Page 1
الفكر السياسي عند الإباضية والزيدية
إن التحول السياسي للفكر الديني المعاصر أوجد هوة واسعة بين المجتمع والإسلام لما تمثله بعض المتلبسين به من فكر متشدد وإرهاب مقيت انعكس سلبًا على فهم الآخر لهذا الدين السمح فأصبح في نظرهم حين يذكر الإسلام هو ذلك الطائر المخيف الذي يقذف بإحدى جناحيه حمم العنف وبالآخر سهام الكراهية لمن في الوجود قاطبة ، ولذا كان لزامًا أن نصحح هذا المفهوم وتلك الصورة الخاطئة المختزلة في أذهان الكثيرين من خلال إبراز مكنون الحضارة الإسلامية في فكرها السياسي ( الإباضي والزيدي ) البعيد عن ترهات المنتسبين ومغالاتهم لتعرف الدنيا مدى سماحة المسلمين وتسامح دينهم في مشروع حوار الحضارات الذي نسعى إليه جميعًا .
المؤلف
مقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وصحبه ومن سار في هديه إلى يوم الدين
أما بعد :
فلقد سجل التاريخ الإنساني خروج أمة ذات عقيدة راسخة, وفكر متجدد, وحضارة شامخة, وانطلاقة واسعة, بيدها دستور الحياة تحمله لبني الإنسان, لتملأ البشرية جمعاء هداية ونورا ورحمة ومحبة, فتغير بهذه الأمة وجه الإنسانية الشاحب, وسمت بهذه العقيدة نفوس أفرادها, عندما رأوا كمال نظمها وصفاء معتقدها، فآمنوا وصدقوا وأذعنوا وانقادوا, فبرزت لأول مرة في تأريخ البشرية حضارة, جمعت كل الحضارات, وأمة احتضنت كافة الأمم, ودستور انضوى تحت لوائه كل شرائح المجتمعات الإنسانية وطبقاتها, وبذلك كمل الإسلام في مبناه كما كمل في معناه.
إلا أن الناس لا يزالون مختلفين ولذلك خلقهم الله تعالى, فما كاد النبي الكريم ( ينتقل إلى الرفيق الأعلى, وتمضي سنة الخلفاء المهديين, حتى انطلقت شرارة الانقسام السياسي والفكري, فتعصف بتلك الحضارة ليتولد عنها المغالي في دينه, أو النابذ لأصوله.
وبين هؤلاء وهؤلاء تظهر فرقتا الإباضية والزيدية, لتبدأ معها الحضارة الإسلامية انطلاقة جديدة, وتشهد ساحتها تحولا ملحوظا وخاصة في فكرها السياسي. والذي نتناوله من خلال هذه الأطروحة التي جاءت لتخرج مكنون هاتين الفرقتين, وتفصل مبادئهما, وتوضح مدى التقارب الكبير بين فكريهما السياسي , الذي هو جزء من تقاربهما العقدي الكبير.
إن التحول السياسي للفكر الديني المعاصر أوجد هوة واسعة بين المجتمع والإسلام لما تمثله بعض المتلبسين به من فكر متشدد وإرهاب مقيت انعكس سلبًا على فهم الآخر لهذا الدين السمح فأصبح في نظرهم حين يذكر الإسلام هو ذلك الطائر المخيف الذي يقذف بإحدى جناحيه حمم العنف وبالآخر سهام الكراهية لمن في الوجود قاطبة ، ولذا كان لزامًا أن نصحح هذا المفهوم وتلك الصورة الخاطئة المختزلة في أذهان الكثيرين من خلال إبراز مكنون الحضارة الإسلامية في فكرها السياسي ( الإباضي والزيدي ) البعيد عن ترهات المنتسبين ومغالاتهم لتعرف الدنيا مدى سماحة المسلمين وتسامح دينهم في مشروع حوار الحضارات الذي نسعى إليه جميعًا .
المؤلف
مقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وصحبه ومن سار في هديه إلى يوم الدين
أما بعد :
فلقد سجل التاريخ الإنساني خروج أمة ذات عقيدة راسخة, وفكر متجدد, وحضارة شامخة, وانطلاقة واسعة, بيدها دستور الحياة تحمله لبني الإنسان, لتملأ البشرية جمعاء هداية ونورا ورحمة ومحبة, فتغير بهذه الأمة وجه الإنسانية الشاحب, وسمت بهذه العقيدة نفوس أفرادها, عندما رأوا كمال نظمها وصفاء معتقدها، فآمنوا وصدقوا وأذعنوا وانقادوا, فبرزت لأول مرة في تأريخ البشرية حضارة, جمعت كل الحضارات, وأمة احتضنت كافة الأمم, ودستور انضوى تحت لوائه كل شرائح المجتمعات الإنسانية وطبقاتها, وبذلك كمل الإسلام في مبناه كما كمل في معناه.
إلا أن الناس لا يزالون مختلفين ولذلك خلقهم الله تعالى, فما كاد النبي الكريم ( ينتقل إلى الرفيق الأعلى, وتمضي سنة الخلفاء المهديين, حتى انطلقت شرارة الانقسام السياسي والفكري, فتعصف بتلك الحضارة ليتولد عنها المغالي في دينه, أو النابذ لأصوله.
وبين هؤلاء وهؤلاء تظهر فرقتا الإباضية والزيدية, لتبدأ معها الحضارة الإسلامية انطلاقة جديدة, وتشهد ساحتها تحولا ملحوظا وخاصة في فكرها السياسي. والذي نتناوله من خلال هذه الأطروحة التي جاءت لتخرج مكنون هاتين الفرقتين, وتفصل مبادئهما, وتوضح مدى التقارب الكبير بين فكريهما السياسي , الذي هو جزء من تقاربهما العقدي الكبير.
Page 2
أسباب اختيار الموضوع :
لقد كان لاختياري لعنوان (الفكر السياسي بين الإباضية والزيدية) عدة أسباب أهمها:
1- أن هاتين الفرقتين ظهرتا في أوقات متقاربة وفي ظروف متشابهة ولدواعي متوافقة.
2- أن فكر الزيدية والإباضية فكر غني وثري يحتاج إلى من يظهره في قالبه الوحدوي, وإطاره الإسلامي في ظل حضارة الإسلام الشامخة الممتدة.
3- أن دراسة الفكر السياسي ما زالت في مرحلتها الوليدة وانطلاقتها الأولى لتخرج من عموميتها إلى خصوصية كل فرقة وما يجمعها مع غيرها لنساهم في مشروع الوحدة الحضارية والفكرية والإسلامية.
4- أن المرحلة المقبلة من حضارتنا الإسلامية في حاجة ماسة إلى دراسة الفكر السياسي, لنقرب البعيد, ونوضح الصورة المشرقة لهذا الدين, بعيدا عن مغالات منتسب أو تشويه مخالف.
5- أن هذه الرسالة إضافة جديدة في مشروع عمارة المكتبة الإسلامية التي نسعى جميعا إلى إثرائها بمختلف ألوان وصنوف الفكر المنبثق من الكتاب والسنة شرعة ومنهاجا.
منهج الباحث :
لقد سلكت في إعداد هذه الأطروحة عدة طرق ومن أهمها :
1. لقد آثرت الاعتماد أولا وأخيرا على القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة، لأن هذين المصدرين هما اللذان استقى منهما الإباضية والزيدية منهجهما في بناء العقائد والسلوك في الحياة.
2. اعتمدت على المصادر والمراجع الأساسية في كلتا الفرقتين القديم منها والحديث
3. أخذت بالمنهج التاريخي حيث اعتمدت عليه بمصادره ومراجعه ومؤلفاته لكبار المفكرين .
4. اتبعت في البحث المنهج التحليلي وذلك من خلال جمع الآراء والمقاربة بينها والموازنة حيث استنتجت منها ما هو أقرب إلى الواقع وأدنى إلى الحقيقة في نظري
خطة البحث :
قسمت هذه الأطروحة إلى مقدمة وثلاثة أبواب وخاتمة جاءت على النحو التالي:
• المقدمة: تحدثت فيها عن أهمية الموضوع وأسباب اختياره ومنهجي في هذه الأطروحة.
• الباب الأول : أثر الفكر السياسي في نشأة الاباضية والزيدية وبه ثلاثة فصول:
• الفصل الأول: الفكر السياسي النشأة والتطور.
• الفصل الثاني: ظهور المدرسة الاباضية وأثرها على مجريات الفكر السياسي.
• الفصل الثالث: نشأة المدرسة الزيدية في ظل التطور السياسي.
• الباب الثاني : الإمامة عند الإباضية والزيدية وبه ستة فصول :
• الفصل الأول: الإمامة وحاجة الأمة إلى تنصيب إمام.
• الفصل الثاني: أقسام الإمامة وتعدد الأئمة.
• الفصل الثالث: الإمامة بين الفاضل والمفضول.
• الفصل الرابع: تنصيب الإمام وشروطه بين المدرستين.
• الفصل الخامس: حقوق الإمام وواجباته.
• الفصل السادس: موجبات خلع الإمام (أسباب عزل الإمام واعتزاله).
• الباب الثالث : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وموقف المدرستين منه وبه فصلان:
• الفصل الأول: تعريف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتلازمهما والحاجة اليهما.
• الفصل الثاني: شروط الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر وصفاته وما يتعلق بذلك عند المدرستين.
• الخاتمة: وبها أهم نتائج البحث.
• ثم الملاحق والمصادر .
لقد كان لاختياري لعنوان (الفكر السياسي بين الإباضية والزيدية) عدة أسباب أهمها:
1- أن هاتين الفرقتين ظهرتا في أوقات متقاربة وفي ظروف متشابهة ولدواعي متوافقة.
2- أن فكر الزيدية والإباضية فكر غني وثري يحتاج إلى من يظهره في قالبه الوحدوي, وإطاره الإسلامي في ظل حضارة الإسلام الشامخة الممتدة.
3- أن دراسة الفكر السياسي ما زالت في مرحلتها الوليدة وانطلاقتها الأولى لتخرج من عموميتها إلى خصوصية كل فرقة وما يجمعها مع غيرها لنساهم في مشروع الوحدة الحضارية والفكرية والإسلامية.
4- أن المرحلة المقبلة من حضارتنا الإسلامية في حاجة ماسة إلى دراسة الفكر السياسي, لنقرب البعيد, ونوضح الصورة المشرقة لهذا الدين, بعيدا عن مغالات منتسب أو تشويه مخالف.
5- أن هذه الرسالة إضافة جديدة في مشروع عمارة المكتبة الإسلامية التي نسعى جميعا إلى إثرائها بمختلف ألوان وصنوف الفكر المنبثق من الكتاب والسنة شرعة ومنهاجا.
منهج الباحث :
لقد سلكت في إعداد هذه الأطروحة عدة طرق ومن أهمها :
1. لقد آثرت الاعتماد أولا وأخيرا على القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة، لأن هذين المصدرين هما اللذان استقى منهما الإباضية والزيدية منهجهما في بناء العقائد والسلوك في الحياة.
2. اعتمدت على المصادر والمراجع الأساسية في كلتا الفرقتين القديم منها والحديث
3. أخذت بالمنهج التاريخي حيث اعتمدت عليه بمصادره ومراجعه ومؤلفاته لكبار المفكرين .
4. اتبعت في البحث المنهج التحليلي وذلك من خلال جمع الآراء والمقاربة بينها والموازنة حيث استنتجت منها ما هو أقرب إلى الواقع وأدنى إلى الحقيقة في نظري
خطة البحث :
قسمت هذه الأطروحة إلى مقدمة وثلاثة أبواب وخاتمة جاءت على النحو التالي:
• المقدمة: تحدثت فيها عن أهمية الموضوع وأسباب اختياره ومنهجي في هذه الأطروحة.
• الباب الأول : أثر الفكر السياسي في نشأة الاباضية والزيدية وبه ثلاثة فصول:
• الفصل الأول: الفكر السياسي النشأة والتطور.
• الفصل الثاني: ظهور المدرسة الاباضية وأثرها على مجريات الفكر السياسي.
• الفصل الثالث: نشأة المدرسة الزيدية في ظل التطور السياسي.
• الباب الثاني : الإمامة عند الإباضية والزيدية وبه ستة فصول :
• الفصل الأول: الإمامة وحاجة الأمة إلى تنصيب إمام.
• الفصل الثاني: أقسام الإمامة وتعدد الأئمة.
• الفصل الثالث: الإمامة بين الفاضل والمفضول.
• الفصل الرابع: تنصيب الإمام وشروطه بين المدرستين.
• الفصل الخامس: حقوق الإمام وواجباته.
• الفصل السادس: موجبات خلع الإمام (أسباب عزل الإمام واعتزاله).
• الباب الثالث : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وموقف المدرستين منه وبه فصلان:
• الفصل الأول: تعريف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتلازمهما والحاجة اليهما.
• الفصل الثاني: شروط الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر وصفاته وما يتعلق بذلك عند المدرستين.
• الخاتمة: وبها أهم نتائج البحث.
• ثم الملاحق والمصادر .
Page 3
الباب الأول
أثر الفكر السياسي في نشأة الإباضية والزيدية
الفصل الأول
الفكر السياسي النشأة والتطور
المبحث الأول : حاجة المجتمع الإنساني إلى السياسة التشريعية:
تعد السياسة قرينة المجتمع منذ نشأته الأولى إذ من دواعي وجود الإنسان على الأرض تحقيق مبدأ الإستخلاف وتمكينه من ممارسة دوره في الحياة التي خلق من أجلها إعماراً بشريا بالتناسل والتكاثر وتعميراً ماديا بالبناء للحضارة والتشييد لجسورها المتواصلة عبر الأجيال المتتابعة وهذا ما قرره الحق سبحانه وتعالى في كتابه العزيز عند مخاطبته لملائكته: ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَـاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَـالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ )(1)، ولفظ "خليفة" في الآية الكريمة يعني من يخلف غيره(2)، باعتبار أن الأرض كانت مسكنا لأحياء قبل الإنسان قيل الملائكة وقيل غيرهم ولذلك يقول الحق سبحانه: (ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ) (3)، أو أن المعنى خليفة عني(4) - أي عن الله تَعَالَى - وأيا كان المعنى إلا أن المراد أن هذه الخلافة المتحققة للإنسان مما دلت عليه الآية الكريمة تشير بوضوح إلى التلازم الكبير بين المجتمع والسياسة إذ الخلافة لا تتحقق إلا بتنظيم في إطار الثالوث "الشعب - الأرض - السلطة" فلا يستطيع الفرد أن يعيش بمنأي عن الجماعة فهو مدني بطبعه كما أن حياة الجماعة لا تتحقق إلا بالنظام وهو جوهر الاستخلاف المقصود في الآية الكريمة السابقة فهي دورة تكاملية التكامل فيها "بين عالم الغيب وعالم الشهادة وبين عالم الجماد وعالم الحياة وبين الطبيعة والإنسان وبين شأن الدنيا وشأن الآخرة وبين الالتزام الأخلاقي والإلتزام القانوني الحقوقي والالتزام السياسي لدى الإنسان المسلم"(5) ، ولذلك عبر الشاعر قديما عن هذا المفهوم بفطرته البشرية قائلاً:
لا يصلح الناس فوضى لاسراة لهم
ولا ســراة إذا جهالهـم ســـادوا
تبقى الأمور بأهل الرأي ما صلحت
فإن تولت فبالأشــرار تنقـــاد(6)
إن التكامل التنظيمي بين المجتمع والسياسة لا يتحقق إلا بوجود القانون المشرع والمسير للنظام في مختلف جوانبه الإجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها إذ "إن الدولة باعتبارها صورة من صور المجتمع السياسي كما يشترط لقيامها توافر العناصر المادية الثلاثة - الشعب، الأرض، السلطة - فإنه يشترط لكي يعد مجتمعا سياسيا ما دولة إن يتوافر كذلك عنصر معنوي هو أن تكون السيادة في هذا المجتمع للقانون"(7)، وقانون بهذه الأهمية لا بد أن يكون دقيقا بحيث لا يختل توازن المجتمع حال تطبيقه ولا تتعارض ظروف الأمة مع فقراته وبنوده أو نصوصه وأحكامه في كل عصر ومصر وتاريخ البشرية يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن الوحي الإلهي هو القانون الوحيد الذي يستطيع تحقيق أهداف البشرية عبر رسالات السماء المتلاحقة والمتتابعة فأول كائن بشري عرفه التاريخ وأكدته الحقائق هو آدم - عليه السلام - وهو في ذات الوقت نبي مرسل إلى بنيه يعلمهم ما علمه الله من الأسماء والأحكام ويرسم لهم معالم الهداية لمستقبل الإنسانية حينها بشريعة محدودة بزمان نسختها شرائع متلاحقة لأمم مختلفة وأجيال متعاقبة جاء بها الأنبياء والرسل من بعده قال تَعَالَى: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً، وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً، رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً) (8)، حتى جاءت الرسالة الخاتمة بنبي خاتم - محمد ( - وشريعة خاتمه (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً)(9)، شريعة جمعت شرائع الأمم وتجاربها بينة في فروعها ثابتة في أصولها عامة شاملة في مميزاتها.
ولا يفوتني وأنا أتحدث عن هذا الجانب التاريخي أن أنبه إلى حقيقة مهمة وهي أن شريعة الله تَعَالَى إلى الإنسانية لا تعني جمود الفكر السياسي عند إطار معين بل هي مرنة يستطيع عقلاء البشر أن يسJتلهموا ويستنبطوا منها ما يصلح لمجتمعهم وظروف حياتهم إذ رفع التكليف منمقرراتالتيسير في الدين (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا)(10) ، وهذه الميزة في شريعة النبي محمد ( تنجلي واضحة بينة.
إن المهم في هذه النبذة التاريخية القصيرة عن التشريع الإلهي ومميزاته أن نؤكد أن التشريع الإلهي هو واسطة الميزان بين كفتي المجتمع والسياسة إذ لا ينتظـم مجتمع بدون سـياسة ولا تصـلح سياسة بدون تشـريع يحكمها ولا يختلف على ذلك أحد من العقلاء في إطار المحافظة على [المال والنفس والعرض والدين والعقل].
أثر الفكر السياسي في نشأة الإباضية والزيدية
الفصل الأول
الفكر السياسي النشأة والتطور
المبحث الأول : حاجة المجتمع الإنساني إلى السياسة التشريعية:
تعد السياسة قرينة المجتمع منذ نشأته الأولى إذ من دواعي وجود الإنسان على الأرض تحقيق مبدأ الإستخلاف وتمكينه من ممارسة دوره في الحياة التي خلق من أجلها إعماراً بشريا بالتناسل والتكاثر وتعميراً ماديا بالبناء للحضارة والتشييد لجسورها المتواصلة عبر الأجيال المتتابعة وهذا ما قرره الحق سبحانه وتعالى في كتابه العزيز عند مخاطبته لملائكته: ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَـاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَـالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ )(1)، ولفظ "خليفة" في الآية الكريمة يعني من يخلف غيره(2)، باعتبار أن الأرض كانت مسكنا لأحياء قبل الإنسان قيل الملائكة وقيل غيرهم ولذلك يقول الحق سبحانه: (ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ) (3)، أو أن المعنى خليفة عني(4) - أي عن الله تَعَالَى - وأيا كان المعنى إلا أن المراد أن هذه الخلافة المتحققة للإنسان مما دلت عليه الآية الكريمة تشير بوضوح إلى التلازم الكبير بين المجتمع والسياسة إذ الخلافة لا تتحقق إلا بتنظيم في إطار الثالوث "الشعب - الأرض - السلطة" فلا يستطيع الفرد أن يعيش بمنأي عن الجماعة فهو مدني بطبعه كما أن حياة الجماعة لا تتحقق إلا بالنظام وهو جوهر الاستخلاف المقصود في الآية الكريمة السابقة فهي دورة تكاملية التكامل فيها "بين عالم الغيب وعالم الشهادة وبين عالم الجماد وعالم الحياة وبين الطبيعة والإنسان وبين شأن الدنيا وشأن الآخرة وبين الالتزام الأخلاقي والإلتزام القانوني الحقوقي والالتزام السياسي لدى الإنسان المسلم"(5) ، ولذلك عبر الشاعر قديما عن هذا المفهوم بفطرته البشرية قائلاً:
لا يصلح الناس فوضى لاسراة لهم
ولا ســراة إذا جهالهـم ســـادوا
تبقى الأمور بأهل الرأي ما صلحت
فإن تولت فبالأشــرار تنقـــاد(6)
إن التكامل التنظيمي بين المجتمع والسياسة لا يتحقق إلا بوجود القانون المشرع والمسير للنظام في مختلف جوانبه الإجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها إذ "إن الدولة باعتبارها صورة من صور المجتمع السياسي كما يشترط لقيامها توافر العناصر المادية الثلاثة - الشعب، الأرض، السلطة - فإنه يشترط لكي يعد مجتمعا سياسيا ما دولة إن يتوافر كذلك عنصر معنوي هو أن تكون السيادة في هذا المجتمع للقانون"(7)، وقانون بهذه الأهمية لا بد أن يكون دقيقا بحيث لا يختل توازن المجتمع حال تطبيقه ولا تتعارض ظروف الأمة مع فقراته وبنوده أو نصوصه وأحكامه في كل عصر ومصر وتاريخ البشرية يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن الوحي الإلهي هو القانون الوحيد الذي يستطيع تحقيق أهداف البشرية عبر رسالات السماء المتلاحقة والمتتابعة فأول كائن بشري عرفه التاريخ وأكدته الحقائق هو آدم - عليه السلام - وهو في ذات الوقت نبي مرسل إلى بنيه يعلمهم ما علمه الله من الأسماء والأحكام ويرسم لهم معالم الهداية لمستقبل الإنسانية حينها بشريعة محدودة بزمان نسختها شرائع متلاحقة لأمم مختلفة وأجيال متعاقبة جاء بها الأنبياء والرسل من بعده قال تَعَالَى: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً، وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً، رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً) (8)، حتى جاءت الرسالة الخاتمة بنبي خاتم - محمد ( - وشريعة خاتمه (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً)(9)، شريعة جمعت شرائع الأمم وتجاربها بينة في فروعها ثابتة في أصولها عامة شاملة في مميزاتها.
ولا يفوتني وأنا أتحدث عن هذا الجانب التاريخي أن أنبه إلى حقيقة مهمة وهي أن شريعة الله تَعَالَى إلى الإنسانية لا تعني جمود الفكر السياسي عند إطار معين بل هي مرنة يستطيع عقلاء البشر أن يسJتلهموا ويستنبطوا منها ما يصلح لمجتمعهم وظروف حياتهم إذ رفع التكليف منمقرراتالتيسير في الدين (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا)(10) ، وهذه الميزة في شريعة النبي محمد ( تنجلي واضحة بينة.
إن المهم في هذه النبذة التاريخية القصيرة عن التشريع الإلهي ومميزاته أن نؤكد أن التشريع الإلهي هو واسطة الميزان بين كفتي المجتمع والسياسة إذ لا ينتظـم مجتمع بدون سـياسة ولا تصـلح سياسة بدون تشـريع يحكمها ولا يختلف على ذلك أحد من العقلاء في إطار المحافظة على [المال والنفس والعرض والدين والعقل].
Page 4
إن المتمعن في كتاب الله تَعَالَى يجد الرباط العجيب بين المجتمع والدين والسياسة في تعامل القرآن الكريم مع الموافقين والمخالفين في الأحكام والتشريعات "بل أن الله تَعَالَى علمنا في القرآن وكشف لنا عن العلاقة السببية من جهة والتفاعلية - التكاملية - من جهة أخرى بين عقيدة التوحيد وبين خلافة الإنسان في الأرض.
إن هذه الموائمة بين المجتمع والسياسية والدين تعطي التصور الجوهري الذي يمكن الخلوص إليه من هذه المقدمة فالسياسة نتاج طبيعي عن تداخل المجتمع وتمازج أفراده في إطار المصلحة المشتركة والمنافع المتبادلة والدين هو الموجه لهذه السياسة يصيغ لها القانون وينظم السلوك ويرشد إلى الجوانب الخفية على العقل البشري التي لم ولن يصل إليها العقل مستقلا في تفكيره كما يقوم الدين بتحديد الإطار ووضع السياج لحماية الدولة كما يتيح للجميع ممارسة الحياة في إطار أخلاق السياسة "الحرية ، المساواة ، الشورى" ولعلنا بنظرة سريعة في مجتمع الجاهلية السياسي نستطيع أن نتعرف على هذه الموائمة باعتبار أن العصر الجاهلي هو بداية تدوين التاريخ العربي الذي هو مناط هذا البحث.
المبحث الثاني: الحياة السياسية للجزيرة العربية قبيل الإسلام
تعد الجزيرة العربية مهد الفكر السياسي الإسلامي المعاصر كما أنها منشأ الدين الحنيف ولذلك لا بد من إلقاء نظرة سريعة على هذه الرقعة لنتعرف على الظروف التي هيأت الدولة الإسلامية وأحوال مجتمعاته قبل الإسلام.
جغرافية الجزيرة العربية:
شبه الجزيرة العربية تحيط بها المياه من ثلاثة جهات من بحر القلزم - البحر الأحمر - إلى الخليج العربي إلى خليج عمان وما سوى ذلك فهي أرض منبسطة ممتدة الأطراف مجراها من الشمال بلاد الشام ومن أقصى الجنوب بلاد اليمن وفي الجنوب الشرقي عمان.
وهي مناطق يغلب عليها البداوة ما عدا حواضر مكة وعمان واليمن باعتبار مواقعها التجارية حيث أن عادة العرب البحث عن رغيد العيش والكلأ والمرعى ولقد كانت مكة عاصمة تجارية لارتباطها بالبيت الحرام وعمان واليمن كذلك لتقاسمهما المواقع الاستراتيجية التي تتيح حرية التجارة وكذلك اشتمالها على مقومات الحضارة من وفرة المياه وخصوبة الأرض وغيرها.
ســكانها:
تشير المصادر التاريخية إلى أن العرب قبل الإسلام كانوا على ثلاثة أنماط:
1] العرب العاربه: وهم من "أبناء سام بن نوح"(11) وهم القحطانيون عاشوا باليمن وتفرقوا إلى عُمان وبلدان شتى في الجزيرة العربية.
2] العرب المستعربة: وهم من نسل إبراهيم عليه السلام وإسماعيل وهم العدنانيون عاشوا بمكة وتفرقوا بالحجاز ومنهم من ذهب إلى عُمان.
3] العرب البائدة: وهم طسم وجديس وثمود وعاد وقيل سكنوا عمان بالأحقاف(12) وزاد ابن خلدون العرب المستعجمه وهم الذين خالطوا الأعاجم من الفرس والرومان واخذوا عنهم يقول ابن خلدون: "ولما كانت لغتهم مستعجمة على اللسان المضري الذي نزل به القرآن وهو لسان سلفهم سميناهم لذلك العرب المستعجمه فهذه أجيال العرب منذ مبدأ الخليقة ولهذا العهد في أربع طبقات متعاقبة"(13).
عقيدتهم وثقافتهم :
يختلف العرب في مستواهم الثقافي قبل الإسلام فأولئك الذين احتكوا بالأمم وسافروا إلى الممالك بقصد التجارة وغيرها استطاعوا أن يأخذوا عنهم الكتابة والقراءة ويتثقفوا بثقافاتهم وهم قلة قليلة وأما السواد الأعظم فهم أميون لا يجيدون الكتابة ولا يحسنون القراءة وإنما يعيشون على السليقة والفطرة.
إن هذه الموائمة بين المجتمع والسياسية والدين تعطي التصور الجوهري الذي يمكن الخلوص إليه من هذه المقدمة فالسياسة نتاج طبيعي عن تداخل المجتمع وتمازج أفراده في إطار المصلحة المشتركة والمنافع المتبادلة والدين هو الموجه لهذه السياسة يصيغ لها القانون وينظم السلوك ويرشد إلى الجوانب الخفية على العقل البشري التي لم ولن يصل إليها العقل مستقلا في تفكيره كما يقوم الدين بتحديد الإطار ووضع السياج لحماية الدولة كما يتيح للجميع ممارسة الحياة في إطار أخلاق السياسة "الحرية ، المساواة ، الشورى" ولعلنا بنظرة سريعة في مجتمع الجاهلية السياسي نستطيع أن نتعرف على هذه الموائمة باعتبار أن العصر الجاهلي هو بداية تدوين التاريخ العربي الذي هو مناط هذا البحث.
المبحث الثاني: الحياة السياسية للجزيرة العربية قبيل الإسلام
تعد الجزيرة العربية مهد الفكر السياسي الإسلامي المعاصر كما أنها منشأ الدين الحنيف ولذلك لا بد من إلقاء نظرة سريعة على هذه الرقعة لنتعرف على الظروف التي هيأت الدولة الإسلامية وأحوال مجتمعاته قبل الإسلام.
جغرافية الجزيرة العربية:
شبه الجزيرة العربية تحيط بها المياه من ثلاثة جهات من بحر القلزم - البحر الأحمر - إلى الخليج العربي إلى خليج عمان وما سوى ذلك فهي أرض منبسطة ممتدة الأطراف مجراها من الشمال بلاد الشام ومن أقصى الجنوب بلاد اليمن وفي الجنوب الشرقي عمان.
وهي مناطق يغلب عليها البداوة ما عدا حواضر مكة وعمان واليمن باعتبار مواقعها التجارية حيث أن عادة العرب البحث عن رغيد العيش والكلأ والمرعى ولقد كانت مكة عاصمة تجارية لارتباطها بالبيت الحرام وعمان واليمن كذلك لتقاسمهما المواقع الاستراتيجية التي تتيح حرية التجارة وكذلك اشتمالها على مقومات الحضارة من وفرة المياه وخصوبة الأرض وغيرها.
ســكانها:
تشير المصادر التاريخية إلى أن العرب قبل الإسلام كانوا على ثلاثة أنماط:
1] العرب العاربه: وهم من "أبناء سام بن نوح"(11) وهم القحطانيون عاشوا باليمن وتفرقوا إلى عُمان وبلدان شتى في الجزيرة العربية.
2] العرب المستعربة: وهم من نسل إبراهيم عليه السلام وإسماعيل وهم العدنانيون عاشوا بمكة وتفرقوا بالحجاز ومنهم من ذهب إلى عُمان.
3] العرب البائدة: وهم طسم وجديس وثمود وعاد وقيل سكنوا عمان بالأحقاف(12) وزاد ابن خلدون العرب المستعجمه وهم الذين خالطوا الأعاجم من الفرس والرومان واخذوا عنهم يقول ابن خلدون: "ولما كانت لغتهم مستعجمة على اللسان المضري الذي نزل به القرآن وهو لسان سلفهم سميناهم لذلك العرب المستعجمه فهذه أجيال العرب منذ مبدأ الخليقة ولهذا العهد في أربع طبقات متعاقبة"(13).
عقيدتهم وثقافتهم :
يختلف العرب في مستواهم الثقافي قبل الإسلام فأولئك الذين احتكوا بالأمم وسافروا إلى الممالك بقصد التجارة وغيرها استطاعوا أن يأخذوا عنهم الكتابة والقراءة ويتثقفوا بثقافاتهم وهم قلة قليلة وأما السواد الأعظم فهم أميون لا يجيدون الكتابة ولا يحسنون القراءة وإنما يعيشون على السليقة والفطرة.
Page 5
أما عقيدة العرب فبحكم اختلاطهم مع الروم من جهة والفرس من جهة أخرى امتزجت عقائدهم بين النصرانية والمجوسية والوثنية وبالرغم من جوارهم لليهود إلا أنهم لم يتهودوا للجفاء القائم بينهم واليهود منذ قبل الإسلام ولطبيعة اليهود الاستبدادية وعزلتهم الإجتماعية إلا أن بعض الباحثين يشير إلى وجود الديانة اليهودية عند عرب اليمن ويعزون سبب اعتناق ملوك اليمن لليهودية لرغبتهم مخالفة جيرانهم الأحباش الذين يعتنقون المسيحية(14).
أما القلة القليلة منهم فبقوا على الحنيفية السمحة وهي ملة إبراهيم - عليه السلام - وذلك في ما تشير إليه المصادر التاريخية(15) ومن هؤلاء ورقة بن نوفل وسعيد بن زيد وغيرهما.
الحالة السياسة للعرب قبيل الإسلام:
إن الحياة المتقلبة والتي كان يعيشها العرب قبل الإسلام بين البداوة والحضارة لم تستقر في حالة سياسية منتظمة إلا في بعض فتراتها وفي مناطق محدودة منها مثل مملكة سبأ التي أشار إليها القرآن الكريم(16) وقبلها إرم التي يعتقد وجودها في صحراء جنوب عمان بمنقطة شصر على تقدير البعثات الاستكشافية و "مملكة حمير اليمنية"(17).
أما غالب الحياة السياسية فكانت تعتمد على التسيير الجماعي "فلم يكن العرب على الحقيقة ينتظمون في جماعة لها كيانها المستقل وإنما كانوا أمة بلا أرض محدودة وبلا سلطة إلا سلطة القبائل وسلطة رؤسائها"(18) ولهذا فإن حلقات السياسة العربية قبيل الإسلام لم تتبلور حول توجه معين سوى ما يحقق رخاء وطمأنينة قبيلة ما وما تحققه القبيلة من إنتصارات على خصومها في معترك عسكري اعتمد على الكر والفر في خضم حياة السلب والنهب وإنتصار القوي على الضعيف ولعل ذلك ما دفع ابن خلدون أن يجزم بأن أمة العرب أبعد الأمم عن سياسة الملك ويعلل ذلك بقوله: "والسبب في ذلك لأنهم أكثر بداوة من سائر الأمم وأبعد مجالا في القفر وأغنى عن حاجات التلول وحبوبها لاعتيادهم الشظف وخشونة العيش فاستغنوا عن غيرهم فصعب انقياد بعضهم لبعض"(19) - ويضيف ابن خلدون سببا آخر في خضم حديثه عن سياسة الملك عند العرب فيقول: "وأيضا فأن من طبيعتهم كما قدمناه أخذ ما في أيدي الناس خاصة والتجافي عما سوى ذلك من الأحكام بينهم ودفاع بعضهم عن بعض فإذا ملكوا أمة من الأمم جعلوا غاية ملكهم الانتفاع بأخذ ما في أيديهم وتركوا ما سوى ذلك من الأحكام بينهم"(20).
إلا أن حكم ابن خلدون هذا ينطبق على حياة البداوة التي أشار إليها ومع ذلك فإن هذه الحياة لم تخلو من نظام سياسي السلطة فيه للقبيلة والأعراف التي إصطلح عليها أهل العشائر بينهم وهي بمثابة القوانين السلطوية التي تحكم وتنظم التسيير الجماعي(21) ومثل مكة التي تعتبر حاضرة البدو والتي تأثرت بحكم علاقاتها التجارية ومكانتها الدينية "بسوريا الرومانية البيزنطية وبالعراق الساسانية وباليمن"(22).
أما الحواضر الأخرى كاليمن وعمان فكانت لها انظمتها وقوانينها المستمدة من تجربتها العريقة وحضارتها الضاربة في القدم وكذلك ممارستها السياسية المتقلبة فاليمن قبيل الإسلام كانت تعيش تحت وطأة الدولة الحميرية إلا أن أحد ملوكها ويدعى "ذونواس" اعتنق اليهودية لسبب ما فأخذ يعمل السيف والحرق في أتباع الديانة النصرانية بنجران وهو صاحب الأخدود الذي ذكر الله تَعَالَى قصته في سورة البروج فسلط الله تَعَالَى عليه الأحباش فقتلوه وجيشه واستولوا على مملكته واعملوا فيها الخراب والهدم ثم احتكم أمر اليمن إلى أبرهة الأشرم الذي كان مقتله على يد سيف بن ذي يزن بعد حادثة عام الفيل وسمي بالفيل حين أراد أبرهة هدم الكعبة المشرفة بفيلته فرده الله خائبا وهو العام الذي ولد فيه النبي صلى الله عليه وسلم (23) ثم كان هلاك سيف بن ذي يزن على يد الفرس الذين بقوا فيها حتى ظهور الإسلام.
أما عمان فبحكم موقعها الاستراتيجي كانت مطمعا لأمم شتى فهي تقع أقصى الجنوب الشرقي للجزيرة العربية "وعند شواطئها تنتهي الحدود الشرقية للوطن العربي المطلة على المحيط الهندي الاستراتيجي الذي يربط الشواطيء الإفريقية بشواطيء المحيط الهادي"(24) هذا الموقع أتاح لعمان مكانة مرموقة في التاريخ القديم والحديث كما اشتهر أهلها بالملاحة البحرية فراجت التجارة العمانية التي أمتدت إلى بلاد الهند ثم الصين وبلاد الشام وغيرها وتزخر عمان بالمقومات الإقتصادية مثل النحاس ولذلك سميت في القديم "مجان" أي بلاد النحاس وأرض عمان خصبة فالجبل الأخضر في عمان والذي يرتفع عن سطح الأرض أكثر من ثمانية آلاف متر يعد أعمر جهات عمان وأخصبها(25) ولذلك كانت الفرس تسمى عمان "مزون" ولذلك يقول الشاعر:
أما القلة القليلة منهم فبقوا على الحنيفية السمحة وهي ملة إبراهيم - عليه السلام - وذلك في ما تشير إليه المصادر التاريخية(15) ومن هؤلاء ورقة بن نوفل وسعيد بن زيد وغيرهما.
الحالة السياسة للعرب قبيل الإسلام:
إن الحياة المتقلبة والتي كان يعيشها العرب قبل الإسلام بين البداوة والحضارة لم تستقر في حالة سياسية منتظمة إلا في بعض فتراتها وفي مناطق محدودة منها مثل مملكة سبأ التي أشار إليها القرآن الكريم(16) وقبلها إرم التي يعتقد وجودها في صحراء جنوب عمان بمنقطة شصر على تقدير البعثات الاستكشافية و "مملكة حمير اليمنية"(17).
أما غالب الحياة السياسية فكانت تعتمد على التسيير الجماعي "فلم يكن العرب على الحقيقة ينتظمون في جماعة لها كيانها المستقل وإنما كانوا أمة بلا أرض محدودة وبلا سلطة إلا سلطة القبائل وسلطة رؤسائها"(18) ولهذا فإن حلقات السياسة العربية قبيل الإسلام لم تتبلور حول توجه معين سوى ما يحقق رخاء وطمأنينة قبيلة ما وما تحققه القبيلة من إنتصارات على خصومها في معترك عسكري اعتمد على الكر والفر في خضم حياة السلب والنهب وإنتصار القوي على الضعيف ولعل ذلك ما دفع ابن خلدون أن يجزم بأن أمة العرب أبعد الأمم عن سياسة الملك ويعلل ذلك بقوله: "والسبب في ذلك لأنهم أكثر بداوة من سائر الأمم وأبعد مجالا في القفر وأغنى عن حاجات التلول وحبوبها لاعتيادهم الشظف وخشونة العيش فاستغنوا عن غيرهم فصعب انقياد بعضهم لبعض"(19) - ويضيف ابن خلدون سببا آخر في خضم حديثه عن سياسة الملك عند العرب فيقول: "وأيضا فأن من طبيعتهم كما قدمناه أخذ ما في أيدي الناس خاصة والتجافي عما سوى ذلك من الأحكام بينهم ودفاع بعضهم عن بعض فإذا ملكوا أمة من الأمم جعلوا غاية ملكهم الانتفاع بأخذ ما في أيديهم وتركوا ما سوى ذلك من الأحكام بينهم"(20).
إلا أن حكم ابن خلدون هذا ينطبق على حياة البداوة التي أشار إليها ومع ذلك فإن هذه الحياة لم تخلو من نظام سياسي السلطة فيه للقبيلة والأعراف التي إصطلح عليها أهل العشائر بينهم وهي بمثابة القوانين السلطوية التي تحكم وتنظم التسيير الجماعي(21) ومثل مكة التي تعتبر حاضرة البدو والتي تأثرت بحكم علاقاتها التجارية ومكانتها الدينية "بسوريا الرومانية البيزنطية وبالعراق الساسانية وباليمن"(22).
أما الحواضر الأخرى كاليمن وعمان فكانت لها انظمتها وقوانينها المستمدة من تجربتها العريقة وحضارتها الضاربة في القدم وكذلك ممارستها السياسية المتقلبة فاليمن قبيل الإسلام كانت تعيش تحت وطأة الدولة الحميرية إلا أن أحد ملوكها ويدعى "ذونواس" اعتنق اليهودية لسبب ما فأخذ يعمل السيف والحرق في أتباع الديانة النصرانية بنجران وهو صاحب الأخدود الذي ذكر الله تَعَالَى قصته في سورة البروج فسلط الله تَعَالَى عليه الأحباش فقتلوه وجيشه واستولوا على مملكته واعملوا فيها الخراب والهدم ثم احتكم أمر اليمن إلى أبرهة الأشرم الذي كان مقتله على يد سيف بن ذي يزن بعد حادثة عام الفيل وسمي بالفيل حين أراد أبرهة هدم الكعبة المشرفة بفيلته فرده الله خائبا وهو العام الذي ولد فيه النبي صلى الله عليه وسلم (23) ثم كان هلاك سيف بن ذي يزن على يد الفرس الذين بقوا فيها حتى ظهور الإسلام.
أما عمان فبحكم موقعها الاستراتيجي كانت مطمعا لأمم شتى فهي تقع أقصى الجنوب الشرقي للجزيرة العربية "وعند شواطئها تنتهي الحدود الشرقية للوطن العربي المطلة على المحيط الهندي الاستراتيجي الذي يربط الشواطيء الإفريقية بشواطيء المحيط الهادي"(24) هذا الموقع أتاح لعمان مكانة مرموقة في التاريخ القديم والحديث كما اشتهر أهلها بالملاحة البحرية فراجت التجارة العمانية التي أمتدت إلى بلاد الهند ثم الصين وبلاد الشام وغيرها وتزخر عمان بالمقومات الإقتصادية مثل النحاس ولذلك سميت في القديم "مجان" أي بلاد النحاس وأرض عمان خصبة فالجبل الأخضر في عمان والذي يرتفع عن سطح الأرض أكثر من ثمانية آلاف متر يعد أعمر جهات عمان وأخصبها(25) ولذلك كانت الفرس تسمى عمان "مزون" ولذلك يقول الشاعر:
Page 6
إن كسرى سمى عمـان مزونــا
ومـزون يا صاح خـير بـلاد
بلـــدة ذات مـزرع ونخيــل
ومراع ومشرب غير صادي(26)
كل هذه المقومات الاستراتيجية لعمان كانت سببا لأن تكون هدفا للطامعين ولذلك يذكر المؤرخون أن عمان سميت بهذا الإسم نسبة إلى عمان بن قحطان الذي تولاها من قبل أخيه يعرب بن قحطان ملك اليمن آنذاك(27) ومن قبله يذكر المؤرخون أن عمان تعاقبت عليها أمم من السومريين وهم أول من أخرج النحاس من عمان وهم الذين سموها مجان ثم الكلدانيين ثم قوم عاد الذين سكنوا الأحقاف ثم الأزد الذين أتوها من اليمن بعد تهدم سد مأرب أيام نبي الله موسى - عليه السلام - بقيادة مالك بن فهم الأزدي وأستمرت عمان تحت حكم الأزد حتى مجيء عمرو بن العاص كرسول لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبد وجيفر ابني الجلندى ملكي عمان(28)، واستطاع الأزد إجلاء الفرس عن عمان الذين احتلوا أجزاءا منها بحكم جوارهم لها ثم كان العهد بينهم أن يبقى الفرس على السواحل ويتولى الأزد الدواخل حتى جاء الإسلام.
ولذلك نجد أن التاريخ السياسي العماني مزيج بين حضارات عدة كان لها دور كبير في بلورة الحياة السياسية في عمان عبر الحقب التاريخية المختلفة "وإذا قبلنا بإشارات النصوص المسمارية فإنها تخبرنا عن نظام سياسي وإداري محكم يقوده ملك أسمه "مانودانوا" وذلك في حدود القرن الثالث والعشرين ق.م ومن فترة معاصرة لزمن الملك [نرام سين] من ملوك الدولة الأكدية في العراق"(29) وهذا النص الذي وثقه المؤرخون يؤكد أن النظام السياسي العماني أمتزج بين القانون الكلداني والقانون الفارسي والذين حكموا أجزاء من عمان في فترات مختلفه والقانون اليمني والذي جاء به عمان بن قحطان الحميري ومن بعده مالك بن فهم الأزدي والقانون الفنيقي حيث يذكر المؤرخون "أن الفنيقيين سكنوا عمان وكانت صور بلادهم فارتحلوا عنها جلاء إلى الشام"(30) ، وكذلك القانون البابلي والأشوري "أما الأشوريون فقد استولوا على عمان وذلك زمن ملكهم تفلت فلاس الأشوري ثم حل محلهم البابليون الأخيرون فازدادت عمان بهم قوة وازدهارا وذلك في القرن السابع قبل الميلاد"(31) فلا غرو أن تكون مملكة عمان ذات صيت وشهرة تجارية وتجربة سياسية واسعة النطاق وأن يتهافت المؤرخون العرب على وصفها في كتبهم وأن يكون لها شأن كبير في دولة الإسلام.
أما مكة فتبدأ مرحلتها السياسية بسكن إسماعيل وأمه هاجر بذلك الوادي حسب ما قص القرآن الكريم خبرهم وانفجار عين زمزم وما تبع ذلك من أحداث سكن قبيلة جـرهم التي تزوج منها إسماعيل -عليه السلام- تلا ذلك بناء الكعبة المشرفة على يد إسماعيل وإبراهيم -عليهما السلام-(32) وتوالت على مكة قبائل شتى بعد إسماعيل وقبيل الإسـلام استطاع قصي بن كلاب ابن مرة بن كعب أن يجمع القبائل المتفرقة بمكة عندما قدمها مع قومه وسميت قبيلته بعد ذلك بقريش ولعلها سميت قريشا لاحترافها التجارة فالتقرش التجارة والاكتساب(33)، واستطاع قصي بن كلاب أن يضع لقريش نظاما سياسيا من منطلقات دينية باعتبار وجود الكعبة المشرفة مثل الملأ وهو مجلس القبيلة والسدانه وهي خدمة الكعبة والسقايه وهو تقديم الماء للحجاج والرفادة وهي إطعام من لم يكن له سعة والندوة وهي التي يكون فيها أمر قريش كله وما أرادوا من نكاح أو حرب أو مشورة والحجابة - أي حفظ مفاتيح الكعبة - واللواء ويقصد به راية الحرب للدفاع عن مكة(34) ولحرمة البيت اتفقت العرب على أشهر بعينها يحرم فيها القتال وسفك الدماء وهي محرم ورجب وذي العقدة وذي الحجة وهي من الأعراف التي أقرها الإسلام واستطاعت قريش أن تصيغ معاهدات مع جوارها والقبائل من حولها مثل حلف الفضول كما نشطت في التجارة فكانت رحلة الشتاء إلى اليمن ورحلة الصيف إلى الشام(35) كما استطاع العرب أن يكونوا أحلافا مع أكبر دولتين في ذلك العصر الروم والفرس فالغساسنة الذين تنصر كثير منهم كونوا حلفا مع الروم في الشام فصاروا عينها وحارسها في جزيرة العرب والمناذره في بادية العراق كونوا حلفا مع الفرس فصاروا إيضا عينها وحارسها في الحيرة وهكذا أنقسم أمر السياسة العربية في الجزيرة بين الاستقلالية البدوية الحضرية كما هو في مكة المكرمة وبين الاستقلالية الحضرية كما هو الحال في مملكة عمان واليمن من جهة ومن جهة أخرى بين تبعية للروم كما هو الحال في الغساسنة وتبعية للفرس كما هو الحال مع ملوك الحيرة المناذرة والعرب خلال هذه السياسة المتباينة في سجال يحارب بعضهم بعضا من ناحية ويحاربون أعدائهم الفرس أو الروم من ناحية أخرى ولهم أيام عرفوا بها وأرخوها صارت مثلا وسميت أيام العرب حتى جاء الإسلام فغير الجزيرة العربية وأعاد رسمها وبنى دولة بقي أثرها إلى اليوم نتنسم عبيرها ويتردد ذكرها ويرن صداها الأفاق كما ستعرف ذلك في الصفحات القادمة.
ومـزون يا صاح خـير بـلاد
بلـــدة ذات مـزرع ونخيــل
ومراع ومشرب غير صادي(26)
كل هذه المقومات الاستراتيجية لعمان كانت سببا لأن تكون هدفا للطامعين ولذلك يذكر المؤرخون أن عمان سميت بهذا الإسم نسبة إلى عمان بن قحطان الذي تولاها من قبل أخيه يعرب بن قحطان ملك اليمن آنذاك(27) ومن قبله يذكر المؤرخون أن عمان تعاقبت عليها أمم من السومريين وهم أول من أخرج النحاس من عمان وهم الذين سموها مجان ثم الكلدانيين ثم قوم عاد الذين سكنوا الأحقاف ثم الأزد الذين أتوها من اليمن بعد تهدم سد مأرب أيام نبي الله موسى - عليه السلام - بقيادة مالك بن فهم الأزدي وأستمرت عمان تحت حكم الأزد حتى مجيء عمرو بن العاص كرسول لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبد وجيفر ابني الجلندى ملكي عمان(28)، واستطاع الأزد إجلاء الفرس عن عمان الذين احتلوا أجزاءا منها بحكم جوارهم لها ثم كان العهد بينهم أن يبقى الفرس على السواحل ويتولى الأزد الدواخل حتى جاء الإسلام.
ولذلك نجد أن التاريخ السياسي العماني مزيج بين حضارات عدة كان لها دور كبير في بلورة الحياة السياسية في عمان عبر الحقب التاريخية المختلفة "وإذا قبلنا بإشارات النصوص المسمارية فإنها تخبرنا عن نظام سياسي وإداري محكم يقوده ملك أسمه "مانودانوا" وذلك في حدود القرن الثالث والعشرين ق.م ومن فترة معاصرة لزمن الملك [نرام سين] من ملوك الدولة الأكدية في العراق"(29) وهذا النص الذي وثقه المؤرخون يؤكد أن النظام السياسي العماني أمتزج بين القانون الكلداني والقانون الفارسي والذين حكموا أجزاء من عمان في فترات مختلفه والقانون اليمني والذي جاء به عمان بن قحطان الحميري ومن بعده مالك بن فهم الأزدي والقانون الفنيقي حيث يذكر المؤرخون "أن الفنيقيين سكنوا عمان وكانت صور بلادهم فارتحلوا عنها جلاء إلى الشام"(30) ، وكذلك القانون البابلي والأشوري "أما الأشوريون فقد استولوا على عمان وذلك زمن ملكهم تفلت فلاس الأشوري ثم حل محلهم البابليون الأخيرون فازدادت عمان بهم قوة وازدهارا وذلك في القرن السابع قبل الميلاد"(31) فلا غرو أن تكون مملكة عمان ذات صيت وشهرة تجارية وتجربة سياسية واسعة النطاق وأن يتهافت المؤرخون العرب على وصفها في كتبهم وأن يكون لها شأن كبير في دولة الإسلام.
أما مكة فتبدأ مرحلتها السياسية بسكن إسماعيل وأمه هاجر بذلك الوادي حسب ما قص القرآن الكريم خبرهم وانفجار عين زمزم وما تبع ذلك من أحداث سكن قبيلة جـرهم التي تزوج منها إسماعيل -عليه السلام- تلا ذلك بناء الكعبة المشرفة على يد إسماعيل وإبراهيم -عليهما السلام-(32) وتوالت على مكة قبائل شتى بعد إسماعيل وقبيل الإسـلام استطاع قصي بن كلاب ابن مرة بن كعب أن يجمع القبائل المتفرقة بمكة عندما قدمها مع قومه وسميت قبيلته بعد ذلك بقريش ولعلها سميت قريشا لاحترافها التجارة فالتقرش التجارة والاكتساب(33)، واستطاع قصي بن كلاب أن يضع لقريش نظاما سياسيا من منطلقات دينية باعتبار وجود الكعبة المشرفة مثل الملأ وهو مجلس القبيلة والسدانه وهي خدمة الكعبة والسقايه وهو تقديم الماء للحجاج والرفادة وهي إطعام من لم يكن له سعة والندوة وهي التي يكون فيها أمر قريش كله وما أرادوا من نكاح أو حرب أو مشورة والحجابة - أي حفظ مفاتيح الكعبة - واللواء ويقصد به راية الحرب للدفاع عن مكة(34) ولحرمة البيت اتفقت العرب على أشهر بعينها يحرم فيها القتال وسفك الدماء وهي محرم ورجب وذي العقدة وذي الحجة وهي من الأعراف التي أقرها الإسلام واستطاعت قريش أن تصيغ معاهدات مع جوارها والقبائل من حولها مثل حلف الفضول كما نشطت في التجارة فكانت رحلة الشتاء إلى اليمن ورحلة الصيف إلى الشام(35) كما استطاع العرب أن يكونوا أحلافا مع أكبر دولتين في ذلك العصر الروم والفرس فالغساسنة الذين تنصر كثير منهم كونوا حلفا مع الروم في الشام فصاروا عينها وحارسها في جزيرة العرب والمناذره في بادية العراق كونوا حلفا مع الفرس فصاروا إيضا عينها وحارسها في الحيرة وهكذا أنقسم أمر السياسة العربية في الجزيرة بين الاستقلالية البدوية الحضرية كما هو في مكة المكرمة وبين الاستقلالية الحضرية كما هو الحال في مملكة عمان واليمن من جهة ومن جهة أخرى بين تبعية للروم كما هو الحال في الغساسنة وتبعية للفرس كما هو الحال مع ملوك الحيرة المناذرة والعرب خلال هذه السياسة المتباينة في سجال يحارب بعضهم بعضا من ناحية ويحاربون أعدائهم الفرس أو الروم من ناحية أخرى ولهم أيام عرفوا بها وأرخوها صارت مثلا وسميت أيام العرب حتى جاء الإسلام فغير الجزيرة العربية وأعاد رسمها وبنى دولة بقي أثرها إلى اليوم نتنسم عبيرها ويتردد ذكرها ويرن صداها الأفاق كما ستعرف ذلك في الصفحات القادمة.
Page 7
المبحث الثالث : عصر النبوة والخلافة الراشدة
البعثة النبوية:
بعث النبي محمد ( من مكة المكرمة بيت الله العتيق وهو ابن أربعين سنة برسالة خاتمة للعالمين بشيرا ونذيرا، واستطاع النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاث عشرة سنة أن يؤسس بمكة الأصول الثابتة للعقيدة الإسلامية ويجمع الأتباع مع ما يتنزل عليه من وحي السماء يوجهه ويرشده ويدافع عنه ولقد عرفت تلك الفترة بالمرحلة العصيبة في تاريخ النبوة لما لقيه النبي صلى الله عليه وسلم واتباعه من الأذى والإضطهاد على يد قريش المشركة إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم استطاع بحنكته وفطنته وذكائه وتوجيه الله له عبر الوحي أن يدير الدفة القيادية لهذه الدعوة المباركة فدخل الناس في دعوته مع اختلاف أجناسهم من العبد الحبشي والسيد القرشي إلى المرأة والصبي ومع هذه الفئات وهؤلاء الأعوان أخذ النبي صلى الله عليه وسلم يجتمع سراً لنشر دعوته وتعليم اتباعه في دار الأرقم بن أبي الأرقم مدة ثلاث سنين حتى أذن لـه بالجهر بالدعوة (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) (36) ، فأخذ التبليغ النبوي منهج المجاهرة واستقبال الوفود التي كانت تأتي للزيارة أو الحج أو التجارة فأخذ رسول الله ( يشرح للقاصي والداني أبعاد دعوته ومنطلقاتها وما جاءت به مخالفة لشرائع أهل مكة والوثنيين من غيرهم وكان بعض أتباعه قد فروا بدينهم إلى الحبشة بأمر من النبي صلى الله عليه وسلم وقصتهم مشهورة مع النجاشي وخلال هذه الدعوة المكية جاءت وفود من يثرب - المدينة المنور بعد ذلك - فبايعت النبي صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة الأولى ثم جاءت وفود فبايعته بيعة العقبة الثانية وبقي النبي صلى الله عليه وسلم يدعو جهرا في مكة عشر سنين حتى تهيأت الظروف وجاء الأمر الإلهي للنبي ( بالهجرة إلى يثرب بعدما مهد لها النبي صلى الله عليه وسلم ببيعة العقبة الأولى والثانية فأخبر أبا بكر الصديق أول من أسلم من الرجال فصحبه ليلة هجرته وقصة الهجرة مشهورة في كتب السيرة ، في هذه الفترة لم تكن هناك ممارسات سياسية للنبي ( في مكة كما أن القرآن الكريم قد خلا "من التشريعات العملية إلا لما له ارتباط خاص بالعقيدة أو كان عبادة عملية تربطهم بالله تَعَالَى وتوجههم إلى الخير كالصلاة"(37) ، وأما ما قام به النبي صلى الله عليه وسلم من دعوة القبائل وأمره بالهجرة إلى الحبشة وبيعة الأنصار الأولى والثانية فكانت تمهيدا لاستقلالية التوجه السياسي لدولة الإسلام والتي أقامها النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة.
مجتمع الهجرة والتنظيم السياسي:
وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة "يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأول"(38) ، وهناك بدأ بتأسيس أول دولة ذات سيادة وتشريع وديمقراطية عرفها التاريخ الإنساني بعدما تهيأت لها أسباب القيام من الأرض والقائد والقانون "التشريع" والشعب وهي المقومات الأساسية لأي دولة وبوحي من الله تَعَالَى استطاع النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخذ الخطوات الهامة فور وصوله فآخى بين المهاجرين والأنصار وبنى مسجد قباء الذي يعتبر مركز القيادة والتشاور وأطر حدود الدولة مع جيرانهم اليهود فأنشأ سوقاً لأهل المدينة حتى يكون الاقتصاد وهو دعامة أي دولة مبنياً على أسس صحيحة ومنطلقات قوية وأخذ القرآن الكريم يتنزل على النبي صلى الله عليه وسلم بالتشريع والدستور الإلهي الخالد الذي ينظم علاقة الفرد مع نفسه ومع أسرته ومع المجتمع من حوله ومع العالمين وعلاقة الدول ببعضها البعض دول شقيقة أو صديقة و النبي صلى الله عليه وسلم يوضح ما أبهم منه ويخصص عامه ويقيد مطلقه ويشرح أحكامه ويبين مجمله طيلة عشر سنين فوضحت معالم الدولة الإسلامية بكافة مقوماتها.
ولقد جاء القرآن الكريم ليوضح العلاقة بين الدولة والقانون "فجعل التزام أحكام القانون أساسا لمشروعية الدولة، وجعل الحاكم فيما يتخذه من قرارات وإجراءات وفيما يصدره من أوامر مقيداً بأحكام الشرعية الإسلامية"(39) ، ولذلك امتاز التشريع الإسلامي بميزات أهلته ليكون هو الدستور للأمة في كل زمان ومكان ومن هذه المميزات:
البعثة النبوية:
بعث النبي محمد ( من مكة المكرمة بيت الله العتيق وهو ابن أربعين سنة برسالة خاتمة للعالمين بشيرا ونذيرا، واستطاع النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاث عشرة سنة أن يؤسس بمكة الأصول الثابتة للعقيدة الإسلامية ويجمع الأتباع مع ما يتنزل عليه من وحي السماء يوجهه ويرشده ويدافع عنه ولقد عرفت تلك الفترة بالمرحلة العصيبة في تاريخ النبوة لما لقيه النبي صلى الله عليه وسلم واتباعه من الأذى والإضطهاد على يد قريش المشركة إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم استطاع بحنكته وفطنته وذكائه وتوجيه الله له عبر الوحي أن يدير الدفة القيادية لهذه الدعوة المباركة فدخل الناس في دعوته مع اختلاف أجناسهم من العبد الحبشي والسيد القرشي إلى المرأة والصبي ومع هذه الفئات وهؤلاء الأعوان أخذ النبي صلى الله عليه وسلم يجتمع سراً لنشر دعوته وتعليم اتباعه في دار الأرقم بن أبي الأرقم مدة ثلاث سنين حتى أذن لـه بالجهر بالدعوة (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) (36) ، فأخذ التبليغ النبوي منهج المجاهرة واستقبال الوفود التي كانت تأتي للزيارة أو الحج أو التجارة فأخذ رسول الله ( يشرح للقاصي والداني أبعاد دعوته ومنطلقاتها وما جاءت به مخالفة لشرائع أهل مكة والوثنيين من غيرهم وكان بعض أتباعه قد فروا بدينهم إلى الحبشة بأمر من النبي صلى الله عليه وسلم وقصتهم مشهورة مع النجاشي وخلال هذه الدعوة المكية جاءت وفود من يثرب - المدينة المنور بعد ذلك - فبايعت النبي صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة الأولى ثم جاءت وفود فبايعته بيعة العقبة الثانية وبقي النبي صلى الله عليه وسلم يدعو جهرا في مكة عشر سنين حتى تهيأت الظروف وجاء الأمر الإلهي للنبي ( بالهجرة إلى يثرب بعدما مهد لها النبي صلى الله عليه وسلم ببيعة العقبة الأولى والثانية فأخبر أبا بكر الصديق أول من أسلم من الرجال فصحبه ليلة هجرته وقصة الهجرة مشهورة في كتب السيرة ، في هذه الفترة لم تكن هناك ممارسات سياسية للنبي ( في مكة كما أن القرآن الكريم قد خلا "من التشريعات العملية إلا لما له ارتباط خاص بالعقيدة أو كان عبادة عملية تربطهم بالله تَعَالَى وتوجههم إلى الخير كالصلاة"(37) ، وأما ما قام به النبي صلى الله عليه وسلم من دعوة القبائل وأمره بالهجرة إلى الحبشة وبيعة الأنصار الأولى والثانية فكانت تمهيدا لاستقلالية التوجه السياسي لدولة الإسلام والتي أقامها النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة.
مجتمع الهجرة والتنظيم السياسي:
وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة "يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأول"(38) ، وهناك بدأ بتأسيس أول دولة ذات سيادة وتشريع وديمقراطية عرفها التاريخ الإنساني بعدما تهيأت لها أسباب القيام من الأرض والقائد والقانون "التشريع" والشعب وهي المقومات الأساسية لأي دولة وبوحي من الله تَعَالَى استطاع النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخذ الخطوات الهامة فور وصوله فآخى بين المهاجرين والأنصار وبنى مسجد قباء الذي يعتبر مركز القيادة والتشاور وأطر حدود الدولة مع جيرانهم اليهود فأنشأ سوقاً لأهل المدينة حتى يكون الاقتصاد وهو دعامة أي دولة مبنياً على أسس صحيحة ومنطلقات قوية وأخذ القرآن الكريم يتنزل على النبي صلى الله عليه وسلم بالتشريع والدستور الإلهي الخالد الذي ينظم علاقة الفرد مع نفسه ومع أسرته ومع المجتمع من حوله ومع العالمين وعلاقة الدول ببعضها البعض دول شقيقة أو صديقة و النبي صلى الله عليه وسلم يوضح ما أبهم منه ويخصص عامه ويقيد مطلقه ويشرح أحكامه ويبين مجمله طيلة عشر سنين فوضحت معالم الدولة الإسلامية بكافة مقوماتها.
ولقد جاء القرآن الكريم ليوضح العلاقة بين الدولة والقانون "فجعل التزام أحكام القانون أساسا لمشروعية الدولة، وجعل الحاكم فيما يتخذه من قرارات وإجراءات وفيما يصدره من أوامر مقيداً بأحكام الشرعية الإسلامية"(39) ، ولذلك امتاز التشريع الإسلامي بميزات أهلته ليكون هو الدستور للأمة في كل زمان ومكان ومن هذه المميزات:
Page 8
1] عالمية الدين الإسلامي: فهو ليس خاص بشعب دون آخر ولا بفرد دون غيره فهو لكل الناس مع اختلاف ألسنتهم وبلدانهم وطبقاتهم ولكل الثقافات والديانات "وذلك لبلوغ أقصى درجة ممكنة من تحقيق الوحدة الدينية والإجتماعية والثقافية في طول العالم الإسلامي وعرضه"(40)، ولذلك يقول الحق سبحانه (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً)(41) .
2] شمولية التشريع: أن التشريع الإلهي جاء شاملا لكل متطلبات الحياة فهو ينظم علاقة الفرد مع الجماعة وعلاقة الدول مع غيرها ويلبي مطالب الروح والجسد في آن واحد ولذلك يقول الحق سبحانه: ( مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) (42) ، كما يوضح القرآن الكريم الرابطة بين العقل والنقل وهو سر التزاوج بين الفكر الإسلامي وفكر البلاد المفتوحة الفارسية واليونانية والرومانية "فامتزج المنطق باللغة.. ودخلت الفلسفة أبحاث اللغة العربية"(43)، كما ظهرت المدارس الإسلامية مصطبغة بصبغة العقل والنقل فظهرت مدرسة الرأي ومدرسة الحديث وهكذا في كل الميادين يظهر شمولية التشريع الإلهي في جوانب الفكر والقانون الذي يشتمل على الأحكام المدنية والجنائية والأحوال الشخصية.
3] ديمقراطية التوجه السياسي: فالإسلام نادى بالمساواة بين أجناس البشر وجعل ميزان التفاضل هو التقوى قال تَعَالَى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)(44)، كما أمر بالشورى في السلم والحرب قال تَعَالَى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) (45) ، وحرم الاستعباد فجعل الناس أحرارا فلهم حرية الكلمة والاختيار من منطلقاتها ولذلك عاب عمر على ابن عمرو بن العاص عندما ضرب القبطي على وجهه قائلا له عبارته المشهورة: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا"(46)، هذه المباديء السياسية الثلاث والتي تسمى أخلاق السياسة فتحت للمسلمين العالم مشرقه ومغربه فدخل الناس في دين الله أفواجا.
أن هذه المميزات وغيرها كانت السبب في بقاء هذا النظام السياسي والتشريعي مع ما حمله من طابع المرونة الصالحة لكل زمان ومكان، ولذلك نجد أن هذه المبادئ وغيرها كان لها تأثير كبير على التوجه السياسي في عهد الخلافة الراشدة مع مختلف مراحلها ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم هو المرجع فيما يستجد من أحداث وما يطرأ من أسباب والحكم يرجع إليه مصداقا لقوله تَعَالَى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ)(47)، وقال تَعَالَى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِـدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (48) .
هكذا كان التنظيم السياسي في عهد النبي صلى الله عليه وسلم مع ما أبرمه النبي صلى الله عليه وسلم خلال عشر سنوات من معاهدات مع القريبين والبعيدين وما بعثه من رسائل تدعو الأمم المعاصرة إلى الإسلام وما خاضه من حروب وما بعثه من سرايا وما استقبله من وفود لكي تكتمل حلقات التوجه السياسي العام للدولة الإسلامية التي شهدت مرحلة جديدة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم .
سقيفة بني ساعده:
كانت حادثة سقيفة بني ساعده بداية حقبة سياسية جديدة في تاريخ الأمة الإسلامية فهي تحول إلى نظام الانتخاب واختيار الخليفة الذي يتولى مهمة تسيير الدولة الإسلامية بعدما كان المسلمون تبعاً لتعاليم وتوجيه مؤسس هذه الدولة النبي صلى الله عليه وسلم ، والملاحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحدد شخصية الخليفة بعينه وهو ما أجمعت عليه كتب السير جميعها إلا قليلا مما يؤكد أن المنطلق الجديد للتوجه السياسي هو الإختيار الحر حسب إجماع الأمة ، "وإنما وضح الرسول القواعد العامة التي يجب أن يراعيها الحاكم في سيرته في المسلمين وبين - بسيرته وأقواله - المثل العليا التي يجب التمسك بها والمحافظة عليها من جانب الحاكم والمحكومين على السواء"(49).
2] شمولية التشريع: أن التشريع الإلهي جاء شاملا لكل متطلبات الحياة فهو ينظم علاقة الفرد مع الجماعة وعلاقة الدول مع غيرها ويلبي مطالب الروح والجسد في آن واحد ولذلك يقول الحق سبحانه: ( مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) (42) ، كما يوضح القرآن الكريم الرابطة بين العقل والنقل وهو سر التزاوج بين الفكر الإسلامي وفكر البلاد المفتوحة الفارسية واليونانية والرومانية "فامتزج المنطق باللغة.. ودخلت الفلسفة أبحاث اللغة العربية"(43)، كما ظهرت المدارس الإسلامية مصطبغة بصبغة العقل والنقل فظهرت مدرسة الرأي ومدرسة الحديث وهكذا في كل الميادين يظهر شمولية التشريع الإلهي في جوانب الفكر والقانون الذي يشتمل على الأحكام المدنية والجنائية والأحوال الشخصية.
3] ديمقراطية التوجه السياسي: فالإسلام نادى بالمساواة بين أجناس البشر وجعل ميزان التفاضل هو التقوى قال تَعَالَى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)(44)، كما أمر بالشورى في السلم والحرب قال تَعَالَى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) (45) ، وحرم الاستعباد فجعل الناس أحرارا فلهم حرية الكلمة والاختيار من منطلقاتها ولذلك عاب عمر على ابن عمرو بن العاص عندما ضرب القبطي على وجهه قائلا له عبارته المشهورة: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا"(46)، هذه المباديء السياسية الثلاث والتي تسمى أخلاق السياسة فتحت للمسلمين العالم مشرقه ومغربه فدخل الناس في دين الله أفواجا.
أن هذه المميزات وغيرها كانت السبب في بقاء هذا النظام السياسي والتشريعي مع ما حمله من طابع المرونة الصالحة لكل زمان ومكان، ولذلك نجد أن هذه المبادئ وغيرها كان لها تأثير كبير على التوجه السياسي في عهد الخلافة الراشدة مع مختلف مراحلها ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم هو المرجع فيما يستجد من أحداث وما يطرأ من أسباب والحكم يرجع إليه مصداقا لقوله تَعَالَى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ)(47)، وقال تَعَالَى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِـدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (48) .
هكذا كان التنظيم السياسي في عهد النبي صلى الله عليه وسلم مع ما أبرمه النبي صلى الله عليه وسلم خلال عشر سنوات من معاهدات مع القريبين والبعيدين وما بعثه من رسائل تدعو الأمم المعاصرة إلى الإسلام وما خاضه من حروب وما بعثه من سرايا وما استقبله من وفود لكي تكتمل حلقات التوجه السياسي العام للدولة الإسلامية التي شهدت مرحلة جديدة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم .
سقيفة بني ساعده:
كانت حادثة سقيفة بني ساعده بداية حقبة سياسية جديدة في تاريخ الأمة الإسلامية فهي تحول إلى نظام الانتخاب واختيار الخليفة الذي يتولى مهمة تسيير الدولة الإسلامية بعدما كان المسلمون تبعاً لتعاليم وتوجيه مؤسس هذه الدولة النبي صلى الله عليه وسلم ، والملاحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحدد شخصية الخليفة بعينه وهو ما أجمعت عليه كتب السير جميعها إلا قليلا مما يؤكد أن المنطلق الجديد للتوجه السياسي هو الإختيار الحر حسب إجماع الأمة ، "وإنما وضح الرسول القواعد العامة التي يجب أن يراعيها الحاكم في سيرته في المسلمين وبين - بسيرته وأقواله - المثل العليا التي يجب التمسك بها والمحافظة عليها من جانب الحاكم والمحكومين على السواء"(49).
Page 9
إن المتتبع للحدث في ما سرده كتاب السيرة ومؤرخوها يجد أنهم اختلفوا في تدوين هذه الحادثة وتحليل مفرداتها مع إجماعهم ببيعة أبي بكر إذ لا يمكن أن تنكر هذه البيعة وهي متواترة بين المسلمين عبر أجيالهم في صفحات تاريخهم ولذلك لجأ المؤرخون إلى تحليلها حسب توجههم ومذهبهم فمنهم من يرى أن الخليفة يكون قرشيا ويستدلون ببيعة أبي بكر وجملة أحاديث للنبي (، والبعض يرى أن آل البيت هم أحق بالخلافة وأن مبايعة أبي بكر كان خطأ وخاصة أن آل البيت حينها كانوا منشغلين بتغسيل وتكفين الجثمان الطاهر ويستدلون أيضا بجملة أحاديث، ومقابل هاذين التوجهين في تخصيص شخص الخليفة يرى صنف آخر أن الخليفة يتم اختياره من بين جملة المسلمين باختيار حر نزيه حسب معايير الكفاءة المتعارف عليها والتي حددتها الشريعة السمحة ومع هذه الآراء فإننا لسنا بصدد تفنيدها وتحليلها في هذا الباب إذ المعني عندنا هنا هو السرد التاريخي لمجمل التطور السياسي ولذلك نجد أن هذه الحادثة ألقت بظلالها على التوجه العام للمسلمين بعد الفتنة الكبرى.
توفى النبي صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول(50) ، فاجتمع الأنصار تحت سقيفه بني ساعده فخطبهم سعد بن عباده راجيا بيعتهم له وتلاهم المهاجرون ثم عمر وأبي بكر فخطبهم أبو بكر ثم خطبهم عمر مذكرا بمكانة الصديق خليفة رسول الله ( في الصلاة ومما قاله - رَضِيَ اللهُ عَنْهَ - : Mنشدتكم الله هل تعلمون أن رسول الله ( أمر أبا بكر يصلي بالناس؟ قالوا: اللهم نعم. قال: فأيكم تطيب نفسه من أن يزيله من مقام أقامه فيه رسول الله (L(51) ، وبهذه البيعة تم اختيار أبى بكر رئيسا للدولة الإسلامية بعد رسول الله ( فكانت البيعة الأولى في السقيفه بمثابة ترشيح أولي الرأي من المسلمين لأبي بكر لتولي أمور الدولة الإسلامية وكانت البيعة العامة في اليوم الثاني بمثابة الاستفتاء على هذا الترشيح الذي أبدى فيه المسلمون آراءهم في اختيار رئيس الدولة(52) ، وهكذا بايع جمهور الصحابة من المهاجرين والأنصار أبا بكر وتلاه وفود العرب يعقدون له البيعة فسار أبو بكر سيرة النبي صلى الله عليه وسلم منفذا وصاياه محاربا المرتدين ومانعي الزكاة(53) بعد سنتين خلت من بيعة أبي بكر توفي الصديق فبايع المسلمون عمر - رَضِيَ اللهُ عَنْهَ - الذي فتح الله تَعَالَى على يديه الفتوح ففتح العراق ووحده بعد أن كان جزءا منه يتبع مملكة الروم والآخر مملكة الفرس، وفتح كذلك خراسان وكرمان وسجستان وبلاد الشام ومصر واذربيجان(54)، كما قام عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللهُ عَنْهَ - "بوضع الأنظمة الإدارية للدولة الإسلامية وتطوير طرق الحكم ووسائله وأساليبه فيها لتلائم سعة الدولة وترامي أطرافها"(55).
كما أن عمر - رَضِيَ اللهُ عَنْهَ - أول من جعل للمسلمين مجلسا إستشاريا يضم كبار الصحابة يقع على عاتقه إختيار الخليفة من بعده ويضم "علي بن أبي طالب وعثمان ابن عفان وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف"(56) ، لقد كان عهد أبي بكر وعمر ويسمى "عهد الشيخين" عهدا تم فيه تطبيق قواعد الإسلام في السياسة والحكم وتطبيق النظرية السياسة الإسلامية التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم كما لم يشهد عصرهما أي إضطراب سياسي في صفوف المسلمين فكان بحق عهد الإستقرار السياسي في الفكر والتطبيق.
الفتنة الكبرى:
قتل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب على يد أبي لؤلؤة المجوسي فاختار المجلس الاستشاري عثمان بن عفان - رَضِيَ اللهُ عَنْهَ - ليكون الخليفة من بعده وبويع عثمان Mيوم الجمعة غرة المحرم لليلة بقيت من ذي الحجة سنة ثلاثة وعشرين(L(57، فسار عثمان سيرة أبي بكر وعمر في النصف الأول من خلافته ثم ما لبث أن شكك الكثير من المسلمين في أمر هذا الخليفة وعابوا عليه وذلك في سنة خمس وثلاثين على قول المسعودي في مروجه(58) ، في أمور منها سياسته في اختيار الولاة فلقد ولى عثمان أهله وعترته على الأمصار وظهرت هذه القضية أول ما ظهرت في الكوفة فقد طالب أهلها عثمان بعزل عامله على الكوفة الوليد بن عقبه وهو أخو عثمان لأمه وذلك لأسباب منها أنه كان يشرب الخمر(59) ، فاستبدله عثمان بسعيد بن العاص فظهرت منه أمور منكرة واستبد بالأموال(60) كما عاب المسلمون على عثمان سياسته في التصرف بأموال بيت المال(61)، وغيرها مما دفع ذلك إلى أن يجتمع عليه الناس من البصرة والكوفة ومصر وأن يقتل(62) ولقد كانت تلك أول ثورة في الإسلام ولقد آذنت تلك الحادثة بتشتت كلمة المسلمين وانصداع صفهم وتوالي سلسلة الثورات التي غيرت مجرى السياسة في الدولة الإسلامية كما أدت إلى ظهور الأحزاب السياسية التي سرعان ما تحولت إلى مذاهب إسلامية ولقد ساعد أيضا على ظهور بعض هذه التيارات والمذاهب التمازج الثقافي والإجتماعي في الدولة الإسلامية إثر الفتوحات الإسلامية الواسعة مما أدى إلى دخول أفكار وعادات وتقاليد داخل المجتمع المسلم لم تكن معروفة من قبل وهو ما يفسر منحى بعض المذاهب في صبغ الأحداث بالصبغة الدينية واصطلاح مفاهيم وتخصيص أيام ظلت ذكرى لهذه المذاهب يتنسمون عبيرها ويحتفلون بها.
ولقد أجج هذه الفتنة وأظهرها بشكل واضح على الساحة السياسية سياسة الخليفة الرابع للدولة الإسلامية علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- الذي تولى الخلافة إثر مقتل عثمان فوجد نفسه أمام معترك سياسي وفتنة لم تخمد حيث يطالب البعض بدم عثمان قبل تنصيب الخليفة وهو معاوية والي عثمان على الشام ومن شايعه ولذلك عصى معاوية أمر الخليفة بالمبايعة بهذه الحيلة الخبيثة مع أن بعض الكتاب يرون أن معاوية لم يعص أمر الخليفة وإنما أراد حسم الفتنة التي وقعت بين المسلمين بمقتل عثمان(63) ولعل ما حمل الكتاب إلى هذا الرأي هو المنحى التسامحي الذي نحوه إذ يرون وجوب توقير الصحابة على اختلافهم بالرغم من أخطائهم وإيجاد العذر الذي يجمع بين الخطأ وحق الصحبة، إلا أن هذا المنحى التسامحي يعمي الحقيقة ويفسدها إذ أن نقل التاريخ وإظهاره للناس أمانة ينبغي على صاحبها توخي الدقة والحذر من درأ الخطأ بمثله فكل الأدلة تشير بصراحة إلى طمع معاوية في أمر الخلافة تلك الوصية التي أوصى بها أبو سفيان بنيه وقرابته عشية بيعة عثمان وهو ما ذكرته المصادر التاريخية(64) كما أن إخماد الفتنة لا يكون إلا بقرار تصدره قيادة تتولى تحقيقه يجتمع لها أمر المسلمين وخاصة في هذا الموقف العصيب الذي تشتت فيه الكلمة فكيف تخمد الفتنه والكلمة متفرقة فهل الأولى إذكاء دعوى إخماد الفتنة أم اختيار الخليفة؟! أضف إلى ذلك سببين آخرين يرجحان رأينا وهو موقف جمهور الصحابة من معاوية وخاصة آل بيت النبوة ووقوفهم مع علي ضد معاوية في صفين ، بعد محاربتهم له في موقعة الجمل واعترافهم بخطأهم.
توفى النبي صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول(50) ، فاجتمع الأنصار تحت سقيفه بني ساعده فخطبهم سعد بن عباده راجيا بيعتهم له وتلاهم المهاجرون ثم عمر وأبي بكر فخطبهم أبو بكر ثم خطبهم عمر مذكرا بمكانة الصديق خليفة رسول الله ( في الصلاة ومما قاله - رَضِيَ اللهُ عَنْهَ - : Mنشدتكم الله هل تعلمون أن رسول الله ( أمر أبا بكر يصلي بالناس؟ قالوا: اللهم نعم. قال: فأيكم تطيب نفسه من أن يزيله من مقام أقامه فيه رسول الله (L(51) ، وبهذه البيعة تم اختيار أبى بكر رئيسا للدولة الإسلامية بعد رسول الله ( فكانت البيعة الأولى في السقيفه بمثابة ترشيح أولي الرأي من المسلمين لأبي بكر لتولي أمور الدولة الإسلامية وكانت البيعة العامة في اليوم الثاني بمثابة الاستفتاء على هذا الترشيح الذي أبدى فيه المسلمون آراءهم في اختيار رئيس الدولة(52) ، وهكذا بايع جمهور الصحابة من المهاجرين والأنصار أبا بكر وتلاه وفود العرب يعقدون له البيعة فسار أبو بكر سيرة النبي صلى الله عليه وسلم منفذا وصاياه محاربا المرتدين ومانعي الزكاة(53) بعد سنتين خلت من بيعة أبي بكر توفي الصديق فبايع المسلمون عمر - رَضِيَ اللهُ عَنْهَ - الذي فتح الله تَعَالَى على يديه الفتوح ففتح العراق ووحده بعد أن كان جزءا منه يتبع مملكة الروم والآخر مملكة الفرس، وفتح كذلك خراسان وكرمان وسجستان وبلاد الشام ومصر واذربيجان(54)، كما قام عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللهُ عَنْهَ - "بوضع الأنظمة الإدارية للدولة الإسلامية وتطوير طرق الحكم ووسائله وأساليبه فيها لتلائم سعة الدولة وترامي أطرافها"(55).
كما أن عمر - رَضِيَ اللهُ عَنْهَ - أول من جعل للمسلمين مجلسا إستشاريا يضم كبار الصحابة يقع على عاتقه إختيار الخليفة من بعده ويضم "علي بن أبي طالب وعثمان ابن عفان وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف"(56) ، لقد كان عهد أبي بكر وعمر ويسمى "عهد الشيخين" عهدا تم فيه تطبيق قواعد الإسلام في السياسة والحكم وتطبيق النظرية السياسة الإسلامية التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم كما لم يشهد عصرهما أي إضطراب سياسي في صفوف المسلمين فكان بحق عهد الإستقرار السياسي في الفكر والتطبيق.
الفتنة الكبرى:
قتل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب على يد أبي لؤلؤة المجوسي فاختار المجلس الاستشاري عثمان بن عفان - رَضِيَ اللهُ عَنْهَ - ليكون الخليفة من بعده وبويع عثمان Mيوم الجمعة غرة المحرم لليلة بقيت من ذي الحجة سنة ثلاثة وعشرين(L(57، فسار عثمان سيرة أبي بكر وعمر في النصف الأول من خلافته ثم ما لبث أن شكك الكثير من المسلمين في أمر هذا الخليفة وعابوا عليه وذلك في سنة خمس وثلاثين على قول المسعودي في مروجه(58) ، في أمور منها سياسته في اختيار الولاة فلقد ولى عثمان أهله وعترته على الأمصار وظهرت هذه القضية أول ما ظهرت في الكوفة فقد طالب أهلها عثمان بعزل عامله على الكوفة الوليد بن عقبه وهو أخو عثمان لأمه وذلك لأسباب منها أنه كان يشرب الخمر(59) ، فاستبدله عثمان بسعيد بن العاص فظهرت منه أمور منكرة واستبد بالأموال(60) كما عاب المسلمون على عثمان سياسته في التصرف بأموال بيت المال(61)، وغيرها مما دفع ذلك إلى أن يجتمع عليه الناس من البصرة والكوفة ومصر وأن يقتل(62) ولقد كانت تلك أول ثورة في الإسلام ولقد آذنت تلك الحادثة بتشتت كلمة المسلمين وانصداع صفهم وتوالي سلسلة الثورات التي غيرت مجرى السياسة في الدولة الإسلامية كما أدت إلى ظهور الأحزاب السياسية التي سرعان ما تحولت إلى مذاهب إسلامية ولقد ساعد أيضا على ظهور بعض هذه التيارات والمذاهب التمازج الثقافي والإجتماعي في الدولة الإسلامية إثر الفتوحات الإسلامية الواسعة مما أدى إلى دخول أفكار وعادات وتقاليد داخل المجتمع المسلم لم تكن معروفة من قبل وهو ما يفسر منحى بعض المذاهب في صبغ الأحداث بالصبغة الدينية واصطلاح مفاهيم وتخصيص أيام ظلت ذكرى لهذه المذاهب يتنسمون عبيرها ويحتفلون بها.
ولقد أجج هذه الفتنة وأظهرها بشكل واضح على الساحة السياسية سياسة الخليفة الرابع للدولة الإسلامية علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- الذي تولى الخلافة إثر مقتل عثمان فوجد نفسه أمام معترك سياسي وفتنة لم تخمد حيث يطالب البعض بدم عثمان قبل تنصيب الخليفة وهو معاوية والي عثمان على الشام ومن شايعه ولذلك عصى معاوية أمر الخليفة بالمبايعة بهذه الحيلة الخبيثة مع أن بعض الكتاب يرون أن معاوية لم يعص أمر الخليفة وإنما أراد حسم الفتنة التي وقعت بين المسلمين بمقتل عثمان(63) ولعل ما حمل الكتاب إلى هذا الرأي هو المنحى التسامحي الذي نحوه إذ يرون وجوب توقير الصحابة على اختلافهم بالرغم من أخطائهم وإيجاد العذر الذي يجمع بين الخطأ وحق الصحبة، إلا أن هذا المنحى التسامحي يعمي الحقيقة ويفسدها إذ أن نقل التاريخ وإظهاره للناس أمانة ينبغي على صاحبها توخي الدقة والحذر من درأ الخطأ بمثله فكل الأدلة تشير بصراحة إلى طمع معاوية في أمر الخلافة تلك الوصية التي أوصى بها أبو سفيان بنيه وقرابته عشية بيعة عثمان وهو ما ذكرته المصادر التاريخية(64) كما أن إخماد الفتنة لا يكون إلا بقرار تصدره قيادة تتولى تحقيقه يجتمع لها أمر المسلمين وخاصة في هذا الموقف العصيب الذي تشتت فيه الكلمة فكيف تخمد الفتنه والكلمة متفرقة فهل الأولى إذكاء دعوى إخماد الفتنة أم اختيار الخليفة؟! أضف إلى ذلك سببين آخرين يرجحان رأينا وهو موقف جمهور الصحابة من معاوية وخاصة آل بيت النبوة ووقوفهم مع علي ضد معاوية في صفين ، بعد محاربتهم له في موقعة الجمل واعترافهم بخطأهم.
Page 10
كما أن معاوية قد انتهت ولايته للشام بموت عثمان فلا ولاية له إلا بتكليف شرعي من الخليفة الذي بايعته جموع الأمة وما دام الخليفة لم يقر لمعاوية منصبه هذا فقد فقد "معاوية مركزه القانوني"(65) ، وثورته غير شرعية حينئذ إلا أن معاوية أصر على موقفه العنادي وألب أهل الشام وحشد الجيوش لحرب الإمام علي -كرم الله وجهه- والتقى الجمعان في معركة صفين وعندما أحس معاوية بهزيمته لجأ إلى خديعة رفع المصحف على أسنة الرماح كأنه يقول: نحكم كتاب الله بيننا وبينكم، وبحسن نية من الإمام علي وافق على التحكيم بل إنه أرغم على قبول التحكيم وهنا دب الانقسام في صفوف المسلمين وآذن بزيادة الشرخ في جدار الأمة الذي تصدع حين مقتل عثمان بن عفان - رَضِيَ اللهُ عَنْه - ولكن قدر الله لا راد له وهو الغالب وكان من قصة التحكيم تلك ما كان ومن هنا بدأ تاريخ سياسي جديد لدولة الإسلام وظهرت مذاهب إسلامية كان لها مع بني أمية صولات وجولات ومن هذه المذاهب الإباضية ثم الزيدية والتي سنتناولها في الفصول القادمة.
الفصل الثاني
ظهور المدرسة الإباضية
وأثرها على مجريات الفكر السياسي
المبحث الأول : لمحات على نشوء المذهب الإباضي وتطوره
تعد المرحلة التي تلت مقتل الخليفة عثمان بن عفان هي الانطلاقة الأولى لظهور الفرق الإسلامية على الساحة السياسية الإسلامية والتي كانت بحق بداية الانقسام في صف الأمة، وبتولي الإمام على – كرم الله وجه – مقاليد الخلافة الإسلامية بان ذلك الانقسام حين معركة صفين وحيلة التحكيم عن رأيين:
الأول: يرى شرعية الخليفة الرابع وأن بيعته صحيحة بإجماع الأمة والنزول إلى التحكيم خروج عن البيعة وزوال لحكمها وانتفاء لعقدها واعتبروا الإمام علياً (خلع نفسه عن الإمامة وولاها الحكمين على عهد الله وميثاقه أن يوليا من شاءا ويعزلا من شاءا فقد اتفقا على خلعه واختلفا في التولية له)(66) فصار (ليس من أولي الأمر بإذنه وأمره وفعله بنفسه لنفسه)(67).
الثاني: يرى شرعية الخليفة الرابع وأن بيعته صحيحة بإجماع الأمة والنزول إلى التحكيم اجتهاد من الإمام لحقن الدماء فوجب موالاته وطاعته، ولعل من أهم ما تمخض عن هذا الحدث السياسي الكبير وذلك الافتراق – والذي كان سببا في تغيير المجرى السياسي للتاريخ الإسلامي - هو:
1- ظهور المعارضة الإسلامية في صورة فرقة المحكمة(68) أو الحرورية(69) أو أهل النهروان(70) أو الخوارج(71) وهم أصحاب الرأي الأول.
2- بروز المصطلحات العقدية التي كانت نتيجة تحليل مواقف التحكيم وما سبقه وما تبعه من أحداث ألقت بضلالها على ساحة المعترك السياسي والديني في حياة الأمة تباعاً ومنها مسميات الفرق الإسلامية يقول العلامة علي يحيى معمر حين حديثه عن الفتن التي تلت خلافة عثمان – رضيالله عنه - : "ولاشك أن تلك الاتجاهات السياسية قد نتجت عنها صراعات مذهبيه فقهيه وكلاميه – كانت متأثرة إلى حد ما بتلك الظروف والاتجاهات والحركات"(72).
الفصل الثاني
ظهور المدرسة الإباضية
وأثرها على مجريات الفكر السياسي
المبحث الأول : لمحات على نشوء المذهب الإباضي وتطوره
تعد المرحلة التي تلت مقتل الخليفة عثمان بن عفان هي الانطلاقة الأولى لظهور الفرق الإسلامية على الساحة السياسية الإسلامية والتي كانت بحق بداية الانقسام في صف الأمة، وبتولي الإمام على – كرم الله وجه – مقاليد الخلافة الإسلامية بان ذلك الانقسام حين معركة صفين وحيلة التحكيم عن رأيين:
الأول: يرى شرعية الخليفة الرابع وأن بيعته صحيحة بإجماع الأمة والنزول إلى التحكيم خروج عن البيعة وزوال لحكمها وانتفاء لعقدها واعتبروا الإمام علياً (خلع نفسه عن الإمامة وولاها الحكمين على عهد الله وميثاقه أن يوليا من شاءا ويعزلا من شاءا فقد اتفقا على خلعه واختلفا في التولية له)(66) فصار (ليس من أولي الأمر بإذنه وأمره وفعله بنفسه لنفسه)(67).
الثاني: يرى شرعية الخليفة الرابع وأن بيعته صحيحة بإجماع الأمة والنزول إلى التحكيم اجتهاد من الإمام لحقن الدماء فوجب موالاته وطاعته، ولعل من أهم ما تمخض عن هذا الحدث السياسي الكبير وذلك الافتراق – والذي كان سببا في تغيير المجرى السياسي للتاريخ الإسلامي - هو:
1- ظهور المعارضة الإسلامية في صورة فرقة المحكمة(68) أو الحرورية(69) أو أهل النهروان(70) أو الخوارج(71) وهم أصحاب الرأي الأول.
2- بروز المصطلحات العقدية التي كانت نتيجة تحليل مواقف التحكيم وما سبقه وما تبعه من أحداث ألقت بضلالها على ساحة المعترك السياسي والديني في حياة الأمة تباعاً ومنها مسميات الفرق الإسلامية يقول العلامة علي يحيى معمر حين حديثه عن الفتن التي تلت خلافة عثمان – رضيالله عنه - : "ولاشك أن تلك الاتجاهات السياسية قد نتجت عنها صراعات مذهبيه فقهيه وكلاميه – كانت متأثرة إلى حد ما بتلك الظروف والاتجاهات والحركات"(72).