبي المتشظي) يقضي بأن ثمة أوهاما ً وخدعاً جلبتها الديموقراطيات الغربية ويجب فضحها ومحاربتها، وبالنتيجة الانتماء لحركة توتاليتارية بالضد منها. من هذه الأوهام أن الشعب يشارك بأغلبه في صنع القرار وبصورة فاعلة وذلك عبر تأييد هذا الحزب أو ذاك، والوهم الآخر هو تصوير هذه الديموقراطيات للجماهير على أن هذه الأخيرة ليست على قدر من الأهمية لكنها عبارة عن لوحة صماء في الحياة السياسية (62) .

هنا تبدأ الجماهير بتقديم قرابين الولاء والطاعة، تصوراً منها أنها بدأت تمسك زمام الأمور. ولم يكن ذلك ليحصل (أي خلق هذا التصور) إلا من خلال منهجيات وبرمجيات صهر وتلقين ودعاية كانت تمثل العمود الفقري للتوتاليتارية . فهذه المناهج من حيث كونها تقنيات في الحكم «تتبدى في بساطتها ذات فعالية حاذقة. فهي لاتوفر احتكاراً للسلطة مطلقاً فحسب ، بل ثقة لانظير لها: في أن كل الأوامر ينبغي أن تنفذ على الدوام». (63) ولذلك عولت التوتاليتارية على الجماهير بوصفها الصورة البديلة للمجتمع بتمايزاته، واستبدالها بتلك الهلامية من الذوبان والانفلات والضياع الذي تمثله هذه الجماهير. لذلك وصفت آرنت نتاج التوتاليتارية بأنه إقفار : الذي هو أشد من الوحدة، لأنها ليست عزلة فقط، وإنما فقدان الأنا ـ الذات بالأصل. (64) وهذا ما يوفره مناخ الجمهور وتعيد إنتاجه الحركة التوتاليتارية لتحصيل السلطة أولاً واحتكارها ثانياً.
Page 8
ويمكن تمييز مرحلتين للتوتاليتارية تتجلى الأولى في الحركة، والثانية في الدولة أو النظام التوتاليتاري:

«تتشكل الحركة التوتاليتارية بالأساس من تنظيمات جماهيرية، تضم اليها أفراداً مبعثرين ومعزولين. أما الميزة الأظهر تمييزاً لها عن كل الأحزاب والحركات الأخرى، فتكمن في اقتضاء الولاء اللامحدود، وغير المشروط وغير المتبدل، من قبل المناضل الفرد إزاء حركته... وإن ولاءً كهذا لايمكن توقعه إلا من كائن بشري معزول بالكامل، كائن مجرد من روابطه الاجتماعية، ا لتي تصله بعائلته وأصدقائه ورفاقه أو محض معارفه، فرد لايستشعر نفعه إلا من خلال انتمائه إلى حركة أو حزب» (65) .

وتبقى الجماهير هي الأداة الأبرز في الحركة والنظام، فأصل إمكان وجود الحركة التوتاليتارية مقترن بوجود الجماهير، والتي تراها آرنت كاشفة عن شهية لاتقاوم في طبيعتها للانتظام السياسي وتقديم الطاعة والولاء دونما وعي بمصالح مشتركة، لذلك فالجماهير صفة حسب آرنت:

«تنطبق على الناس الذين عجزوا لسبب أعدادهم المحضة ، أو لسبب اللامبالاة، أو للسببين المذكورين معاً، عن الانخراط في أي من التنظيمات القائمة على الصالح المشترك، أكانت أحزاباً سياسية ، أم مجالس بلدية أو تنظيمات مهنية أو نقابية. توجد الجماهير ، وجوداً بالقوة، في كل البلدان وتشكل غالبية الشرائح العريضة من الناس الحياديين، واللامبالين سياسياً، والذين نادراً ما يصوتون ولاينتسبون إلى أي حزب» (66) .

هكذا تبدو اللامسؤولية هي جوهر مفهوم الجماهير وواقعها؛ لكن ثمة إشكالاً يطرح في إطار فحص السيكولوجيا الجمعية للجمهور: كيف يمكن للمستقيل سياسياً أن يعلن ولاءه التام لأوامر تصدر باسم الهيئة السياسية ـ الحاكمة؟ ألا تلزم تلك الاستقالة أن يقدم ولاء مثل ما تقدمه الجماهير بلا شرط أو قيد؟ بل على العكس نجدهم يسعون إلى أن يكونوا جزءاً من ماكينة الكليانية تلك! لم تكن آرنت مهتمة بهذا الإشكال وإنما حاولت تسليط الضوء على الدور الذي يؤديه الحاكم (حزباً أو دولة) في تحريكه لهذه الجماهير وتعبئتها وزجها في التضحية من أجل ديمومة دوران عجلة الحركة والنظام التوتاليتاري.

وقد راهنت الحركات التوتاليتارية على تغريب المجتمع، والإجهاز على إمكانية الفعل الحر، ووجود السلطة فيه؛ ولطالما أوحت قبل تسلمها لزمام الحكم أنها تسعى «إلى إقامة عالم منسجم مع عقائدها، بإيجاد عالم متوهم ومتسق العناصر، عالم يرضي حاجات النفس البشرية أفضل من الواقع نفسه، ذلك أن الجماهير المقتلعة ، إذ تدخل إلى هذا العالم بمحض المخيلة، وتستشعر فيه الأمان المنزلي وتجد نفسها في منجى من الضربات المتواصلة التي تكيلها الحياة الواقعية والاختبارات الحقيقية للكائنات البشرية ولآمالها» (67) . ولايمكن تحقيق ذلك الفوز بالرهان إلا بأداة الحملة الدعائية التي تعمل على قطع العلاقة بين العالم الواقعي والمتخيل الذي تصنعه التوتاليتارية وذلك من قبل استلام السلطة، لتتممها في كونها نظاماً حاكماً فتسدل الستار على ذلك الواقع لكي لايعكر أحدهم سكون عالم الرعب وصمته الذي تبنيه التوتاليتارية من متخيلها. (68) وتقع على كاهل تلك الدعاية والمنهجيات التوتاليتارية المرافقة لها، مهمة تلطيف وتليين ادعاءات الحركة الثورية قبل بلوغ الحكم وتولي زمام المسؤولية، وذلك بتدمير العالم المتوهم لتنظيماتها وجعلها تذوب في عالم الطاعة والانقياد دوماً. (69)

لكن الحقيقة أن ما نسميه بالدعاية إنما هو تلقين وغسل للعقول وإعادة تأهيلها ، وأداة ذلك كله هو العنف لتحقيق المزاعم الإيديولوجية وإثباتها. (70) وذلك يعني الكذب باسم المبدأ، لذلك تبَّرز آرنت نتوءات التحول في معنى السياسة وممارسة الكذب فيها، فترى أن الكذب بوصفه طريقاً سياسياً لم يكن بالأمر المألوف في التقليد السياسي، أما في وقتنا الراهن فقد نجح نجاحاً تاماً في البلدان التي حُكمت حكماً توتاليتارياً، لأن الكذب فيها يوجه إيديولوجياً، وتحقق ذلك النجاح بالإرهاب لا بالاقتناع، ولذلك كان الكذب باسم المبادئ وعلى المبدأ نفسه أيضاً هو سبب تخلف العقل السوفياتي؛ فالمظهر الحاسم لذلك الكذب (الإرهابي) هو الذي جعله ينتهك عالم السياسة بجرائم فظيعة. (71)

ومما لاشك فيه أن الإيديولوجيا في كثير من قسماتها إنما هي دعوة توتاليتارية: (72)

1 ـ ادعاء الإيديولوجيات أنها قادرة على تفسير كل شيء، كتفسير الماضي تفسيراً كلياً، ومعرفة الحاضر معرفةً كلية، والتنبؤ بما سيكون عليه المستقبل بصورة معينة ومحددة.

2 ـ إن الفكر الإيديولوجي إذ يدعي تفسير كل شيء، فإنه لايؤمن بأي اختبار يكون من شأنه أن يأتي بجديد، ولذلك فهو يقود نحو تصورات لعالم آخر وراء ما هو محسوس، ويحاول أن يجعله أكثر حقيقة من خلال التلقينات الإيديولوجية.

3 ـ حينما يعجز الفكر الإيديولوجي عن تغيير العالم، فإنه يمضي في استكمال تصوره عن التحرر منه عن طريق نوع من الضبط المنهجي وفق آليات منطقية تصبح مسلمات للاستنتاج والحكم.

«رأت آرنت أن الجديد في الاتحاد السوفياتي الستاليني وألمانيا الهتلرية كان محاولة إنتاج إنسان جديد بشكل كامل. وبخلاف الديكتاتوريات السابقة كان هذان النظامان مشادين على إيديولوجيا كلية وتعبئة جماهيرية واسعة، ومناورات منظمة، وتعليم عقيدي منظم ونظرة سياسية تكنوقراطية متسقة؛ وأراد الزعيم « Fuhrer » ذو الكاريزما أن يخلق إنساناً جديداً ومجتمعاً جديداً تماماً كما يشكل الحرفي الذي يعمل بيديه شيئاً من مادة خام لاشكل لها، أي كان البشر والمجتمع مثل المعجون في يدي الزعيم! ففي هذين النظامين الكليين حُوّلَ الفعل إلى إنتاج أي ح ُوّلَ الفعل « Praxis » إلى « Poiesis »». (73)

ولذلك فالإيديولوجيا بادعاءاتها السابقة رافقت النازية والبلشفية والفاشية، بوصفها أعتى الأنظمة التوتاليتارية في القرن العشرين. من فكرة الأمة الهيغلية إلى الشخصية السوبرمان مع نيتشه وتوظيفها في العقيدة النازية، وخطابات هتلر، أو مقاربتها معه ، أو الدعوة القومية للدولة القوية مع مكيافيلي والتي أسندت (بالاستعارة ) موسوليني في ايطاليا، أو ديكتارتورية البروليتاريا مع ستالين، وفي كل هذه الأشكال التوتاليتارية وكلما بحثنا في إطارها الإيديولوجي سنجد أن هنالك مسوغات جمة على شكل منظومات معرفية، قد تبدو مخططاً شريراً جذرياً. الشر الجذري في أصل العقيدة والإيمان الإيديولوجي بها في سبيل إلغاء الآخر لا بل إلغاء الذات من أجل الواحد البطل! وذلك هو ما يلتصق بالنظام والحركة سوياً.

حينما تمسك الحركة بالسلطة وتحاول صنع نظام توتاليتاري فإننا سنفرق بين الحزب والدولة مفهومياً، إلا أن الواقع سيكون متداخلاً وصعب التحديد، لكن آرنت حاولت أن تضع حداً يتجسد في الديكتاتور التوتاليتاري الذي يمكنه، بل ينبغي له أن يمارس الخداع والتوهيم وبطريقة منسجمة مع منصبه أكثر مما يتسنى ويمكن لقائد الحركة. (74) وهذا الفارق ، علاوة على فارق إمساك زمام أمور الحكم، هو الذي يحدد جغرافية الحركة والنظام مفهومياً. لكن يجب علينا أن نقف عند إشارة مهمة جداً لآرنت هنا وهي أن الحركة التوتاليتارية وبهيمنتها على السلطة والتي لن تنقلها إلى غيرها لاتكتفي بصورتها الجديدة وتنفي وجودها كحركة، فانتزاع السلطة باستعمال العنف ليس هو الغاية، وإنما وسيلة ومرحلة انتقالية وليس نهاية لتلك الحركة، ويبقى هدفها الحركي هو العمل على تحصيل أكبر عدد مممكن من المنتظمين تحت لوائها، أما هدفها السياسي الذي يلزم أن يكون خاتمة لعملها ، فلا وجود له بكل بساطة! (75)

ومتى ما أمكن للتوتاليتارية أن تتسلق سدة السلطة، فإنها تولد شكلاً جديداً ومؤسسات مغايرة كليا ً لما كان قبلها. وتعمل على تدمير كل التقاليد السياسية والاجتماعية والتشريعات القانونية القائمة في البلد. وتعمل على تحويل الطبقات الاجتماعية ، وصهرها، إلى جماهير مجردة لاتعي مهامها ولامسؤوليتها؛ وكذلك تقوم التوتاليتارية بوضع بديل لنظام الأحزاب وهو الحركات الجماهيرية؛ وتنقل السلطة من الجيش إلى الشرطة، مع وضع خطط تهدف إلى الهيمنة على العالم بوصفها سياسة خارجية. (76)

ولايسع النظام السياسي أن يكون قائماً، دونما تدمير مجال الحياة العامة وتدمير طاقات الناس السياسية (77) ، وكذلك يعول على البروباغاندا في غسل العقل الجمعي الجماهيري وتوجيهه وخداعه، ويسحب النظام معه إلى الحكم أدوات الحركة كشمولية السيطرة على حياة أفراد الدولة بكل أجزائها وفي كل مجالاتها، وفي ذلك يكون العنف هو الأداة الضاغطة تحقيقاً وإرغاماً وإنذاراً، فالعنف هنا بصورة الإرهاب وكما أشرنا من قبل في البحث أن الجماهير هي بيئة طيعة للسيطرة والطابع القطيعي، فقطيع اللامبالين يمكن سوقهم بالتلويح بالإرهاب وينجح الأمر بسبب بنيوي في طبيعتهم تلك.

تقول آرنت :

«إن الارهاب لايمكن أن يسود الناس مطلقاً، إلا في حال كونهم معزولين بعضهم عن بعض، وبالتالي فإن أولى اهتمامات كل الأنظمة الاستبدادية هي إحداث هذه العزلة. لذا يمكن أن تكون العزلة بدء الإرهاب؛ فهي الأرض الخصبة التي ينمو فيها الإرهاب، ويكون ثمرتها على الدوام. وبهذا المعنى تكون العزلة سابقة لإحلال التوتاليتارية؛ وقد تكون العزلة منطبعة بطابع العجز، بمقدار ما تنشأ السلطة دوماً عن أناس يتحركون معاً، «يعملون متوافقين»، إذن، ليس للناس المعزولين أية سلطة» (78) .
Page 9
ولإتمام هذه العزلة وذلك الضياع وقتل المبادرة والتلقائية الإنسانية وإمكانية الفعل السياسية واستعادة السلطة، يحاول النظام أن يخلق أجهزة متداخلة ومتضاربة في جسمه الإداري، فينتج بيروقراطية مقيتة تنهك الإنسان وتضلله أكثر مما هو فيه. فكلما طالت مدة بقاء نظام توتاليتاري معين في السلطة كلما تعاظم معه عدد الأجهزة والمراكز وكأنها استنساخ للحركة التوتاليتارية، فمع استحداث جهاز دون إلغاء للآخر الذي من المفترض أن يحل بديلاً عنه، تكثر الأجهزة وتفتقد النفوذ، دوماً، لصالح الآتي من ترهلات الزيادة في الهيكلية الإدارية. (79) نخلص مماسبق إلى أن التوتاليتارية ترافق وتنتج أو تعمد إلى تحقيق الآتي:

1 ـ تحطيم المجال العام/ النشاط السياسي.

2 ـ تحويل المجتمع بطبقاته إلى جماهير.

3 ـ اغتراب العالم.

هذه هي الإجابة على السؤال الذي وضعناه عن أسباب وكيفية اختفاء السلطة السياسية . وتغييب الفاعلية الإنسانية المتجددة ـ المجددة. وكلك نستطيع أن نميز أن للنظام التوتاليتاري سمات متداخلة هي: (80)

1 ـ إيديولوجيا رسمية مخلّصة.

2 ـ حزب جماهيري يحتكر السلطة وبزعامة ديكتاتور.

3 ـ نظام إرهابي تدعمه شرطة سرية.

4 ـ احتكار السيطرة على استخدام القوة.

5 ـ اقتصاد مركزي موجه.

ومن ذلك فقد عملت التوتاليتاريات على مسخ إنسانها، وتحويله من فاعل إلى كادح فقط! وجعله محصوراً بمايحتاجه لقوته دونما ما يجب أن يفعله بوصفه حرّاً! لذلك أطلقت آرنت عبارة «تفاهة الشر»(81) وصفاً على ما قام به أدولف ايخمان ( Karl Adolf Eichmann ) النازي في زجه وتحشيده لليهود في معسكرات الإبادة «الهولكوست» بصورة لاتتضمن شراً متجذراً (*) في ذاته بل لتفاهته وعاديته. لأن السلطة التوتاليتارية تجعل مرتكبي الجريمة بإيعازها لايشعرون بفظاعتها ومأساويتها، وإنما بأنها أمر عادي. وما القائم بهذه الجرائم، إلا أداة لها؛ لايعي مسؤوليته تجاه الإنسانية، بل تنفيذه لقرارات إدارية، وبطاعة عمياء فقط. لذلك بحثت عن صورة أخرى لاتهامه وهي اللامسؤولية تلك بالأصل علاوة على قبوله لأفكار تحدد من يستحق حياة دون غيره بسبب هويته، وذلك أيضاً يمكن تأوله بأنه لامسؤولية إنسانية. تقول آرنت: «إن العنف والرعب الممارسين في البلدان الكليانية لايمتان بصلة، طبعاً، إلى السلطة بمفهومها الحقيقي. ومعنى اختفاء السلطة هذا هو ببساطة، اختفاء الإرادة لتحمل المسؤولية، لأن السلطة الحقيقية تـرتبط، حيثما وجدت، بـالمسؤوليـة تجـاه مسـار العالم» (82) ، حتى إنّ «آيخمان» صرح في معرض التحقيقات معه أنه مستعد لأن يرسل والده للموت إن تلقى أمراً بذلك، أي أنه منفذ بلا إدراك للأسباب والأشخاص موضوع الحكم. وإن كان يريد من تصريحه أن يصف نفسه بالمثالية والكمال والإخلاص، توهماً منه في ذلك. (83)

إن التفاهة تكمن في استقالة العقل والضمير من تحمل المسؤولية بوعي، لأن من قام بهذه المجازر من ايخمان وغيره من جلاوزة السلطات الشمولية لم يكونوا سوى جزء صغير وتافه من ماكنة البيروقراطية التوتاليتارية التي لاتدع لهم أي مجال في أن يحسوا بإنسانيتهم ومن ثم أن ينتظر منهم العمل باتجاه ما هو إنساني. وذلك ليس تسويغاً لفعلتهم بل إدانة بصورة أخرى أشمل من اختزالهم بالحادثة وإنما في كينونتهم الإنسانية واستحالتهم إلى كائن لامعنى له .

وبسبب تشخيصات آرنت التي نتجت من حضورها لجلسات محاكمة «ايخمان » وتجسدت، بدورها، في كتابها «ايخمان في أورشليم/ القدس» وما قدمته من شواهد وتقريرات عنها، بل وتصريحاتها التي خالفت بعض السذاجة وفكر تحصيل الحاصل الذي حوّل المحاكمة إلى مسرحية وفرجة على حد قول آرنت، إذ رأت أن اليهود الالمانيين والمجريين وغيرهم علاوة على المؤسسات الصهيونية كانوا هم بأنفسهم من تسبب بإ بادتهم في الفترة النازية وغيرها. لأن المقاومة انتفت والبلاهة التي أطبقت عليهم حينما اقتيدوا إلى محتشدات الإبادة كقطعان مقادة للذبح. كل ذلك جعل آرنت محط أنظار المهتمين من مفكرين وسياسيين، وكذلك موضوعاً لانتقادات لاذعة منها: وصفها بالنازية، واتهامها باللاموضوعية، لعدم حضورها كل جلسات المحاكمة، وإنما البعض منها فقط، مما يجعل تقريرها غير دقيق، إلا أن ردها كان ببساطة أنها تعاملت مع ما جرى في المحاكمة ووضعت فيه تقريراً ليس إلّا. (84)

نعم، فكتاب «ايخمان في أورشليم»، حسب وصفها، لم يكن سوى تقريرٍ لماحصل من حقائق داخل قاعة المحكمة، من ضمنها الحوارات والاستجوابات وخطابات المدعي العام وتوجه القضاة وردود ايخمان، وإفادات الشهود، ولادخل للأمر بفرضيات أو نظريات انطلقت منها لتطبيقها على ايخمان ومحاكمته. (85) وقد ردت حَنّه آرنت في أكثر من محفل ومناسبة على اللغط الذي دار حول كتابها هذا. وحتى بعد أن وصل الأمر إلى وصفها بالنازية، وأنها تحاول أن تخلق أعذاراً غير مباشرة للمجرمين النازيين، نراها، مصرة على موقفها وفاضحة لزيف هذه الاتهامات، فقد أجابت: إن هنالك اتجاهين في الأمر: الأول، تشويه وتحريف متعمد وخبيث قد حصل للكتاب؛ والثاني، حصول سوء فهم حقيقي له. ولايمكنني تصور أن أحداً ممن قرأ الكتاب أن يدعي أنني كنت أخلق أعذاراً لايخمان أو أبرر المجزرة بحق اليهود ومافعله النازيون من جرائم. (86)

وبالرغم من النتيجة التي قد تتصور بأنها ستضعف من آرنت ونشاطها! إلا أنها صرحت في أكثر من مرة أن محاكمة ايخمان حولتني إلى تفضيل الحياة النشطة على الحياة الفلسفية ـ التأملية، فقد غيرت منظورها للعلاقة بين الفكر والعالم. (87) هكذا بدت آرنت وبنقدها للممارسة التغريبية التوتاليتارية قاصدة إلى تسليط الضوء على إمكان استعادة الفعل السياسي ومعنى السلطة. وبذلك فالشمولية هي قتل للحرية ونفي لها. وبذلك فالمهمة الأساسية التنظيرية لآرنت هو البحث في برمجة استرجاع تلكم الحرية.

الفعل بوصفه ثورة : أو تحرير الفعل السياسي

اعتماداً على دلالات ثورية وعنفية!
Page 10
يعد موضوع إعادة قابلية الفعل السياسي بصورة ثورية لخلق الجدة والحياة من جديد له، والبداية والولادة، قائماً على فرضيتين حددهما مسار النسق الآرنتي، الذي رسمناه، وهما:

أ ـ إن الفعل السياسي إنما هو فعل السلطة التفاعلية في الميادين العامة والتي تكشف عن ذواتنا أمام الآخرين، وذلك يعني الحرية في الفعل والقول؛ وكذلك المساواة في ذلك الحق. وعليه يلزمنا أن ندافع عن إعادة تجسيد هذه الصورة السياسية للسلطة في وضعنا الإنساني الراهن والذي يزداد سوءاً وانهياراً وتشظياً واستهلاكاً لكل القيم.

ب ـ يلزمنا أن نجعل السلطة مقابلة للعنف؛ ذلك لأن العنف كما قلنا أدواتي وإنما يحل في الوضع السياسي حينما تغيب السلطة. أي أن السلطة التي تعنى بالرأي والرأي الآخر، والحجاج والمشاركة السياسية، في الفضاء العام كما في الـ«اغورا»، إنما تعني انعدام الحاجة إلى العنف لأن الحجة والاتفاق هما سيدا الموقف. بينما العنف هو ما يقيل إمكان الحجة والاتفاق أصلاً، لذلك يعد سبيلاً لاعقلانياً في أغلب صوره. نعم أقول: في أغلب صوره، لأن آرنت قد بينت لنا أوجه تلك العقلانية أو المقبولية باستعمال العنف:

1 ـ في حالة الدفاع عن النفس، فلا يمكن لعاقل أن يقول إنه إن تعرضت حياته للخطر بتهديد من آخرين لايدافع عن نفسه بوسائل عنفية قد تساوي قدرة المعتدي أو تفوقها أو تقل عنها؛ ما يهمنا هو استعماله للعنف المشروع بهذه الحالة.

2 ـ وهنالك حالة أخرى يؤدي فيها العنف دوراً أكثر تميزاً وأهميةً؛ ذلك حينما يحاول المعنِّف أن يضيف طابعاً مؤثراً على صورة مطالبه، محاولاً في ذلك إيصالها إلى الرأي العام! (88) وذلك ما تسميه آرنت العنف المرتبط بأهداف على المدى القصير.

أما العنف بصوره اللاعقلانية، والتي أشرنا لها سابقاً بنوع من الإجمال، فهو ما يخرج عن إطار المدى القصير والدفاع عن الذات، ولذلك فهو يتبدى غير ذي جدوى بالنسبة لنوعية الأهداف ذات المدى الطويل، أو التبديلات البنيوية في النظام، وإن تجاوز مدياته الصغرى فسيكون كما ترى آرنت محتماً عليه أن يغلِّب الوسيلة على الغاية، وذلك لأن تأخير تحقيق الغايات زمنياً مرافقة للتعنيف سيؤدي إلى الهزيمة وبالتالي إدخال العنف إلى الجسم السياسي كله. (89)

ـ العنف: من التخريب إلى الثورة

سار التحول في العنف من آلية جذب الاهتمام لقضية ما في الشأن السياسي، إلى آلية من آليات الحكم. هذه صورة تخريبية للمؤسسات السياسية من جهة، وللممارسة السياسية نفسها من جهة أخرى أهم. فتنشأ الأنظمة البوليسية القمعية التعنيفية، وتلوح في الأفق رايات الحروب. وتبدأ مسيرة القمع والإقصاء، لأن السلطة قد غابت. والجسم السياسي أصبح منخوراً بالعنف. فتعد الثورة ، حينها، ملاذاً.

والحق إن مطلب الحرية يعود ليظهر بوصفه مطلباً لإعادة الأمور إلى نصابها في هذه الحالات. تقول آرنت: «إن فكرة الحرية قد فرضت نفسها في السنين الأخيرة على أخطر المناقشات السياسية الحاضرة والخاصة بالبحث في موضوع الحرب وموضوع الاستخدام المبرر للعنف. إن الحروب من الناحية التاريخية هي من أقدم الظواهر في الماضي المدون، في حين أن الثورات بنوع خاص لم تكن موجودة قبل ظهور العصر الحديث، لا بل أنَّها من أحدث الوقائع السياسية الرئيسية. وعلى عكس الثورة فإن الغرض من الحرب لم يكن مرتبطاً بفكرة الحرية إلا في حالات نادرة». (90)

ولايكفي العنف وحده لوصف ظاهرة الثورة، فآرنت تلحق ظواهر عدة لتحقيق معنى الثورة: (91)

1 ـ التغيير، فلايمكن الحديث عن الثورة دونما أحداث تغيير ويكون بمعنى بداية جديدة.

2 ـ يستخدم العنف لتكوين شكلٍ جديدٍ ومختلفٍ على مستوى الحكومة ولتأليف كيان سياسي مغاير.

3 ـ التحرر في الثورة بقصد الخلاص من الاضطهاد وتكوين الحرية.

وتتضمن الثورة فعل التأسيس لكيان سياسي جديد، والذي يعمل على تصميم هيئة جديدة للحكومة، ولذلك يلزم أن يكون ثمة وعي كاف للقائمين بهذا العمل الخطير بالطاقة البشرية لمطلب التجديد والبداية الدائمة (92) ، فذلك قد يكون منزلقاً في عدم الحفاظ على مكتسبات الثورة في خلق شيء دائم! ولابد من أن نشير إلى أن فهم الثورة بهذه الصورة هو فهم حديث ارتبط باندلاع الثورتين العظيمتين في القرن الثامن عشر في أميركا وفرنسا، ترى آرنت إن المفهوم الحديث للثورة ملتصق بالفكرة التي تقول بأن مسار التاريخ قد بدأ من جديد فجأة، وبأن قصة لم تكن معروفة مسبقاً ستروى الآن أو أنها على وشك الظهور (93) .

وبناءً على ما تقدم، تشكل الروحية الثورية الناجمة عن فعل الثورة من تأسيس الجديد، محاولة في خلق شيء مستمر، لذلك ستكون المؤسسة المسؤولة عن الثورة مهددة البنية بسبب الروحية الثورية في أنها قد تكون في خطر الإحباط. (94) ، ومن ذلك يلزم أن نفهم الثورة بأنها خلق روحية تتحول إلى تفاعل بعد الإنجاز! أقصد أن تكتسي وشاح الفعل (Action) وذلك في فهم الثورة وماهيتها في البدء بالجديد بأنه معنى الفعل السياسي داخل الحيز العام لإعادة مكانة السلطة بمعناها في (Polis) الأثينية. لعل المخرج الذي نربطه هنا هو مخرج بدوره لنسق آرنت من مشكل تهديم المؤسسات المتمخضة عن ولادة النظام الجديد بعد الثورة، وحفظ للحريات وتمكين الفعل.

وهنا نعود إلى رهان التحرر من حكم بيئة الضرورة، فإنه وإن كان قد بدأ في أول الأمر في خلاص الإنسان من ضرورات الحياة بالعنف ضد الآخرين وجعلهم يتحملون عبء المسؤولية الضرورية من قبل آخرين خاضعين لهم! بصورة العبودية. ولذلك فالعنف الذي يمارس اليوم يختلف عن حال الحرية التي يتمتع بها الناس بعد تحررهم من العبودية، وعليه نفهم اختراق الخاص للعام أو العائلي ـ السوقي للسياسي هو المشكل الجديد، بسبب التطور الهائل للتقنية وتجليات العقل الأداتي الغائي في الهيمنة على الإنساني. وقتل روحية الإبداع وتلقائيته وحريته. فما الحل؟

ـ مقومات الفعل بوصفه سلطة

تكمن الإجابة على التساؤل السابق الذكر، في لزوم استعادة مقومات الفعل، الذي شرحَنا كيفية وأسباب غيابه. وسأقدم هذه المقومات بوصفها برنامج تحرر هو (95) :

1 ـ التأكيد على ضرورة الرضى المتجدد كأساس ومصدر لمشروعية السلطة دائماً، فهي محاولة في المبادأة وإنشاء المشروعات الجديدة دوماً، وذلك يحمل معنى الثورة التي يتضمنها الفعل بصورته الخَلقية التجديدية للتحرر من المؤسسات السياسية التقليدية بما فيها التوتاليتارية.

2 ـ إن القبول بأمر ما أو التعهد به إنما غايته تحرير فعلنا من القيود الخارجية المفروضة عليه، وعلى ذلك فعلى الفعل أن يضمن إرادة العيش المشترك وهذه التعهدات والوفاء بها ما يخلق مجتمعاً متناغماً قادراً على تجنب العنف وأشكال الخلاف.

3 ـ ينتج من النقطة السابقة، أن جميع أفراد المجتمع لن يتحركوا من منطلق مصالحهم الأنانية المتضاربة، ما دام التناغم هو شكل العلاقة بينهم وهو الذي يحدد حركتهم فيها، ولذلك سنجدهم يتحركون باتجاه الإرداة العامة انطلاقاً من مبدأ التضامن الذي ألمحَنا له سابقاً في ثنايا البحث.

4 ـ التعويل على دور المثقف، المجسد لفكرة «المنقذ السياسي الأسمى» وهو الذي يدخل حلبة السياسة لتأدية دور لاانحياز فيه، ومهمته الأساسية منحصرة في تقرير الحقيقة، وبذلك سيواجه المثقف رمزاً مقابلاً له هو الدجال السياسي، وهو الذي يستهدف تشكيل العالم طبقاً لرؤيته الفاسدة، مجسداً بمؤسسات منظمة من وسائل الإعلام والدعاية التلقينية وماتقوم به من الأعيب، فإذا فشل الأمر وهيمن الكذب والدجل، نتجت التوتاليتارية.

5 ـ التأكيد على الدلالة السياسية لفكرة «الصفح»: إن القدرة على الصفح تحرر الآخرين من تبعات أعمالهم في حال أو زمن ما لغرض التسامح، ولذلك ينتج تفاعل أفضل وصورة جذابة للعلاقات البينذاتية للمواطنين. والتي ألمحَنا لها في ما أبقته آرنت من الفكر التقليدي المسيحي.

ـ موقف نقدي

لا يمكن أن يمر مشروع آرنت وما قدمته من نصوص في الفلسفة والسياسة، دون أن يأخذ حيزاَ من الجدل، وسأقف هنا على عتبة النقد في موضوع تصنيفها للحياتين الفكرية والنشطة وإمكان الفصل، بل بداهته لديها، اعتماداً على المنجز الأرسطي، والذي هو منجز يحكي حالاً وبيئة مختلفة زمكانياً عما نحن عليه اليوم. علاوة على أننا حينما نفهم دور الفيلسوف أو المثقف في كونه الفعال والناقد فإنه يلزم أن نتصوره سابراً لأعماق الممارسات في الحياة النشطة، وذلك يزيد هوة الإشكال في التصنيف. وإن كانت آرنت فهمت ذلك أيضاً، إلّا أنها تصر على استقدام تلك الصيغة الأرسطية للشطر بين العالمين وكـان المفروض العمل على الصيغ الناقدة أو إبداع واحدة أخرى في قبالتها.

كما أن التصنيف الثلاثي في الحياة النشطة هو الآخر يعتريه الشك في دقته وعدم التباس أحدها بالآخر من كدح وعمل وفعل، فهذه الأنشطة يصعب تصورها كذلك في وضعنا المعاصر لتداخلها بل وغياب ذلك الفصل، وذلك ما تنقده آرنت. ولكنها من جهة أخرى، تقرر الوضع الإنساني وكأنه الواقع بما يقابله من أنشطة وفعاليات، وتبدأ بالتمثيل له في الكادح الحيواني والصانع الإنساني والفاعل الحر، وتحاول إثباته تاريخياً إلى يومنا الحاضر. وتسجل غياب الفعل دون غيره، بينما تتكلم عن واقع الثورات العظيمة وواقع الأنظمة الديموقراطية المخالفة للتوتاليتاريات، وهي حاملة لمعنى الفعل في التأسيس واجتراح الجديد مشاركة في التنفيذ والتشريع، ومثالها الأوضح في ذلك أميركا! لعل هذا الاشتباك لا انفكاك له في غزل آرنت.

يبقى أمر اختلاط الاجتماعي بالسياسي، وكيف أنها رأت أن تداخلهما يفضي إلى هيمنة الأول على الثاني. والأول هو حامل لمعاني الضرورة والقسر بينما الثاني بالضد منه حامل لنظام الحرية والتعدد، ويحق لنا التساؤل عن كيفية وضع حدود لهذه الجغرافيات الفكرية، فهل يمكن أن يتصور هذا الفصل حقاً؟ أم أنه مجرد وهم لأن الاجتماعي بضرورياته هو يمثل ذوات مساهمة في السياسي، لا يمكن أن تتنازل عما لديها من مكسب اجتماعي لغرض نقاش في الشأن العام، لأن أفراد البيئة الاجتماعية هم أنفسهم من يسهم في ذلك الشأن؛ اللهم، إلّا إذا فهمنا الاجتماعي كقناع تفرضه الضرورة والسياسي ككشف للوجود جهاراً بلا أقنعة فحينها سيكون تصوراً يوتوبياً وفنياً جميلاً، إلا أنه يخالف الواقعية التي تحلم بها آرنت. ولا يمكن أن نتناسى قبولها ليوتوبيا اليهود في إسرائيل وما فعلته في دعمها للمنظمات الشبابية التي قصدت الهجرة إلى فلسطين في نهاية الثلاثينيات ومطلع الأبعينيات؛ وإن كنت أرى أن أمر الوطن المقدس هو موضوع مسوغ في كل الأديان، إلا أن ما تنتقده من سوء تدبير للمؤسسة الصهيونية مرة، نجدها في مرة أخرى لا تلحظ تضمينها للعكس بإسناد أفعالها في الهجرة نحو القدس، إلا أنها تخلت عن دعوتها هذه في نهاية الأربعينيات لتقف موقفاً حازماً بوجه الحركات الصهيونية وموقفها من الوضع الفلسطيني وبالتالي رأت أن تقف موقفاً سلبياً ورافضاً من إقامة الدولة اليهودية في فلسطين، وهنا تحول آخر قد يعيد ترتيب أوراق آرنت.