eKtab
EN ع
الفلامنجو يهاجر من تلمسان
Read free sample

الفلامنجو يهاجر من تلمسان

by خليل خميس

Page 1

بين ضفتين

عاد من المسجد مسرعا وعلى شفتيها ابتسامة يختلط بها الإعجاب بالمكر فهي تتذكره كيف كان يتعاطى الشيوعية والإلحاد ويكفر بكل شيء سوى العقل·

- أيها المتجرد من كل شيء سوى من نسيم قريتك، أتترك صوت عصافيرها وصياح الديك عند انبلاج الفجر (تخاطبه أخته وهي تبتسم)·

- سارة أختي العزيزة أنا وبلادي السويق كالسمكة والماء، فهل سمعت سمكة تعيش دون ماء، ومن قال لك إن من ذاق خضارها واستنشق غبارها وتناثر حرها ورطوبتها في خلايا جسده يروم صبرا عنها، سأعود تأكدي من ذلك ولكن بعد أن أرجع نصف قلبي الآخر ليجمع ماتشظى منه في الأيام الغابرة (يبتسم ويطبع قبلة وداع على جبينها)·

حمل حقيبته البنية الصغيرة على كتفه اليمنى وسحب تلك السوداء الكبيرة، توقف فجأة وعاد إلى الغرفة التي تجلس فيها والدته، فقبلها على رأسها وسالت دموعها فهو يمثل لها الكثير من مخزون الحب الأمومي، هذه المرأة استوطن حبها نياط فؤاده، جرت دموعه كالسيل العرم فخرج وعينه المليئة بالدمع تنظر بصعوبة إلى زوايا البيت التي تحمل له ألف حكاية وذكرى مع عزيز من أسرته، فعند مقدمة المطبخ تذكر وهو يعطي والده الراحل كأسا من الماء وقد وضع قطعة كبيرة من الحصى، فغضب حيال ذلك لكن أيمن كان يستمتع بغضب والده وبمزاحه، تذكر عندما كانت الأسرة تجلس في الفناء المفتوح للبيت وكان صيفا حارا والجميع يصوم رمضان، ويتحمل عذابات العطش فيه، لكنه غافلهم وسكب في جوفه شيئا من الماء ليطفئ لهيب العطش، فاكتشف أن الجميع وراءه ينظر فمنهم من يضحك عليه ومنهم من يعنفه، تذكر إخوته حين يبدأ الليل يرخي ستائر الظلمة على التلال والوهاد القريبة وجدران البيت المتهالكة من قسوة السنين، فإذا بأخيه سالم يزيد شخيره ويتحلقون حوله لاكتشاف أجمل تعليق ساخر فعلي يقول: إنها ماكينة كهربائية، وناصر يقول إنها نوع من الأسلحة الأوتوماتيكية، وتعلو الضحكات ثم يقوم علاء بوضع مشبك للملابس على أنف سالم ليمنع خروج الصوت ويواصل الجميع الضحك، وذلك المسكين لا يستيقظ سوى مفزوع، وبعد أن يضيق النفس عليه، وأمام غرفة والديه تذكر عندما كان يحمل العصا على رقبته واضعا كلتا يديه على أطرافها ليسقط على ذقنه ويتناثر الدم، فتسرع إحدى النساء العجائز اللواتي تتناول القهوة مع والدته بتضميده بالوسائل التقليدية المتوارثة لا يخلو الملح من مكوناتها، لكنه اكتشف أن تلك السقطة فعلت به الأفاعيل، فقد تركت له ندبة طويلة في أسفل اللحيين لتكون مثار سخرية من إخوانه بأنه يمتلك شكل عصا في أسفل الذقن، تذكر تلك النافذة بزجاجها الأبيض الشفاف الذي تجمعت حبيبات الصبغ الخارجي للبيت عليها كالفراشات حول النار يحب أن يفتحها دائما فإذا بأحد أصدقائه يأتي ليلا وهو خائف يتوسل إليه أن يفتح له لأنه رأى جنا وسحرة يتحلقون حول نار مشتعلة في إحدى المزارع القريبة من البيوت؛ ليكتشفوا صباحا أنها مجرد بقايا من جذوع الأشجار المتهالكة أراد صاحبها التخلص منها بالحرق، كل شيء في هذا البيت يحمل ذاكرة مستقلة وحدثا عزيزا على قلبه، تحرك وأخذت أخته ساره تداعبه لتخفف عنه وطأة الرحيل:

- سلم كثيرا على نصفك الثاني الذي وجدته أخيرا (بابتسامة ماكرة)·

ابتسم ووضع حقائبه في سيارته وانطلق إلى وجهته، أخذ ورقة بيانات السفر في يده يتحسسها ويلاعبها تارة ويضعها في حضنه تارة أخرى، كمن يمسك على شيء ثمين جدا، كان في كل لحظة ينظر إلى البيانات الموجودة بفرح وسرور كمن كان في حلم جميل، لا تمر دقيقة حتى ينظر اليها مرة أخرى كمن لا يصدق الأمر، فجأة وبعد عشرين كيلو متراً قفل راجعا، فقد تذكر شيئا ثمينا ومهما قد نسيه في البيت ليرجع مسرعا، وإذا به يدخل البيت فيجد سارة وهي تذرف الدمع على فراقه، لكنها حاولت إخفاء عواطفها وتجفيف دمعها الذي لا تجففه شمس الظهيرة، نظر إليها بابتسامته المعهودة وكأنه يخفف عنها لوعة البعد، لكنه لم يخرج حرفا واحدا من ثغره وذهب إلى غرفته، فأخذ كنزه الثمين الذي لا يفتحه إلا نادرا، وحين هم بالخروج سمع حمامة تنوح على سطح البيت فانسابت الذكرى العطرة في خلجاته ووجد أنه أخذ يسمع ذلك الهديل الجميل، كم يطربه هذا الصوت، كم يرجعه إلى عصور بني آدم المتعاقبة، هي نفسها هذه الحمامة التي ناحت زمن امرئ القيس والمتنبي وقيس بن الملوح، هي نفسها التي كانت تناديه وهو في مدرسة القرية، حيث كان المعلم يشرح بكل جوارحه بحور الشعر ورنينها، لكن صوت الحمامة كان أعذب لحنا وأهدأ شجنا، تذكر وهو يبتسم معلم اللغة العربية حيث كان يقول لهم: أرجوكم اسألوا يا أولادي، اسألوا أي معلومة في النحو، أشعروني بأنكم مازلتم تتنفسون الهواء في صدوركم، فرفع أيمن يده ليسأل بكبرياء وهو يستشعر العيون ولسان حالها يقول: ما شاء الله على التركيز المميز والحرص واللباقة، لكن السحر انقلب على الساحر، فأخرجه المعلم إلى السبورة بعد أن اكتشف أنه لم يستوعب الدرس أصلا، فبدأ بضربه على الدبر أمام الجميع ليكون مثار سخرية أمامهم، فلعن اللحظة التي جعلته يرفع إصبعه، لكنه أيضا كان مستمتعا بالضرب فهو ضمن سياق الأجيال التي لا تأكل ولا تنام ولا تفكر ولا تنجح ولا تستمع إلا بالضرب، بدأ يتحرك نحو السيارة وما زال يستمع إلى تلك الحمامة وأشجانها، فتذكر الأيام الخوالي التي نامها على سطح البيت أيام كانت أقصى أمنيات كل ريفي دخول التيار الكهربائي إلى بيته، ابتسم حين تذكر والدته وهي تصر على والده بأن يجعل سطح المنزل محاطا بالوارش حتى لا يسقط أيمن وإخوته من أعلى، ضحك حين تذكر أن إخوته كل واحد يحجز مرزابا حيث خصص لخروج ماء المطر من أعلى ليكون حمامه الخاص، فإذا انتصف الليل هطلت أمطار الأجساد الصغيرة لتغذي الحشائش المتطفلة في الأسفل، تذكر فرحة إخوته الصغار حين يكون النوم في الأعلى حيث تختلط رطوبة الجو برائحة البول، فلا تفرق والدتهم بين الاثنين الا بالنتانة، تذكر حين تجبره والدته أن يضع الحناء على يده ورجله فلا تنفعه كل جمل التوسل والاسترحام، فالعيد اقترب، وحين يرضخ لها لا يستمتع ذلك الحناء برجله، حيث البكاء والصراخ يعلو منتصف الليل، فتضطر الوالدة تحت وابل من تهديده لإزالته ونشره في أرجاء البيت، فتزيله مهزومة مع العتاب والتقليل من رجولته ومقارنته ببعض الفتيات الضعيفات·

Page 2

تتحرك السيارة وهو ينظر إلى البيت ككبسولة ذكريات ابتلعها فأخذ مفعولها يسري في جسده، مسك المقود وبدأ بالتحرك ثم توقف قليلا، فقد كان باب حقل والده الراحل قبالته، فركن سيارته جانبا وترجل منها فدلف إلى الحقل، وما إن أمسك الباب الحديدي الكبير حتى تذكر والده الذي سقى بعرقه تربة ذلك الحقل الذي يتوسط القرية، تذكر الليمون الذي كان يغطي بمساحته ثلثي الحقل، تذكر أيام حصاده حيث العائلة تجتمع كلها، وتساعدهم عمته راضية العجوز التي كانت أسطورة للأطفال في تحملها للحر والرطوبة والشمس الحارقة، وفوق كل ذلك عدم خوفها من الحشرات المخيفة بأشكالها وأنواعها وخاصة العناكب، وما إن ينتهي حصاد الليمون حتى يأتي الحصاد المرهق لأيمن؛ إنه حصاد النخيل الذي يمتلىء الحقل به، يتذكر والده وهو يحثهم على العمل (يداد يا اولاد عاشوا نريد نشاط) فجأة ابتسم متذكرا الحيلة الساذجة التي اكتشفها والده، ففي كل صباح لا بد لأيمن وإخوته ان يقوموا بورد يومي في الحقل في أثناء خروج ثمار النخيل، وذلك بالتقاط كل ما يسقط تحتها من ذلكم الثمار لإطعامها الماشية، ولأنه يحب النوم والوقت صيف حار ورطب يأتي بالدلو فيملأه إلى النصف بالرمل الناعم، ثم يغطي ما تبقى بثمار النخيل، فحاز على اعجاب والدته في السرعة والهمة، لكنه بعد ايام كان في مربع التعنيف بعد انكشاف اللعبة، تذكر وهو يمشي إلى داخل الحقل المكان الذي دفن فيه عصفوره الصغير، والذي بكى كثيرا عليه، وكان أول مرة يتعرف فيها على الموت، تذكر لعبته المفضلة بعد أن يأتي من (الكتاب) فيدعو الفتيات اللواتي يدرسن معه بكل براءة إلى لعبته، حيث يدفن ثمار النخيل الأخضر ويعطي كل واحدة شوكة لتغرسها في الأرض؛ ليكون الفائز من يخرج عددا أكبر؛ وهو سعيد جدا لأنه حاز على إعجابهن كلهن في نظره وبأنهن يتنافسن عليه، تذكر حين حزن والده ودموعه الغزيرة التي سالت حين قرر ازالة شجر الليمون الذي أصابه المرض، وكان وسط ذلك الشجر شجرة أحبها أيمن كثيرا وكان صديقا وفيا يداريها ويناجيها في كل يوم وهي شجرة (الزام)، كانت تمثل له الكثير، أخذ والده يصرخ عليه ليبتعد عنها وإلا سيكون هو والشجرة تحت الجرافة، لكنه أغمض عينيه واستسلم لقدره قائلا لوالده وبصوت عال وهو يحتضن جذعها دون وجل أو خوف من الغبار والهدير الذي تحدثه الجرافة:

- أبي إما أن نكون معا أنا وهي أو لا نكون·

هز الوالد رأسه غاضبا ومستنكرا لهذا الفعل والعناد غير المحدود، لكن قدر الآباء أن يمشوا أحيانا وراء نزوات أطفالهم؛ فيتحولوا هم الراعي والآباء هم الرعية، لم تكن من حيلة سوى الرضوخ لهذه الكتلة البشرية الصغيرة، تذكر ذلك الكلب الجريح بعد أن أطلقت عليه دورية للشرطة النار في سياق حملتها ضد الكلاب المسعورة، وقد كان مصابا بطلقتين، أخذه أيمن وعالجه وإخوته وأزالوا الرصاصتين، وبدأت تدب في جسده العافية، وكان الجميع يتوقع أن يكون وفيا مخلصا لهم ذلك الكلب، لكن الأمر كان مفاجأ له، فلأول مرة يتعرف على معنى الخيانة، فقد هرب الكلب ليضيف إلى قاموسه الصغير معنى التبدل والتحول ونكران الجميل، تذكر حين يجمع أطفال القرية في الحقل ويبدأون بممارسة لعبة الحرب الملتهبة - كما يسميها - وذلك بالتقاذف بالطين، الذي يسبب معظم الأحيان سيلان الدماء بسبب الحصى الصغير في داخله·

تذكر الساعات الطويلة التي يقضيها في حوض الماء في الحقل، فيغدو كأنه كائن مائي وقد التوى جلد أطرافه وأصبح لونه فاقعا، تذكر الساعات الطويلة جدا التي يقضيها مع بعض إخوته لمراقبة الطائر النادر الهدهد الجميل، فيرتفع الجدل بعد ذلك حين يحرك رأسه: -

- ألا ترون ماذا يفعل؟ إنه يصلي (سالم)

- لا إنه كأي طائر يتحرك بحسب طبيعته (أيمن)

- صدق سالم ألا ترى وهو يخفض رأسه إنه يسجد (علي)

- هو يبحث عن الحب فقط صدقوني (أيمن)

تذكر أساطير الجن والسحرة، فجميع الأطفال في القرية يجمعون أن حقلهم مليء بهم، فهو يعتبر مرتعا ووكرا لهم، ولا أدل على ذلك من مغسلة الموتى التي أوقفها والده ليغسل فيها أهل القرية موتاهم، فبعد تغسيل الميت تبقى آثار الحنوط والعطور التي تعارف الناس عليها وحصروا رائحتها على من يخرج من معترك الحياة فقط، وفي الليل يخرج ذلك الميت ويأتي الحقل ليسكن تحت الأشجار، تذكر كيف كان يجوب الحقل بين أشجار المانجو وهو يمسك بديوان مجنون ليلى ويردد بصوت عال:

أراني إذا صليت يممت نحوها

بوجهي وإن كان المصلى ورائيا

فجأة نزلت من عينيه دمعة، فسيل الذكريات سيغرقه في مجراه العميق، رجع مسرعا إلى السيارة محاولا غض البصر عن أي شيء يحيط به، وفي طريقه رأى أمامه شجرة الجوافة الصامدة منذ سنين عديدة، تذكر حين ترك الأسرة بعد الغداء الدسم واستجاب لطمعه الطفولي، فذهب قبل إخوته ليقطف ثمارها وصعد إلى أعلى أغصانها، وما هي سوى لحظات حتى سقط ليفقد الوعي لدقائق، ابتسم وأغلق باب الحقل وفتح باب سيارته، وقبل أن يتحرك كان قبالته بيت عمته الراحلة راضية، تلك الطيبة التي مات كل أبنائها ثم مات زوجها، تذكر حين زارها في المشفى وهي على سرير الموت: -

- عمتي عمتي أنا أيمن··

- (تفتح عينها بصعوبة وأنين الألم يزاحم كلماتها) أيمن؟

- نعم يا عمتي الحبيبة أنا أيمن

- ولدي أيمن أظن أن الرحيل قد حان ولوجه، فاعلم بأني صافية النفس تجاهك وراضية عنك وعن إخوتك، كم أنا مشتاقة لوالدك (تجري دموعها)

- (بصوت متحشرج ضعيف) أرجوك عمتي لا تقولي هذا فستعودين معافاة كما كنت مرة أخرى بل وأفضل من السابق·

تذكر حين ينام معها، حيث رائحة غرفتها ولباسها له مذاق مختلف عن سائر العطور، لم يستطع العطارون أن يصنعوا مثله، كان يستيقظ مفزوعا فصوتها يمزق أسداف الظلمة:

- لا تذهبوا·· لا تذهبوا

يا للمسكينة فأصوات أبنائها الذين رحلوا وصورهم لم تفارق ذكراها حتى في منامها، رغم مرور السنين الطوال، تحرك أيمن بسيارته مسرعا وذكرى المكان تلاحقه بكل تفاصيلها أينما قلب بصره، نظر إلى الورقة التي يحملها وقد لفها حول جواز سفره وأخذ يقلبها كمن يبحث عمن يواسيه ويخفف بعض آلام الذكرى·

على أطراف القرية استوقفه تل الرمل الذي كان يجمع عليه في كل ليلة أبناء قريته ليعلمهم فنون التدخين، تذكر حين أخبرهم سنطلق على هذا المكان اسما حركيا لجذب الجمهور فيضحك الجميع: -

- وماذا نسميه يا أبا الأسماء؟ (أحدهم)

- سنسميه وكر المودة

يضحك الجميع ويعجبون بهذا الإسم اللطيف الذي سينتشر في آفاق القرية، أخذ يتذكر الكثير من الأسماء التي أدمنت التدخين والتمرد معه على المجتمع بفضل وكر المودة·

ابتعد قليلا عن وسط القرية وكاد أن يصل إلى طرفها الغربي، حيث المقبرة الصغيرة، توقف ينظر إلى القبور الناتئة الحزينة وأخذ يشير بيديه كمن يسلم على عزيز، ثم بدأ يتمتم بحديث مع نفسه ويخفض رأسه انحناء كمن يقدم قرابين الولاء على مذبح المحبة، أخذ ينظر إلى القبور المتناثرة طويلا وتذكر أحبابه الذين يرقدون هناك، استمر بعدها في طريقه ثم اتجه شرقا إلى العاصمة مسقط، لكنه بذلك قد دار دورة كاملة حول القرية، وفجأة وقف يتأمل تلك المقبرة الكبيرة من جهة الشرق، تذكر حين كان يجتمع برفاقه لشرب الويسكي، الإيرلندي فالمقبرة محاطة بجدار مرتفع لا يراهم أحد، وتلفها أشجار السمر المعمرة، كان يتفنن في تعليمهم الخلطات التي تصاحب الكأس والمقادير المناسبة مع شراب الشعير، ثم يأخذ يناديهم هلموا معشر المشردين، تذكر حين كان يقول لهم (لو أن أصحاب هؤلاء القبور يخرجون لأعطيناهم كأسا، ورغم ذلك فهم يحسدوننا على هذه الزجاجة الفاتنة، لكنا لن نكون كرماء معهم) يضحك الجميع والانتشاء باد على وجوههم، تحرك بسيارته مسرعا فكل قطعة من ذلك التراب تذكره بحدث ومواقف قد ندم عليها كثيراً·

Page 3

تلمسان

شمالها البحر المتوسط وهي في شمال غرب الجزائر، تقع تلك المدينة الوادعة، انها تلمسان حديثا وأغادير قريبا، انها عاصمة الزيانيين التي إن دخلتها تنفست عبق التاريخ، تتناثر الجبال في كل الجهات كمن يحرس درة مكنونة، أجواؤها المعتدلة تتناغم مع روعة سكانها وأخلاقهم، فحين تتحدث إليهم يفرضون عليك احترامهم للرقي في التعامل الذي يتنفسونه في كل مواقفهم، لا تخطىء عيناك شجر الزيتون والعنب والتوت الذي يحلو للتلمسانيين أن يدعوه بحب الملوك، إنها مدينة ساحرة بتفاصيلها المتحفية والحديثة، من يزرها في الوهلة الأولى يصاب بالإبهار، فعاصمة الزيانيين تملك كل ما يجعلها تأسر العيون والعقول، ومن يغادرها اثر زيارته الأولى سيشعر بالحنين إليها والرغبة للعودة اليها عدة مرات ومرات، في وسط المدينة يوجد بيت الحاج علي، لديه ثلاث بنات وابن واحد، أكبر البنات اسمها أسماء، كان والدها ينظر إليها بإجلال واحترام، يرى فيها الطفلة المدللة رغم بلوغها السادسة والعشرين، تمتلك جبالا شاهقة من المحبة والتواضع والرقة، كان الجميع يحترمها ويسعى لاسترضائها، هي لا تحمل على أحد أية ضغينة أو حقد أو زعل، دائما تلتمس العذر للآخرين مهما أخطأوا بحقها، وهي دائمة التعرض للإحراج ومحاولة التحرش العيني واللفظي، لأن جمالها الأخاذ جعلها تعيش في قلق وحذر، ذات مرة مدير المؤسسة التي تعمل فيها أخذ يدخل مكتبها ويخرج على غير العادة، بحجة أنه يبحث عن شيء مفقود لم يسمه، لكن مكر الرجال لا حدود له ومكر النساء وذكاءهن لا يجاريه أحد، كان يحاول أن يختلس النظرات ليرى ذلكم القمر الذي أضاء شعاعه أرجاء المكتب، كانت المتاعب غير المتوقعة تلاحقها في كل مكان، لكنها صبورة ولا تنظر إلا إلى الأمام، فقريناتها في العمل تأكلهن الغيرة على ذلك الجمال النوراني والشخصية الدمثة الجميلة، في أخلاقها فيختلقن الأراجيف عليها حتى إنها لم تنجُ من وشايتهن البهتانية لدى المدير الذي كان يبحث عن سبب ليخضع ذلك الجمال لسلطت، ويمرغ قامته في أرض القبح التي يقف عليها، لكن جمال الروح لديها كان أكبر من جمال الجسد الفاني، لم ترد على أي إساءة سوى بالهدوء ثم الهدوء واللامبالاة، فهناك الكثير في الحياة ما يستحق أن يعيش لأجله المرء، ولم تضييع الزمن في قلق وانزعاج؟ كانت هذه هي وصفتها السحرية في التعامل مع كل إساءة أو استفزاز، فيتحول الآخر إلى عابد لآلهة يسجد لها طالبا المغفرة والعفو، كان والدها فخورا بها في كل محفل يكون فيه وسط العائلة، كان يناديها بجوهرتي، فيثير الأمر غيرة لدى أختيها فيضحك الأب، وهي تبادله الكثير من الحب والاحترام والتقدير، هي لا تنسى تلك الليلة المظلمة التي كان الجميع قد ذهب فيها ليستمتع بحفل الزفاف، بينما هي قضتها في كتابة بحثها، وكان معها والدها فقط يساعدها في ذلك العمل المضني إلى أن انتهت ما قبل الفجر بقليل رغم كبر سنه، فاستطاعت ان تحصل فيه على امتياز بعدما سلمته في ذلك اليوم، هي لا تنسى كيف أنه لم ينم حينما مرضت ذات مساء وظل جالسا أمامها، هي لا تنسى حينما خجلت من عطفه وحنانه الكبير حين وضع يده على جبهتها وآثار الإرهاق باد عليها، وبدأ يتمتم بكلمات يبدو أنه يدعو فيها الله ثم قال:

- يا ابنتي أنت قديسة لن ينساك الله·

كان والدها يمثل لها الكثير، تحب منهجه الثابت في إدارته للحياة، وفي كل يوم تتعلم منه مبدأ جديدا لتجعله ماثلا أمامها لتسير على نهجه، كانت تتمنى أن ترزق زوجا لديه خاتم الحنان والشفقة كوالدها، تقدم إليها الكثير من العرسان لكنها ترفضهم جملة وتفصيلا، تجد أن هناك الكثير من الثغرات فيهم، والدتها تعاتبها: -

- يا ابنتي صديقاتك قد تزوجن وأنت تقتربين من الثلاثين·

- لا بأس يا أمي مادمتم لم تملوا مني فسأبقى معكم إلى أن أموت (تضحك)·

أخوها سعيد وهو يكبرها بربيعين لديه قدرة على تعلم اللغات الأجنبية، فهو بالإضافة للغته الأم يتقن الفرنسية والإنجليزية والإسبانية ، هو يحبها أيضا لأنها تلبي طلباته دون تذمر، فتصنع له ما شاء من حلويات، خاصة (المقيرط) وغيرها من إبداعاتها في الطبخ، تقدم له دائما النصيحة في اتيكيت اللباس والهندام حتى يكون مثار جذب للفتيات وتضحك عليه، فيستفزها بأنه وجد لها عريسا وهو جارهم العجوز، فتضربه بيدها على ظهره ويستمر بالحديث: -

- ماذا به جارنا سي محمود، مازال شابا وقد تزوج خمس مرات ولديه اثنا عشر حفيدا·

- ألا تسكت قليلا أيها المشاغب (أسماء)

- تصوري أنك لو تزوجتيه سيزيد عدد الأحفاد لديه بعد ذلك (يضحك)

Page 4

تقوم بالغناء بصوت مرتفع حتى لا تسمع صوته المستفز ثم تذهب إلى غرفتها وهو يتبعها فتغلق الباب في وجهه·

إنهما ثنائي مشاكس، أما أختها دعاء فهي فتاة حركية وكثيرة الحديث لا تسكت أبدا، مجرد أن يفتح موضوع إذا بها تكرر أفكاره وتحاول التطرق إليه من كل جهة إلى أن يتعب السامع، تذكر أسماء أنها ذات مرة تناقش والديها وأخاها أن تصبغ غرفة المعيشة بلون من ألوان الطبيعة، وبعد أن جاء الدور لدعاء في الحديث بدأت تحلل الألوان لونا لونا، والأطروحات النفسية وعلاقتها بالأكل، واسترسلت في حديثها وكل واحد ينظر إلى الآخر ليس استغرابا من المعلومة فقط ولكن كيف سيكبحون ثرثرتها؟

أما باسمة الأخت الصغرى فهي نسخة أخرى من أسماء لكنها لا تحب الحديث أبدا، فبمجرد أن تأتي إلى المنزل من المدرسة تبدأ بتقليب القنوات الفضائية، لا يستطيع أحد أن يجلس معها في أثناء هذا الجو الخاص جدا لديها، فهي تغير خلال دقيقة خمس قنوات وتظل على هذه الحال لمدة ساعة كاملة، دائمة البحث عن الإثارة والجديد، فحين لا تجد ما يشبع فضولها تردد:

- ملل في كل شيء·

إحدى صديقات أسماء قررت الزواج لذا لم تبخل عليها بالتجهيز، فكانت كل يوم لديها في مراسم الزواج، وفي اليوم الأخير كانت معها حين لبست الشدة التلمسانية، فأخذت العروس تنظر إلى أسماء:

- أسماء أتمنى أن يأتي اليوم الذي أراك تلبسين الشدة، سأكون قربك يا صديقتي (أخذت تبكي)

- لا عليك حبيبتي أعرف أنك ستكونين عندي وسيأتي ذلك اليوم لا محالة (أخذتها نزوة حزن حين تذكرت أنها ما زالت على حالها لم تتزوج بعد، وكل صديقاتها في كنف أزواجهن)·

حين تعود للبيت تجلس في غرفتها تتأمل في الحياة وفي نفسها، تستغرب من الناس كيف يتكالبون على الحياة وهي فانية، ينشرون الكذب والخداع والنفاق لأجل المصالح الفردية، ما هذه الحياة التي نهايتها الفناء؟! ثم ما هذه الأمة الضعيفة التي ننتمي إليها؟ فقر وجوع ودماء وخلافات، ما هذا المجتمع الذي نتشدق بمثاليته وبأخلاقه وهو ينوء تحت الخراب والفساد، فجأة سمعت زقزقة العصافير ففتحت النافذة لتتعطر غرفتها بشدو تلك الأصوات العذبة الجميلة، ومن بعيد رأت الطائر الجميل الذي تحبه إنه الفلامنجو، كانت دائما تتمنى أن تكون مثل هذا الطائر لتطير بعيدا وتهاجر لتبحث عن عالم تغطيه المحبة، لقد استبشرت خيرا حين رأت طائرها الجميل، وانتابها لأول مرة شعور بالراحة والتفاؤل بأن تغييرا قادما في الأفق لا تدري ما هو، لكنها تتوقع أن الأجيال القادمة ستمتلك زمام المبادرة، جلست بعد أن كانت واقفة وأخذت تردد (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)، قامت بتشغيل صوت فيروز في جهازها، فما إن بدأت تستمع حتى سمعت صوت والدتها من بعيد:

- أسماء يا أسماء !

أغلقت الجهاز وذهبت مسرعة لتبدأ رحلة مرهقة في الطبخ والتنظيف بحسب الجدول الأسبوعي·

Page 5

بين قارتين

ابتعد عن قريته وهو ينظر إليها تصغر شيئا فشيئا، وكلما ابتعد مترا خرجت دمعة حارقة كالطفل الذي ينتزع من صدر أمه، أوقف السيارة جانبا وأخذ يبكي وينتحب، بعدها مسح دموعه وترك صندوق ذكرياته ودولاب آماله، دفن والده هنا في غرب القرية، وهناك في شرقها يرقد أخواله وأجداده، تنفس بعمق بعد أن فتح النوافذ كمن يخزن شيئا في مخازن الرئة الخفية من هواء قريته، بدأ بالمسير مرة أخرى فهو سيذهب إلى أم وحبيبة وصديقة طالما انتظرها في سني حياته المنصرمة، أخذ ينظر من نافذة السيارة إلى الناس والأشجار وإلى اللاشيء، تذكر كيف كان قبل أشهر يعيش في حالة من التوهان الفكري والنفسي، كان يقول في مواقفه الصعبة ان كان لي إله فلينقذني الآن! كان مدمنا على الكحول حتى في ليل رمضان الذي يصوم نهاره نائما ويشرب الخمرة في ليله، رغم أن مجتمعه محافظ إلا أن الجميع عجزوا عن ردعه، كان يقول لهم أقنعوا عقلي ثم اقنعوني،كانوا يتجنبون الخوض في حديث معه؛ لأنهم يعلمون أن معركتهم الكلامية ستكون مراكبها متكسرة في بحر منطقه المتلاطم، الذي ينم عن ذكاء ودهاء، الجميع يحترمه ويحبه لدماثة أخلاقه، هو يعلم ذلك، تذكر حين دخل يوما في دكان للحلويات وكان السكر قد أثقل لسانه، فوجد رجلا وقورا بلحيته البيضاء فسلم عليه وقبله على رأسه، لكن رائحة الخمرة تملأ المكان·

- الله يهديك يا ولدي·

- دعه يهديك أولا ثم سيكون دوري (يضحك أيمن باستخفاف)

- استغفر الله ما هذا الكلام يا أيمن؟

- (يغير الموضوع) لكن يا عم سالم لم تقل لي (يمسك بلحية الرجل) ماذا تستفيد من هذا القماش الأبيض المعلق ؟ هل تمسح بها الطاولة أم السيارة (يضحك)

- هذه للرجال وليست لأشباه الرجال أمثالك (بغضب)

- لدى الوالدة ماعز جميلة لديها لحيتك نفسها، هل هي رجل من الرجال أم أشباه الرجال (يستمر بالضحك)

سكت الرجل والغضب يغلي في صدره، وأخذ يتمتم بكلمات غير مسموعة ولا مفهومة، فخرج أيمن والضحكة مازالت مرسومة على وجهه·

تذكر حين كان مع رفقته تحت السدرة القريبة من المسجد والجميع يثرثر بشتى القصص، فأذن المؤذن (الله أكبر) فنطق أحد الجالسين الله أكبر على رأسك أيها المزعج، يا صاحب الصوت القبيح، فضحك الجميع، وما هي سوى لحظات حتى مرت بسيارة (JEEP) زوجة أحد الجالسين، فاختبأ حتى لا تراه متسائلا:

- هل مر طرزان! (ضحك الجميع)

Page 6

تذكر ذات مرة أن الناس يخرجون من المسجد وكان والده ينظر اليه بحسرة وألم دون أن يحادثه، كان ذلك اليوم قد أسرف في الشرب وقد سمع في تلك الأثناء:

- العالم يتطور ويتقدم وهذا الفتى مازال في غيه متخلفا!

التفت إليهم ضاحكا ثم أخذ يترنم بصوته الجهوري بقصيدة أمل دنقل:

العالم في قلبي مات، لكني حين يكف المذياع، وأسجيه فوق سريري

أسقيه نبيذ الرغبة

فلعل الدفء يعود إلى الأطراف الباردة الصلبة

لكنه تتفتت بشرته في كفي

لا يتبقى منه سوى···جمجمة·· وعظام

··· وأنام

كان لا يأبه بنقد الناس، فهو بالنسبة له حزمة من المهاترات والمماحكات الساذجة، حتى والدته التي تبكيه ليل نهار لم يهتم لدموعها وبكائها، حتى والده الذي كان مقلا في الصراخ والعتاب والضرب خرج عن طوره ذات مرة وبرك على صدره بكل ثقله وأخذ يشده من شعره الطويل وبغضب شديد أخذ يصرخ في غير عادته: -

- أما يكفيك تيها وضياعا أيها الولد المخنث الملحد!

كان يعلم أن والده يحبه لكن غضبه كان بركانا خلف حمما ونيرانا، ورغم ذلك لم يأبه للأمر وأخبر في الغد أصحابه كدعابة ساخرة أن والده اعتلاه كما يعتلي المغتصب مغتصبته؛ ليبحث عن اللذة وعما يطفئ حيوانيته، لكن والده كان اعتلاؤه لكما وصفعا وشدا للشعر وصراخا، فضحك الجميع لتعليقه الظريف··

تذكر حين حاول إرضاء والده فذهب ليصلي إلى المسجد، وبعد أن خرج مملوءا بالمواعظ والدعاء من بعض الناس في المسجد مر صديقه شامس بسيارته، طالبا منه المساعدة في إنزال بعض الأغراض الشخصية الثقيلة دون أن يفصح بشيء، وبعد أن ركب معه·

- أيمن انظر ورائك (شامس)

- (أيمن ينظر باندهاش) انها أغطية محشوة بالملابس·

- (بضحك هستيري) افتح الأغطية يا عبقري·

- (يزيح الأغطية) ما هذه المصائب أيها الداهية؟ (يضحك)

- إنه زادي من زجاجات الويسكي لمدة سنة قابلة للتجديد (يضحك الاثنان)

- ساعدني في نقلها وأعطيك زجاجة·

- قسمة ظالمة (أيمن متحدثا)

- لا إنه العدل بعينه

- زجاجتان على الأقل··

- حسنا موافق لا أستطيع معارضتك فأنت غال لدي·

تذكر كل هذا ودمعه الهتان يتهادى من مقلتيه ندما، فجأة رأى امرأة تتجاوزه في الشارع، نظر إليها ونظرت إليه خلسة، لكن نظرته كانت مليئة بالاستغراب والتعجب، فقد أعادته إلى ذكرى لم ينسها بعد حين قرر والده تزويجه عله يشعر بالمسؤولية فرفض قائلا:

- أبي ألا يوجد في هذه الحضارة سوى الجسد والجنس؟ ألا يكفي شقاء لك ولوالدتي أنكما خلقتماني في هذه الحياة الفانية، ألا تشعر بالشقاء الذي أنتما فيه بسببي؟ أتريدون استمرارا لمأساة أخرى؟!

- لكنه نصف الدين يا ولدي (الأب متأثرا)

- لدي نصفي وأنا راض به ولا أريد أنصاصا أخرى تكون عبأ علي، فلتحتفظ كل أنثى بنصفها·

كان هذا الرد الحاسم كافيا لإسكات الأب المكلوم لحالة ولده، لكن أيمن لم يكن قاسيا بالفطرة، فقد انسحب من حوار والده بعد أن رسم قبلة على رأسه·

تذكر جميع الفتيات اللواتي مررن بحياته، لم يكن يعطيهن بالا، تذكر ابنة الجيران التي لم يلتفت لها بنظرة أو بسلام في يوم ما، وحين استوقفته وهو يمشي ذات مرة في شارعه بينما هي واقفة أمام بيتها:-

- أيمن (تناديه فيلتفت إليها مستغربا)

- أنت شاب حقير ومتكبر ومتغطرس، أخشى أن تدوس بنعالك رؤوسنا!!·

Page 7

استغرب لهذا الموقف فهو لم يؤذها يوما ولم يؤذ أحدا من بنات جنسها، ولا يريد ذلك ولا يفكر به ويحترم الجنس اللطيف كثيرا، فكيف سيؤذي مشاعر هذا العالم الخاص من الناس؟·

- إن شاء الله لن أدوس أحدا (قالها بسخرية ممتزجة بالغضب والتعجب)

في منتصف الطريق وجد ازدحاما شديدا فشغل قرصه المفضل الذي جمع فيه مجموعة من شعرائه المفضلين بصوته، فانتقل بين بساتين مزهرة من المتنبي إلى مجنون ليلى فالجواهري، فمحمد الماغوط ومحمود درويش وأحمد مطر وعبدالله الخليلي وعبدالله البردوني وعمر أبو ريشة وأحمد شوقي ونزار قباني، لم يكن مغرما بصوته لكنه مشدود للتنهيدات الصادقة التي يطلقها هو بنفسه حين يبحر في خضم القصيدة، ابتسم حين سمع رائعة البردوني (سحر الربيع)، كاد أن يطير من سيارته ويحلق مع الطيور التي تشق السحب، ظل يهز رأسه طربا حين سمع أبيات البردوني: -

يا ربيع الحب يا فجر الهوى

ما أحيلاك وما أشذاك نشرا

تبعث الدنيا وتجلو حسنها

مثلما تجلو ليالي العرس بكرا

وتبث الحب في الأحجار لو

أن للأحجار أكبادا وصدرا

في لحظات وجد نفسه أنه تجاوز تلك الزحمة ولم يشعر بالوقت، ومازال طروبا بالقصائد التي يسمعها ويترنم بها·

Page 8

النصف المفقود

أكملت أسماء تعليمها الأكاديمي في جامعة (أبو بكر بلقايد)، بعد فترة وجيزة وجدت لها عملا إداريا في إحدى المؤسسات القريبة، كان الكثير من الشبان ينظر إليها بإعجاب، تقدم لخطبتها الكثيرون لكنها رفضتهم جميعا، كانت تبحث عن شيء لم تجده فيهم، وتدعو الله أن تجد ذلك الشيء في كل صلواتها وخلواتها ، هي فتاة محافظة لكنها تختار أوسط الأمور دائما، كان الجميع يحبها في أسرتها الممتدة من أب وأم وأخوات وأخ وخال وعم وجدة، إذا زاروا البيت ولم يجدوها يشعرون أن شيئا ناقصا في ذلكم البيت، كثر الخطاب وهي تبلغ السابعة والعشرين من عمرها، وقد ازداد القلق لدى والديها، فكل الزهور من حولها قد قطفت إلا زهرتهما، لكنها دائما تقول لهما:

- لا تستعجلوا فربما القادم هو الأفضل·

كانت تجلس في حجرتها ذات ليلة وتذكرت ذلك العريس الشاب الذي حاول الجلوس معها ومحاورتها، لكنها أدارت رأسها عنه فقد قرأت شخصيته من رؤيتها لعينه وتقاسيم وجهه، شعر حينها أن أبوابها موصدة فانسحب، كان حديث من حولها عن الزواج وتقدم العمر يشعرها بالقلق والضجيج في نفسها، إلا أن التفاؤل تميمتها الدائمة في فكرها، هي قارئة للفكر والأدب لا تفوت كتابا أو مقالة إلا وهضمت ما فيها، لكنها أيضا تكتب وتدون وتسبك أفكارها، كم أرسلت مقالات لبعض الصحف في الجزائر لكن بعضها ينشر والبعض إذا خالف هوى التحرير يكون مصيره أكبر سلة في المبنى، لكن لا بأس فخدمة الفكر والأدب بحاجة إلى أوقات طويلة، والهمة في احتراف القراءة والكتابة لا بد أن تنطلق من الداخل وليس من الخارج، الذي يميت أجنة الإبداع في رحم الثقافة، كانت الثورة الإعلامية قد بلغت شأوا كبيرا من التطور، ووسائل التواصل الاجتماعي قد غدت كالحمى تجتاح كل العالم، فضلا عن العالم الثالث المستهلك الذي لا يصله الجديد إلا بعد سنين عجاف، ومن ضمن هذا الوسائل (الفيسبوك)، أنشأت أسماء صفحة بإسم مستعار تحت اسم (نورة آدم) وبدأت تبث إبداعاتها وكتاباتها، كانت لا تستضيف أحدا في صفحتها سوى من شعرت أن لديه انبعاث الإبداع والتميز، وتترك كل الانتهازيين والسفلة والمنحرفين بعيدا عنها ولا تفتح لهم مجالا لتفاهاتهم، زاد عدد الأصدقاء والصديقات لديها لكنها لا ترنو إلى ذلك بقدر ما ترنو أن تكتب ما تريد، وبعد شهرين من اشتراكها في هذه الوسيلة المفيدة والممتعة شدها مقال قصير عن الثقافة وأهميتها في بناء المجتمع، وضح المقال الذي ظهر معها بسبب إعجاب احدى الصديقات به، نظرت إلى الكاتب، صورته واسمه: أيمن ناصر من سلطنة عمان، لم تعر الأمر أهمية، وبعد شهر من هذه الحادثة إذا برسالة لطلب الصداقة باسم أيمن تأتيها، فلم تتردد كثيرا فثبتت الصداقة حين تذكرت هذا الاسم، تقول لصديقتها لمى المتشددة تجاه الصداقات مع الرجال في الفيسبوك حين عاتبتها على إضافة رجل إلى صفحتها: -

- لا أدري صديقتي انتابني شعور لم أستطع السيطرة عليه، رغم أني رفضت الكثير من الصداقات وبدون تردد، لقد كان هذا الشعور الآمر الناهي لأستضيفه فأضفته، لقد أعجبتني كتاباته وطرحه·

- ألا ترين أنه علماني التوجه في فكره، ألم تقرأي دعوته لتطبيق الدولة المدنية التي سماها بالعلمانية الجزئية (لمى)

Page 9

- نعم قرأت ذلك·

- تقولين ذلك ببرودة أعصاب، ألا تعرفين أن العلمانية تساوي نكران الدين وإبعاده عن الحياة تماما، وأنت فتاة صالحة ومتدينة·

- يا عزيزتي فليذهب وأفكاره وما يقوله إلى أقصى الشرق أو الغرب، وما دخلي في ذلك كل واحد وهو حر فيما يتبنى من أفكار·

- إني اقول هذا لقلقي عليك وحبي لك·

- لا تخافي فلدي مبادئي كما لديه مبادئه، وأنا حرة في ذلك ولدي عقل يفكر وقلب يقرر ولست إمعة·

- إني أخاف عليك أن يجرك هذا الشاب المجنون في أفكاره ويفتنك عن دينك·

- (قفزت ابتسامة في شفتيها) لا تخافي صديقتي العزيزة فوالدي رباني أن أكون كالجبل الأشم أمام الريح العاتية·

ذات مرة وجدت رسالة في صفحتها باللون الأحمر، فقالت في نفسها هذه صديقتي لمى يبدو أنها لم تنتهي من ثرثرتها معي، وحين فتحت الرسالة تفاجأت أنها من أيمن معلقا على منشور لها ينادي بالحرية للشعوب:-

- أهلا نورة·· ما رأيك بالديموقراطية المنتشرة الآن في دولنا العربية؟

- (رغم اندهاشها من السؤال لكنها أجابت) هي صمام أمان للحرية فإلى متى سيظل العربي في خوف؟

- هذا لا يختلف عليه اثنان، لكن هل تعتقدين أنها قابلة للتحقيق لدينا، فنحن العرب تجري في عروقنا مهنة الراعي والغنم حتى الوقت الحاضر رغم الحداثة، فالشعب هو الغنم والحاكم هو الراعي، مازلنا نقاد إلى مصيرنا كالخرفان·

- لا يوجد مستحيل يا أيمن إلا في عقولنا، ألا ترى الثورات العربية المتعاقبة، إنها الربيع العربي بكل المقاييس·

- لكن هذه الثورات وإن كانت شعبية فلا يوجد لها رؤوس ثقافية توجهها وتدافع عنها، وتنظر وتؤطر لحركة الجماهير وإلا ستؤكل·

- قلت لك إنها ثورة شعبية تجاوزت المثقفين وأبراجهم العاجية·

- أنت تعرفين أن دولنا العربية محكومة من محورين ولا نستبعد التأثيرات الخارجية أيضا!

- ماذا تقصد بالمحورين؟

Page 10

- أي زعيم فاسد لديه جوقة من الفاسدين، وأسفل منهم آخرون مثلهم يقتاتون على موائدهم، هؤلاء يديرون الدولة فتسمى الدولة العميقة، وأما المحور الثاني فهو مؤسسة العسكر التي تتحفز للانقضاض على كل شيء يخالف توجهاتها·

- ماشاء الله أيمن يبدو أنك مغرم بالسياسة وضليع بها·

- لست مغرما كثيرا بها ولست ممن تقولين بتضلعهم، لكن هذا ما يراه أي شخص متابع·

- يبدو أنك مثقف وما أقل الشباب المثقف هذه الأيام!

- (يضحك أيمن مع نفسه ثم يكتب) الثقافة أكبر منا يا أسماء، فنحن نتطفل على مائدتها المستديرة والآن دعينا نعود إلى موضوع الديموقراطية·

- حسنا لكن هلا عذرتني الآن لدي ظرف خاص وسأخرج عنك، وأعدك بأن نناقش الأمر لاحقا·

- حسنا لا بأس·

- السلام عليكم·

- أهلا وسهلا·

استغربت أسماء من رده للسلام لكن لم تعط الأمر أهمية، فكل بحسب العادة التي تعود عليها في مجتمعه·

بعد أن زارت جدتها التي تعيش لوحدها في بيتها انقطعت عن كل العالم، فهناك لا توجد شبكة اتصال، وقد أجبرتها الجدة للجلوس معها يومين ولم تستطع الرفض، وبعد أن عادت إلى البيت مساء وضبت أشياءها للغد، وفي الصباح ذهبت عند عودتها فتحت صفحتها فوجدت رسائل من أيمن فابتسمت بعد أن قرأتها·

- أهلا أسماء أين أنت؟ ألم تعديني بمناقشتي؟

- (بعد خمس دقائق) يبدو أنك صائمة عن الكلام!

- (بعد ربع ساعة) من الأفضل الانسحاب وعدم تضييع الوقت··

- (بعد أربع ساعات) يبدو أنكن معشر النساء لا تطقن النقاش، فالعاطفة تغلبكن كثيرا إنه الطبع الذي يغلب التطبع·

- (بعد سبع ساعات) يظهر أن الحديث عن الديموقراطية أفرز ردة فعل لديك·

- السلام عليكم أيمن أنا هنا (أسماء تكتب)

مضت عشر دقائق وأيمن ينظر إلى جملتها ولم يجبها بشيء فقط ينظر إلى المكتوب·

- أيمن اعلم أنك هنا فعلامة اتصالك الخضراء ظاهرة أمامي·

تمر نصف ساعة وأيمن مازال مترددا أيرد عليها أم يتركها وشأنها؟ بعدها قرر الرد بعد أن رأى إصرارها على الحديث·

- أهلا أسماء

- أخيرا تنازلت عن كبريائك يا رجل! وأدركت معنى الحياة·

- ماذا أفعل؟ فالحياة ورطة والممات ورطة فأين السبيل من الاثنين؟

- الحل هو الإيمان أيها الشاب··

- هذا هو طبعكم معشر المتدينين، لا حديث لكم سوى الطهارة والنجاسة والوضوء·

- حسبك أيمن أنا لم أحدثك عن الذي ذكرته لتسخر مني، وإنما حدثتك عن الإيمان، أتدري ما هو الإيمان؟

- حدثيني أيتها الخطيبة المفوهة!

- وما الضير أن أكون خطيبة مفوهة كما تقول، على الأقل سينتفع مني الناس ويطبقون نصائحي، لكني لست كذلـــك - للأسف -·

- طيب هات أيتها الناصحة ما عندك·

- سأقول لك شيئا يقرب إليك معنى الإيمان؟

- أنا أنتظر لأقرأ·

- أنا مؤمنة بأنك لم تشرب كحولا طوال المدة التي لم نتحادث فيها·

- ما شاء الله على العاطفة الإيمانية، وما أدراك أيتها الناصحة؟

- الذي أدراني هو قلبك، مع اعتذاري لهذا الانقطاع لأني كنت في زيارة لجدتي المريضة··

- وكيف هي الآن؟

- جيدة بحمد الله·

- لكن ما الذي جعلك تثقين في حديثك؟

- قلبك يا أيمن، أنت تمتلك قلبا طيبا من خلال الحديث، رغم اني لم أرك لذلك عندما قطعت عهدا لي بعدم شربك للكحول كنت واثقة ومؤمنة بك·

- إنك تبالغين أيتها الفتاة المزعجة (يشعر بشيء من الضيق)·

- لا أرجوك أيمن لا أريد إزعاجك، أرجوك استمع إلي، أود سؤالك وبصراحة تامة: هل شربت الكحول بعد عهدك لي أن أن تتركه في أثناء محادثتك لي؟

- (ظل صامتا برهة من الزمن) الحقيقة لم أشرب منه شيئا طوال اليومين وإلى الآن·

- هل رأيت وصدقتني الآن بأنك تمتلك قلبا طيبا، أيمن اسمع إلى ذلك الصوت العميق في داخلك، لا تمنع شعاعه أن يخرج دعه ينطلق·

- لماذا تجعلون الإيمان هو أساس الدخول إلى الجنة أو النار؟ هناك الكثير من الناس غير مؤمنين ولكنهم في سعادة·

- أنا لا أتحدث عن النار أو الجنة، فهذه بيد ربنا القدير ولا سلطة لنا عليها، ثم إن حديثك بأن الكثير من الناس غير مؤمنين وهم في سعادة من أين لك هذا؟ وكيف عرفت أنهم في سعادة؟

- ومن أين لك هذا أيضا؟

- من خلال حواراتي مع غير المسلمين، فأنت تعلم أن الجزائر احتلت أكثر من مائة عام، ومازال يأتي إلينا بعض الفرنسيين للزيارة ونقابلهم ونتحادث معهم، فنشعر بالخواء الروحي لديهم، وكم منهم من اعتنق الإسلام، ألم تقرأ كتاب (الصراع من أجل الإيمان)

- سمعت به لكن لم أقرأه بعد!

- إنه للدكتور الأمريكي جفري لانغ (Jeffery Lang) وقد اعتنق الإسلام وكتب انطباعاته حين أسلم وشعر بالإيمان·

- وماذا قال؟