تقديم
الحمد لله الذي أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة، ورضي لنا الإسلام ديناً، والصلاة والسلام على معلِّم الناس الخير، وعلى آله وصحبه الذين تمثلوا الإسلام دراية ورواية، وفهماً ووعياً وإدراكاً، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد:
فهذا كتاب متوسط الحجم، جامع لأحكام الفقه الحنفي، أردت به تبسيط الرجوع إلى كتب هذا المذهب العملاق، والذي سميته (الفقه الحنفي الميسر) - أربعة أجزاء، وخمسة أبواب، وهو أوسع المذاهب الفقهية وأكثرها تفريعاً واستنباطاً، وهو أيضاً الساحة العلمية الخصبة التي تدين بالفضل العظيم للإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان بن ثابت رحمه الله تعالى (90 - 150هـ)، حيث تجد فيه توطئة شاملة ومتنوعة لمسائل الفقه الإسلامي كله، وهو المذهب الجماعي الذي يعدّ فيه الإمام أبو حنيفة أول من جعل دروسه مثاراً للنقاش وتعليم الاستنباط، وعمق البحث، وبُعْد النظر، والتدريب على الاجتهاد الجماعي المتميز بالنمو وحرية الاجتهاد والفكر، بعد شحذ الذهن وبذل الجهد، حتى صار بعض تلاميذه كأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم قاضي القضاة في عهد الرشيد، ومحمد بن الحسن جامع الفقه الحنفي نظيرين كُفأين لأستاذهما الإمام، حيث كان أبو حنيفة يعرض في دروسه العامة المسألة، ويطلب إبداء الرأي فيها، ويناقش التلاميذ في بيان حكمها، بروح موضوعية سامية، محترماً آراء غيره، وآخذاً بوجهات النظر وموازنتها، وتحقيقها للغاية المنشودة، ورعاية مقاصد الشريعة، ومصالح الناس الواقعية، فمثلاً كان تلاميذ أبي حنيفة يقيسون المسائل بنظائرها، فإذا قال: أستحسن، لم يلحق به أحد، وكان حقاً ما قاله الإمام الشافعي رحمه الله عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله: «الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة».
والمنهج العام إجمالاً يتمثل فيما يأتي:
أولاً: إيضاح الأحكام وتبسيطها بالأمثلة، ليسهل على المتعلم فهم المسائل من غير تعقيد.
ثانياً: الاستيعاب والشمول لمسائل كل باب فقهي، ليتمكن الدارس من معرفة ما يتعلق بالموضوع.
ثالثاً: إيراد الدليل لكل حكم فقهي، لأن الدليل يضيء الحكم، وييسر حفظه واستذكاره.
رابعاً: بيان الحكم المعتمد في المذهب.
خامساً: التعريف بمصطلحات المذهب بعد الاطلاع على خطة البحث، وبيان المقادير.
سادساً: خطة البحث المشتملة على الأبواب والفصول والمباحث.
والله تعالى أسأل أن ينير قلب كل مسلم في قراءة هذا الكتاب، ليتبصَّر في فهم أحكام الفقه الإسلامي، والمبادرة لتطبيقها، والإفادة منها في جميع مجالات الحياة.
ومن المعلوم أن الفقه الحنفي لم يتقيد ببيان أحكام المسائل الواقعية، وإنما امتد عبر الزمان والمكان، ليشمل التطورات والافتراضات التي تقع في المستقبل، لأن الإمام وتلامذته كانوا يقولون: أرأيت لو كانت المسألة على نحو كذا، فكيف يكون الحكم؟ حتى سموا بالأرأيتَيين، فهو فقه واقعي وافتراضي معاً، مما جعل المذهب متسعاً، ومحققاً لمقتضيات التطور والمعاصرة، فجزاهم الله عنا خير الجزاء.
قال الإمام شمس الدين الذهبي (م 748هـ) في ترجمة أبي حنيفة: «وعُني بطلب الآثار، وارتحل في ذلك، وأما الفقه والتدقيق في الرأي وغوامضه، فإليه المنتهى، والناس عليه عيال في ذلك»[1].
هذا.. وإن أمور الدين مدارها على الاعتقادات والآداب، والعبادات، والمعاملات والعقوبات، والأولان ليسا من قضايا الفقه بالمعنى الخاص، والعبادات خمسة: الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والجهاد. والمعاملات خمسة: المعاوضات المالية، والمناكحات، والمخاصمات، والأمانات، والتركات. والعقوبات خمسة: القصاص، وحدّ السرقة، والزنا، والقذف، والرِّدة[2].
أما منهجي في الكتاب فهو تقسيم الموضوعات في كل باب وفروعه تقسيماً واضحاً، ثم إنني كلما وجدت عبارة سهلة وبيِّنة لكل فقيه نقلتها كما هي، جزى الله المصنفين خير الجزاء ورحمهم الله، وإن كانت العبارة غامضة بسَّطتها بما يناسب العصر.
مصطلحات المذهب الحنفي
أ- ظاهر الرواية : يراد به في الغالب الشائع - كما عرفنا - قول أئمة الحنفية الثلاثة (أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد).
ب- الإمام : هو أبو حنيفة، والشيخان هما أبو حنيفة وأبو يوسف، والطرفان هما أبو حنيفة ومحمد، والصاحبان هما أبو يوسف ومحمد. والثاني هو أبو يوسف. والثالث هو محمد، ولفظ «له» أي لأبي حنيفة، ولفظ «لهما» أو «عندهما» أو «مذهبهما» أي مذهب الصاحبين، وإذا قالوا: أصحابنا، فالمشهور إطلاق ذلك على الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة وصاحبيه، وأما المشايخ فالمراد بهم في الاصطلاح من لم يدرك الإمام.
جـ- يفتى قطعاً بما اتفق عليه أبو حنيفة وأصحابه في الروايات الظاهرة، فإن اختلفوا فإنه يفتى بقول الإمام أبي حنيفة على الإطلاق، وخصوصاً في العبادات، ولا يرجح قول صاحبيه أو أحدهما إلا لموجب وهو - كما قال ابن نجيم - إما ضعف دليل الإمام، وإما للضرورة والتعامل، كترجيح قولهما في المزارعة والمساقاة (المعاملة)، وإما بسبب اختلاف العصر والزمان.
ويفتى بقول أبي يوسف في القضاء والشهادات والمواريث، لزيادة تجربته.كما يفتى بقول محمد في جميع مسائل ذوي الأرحام، ويفتى بقول زفر في سبع عشرة مسألة[3].
ولفظة الفتوى آكد وأبلغ من لفظة المختار ومن لفظ الصحيح والأصح والأشبه وغيرها. ولفظ «وبه يفتى» آكد من «الفتوى عليه». والأصح آكد من الصحيح. والأحوط آكد من الاحتياط.
وإذا ذيلت الرواية بالصحيح أو المأخوذ به أو به يفتى أو عليه الفتوى لم يفتَ بمخالفه إلا إذا كان في الهداية مثلاً هو الصحيح.
د- إذا لم يوجد رواية للإمام في المسألة يفتى بقول أبي يوسف، ثم بقول محمد، ثم بقول زفر، والحسن بن زياد.
هـ- إذا كان في مسألة قياس واستحسان ، فالعمل على الاستحسان إلا في مسائل معدودة مشهورة، هي اثنتان وعشرون مسألة[4].
وإذا لم تذكر المسألة في ظاهر الرواية، وثبتت في رواية أخرى، تعين المصير إليها.
وإذا اختلفت الروايات عن الإمام، أو لم يوجد عنه ولا عن أصحابه رواية أصلاً، يؤخذ في الحالة الأولى بأقواها حجة، ويؤخذ في الحالة الثانية بما اتفق عليه المشايخ المتأخرون، فإن اختلفوا يؤخذ بقول الأكثرين، فإن لم يوجد منهم قول أصلاً، نظر المفتي في المسألة نظرة تأمل وتدبر واجتهاد، ليجد فيها ما يقرب من الخروج عن العهدة، ولا يتكلم فيها جزافاً، ويخشى الله تعالى ويراقبه، لأن الجرأة على الفتيا دون دليل أمر عظيم لا يتجاسر عليه إلا كل جاهل شقي.
و- إذا تعارض التصحيح والفتوى ، فقيل: الصحيح كذا، والمفتى به كذا، فالأولى العمل بما وافق المتون، فإن لم توجد موافقة لها، فيؤخذ بالمفتى به؛ لأن لفظ الفتوى آكد (أقوى) من لفظ الصحيح والأصح والأشبه وغيرها. وإذا ورد في المسألة قولان مصححان جاز القضاء والإفتاء بأحدهما. ويرجح أحدهما بما هو أوفق للزمن أو أنفع للوقف أو للفقراء، أو كان دليله أوضح وأظهر؛ لأن الترجيح بقوة الدليل.
ز- المراد بكلمة «المتون» : أي متون الحنفية المعتبرة، مثل كتاب مختصر القدوري، والبداية، والنقاية، والمختار، والوقاية، والكنز، والملتقى، فإنها وضعت لنقل ظاهر الرواية والأقوال المعتمدة.
ح- لا يجوز العمل بالضعيف من الرواية ، ولو في حق نفسه، دون فرق بين المفتي والقاضي، إلا أن المفتي مخبر عن الحكم الشرعي، والقاضي ملزم به.. وصح عن أبي حنيفة أنه قال: «إذا صح الحديث فهو مذهبي»، ونقل مثل ذلك عن غيره من أئمة المذاهب[5]. لكن يجوز الإفتاء بالقول الضعيف للضرورة تيسيراً على الناس.
ط- الحكم الملفق عند الحنفية باطل، كما أن الرجوع عن التقليد بعد العمل باطل، على ما هو المختار في المذهب، فمن صلى ظهراً بمسح الرأس مقلداً للحنفي، فليس له إبطال صلاته باعتقاده لزوم مسح كل الرأس مقلداً للمالكي.
وأجاز بعض الحنفية التقليد بعد العمل، كما إذا صلى ظاناً صحة صلاته على مذهبه، ثم تبين بطلانها في مذهبه، وصحتها على مذهب غيره فله تقليده، ويجتزئ بتلك الصلاة، على ما قال في الفتاوى البزازية: روي عن أبي يوسف أنه صلى الجمعة مغتسلاً من الحمام، ثم أخبر بفأرة ميتة في بئر الحمام، فقال: نأخذ بقول إخواننا من أهل المدينة: «إذا بلغ الماء قُلَّتين (270 لتراً أو 15 تنكة)، لم يحمل خبثاً».
ي- أجاز بعض الحنفية : أن المقلد إذا قضى بمذهب غيره، أو برواية ضعيفة، أو بقول ضعيف، نفذ، وليس لغيره نقضه.
ك- تعتبر حاشية ابن عابدين (1252هـ) علامة الشام وهي (رد المحتار على الدر المختار) خاتمة التحقيقات والترجيحات في المذهب الحنفي.
مقادير الأوزان والمكاييل
الدانق : سدس الدرهم.
القيراط : 0.20 غم = 4 حبات، والحبة: 0.05 غم وهذا في العرف.
الدرهم : 64 حبة = 20 قيراطاً. والقيراط 0.20 غم.
والدرهم الشرعي : 70 حبة = 3.50 غم أو أربع غرامات.
الفرسخ : أربعة آلاف خطوة، والخطوة: ذراع ونصف بذراع العامة = 3 أميال أو 3000م.
الذراع : 50 سم تقريباً.
الصاع : 4 أمداد = 3640 غم، في الوزن العراقي، وهو قول أبي حنيفة، وفي تقدير آخر 3697 غم، وعند الصاحبين: 5 أرطال وثلث، أي 2405 غم.
المُدّ : رطلان = 910 غم، أو 924 غم، وعند الصاحبين = رطل وثلث = 601 غم.
الرطل : 130 درهماً = 463 غم في الوزن العراقي، ورأي الصاحبين في الوزن الحجازي: هو أن الصاع = 5 أرطال وثلث، والمد: رطل وثلث، فيكون الصاع عند الصاحبين 2405 غم، والمد = 601 غم، والرطل العراقي: 300 غم، أو في تقدير آخر (240/ 384 غم).
القُلَّتان : عشر صفايح أو تنكات، وعند الشافعية 11.50 تنكة.
الميل : 1866.24 م، ويساوي 4000 ذراع.
المثقال : 5 غم، ونصاب الذهب 96 غم، وفي رأي آخر 100 غم.
المنّ : مكيال سعته رطلان عراقيان، يساوي (768.480 غم).
الزقّ : ظرف يسع خمسين مَنّاً.
الوسق : ستون صاعاً.
الفَرَق : 36 رطلاً في رأي محمد بن الحسن، والرطل 130 درهماً، والفرق: نوع من المكاييل = 10.086 لتراً = 9784.5 غراماً.
القربة : نوع من الجلد لحفظ الماء، وهو مكيال سعته أربعون صاعاً = 68.48 لتراً.
الكُرّ : مكيال يساوي (2348.280) غم.
أقسام الكتاب
يشتمل هذا الكتاب على أربعة أبواب:
الباب الأول - الطهارات والعبادات.
الباب الثاني - المعاملات المدنية والتصرفات المالية.
الباب الثالث - الأحوال الشخصية.
الباب الرابع - الجنايات والحدود والجهاد والسير.
الباب الأول: الطهارات والعبادات
ويتضمن اثني عشر فصلاً.
الفصل الأول - الطهارات، وفيه ثلاثة مباحث.
الفصل الثاني - النجاسات الحقيقية وتطهيرها، وفيه مبحثان.
الفصل الثالث - طهارة النجاسة الحكمية وبعض النجاسة الحقيقية، وفيه خمسة مباحث.
الفصل الرابع - الصلاة وأحكامها وأنواعها، ويشتمل على عشرين مبحثاً.
الفصل الخامس : الزكاة. ويشتمل على مبحثين.
الفصل السادس : الصوم.
الفصل السابع : الاعتكاف.
الفصل الثامن : الحج والعمرة، ويشتمل على ثلاثة مباحث.
الفصل التاسع : الأيمان والنذور، ويتضمن مبحثين.
الفصل العاشر : الأضحية والعقيقة، ويشتمل على مبحثين.
الفصل الحادي عشر : الصيد والذبائح، ويتضمن مبحثين.
الفصل الثاني عشر : الحظر والإباحة.
المبحث الأول - معنى الطهارة وسببها ونوعاها وأنواع مياه التطهير وأقسامها
معنى الطهارة وسببها ونوعاها وأنواع المياه والمطهرات[6]
الطهارة لغة: النظافة، وشرعاً: النظافة عن حدث أو خبث. والحدث: هو النجاسة الحكمية، فهو دنس حكمي غير ملموس مادياً، وإنما يكون في الإنسان فيحتاج إلى الوضوء أو التيمم، وموجبه الحدث الأصغر، أو الغسل وموجبه الحدث الأكبر أي الجنابة. والخبث: هو النجاسة الحقيقية أو الحسية الملموسة أو الدنس الحقيقي كالدم والبول والغائط، وتحتاج إلى الإزالة بالماء ونحوه من المطهرات.
والتيمم: طهارة حكمية يَخْلف الوضوء والغسل معاً، أو يخلف أحدهما منفرداً.
والطهارة المشروطة لصحة الصلاة نوعان : حقيقية، وحكمية. أما الحقيقية: فهي الطهارة عن حقيقة النجاسة، وأنواعها ثلاثة: طهارة البدن، وطهارة المكان، وطهارة الثياب. وأما الحكمية: فهي الطهارة عن النجاسة الحكمية. وهي نوعان: الوضوء والغسل.
وسبب وجوب الطهارة إرادة ما لا يحل فعله إلا بها، فرضاً كان أو غيره كالصلاة، ومسّ المصحف إذا لم يكن فرضاً، فالسبب: هو الإرادة في الفرض والنفل المطلق أو بسبب، ومن النفل المطلق: صلاة ركعتين، وغير المطلق: سنن الصلاة، ومن الواجب: سجود التلاوة، لكن بترك النفل يسقط الوجوب.
وحِكَم تشريعها ، أي ما شرعت لأجله كثيرة كتكفير الذنوب، ومنع الشيطان، وتحسين الأعضاء في الدنيا بالتنظيف، وفي الآخرة بالتحجيل (زيادة الغسل قليلاً على القدر المفروض) حيث يأتي المؤمنون محجَّلين من آثار الوضوء.
وحُكْمها (أي أثرها المترتب عليها): استباحة ما لا يحل بدونها.
وفرضية الطهارة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة.
أما الكتاب: فقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 5/6] . وقوله سبحانه: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 5/6] ، وقوله عز وجل: {أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ} [البقرة: 2/125] ، وقوله سبحانه: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ *} [المدثر: 74/4] .
وأما السنة: فقوله r: «مفتاح الصلاة الطُّهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم»[7]. وقوله عليه الصلاة والسلام: «إن تحت كل شعرة جنابة، ألا فبلُّوا الشعر، وأنقوا البَشَرة»[8].
وعليه إجماع الأمة.
وأنواع المياه التي يجوز التطهير بها لإزالة الحدث والخبث سبعة مياه هي:
1- ماء السماء (المطر)، 2- وماء البحر، 3- وماء النهر، 4- وماء البئر، 5- وماء الثلج، 6- وماء البَرَد، 7- وماء العين[9] أي عين الماء الجاري.
وأقسام المياه التي يجوز التطهير بها شرعاً خمسة
الأول - طاهر مطهر: وهو الماء المطلق، أي طاهر في نفسه، مطهر لغيره من الحدث أو الخبث، والماء المطلق: هو الذي لم يخالطه شيء يغيِّر صفاته من لون، أو ريح، أو طعم، كماء الورد.
والثاني - طاهر مطهر مكروه استعماله كراهة تنزيهية على الأصح إذا كان قليلاً: وهو ما شرب منه حيوان مثل الهرة الأهلية ونحوها، أما الوحشية فسؤرها نجس، ونحوها: الدجاجة المخلاَّة، وسباع الطير، والحيَّة، والفأرة، لأنها لا تتحامى عن النجاسة.
والثالث - طاهر غير مطهر، وهو: الماء المستعمل في رفع حدث، كماء الوضوء أو الغسل، ويصير الماء مستعملاً بمجرد انفصاله عن الجسد.
ولا يصح الوضوء أو الغسل بما خالطه شيء من غير جنسه كالخل، فتغير لونه أو طعمه أو رائحته، ولا بماء شجر أثمر أو زهر، لكمال امتزاجه به، ولو خرج من نفسه من غير عصر، كالقاطر من الكرم أو جذع شجرة، في الأظهر، ولا بماء زال طبعه بالطبخ، أو بغَلبة غيره عليه، وزوال الطبع: هو الرِّقة والسيلان والإرواء والإنبات.
وضابط الغلبة يكون بمخالطة الماء بشيء من الجامدات الطاهرة، بإخراج الماء عن رقته وسيلانه.
ولا يضر تغير أوصاف الماء كلها بما جاوره من الجامدات كزعفران وفاكهة وورق شجر، لما أخرجه البخاري ومسلم: أن النبي r أمر بغسل الذي وَقَصته[10] ناقته، وهو مُحْرِم بماء وسِدْر[11]، بقوله: «اغسلوه بماء وسدر وكفنوه». وأمر r قيس بن عاصم حين أسلم أن يغتسل بماء وسِدْر[12]، واغتسل النبي r بماء فيه أثر العجين[13]، وكان النبي r يغتسل، ويغسل رأسه بالخِطْمي، وهو جُنُب، ويجتزي بذلك[14].
وتحصل الغلبة في مخالطة المائعات: إما بظهور وصف واحد من مائع له وصفان فقط لا ثالث لهما، كلون فقط، أو طعم كاللَّبن (الحليب) الذي له اللون والطَّعْم، ولا رائحة له، فإن لم يوجدا جاز به الوضوء، وإن وجد أحدهما لم يجز به الوضوء.
وإما بظهور وصفين من مائع له ثلاثة أوصاف، كالخل الذي له لون وطعم وريح، فإن ظهر منه وصفان منعا صحة الوضوء، ولا يضر منها الوصف الواحد لقلته.
وإما بزيادة الوزن، فتكون الغلبة بالوزن في مخالطة الماء الذي لا وصف له (من لون أو طعم أو ريح) كالماء المستعمل وماء الورد المنقطع الرائحة، حيث إنه بالاستعمال لم يتغير له أحد الأوصاف الثلاثة، فتكون الغلبة بالوزن لعدم التمييز بالوصف لفقده، فإن اختلط رطلان مثلاً من الماء المستعمل أو ماء الورد المذكور برطل من الماء المطلق، لا يجوز به الوضوء، لغلبة غير الماء. أما لو حدث العكس: وهو كون الرطلين من الماء المطلق أكثر، فيجوز به الوضوء.
والرابع - الماء النجس: وهو الذي حلَّت به (وقعت) النجاسة، ولو بغالب الظن، وكان راكداً قليلاً، أي ليس جارياً. فإن لم يظهر أثر النجاسة فيه، أو كان جارياً وظهر فيه أثرها (والأثر: الطعم، أو اللون، أو الريح) فيكون نجساً.
وضابط القليل: ما كان في المساحة دون عشر في عشر في حوض مربع، أي من الأذرع[15]، أو كان ستة وثلاثين في مدوّر، وعمقه: أن يكون بحال لا تنكشف أرضه بالغَرْف منه، على الصحيح.
فإن كان الماء في حوض مربع عشراً في عشر، فلا ينجس إلا بظهور وصف النجاسة فيه.
والخامس - الماء المشكوك في طَهُوريته: وهو ماء شرب منه حمار أهلي أو بغل، أي فمن لم يجد غيره توضأ به وتيمم. والشك فيه بسبب اختلاف الصحابة في شأنه بين النجاسة والطهارة.
المبحث الثاني - حكم السؤر
تعريف السؤر وأنواعه وحكم كل نوع[16]
السؤر: الماء القليل الذي بقي بعد شرب الحيوان منه، وجمعه أسآر، والقليل كما تقدم: الذي يكون دون عشر في عشر، ولم يكن جارياً، وهو أربعة أنواع:
الأول - طاهر مطهر: وهو ما شرب منه آدمي إلا في حالة شرب الخمر ونحوه من النجاسة[17]، أو شرب منه فرس، فسؤر الفرس طاهر بالاتفاق، من غير كراهة، أو شرب منه حيوان يؤكل لحمه كالإبل والبقر والغنم، والطيور، من غير كراهة، إن لم تكن جَلاّلة تأكل الجَلَّة وهي في الأصل البَعْرة، وقد يكنى عن العَذِرة، فإن كانت جلاَّلة فسؤرها مكروه كالنوع الثالث. والجلالة: هي التي لا تأكل إلا النجاسة، حتى أنتن لحمها.
والثاني - نجس، لا يجوز استعماله، وهو ما شرب منه الكلب أو الخنزير، أو شيء من سباع البهائم، كالفَهْد والذِّئب، والضَّبُع، والنَّمر، والسَّبُع، والقرد، لتولد لعابها من لحمها، وهو نجس كلبنها.
والثالث - مكروه استعماله - مع وجود غيره - وهو سؤر الهرة[18]، والدجاجة المُخلاَّة[19]، وسباع الطير كالصقر والشاهين والحِدأة والفأرة، لا العَقْرب والخُنفس والصُّرصُر، لعدم نجاستها، فلا كراهة فيه.
والرابع - المشكوك في طهوريته، وهو سؤر البغل والحمار، فإن لم يجد المتطهر به، توضأ به وتيمم، ثم صلَّى. ويستحب غسل الأعضاء بعد ذلك بالماء لإزالة المشكوك فيه والمكروه.
المبحث الثالث - أحكام البئر وتطهيرها
أنواع الآبار وكيفية تطهيرها من النجاسة، وما لا يفسد الماء وما لا ينجس البئر، ووجود حيوان في البئر[20].
أنواع الآبار وقواعد طهارتها ونجاستها
البئر[21]: إما صغيرة، وإما كبيرة.
فإذا كانت البئر صغيرة: وهي ما دون عشر في عشر، فوقعت نجاسة فيها ولو كانت قليلة، كقطرة دم أو قطرة خمر، فلا تطهر، فينزح ماء البئر كله ، لأن قليل النجاسة ينجِّس قليل الماء، وإن لم يظهر أثر قليله فيه، حتى وإن لم تتغير أوصافه، وينزح ماء البئر أيضاً بوقوع خنزير، ولو خرج حياً، ولم يُصب الماء فمه، لنجاسة عينه.
وينزح ماء البئر بموت كلب فيه، لأنه غير نجس العين على الصحيح، فإذا لم يمت وخرج حياً، ولم يصل فمُه الماء لا ينجس.
وينزح بموت شاة أو موت آدمي فيها، لنزح ماء زمزم بموت زنجي بأمر ابن عباس وابن الزبير[22] رضي الله عنهما، بمحضر من الصحابة من غير إنكار أحد.
وكذا ينزح بوقوع حيوان فيه وانتفاخه أو تمعطه أو تفسخه، ولو كان صغيراً، لانتشار النجاسة.
وأما إن كانت البئر كبيرة ولم يمكن نزحها، فينزح مئتا دلو منها استحساناً لفعل السلف بتطهير الآبار بنزحها.
وإن ماتت فيها دجاجة أو هرة أو نحوهما في الجثة، ولم تنتفخ، مثل الحمامة، لزم نزح أربعين دلواً.
وإن ماتت فيها فأرة أو نحوها كعصفور ولم ينتفخ، لزم نزح عشرين دلواً. وفي الحمامة والدجاجة ونحوهما ينزح من أربعين إلى ستين دلواً وفي الآدمي والشاة والكلب جميع الماء.
وحينئذ يطهر البئر، والدلو، والرِّشاء (الحبل) ويد المستسقي.
وإن مات فيها حيوان دموي غير مائي كالشاة والكلب أو آدمي، وانتفخ أو تمعط أو تفسخ، ينزح كل مائها الذي كان فيها وقت الوقوع، بعد إخراجه، إلا إذا تعذر، فإن تعذر فينزح بقدر ما فيها وقت ابتداء النزح.