eKtab
EN ع
الفلسفة في الحاضر
Read free sample

الفلسفة في الحاضر

by سلافوي جيجيك

Page 1

مقدمة المترجم

عقدٌ كاملٌ من السنوات (هو العقد الأخير من القرن العشرين) يفصل بين بدايتَيْ انتشار اسمَيْ آلان باديو وسلافوي جيجك عالميًا، بالرغم من الأعمال المهمة «القديمة» لكلٍّ منهما، أي «المرحلة الفرنسية» لـ باديو، و»المرحلة السلوفينية» لـ جيجك، إذا جاز القول، إذ إن باديو كان ولا يزال يكتب بالفرنسية، فيما انتقل جيجك بشكلٍ كاملٍ تقريبًا للكتابة بالإنكليزية (فيما عدا مقالات أو فصول في كتب تصدر بلغات متعددة كالسلوفينية والألمانية والفرنسية).

ويمكن القول بأن انتشارهما تزايد بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر وصولاً إلى الأزمة المالية في العام 2008؛ حيث أُعيدت طباعة عددٍ من أعمالهما (لا سيما باديو)، بخاصة بعد ظهورهما المتكرر في المؤتمرات واللقاءات الإعلامية تأكيدًا على فكرة «انتهاء الرأسمالية»، بل والتّنظير لعودة الشيوعية؛ حيث يرى جيجك، خصوصًا في كتابه بدايةً كتراجيديا ثمّ كمهزلة (2009)، بأن العام 2001 هو عام «بداية النهاية لليوتوبيا الرأسمالية» (في تراجيديا أحداث أيلول/سبتمبر) التي واصلت الانحدار وصولًا إلى خاتمتها (في الأزمة المالية للعام 2008 «المهزلة») معيدًا بذلك تسليط الضوء على أعمال ماركس ونظرياته المناقضة للرأسمالية، شأنه في ذلك شأن مفكّرين ماركسيين آخرين مثل فريدريك جيمسون وتيري إيغلتون، عدا عن المؤرّخ الراحل إريك هوبزباوم. وبالتأكيد، لا تقتصر أهمية باديو وجيجك على الجانب السياسيّ، إذ إن لكلٍّ منهما أعمالاً نظرية في الفلسفة تعدّ من أهم ما كُتب في الحقل النظريّ والنقد الثقافيّ منذ حقبة السبعينات، كانت ولا تزال تثير الكثير من الجدال بشأن تأويلاتها ونقضها لمعظم الأفكار السائدة في الحقول الفلسفية والثقافية والسياسية.

ولد آلان باديو في مدينة الرباط المغربية في العام 1937. وكان ناشطًا سياسيًا منذ وقت مبكّر، إذ هو أحد المؤسسين للحزب الاشتراكيّ الموحّد في فرنسا PSU الذي كان له نشاطٌ كبير في الدعوة لوجوب إنهاء الاحتلال الكولونياليّ الفرنسيّ للجزائر. وبعد انتفاضة الطلاب في أيار/مايو 1968 انتقل باديو إلى أقصى اليسار حيث أسّس (مع سيلفان لازارو وآخرين) اتحاد شيوعيّي فرنسا الماركسية اللينينية. أما في الوسط الأكاديميّ فقد تنقّل من مدرسة المعلّمين العليا (ENS) إلى جامعة باريس 8 فانسان سان دوني، التي كانت تعدّ معقلاً لـ “الثقافة المضادة”، حيث خاض مناظرات وجدالات حادة مع زميليه: جيل دولوز وجان – فرانسوا ليوتار. ومع اقتراب الثمانينات من نهايتها، وتدني قوة التيار السياسيّ اليساريّ، عاد باديو للانهماك في كتابة مؤلَّفاته الفلسفية النظرية، بخاصة بعد أن كادت الساحة الفلسفية الفرنسية (والأوروبية) تفرغ بعد وفاة جاك لاكان وإدخال لوي آلتوسير إلى مصح نفسيّ، وكانت ثمرة نتاجه في الثمانينات عدة كتب أهمها كتاباه نظرية الذات (1982)، وكتابه المرجعيّ الأهم الكينونة والحدث (1988)، من دون أن يتخلّى باديو عن همومه السياسية النضالية وأفكاره. ومع بداية القرن الواحد والعشرين، أصبح باديو في دائرة الضوء بعد ترجمة معظم أعماله القديمة إلى الإنكليزية، وظهور مقالات/فصول من كتبه في دورياتٍ يسارية بارزة مثل لاكانيان إنْك ونيو لفت ريفيو، ثم صدرت (ولا تزال) كتب عديدة عنه لدراسة فلسفته الأقرب إلى الأفلاطونية وأفكاره اليسارية الراديكالية.

Page 2

بالنسبة إلى باديو، تنتج الفلسفة من أربعة أوضاع (فنيّ، عشقيّ، سياسيّ وعلميّ) يكون كلٌّ منها «إجراءَ حقيقةٍ مستقلاً بشكلٍ كليّ»، أي هي تُنتج الحقيقة حينما يتم السّعي وراء أيٍّ منها بحيث يصبح وضعًافلسفيًا (philosophical situation)، ولا يمكن إطلاق صفة الحقيقة على هذه الإجراءات إلا من خلال الاشتغال الفلسفيّ. ولا يتم إدراك هذه الحقيقة إلا حين يحدث “خَرْق” أو “تمزُّق” في قوانين الكينونة، فيكون هذا الخرق هو “الحدث”؛ وفقط، عبر مواجهة المرء لحقيقة حدثٍ ما، يصبح هذا الشخص ذاتًا، أي أن الذاتية، بحسب باديو، ليست إرثًا إنسانيًا بل هي مُكتسَبة. وباديو، بهذا، يقترب من مفهوم “التذويت” الفوكويّ، والذي يعني عملية بناء الذات الفردية؛ حيث يقول ميشيل فوكو إن عملية التذويت هي التجلّي الأنتولوجيّ الذي يسبق (ويمهّد لـ) ظهور الذات كمصطلحٍ وكينونة. وهي النظرية الأساسية التي يقوم عليها عمل باديو الذي ولد مع كتاب الكينونة والحدث وتطوّر عبر السنوات وصولاً إلى كتابه الآخر منطقيات العوالم: الكينونة والحدث 2 (2006) ومن خلال هذا المفهوم المتفرّد، يبتعد باديو عن معظم التيار الفلسفيّ الأوروبيّ بشقَّيْه الحداثيّ ومابعد الحداثيّ.

ولد سلافوي جيجك في العام 1949، في العاصمة السلوفينية ليوبليانا، حيث درس الفلسفة وعلم الاجتماع في جامعتها، ونال درجة الدكتوراه في الفلسفة منها، ثم سافر إلى باريس في الثمانينات حيث نال دكتوراه ثانية في التحليل النفسيّ من جامعة باريس الثامنة. وبين درجتَي الدكتوراه، كانت حياته الأكاديمية قد تعثّرت موقتًا إثر رفض أطروحته للدكتوراه لأنها اعتُبرتْ «غير ماركسية»، فتحوّل جيجك إلى كاتب عمود صحافيّ في عدد من الدوريات المستقلّة المناهضة لحكم تيتو، بخاصة المجلة الشبابية مْلادينا. وقد كان عضوًا في الحزب الشيوعيّ السلوفينيّ حتى تقديم استقالته في العام 1988، لينخرط بعد ذلك في عددٍ من تجمّعات وحركات المجتمع المدنيّ ومنظمات حقوق الإنسان، وما لبث أن رشّح نفسه إلى انتخابات رئاسة الجمهورية في العام 1990 في أول انتخابات ديمقراطية تشهدها سلوفينيا بعد تفكّك يوغوسلافيا، مُرشَّحًا عن الحزب الديمقراطيّ الليبراليّ. وعلى الرغم من هذا النشاط القديم مع الليبراليين بقي جيجك ملتزمًا بالأفكار اليسارية الراديكالية، وصولاً إلى العام 2009 حين وصَف نفسه بأنه «شيوعيّ مؤمن بالمادية الديالكتيكية».

بدأ جيجك اشتغاله الفلسفيّ خلال الثمانينات حينما قام بتحرير وترجمة أعمالٍ لفرويد، آلتوسير، وجاك لاكان. ثم ركّز اهتمامه على لاكان بشكلٍ خاص، حيث استخدم منهجه في التحليل النفسيّ في تأويل (ونقد) الفلسفتين الهيغلية والماركسية، وإضافةً إلى ذلك كان هو الشّارح الأبرز للمنهج اللاكانيّ حيث قام بتطبيق هذه الأفكار على أمثلةٍ ثقافية وأدبية وسينمائية شعبية في عدد من الكتب بخاصة الكتاب الأشهر الذي قام بتحريره وكتابة عدة فصول منه كلّ ما أردتَ دومًا معرفته عن لاكان، ولكن كنتَ خائفًا من سؤال هيتشكوك (1993).

يُتَّهم جيجك دومًا بعدم منهجية أفكاره خاصة وأنه يكتب في جميع الحقول الثقافية تقريبًا، من النقد الثقافيّ والتنظير السياسيّ مرورًا بالسينما والأوبرا وصولاً إلى التحليل النفسيّ، وقد زاد من هذا «الغموض النظريّ»، بحسب منتقديه، أسلوب كتابة جيجك غير الاعتياديّ و»المزيج الغريب» بين الأفكار اللينينية والتحليل النفسيّ والثقافة الشعبية. ولكن جيجك لا يدفع التهمة عن نفسه بل يقول إنه يميل إلى الاشتغال في النقد بدلاً من ابتكار نظرية فلسفية، وفي الوقت ذاته كان يصرّح دومًا في حواراته بأنه يتوق للعودة إلى المجال النظريّ في الفلسفة لإنجاز مشروعٍ كبيرٍ (بـ 700 صفحة) عن هيغل. وقد صدر هذا الكتاب فعلاً في العام 2012 في مجلّد ضخم تجاوزت عدد صفحاته الألف صفحة من القطع الكبير، أقل من لا شيء: هيغل وظل المادية الديالكتيكية (2012).

Page 3

وقد شهدت السنوات القليلة نسبيًا التي برز فيها اسم جيجك «تقلّبات» فكرية من شارحٍ لأعمال جاك لاكان, إلى مابعد الماركسي, وصولاً إلى العام 2001، حينما بدأ ينظّر لعودة الشيوعية والدعوة لديكتاتورية البروليتاريا، وهو بهذاقام، بشكلٍ من الأشكال، بالقَطْع مع «رفاقه» المثقفين مابعد الماركسيين لا سيما إيتيان باليبار، إرنستو لاكلاو، وجوديث بتلر، حيث كان قد ألّف مع لاكلاو وبتلر كتابًا مهمًا هو الاحتمالية، الهيمنة، الكونيّة (2000). وبذلك أصبح هو المثقّف اليساريّ الوحيد الذي يعمل في التّنظير لهذه الأفكار الراديكالية، إذا ما استثنينا آلان باديو. إذ، ومع تفجّر الانتفاضات وحركات الاحتجاج في كل أرجاء العالم في العام 2011، أصبح جيجك وباديو ضيفين دائمين في معظم المؤتمرات التي تشجّع وتنظّر فكريًا للثورة، وأصدر كلّ منهما كتابًا عن هذا العام «الثوريّ» بالتزامن تقريبًا في العام 2012، عام الأحلام الخطرة (جيجك)، انبعاث التاريخ (باديو)، عدا عن دعوتهما لمؤتمر بعنوان فكرة الشيوعية جمعا فيه أهم الأسماء الماركسية واليسارية في الحقلين الفلسفيّ والثقافيّ في العام 2009 (منهم مايكل هارت، أنتونيو نيغري، تيري إيغلتون، جان – لوك نانسي، وجاك رانسيير)، وقد صدر كتاب يضمّ أوراق هذا المؤتمر بنفس العنوان (تحرير كوستاس دوزيناس وسلافوي جيجك) في العام 2010. وقد صدر الجزء الثاني من هذا الكتاب (بتحرير سلافوي جيجك) مؤخرًا (2013).

ولابدّ من الإشارة أخيرًا إلى أن أهمية الرجلين المعاصرة أدت إلى صدور دوريّتَيْن متخصصتين في فكر كلٍّ منهما، حيث تُنشر فيهما مقالات وأبحاث أكاديمية مهمة يكون محورها أعمال أو أفكار أحدهما، أو أفكارهما معًا، بلغاتٍ متعددة لم تقتصر على اللغات الأساسية بل تعدّتها إلى اللغات الأقل انتشارًا كالصينية والفارسية. وقد صدر العدد الأول من المجلة الدولية لدراسات جيجك في العام 2007، فيما صدر العدد الأول من المجلة الدولية لدراسات باديو في العام 2012، وهما دوريتان فصليتان إلكترونيتان تُتيح تحميل وقراءة مقالاتهما مجانًا.

أما بالنسبة للكتاب الذي بين أيدينا، الفلسفة في الحاضر، فقد صدر بالألمانية بدايةً في العام 2004 حيث ضمّ محاضرةً لكلٍّ من باديو وجيجك ألقياها في ندوةٍ-مناظرة جمعتهما في فيينا في العام ذاته، ثم صدرت ترجمته الإنكليزية في العام 2009. ويضمّ الكتاب الأصلي هاتين المحاضرتين إضافةً إلى مناقشةٍ بينهما، لتكون النتيجة كتيّبًا لا تتجاوز عدد صفحاته الثمانين صفحة. وعلى الرغم من صغر حجم الكتاب، إلا أنه يعطي لمحةً موجزةً عن الفكر الفلسفيّ والسياسيّ لكلٍّ منهما، ويُظهر مدى تقاربهما سياسيًا، وإن اختلفا في عدد من القضايا الفلسفية.

وقد أضفتُ ملحقين إلى الكتاب حاولت فيهما أن يكون النتاج النهائيّ للكتاب شاملاً لفهم أفكارهما (إذ هما غير معروفين بشكلٍ كبيرٍ عربيًا بعد، إذلم يُترجَم إلى العربية من أعمالهما سوى كتاب واحد لجيجك وكتابان لباديو وبعض المقالات لهما أو عنهما) وقد كانت المهمة صعبة بسبب الكمّ الهائل من الكتب والمقالات المكتوبة عن كلٍّ منهما، لذا حاولتُ انتقاء ما يحقّق صفتَي البساطة والعمق، مبتعدًا عن الأبحاث التخصصية المعقّدة من جهة، والمقالات الصحافية العابرة التي يكون همّ الكاتب أو المحاور فيها الشتيمة المجانية (لـ جيجك بشكلٍ خاص) أو الأسئلة الساذجة المعتادة. ويضم الملحق الأول مقالتَيْن؛ الأولى للفيلسوف الإنكليزيّ سايمون كريتشلي عن آلان باديو («لم يُعتبر باديو روسويًا؟») هي مجتزأةٌ بالأصل من كتابه الأخير إيمان اللامؤمن، وقد نُشرت في العدد الأول من المجلة الدولية لدراسات باديو (2012)، والثانية للناقد الإنكليزيّ البارز تيري إيغلتون عن سلافوي جيجك («مخلصٌ لرغباته») وقد نُشرت في تايمز ليتراري سَبْليمنت[ملحق تايمز الأدبيّ] (2008). فيما يضمّ الملحق الثاني حوارين مع كلٍّ منهما أجراهما الصحافيّ البريطانيّ ستيوارت جيفريز لصحيفة ذا غارديان البريطانية في العامين 2011 و2012، ضمن سلسلة «حياةٌ في..» التي تنشرها الصحيفة بشكلٍ دوريّ، حيث يتم إجراء حوارات مع أهم الكتّاب والفنانين أوروبيًا وعالميًا.

وختامًا، لا بدّ من الإشارة إلى أن الكتاب الأصلي (والمقالات في الملحقين إذا ما استثنينا مقال كريتشلي) يخلو من الحواشي والهوامش فيما عدا إدراج تاريخ صدور بعض الكتب المذكورة في المناظرة، وقد قمتُ بإدراج هذه الهوامش وإضافة هوامش أخرى، عدا عن حواشٍ ضرورية حاولتُ فيها الإيجاز قدر الإمكان، وشرح مصطلح أو مفهوم ما؛ وبذلك فإن جميع الهوامش والحواشي الموجودة في الكتاب، وكلّ ما هو بين مركنين [...]، هي من وَضْع المترجم.

يزن الحاج

دمشق –حزيران/يونيو2013

Page 4

تصدير المحرّر

كان الرئيس الفرنسيّ الأسبق فرانسوا ميتران معروفًا بدعواته للفلاسفة إلى الإليزيه خلال فترة حكمه بهدف مناقشة المسائل السياسية والاجتماعية. وبذا قام بوضع نفسه في تقليدٍ راسخٍ تسعى فيه السلطة المستنيرة للاقتراب من الفلاسفة ولاكتساب الشرعية من هذا التقارب. لا نعلم ما إذا كانت هذه اللقاءات قد أثّرت على القرارات السياسية لميتران أم لا، ولكنه، على الأقل، بقي في ذاكرتنا كرئيسٍ مثقف.

وسواء كانت نصائحهم تؤخذ على محمل الجد أو أنهم استخدُموا كديكور، فمن المعتاد، حقيقةً، عدم خروج المثقّفين المدعويّن إلى مثل هذه المناسبات بشعور جيد. وبالرغم من ذلك، يبدو أن دعوتهم إلى طاولات السلطة تشكّل مصدر إغراءٍ شديدٍ لهم.

إن الأزمنة التي كان فيها لفلاسفة مثل سيمون دو بوفوار أو جان بول سارتر، أو ميشيل فوكو أو جان-فرانسوا ليوتار قولٌ بشأن الأحداث المعاصرة، أو حين يتم اعتبار اقتراحاتهم لتحسين الأوضاع مهمةً، قد أصبحت من الماضي. فاليوم، حتى متمثّلو الفلاسفة الذين حلّوا محلّ الفلاسفة في السبعينات، تمّ استبدالهم بالفنانين وعارضات الأزياء، أو بلاعبي كرة القدم والملاكمين.

وبذا، قد يكون ثمة إغراءٌ لنتحدث عن عصرٍ ذهبيٍّ كان فيه رأي الفلاسفة لا يزال ذا قيمة؛ ولكن هل كانت أزمنةً أفضل حقًا؟

بكل الأحوال، لم يمضِ زمنٌ طويل مُذْ كنا نتحدث عما كان عليه دور الفيلسوف كارل ماركس في النظام التوتاليتاريّ للكتلة السوفياتية. ألم يكن السفّاح [الكمبوديّ]بول بوت مثقفًا متعلمًا في باريس؟ كم عدد من قُمعوا، وطُردوا,أو اعتُقلوا, أوقتلوا خلال الثورة الثقافية الصينية؟

إن السؤال الذي ينطلق منه الكتاب، عمّا إذا كان يتوجّب على الفيلسوف أن يسهم في الأحداث المعاصرة وأن يعلّق عليها، هل تتمّ مقاربة السؤال المتعلق بدور المثقفين في مجتمعنا بأسلوب محدَّدٍ فلسفيًا؟ لم يعد كافيًا مجرّدُ الإجابة بأن على الفيلسوف ألا يكتفي بتفسير العالم، بل ينبغي أن يغيّره.

يجب أن تأخذَ إجابةُ هذا السؤال في الاعتبار تطرُّفَيْن اثنين. فمن جانبٍ، تُثقل مشاركة المثقفين في جرائم القرن العشرين بشدة على الفهم الذاتيّ لهذه الجماعةالمجتمعية، على الأقل بقدر ما تحافظ على ذاكرةٍ عمليّةٍ للتاريخ. ومن جانبٍ آخر، يمكن أن نسأل أنفسناما إذا كنا سنستفيد حقًا فيما لو سمحنا لعارضات الأزياء، مقدّمي البرامج، الرياضيين، وجماعاتٍ مماثلة باحتلال مكان المثقف في مجتمعنا الإعلاميّ المعاصر.

Page 5

تبيّنَ بأن إجابات الفيلسوف الباريسيّ (الفرنسي) آلان باديو والفيلسوف وعالم التحليل النفسيّ السلوفينيّ سلافوي جيجِكْ، خلال نقاشهما حول هذا الموضوع في فيينا عام 2004، أكثر تواضعًا وتشكُّكًا مما قد يتوقّعه المرء من الفلاسفة. فبدلاً من الاختباء في مجدٍ قديمٍ أصبح منذ زمنٍ طويلٍ مهجورًا تاريخيًا، حاولا استعادة السّمة المميزة للفكر الفلسفيّ لاستنباط إجاباتهما منها.

عَرفَ كلٌّ من سلافوي جيجِكْ وآلان باديورفيقه واحترمه منذ فترةٍ طويلة. كان سلافوي جيجِكْ يطرح اسم آلان باديو باستمرار فيخطة النشر لدار بازاجِنْ[الألمانية]. ومن جانبه، كان باديو يساعد في ترجمة أعمال جيجِكْ إلى الفرنسية. كان كلٌّ منهما يعلم ما سيقوله الآخر وكيف سيجادل، في الخطوط العريضة على الأقل. وهما لا يتفقان في المفاهيم والأفكار الفلسفية المهمة، كما سيؤكدان ذلك مجددًا في هذا النقاش. ينطبق هذا الأمر على مفهوميهما للحدث والواقع، وكذلك على فهمهما لدور المتخيَّل, أو آرائهما حول السياسة. من جانبٍ آخر، هما يتفقان بأن على الانخراط الفلسفيّ أن ينبع من خصوصية الفكر الفلسفيّ، وأن يكرّس حدوده ضمن هذا المعنى.

ندين بفكرة هذا الكتاب لمبادرة فرانسوا لاكويز، المدير السابق للمعهد الثقافيّ الفرنسيّ في فيينا، الذي دعا آلان باديو وسلافوي جيجِكْ إلى فيينا لإجراء نقاشٍ عام. وكان شريكه في هذه المبادرة فانسينش رايشْب، مدير المعهد العلميّ السلوفينيّ في فيينا. كان التحديد الوحيد هو الموضوع؛ وفيما عدا ذلك كان كلّ شيءٍ مفتوحًا للنقاش، الذي أداره الصحافي النمساوي كلاوس فيليب.

أثناء عمله في فيينا، كان لـ فرانسوا لاكويز إسهامٌ مهمٌّ في تأمين كلّ ما يحتاجه التبادل بين ثقافتَي اللغتين الفرنسية والألمانية، وأضفى حيويةً جديدةً على المعهد الفرنسيّ في فيينا، لا تزال ملحوظةً في المدينة إلى اليوم. وكذلك، لم يكن مترددًا في تكملة البرنامج الاعتياديّ للمعاهد الثقافية بإسهاماتٍ غنيةٍ من الفكر والفلسفة المعاصرين. إننا ندين له بالفضل.

لقد تجنّبْنا تنقيح النصوص من أجل النّشر. إذ أردنا، متعمّدين، أن نحافظ على العفوية وألا نشوّه الكلمة الدارجة عبر تحويلها إلى بنيةِ فكرٍ مرسَّخةٍ ومنسَّقةٍ منهجيًا. إذ إن على الكتاب أن يثير الاعتراض، التفكير، والمزيد من القراءة.

لعل جيجِكْ محقٌّ بأن الفلسفة ليست حوارًا.

ومع ذلك، فالنقاش الفلسفيّ محرِّضٌ دومًا، كما كانت تسعى إلى تحقيقه دعوة النقاش، والآن هذا الكتاب.

بيتر إنغلمان

Page 6

التفكير بالحدث : آلان باديو

الليلة سنسأل أنفسنا: إلى أيّ حدٍّ تتدخّل الفلسفة في الحاضر، في المسائل التاريخية والسياسية؟ وفي نهاية الأمر، ما هي طبيعة هذا التدخّل؟ لم يجب استدعاء الفيلسوف للتدخل في مسائل تخصّ الحاضر؟ سنقوم – سلافوي جيجِكْ وأنا – بطرح هذه المشكلة، ومن ثمّ سنناقشها. نحن متفقان في العديد من الأشياء، لذا لا نستطيع أن نَعِدكم بمعركةٍ دموية. ولكننا سنرى ما بوسعنا فعله.

ثمة فكرةٌ ابتدائيةٌ زائفة تحتاج الإلغاء، وهي أن بمقدور الفيلسوف التحدث في كل شيء. تتمثل هذه الفكرة بفيلسوف التلفزيون: فهو يتحدث عن مشاكل المجتمع، ومشاكل الحاضر، وما إلى ذلك. لم هذه الفكرة زائفة؟ لأن الفيلسوف يُنشئ مشكلاته، هو مبتكر مشاكل، ونعني بأنه ليس الشخص الذين يمكن أن يُسأل في التلفزيون، ليلةً إثر أخرى، عن رأيه بما يجري. والفيلسوف الأصيل هو من يحدّد بنفسه المشكلات الهامة، هو شخصٌ يطرح مشكلاتٍ جديدةً أمام الجميع. فالفلسفة تعني أولاً وقبل كلّ شيء: ابتكار مشكلاتٍ جديدة. ويلي ذلك تدخُّلُ الفيلسوف في لحظةٍ ما في الوضع– سواء كانت تاريخيًا، أو سياسيًا، أو فنيًا،أو عشقيًا، أو علميًا... – ثمة أشياءٌ تتبدّى له بشكل إشارات، إشاراتٌ تُحتّم ابتكار مشكلةٍ جديدة. ويصبح السؤال حينئذٍ: ضمن أية شروطٍ يجد الفيلسوف، في هذا الوضع، الإشارات لمشكلةٍ جديدة، لفكرٍ جديد؟ ومن خلال أخذ هذه النقطة في الاعتبار، وبغية تهيئة الأرض لنقاشنا، أود تقديم تعبير «الوضع الفلسفيّ» (philosophical situation). تحدث كل أنواع الأشياء في العالم، ولكن لا تكون جميعها أوضاعًا للفلسفة، أو أوضاعًا فلسفية. لذا أودّ أن نطرح السؤال الآتي: أي وضع هو ذاك الذي يكون، فعليًا،وضعًافلسفيًا، وضعًا للفكر الفلسفيّ؟ سأقدم إليكم ثلاثة أمثلة، ثلاثة أمثلةٍ عن أوضاع فلسفية، وذلك بهدف إعطائكم لمحةً عما سأشير إليه.

الحالة الأول مُصاغٌ بشكلٍ فلسفيٍّ أساسًا، فيما لو جاز لي قول ذلك. يمكن إيجاده في محاورة أفلاطون، غورغياس. وتعرض هذه المحاورة الصراع الحاد الشديد بين سقراط وكالّيكليس (Callicles). يخلق هذا الصراع وضعًا فلسفيًا، عدا عن كونه معروضًا بأسلوبٍ مسرحيٍّ بشكلٍ كليّ. لماذا؟ لأن فكرَيْ سقراط وكاليكليس يخلوان من أي مقياس مشترك، وكلاهما غريبٌكليًا بالنسبة للآخر. كُتب النقاش بين سقراط وكاليكليس من قِبل أفلاطون بحيث يمكّننا من فهم ما يعنيه وجود نوعين مختلفين من الفكر يبقيان غير متكافئَيْن، مثل الخط المائل وضلع المربّع. ويشير هذا النقاش إلى علاقةٍ بين مصطلحَيْن ليس ثمة علاقةٌ بينهما. يجادل كاليكليس بأن ثمة صحة في قولنا بأن الشخص السعيد طاغية – أي مَنْ يغلب الآخرين بالحيلة والعنف. وعلى العكس، يصرّ سقراط بأن الشخص الصادق، الذي يماثل الشخص السعيد، هو العادل، بالمعنى الفلسفيّ للمصطلح. وبين العدالة بالعنف والعدالة بالفكر ليس ثمة تعارضٌ بسيط، من ذلك النوع الذي يمكن مقاربته عن طريق الجدالات المغلَّفة بمقياس اعتياديّ. بل ثمة افتقارٌ لوجود أية علاقةٍ حقيقية. وبذا، فالنقاش ليس نقاشًا؛ بل هو مجابهة. وما سيتوضّح لأي قارئٍ للنص ليس أن أحد المتحدثَيْن سيُقنع الآخر، بل إن القارئ سيشهد منتصرًا ومهزومًا. وهذا ما يفسّر تمامًا لمَ تبدو مناهج سقراط في المحاورة الثالثة بالكاد أكثر لطفًا من مناهج كالّيكليس. فالرغبة بالغايات تعني الرغبة بالوسائل، وهي مسألة فوز، لا سيما الفوز في عيون الشباب الذين يراقبون المشهد.

في النهاية، هُزم كالّيكليس. هو لم يعترف بالهزيمة، بل خَرِسَ وبقي في زاويته. لاحظوا بأنه المهزوم في محاورةٍ أدارها أفلاطون. ولعلها إحدى المرات النادرة التي يكون فيها شخصٌ مثل كالّيكليس هو المهزوم. هذه هي متع المسرح.

Page 7
بمواجهة هذا الحالة، ما هي الفلسفة؟ إن الواجب الوحيد للفلسفة هو أن تُظهر بأن علينا الاختيار. أننختار بين هذين النوعين من الفكر. ينبغي أن نقرّر فيما إذا كنا نريد أن نكون في جانب سقراط أم في جانب كالّيكليس. في هذا المثال، تواجه الفلسفةُ التفكيرَ كخيار، التفكير كقرار. وإن واجبها الملائم هو أن تفسّر الخيار. وبذا يمكننا قول الآتي: يتشكّل الوضع الفلسفيّ في اللحظة التي يتم فيها تفسير الخيار. خيارُ وجودٍ أو خيارُ فكر.
 
المثال الثاني: وفاة عالم الرياضيات أرخميدس. إن أرخميدس أحد أعظم العقول التي عرفتها البشرية. وحتى يومنا هذا، لا نزال نُفاجأ بنصوصه في الرياضيات. كان قد درس اللانهاية، وقام عمليًا بابتكار التفاضل والتكامل المتناهي في الصغر قبل نحو عشرين قرنًا من نيوتن.لقد كان عبقريةً استثنائية.
 
كان أرخميدس يونانيًا من صقلية. وحينما تم غزو صقلية واحتلالها من قِبل الرومان، شارك في المقاومة، مبتكرًا آلاتٍ حربية جديدة – ولكن الرومان انتصروا في النهاية.
 
ومع بداية الاحتلال الروماني، تابع أرخميدس نشاطاته. كان، على عادته،منهمكًا برسم أشكالٍ هندسية على الرمال. وفي أحد الأيام، حينما كان جالسًا يفكّر عند حافة البحر، يتأمّل الأشكال المعقّدة التي رسمها على الشاطئ، وصل جنديٌّ رومانيّ، أشبه برسول، ليخبره بأن القائد الرومانيّ مارسيلوس يريد رؤيته. كان الرومان شديدي الفضول بما يتعلقبالعلماء اليونان، بشكلٍ يشابه قليلاً ما يمكن أن يكون عليه فضول مديرٍ تنفيذيٍّ لشركة تجميلٍ متعددة الجنسية بشأن فيلسوفٍ شهير. إذًا، يريد القائد مارسيلوس رؤية أرخميدس. بيني وبينكم، لا أظن بأن بمقدورنا تصوُّر أن القائد الرومانيّ كان خبيرًا في الرياضيات. ببساطة، وفضوله يُحسب له، كان يودّ معرفةقَدْر هذا المتمرّد أرخميدس. ولذلك، أرسل الرسول إلى الشاطئ. ولكن أرخميدس لم يتزحزح. كرّر الرسول قوله: «يريد القائد مارسيلوس رؤيتك». وبقي أرخميدس صامتًا. لم يستوعب الجندي الرومانيّ، الذي من المحتمل ألا يكون هو كذلك شديد الولع بالرياضيات، كيف يمكن لأحدٍ أن يتجاهل أمرًا من القائد مارسيلوس. «أرخميدس! القائد يريد رؤيتك!». بالكاد رفع أرخميدس عينيه، وقال للجنديّ: «دعني أُكمل برهاني». فأجاب الجنديّ بسرعة: «ولكن مارسيلوس يريد رؤيتك! ما الذي يهمّني من برهانك!». ومن دون أن يجيب، تابع أرخميدس حساباته. بعد هنيهة، يقوم الجنديّ، الذي وصل إلى أقصى حالات غضبه الآن، باستلال سيفه ويضرب أرخميدس. يسقط أرخميدس ميتًا. ويطمس الشكلَ الهندسيَّ على الرمال بدمه.
 
لِمَ يكون هذا المثال وضعًا فلسفيًا؟ لأنه يبيّن عدم وجود مقياس متعارفٍ عليه، أو نقاشٍ فعليٍّ بين حقّ الدولة والفكر الخلاّق، لا سيما الفكر الأنتولوجيّ الصرف المتجسّد في الرياضيات. في النهاية، السلطة عنف، فيما القيود الوحيدة التي يعترف بها الفكر الخلاّق هي قواعده المتأصّلة الداخلية. وحينما نتأمل قانون فكره، يبقى أرخميدس خارج فعل السلطة. فالصفة الموقتةالمميِّزة للبرهان لا يمكن أن تكون مكمِّلةً للاستدعاءات العاجلة للمنتصرين العسكريين. ولهذا السبب يكون العنف مُنجَزًا، مما يُثبت عدم وجود مقياس متعارفٍ عليه أو كرونولوجيةٍ متعارفٍ عليها بين سلطةِ طرفٍ ما وحقائق الآخر. الحقائق كإبداع. لنتذكّر بسرعةٍ قيام جنديٍّ أميركيٍّ، من دون أن يعرف هوية ضحيته بالطبع، خلال احتلال الجيش الأميركيّ لضواحي فيينا،بقتل أعظم عبقريةٍ موسيقيةٍ في ذلك الزمن، المؤلف الموسيقيّ أنتون فيبِرْن.
Page 8

إنها مصادفة. وضعٌ فلسفيٌّ غير مقصود

يمكننا القول بأن ثمة مسافةً بين السلطة والحقائق: المسافة بين مارسيلوس وأرخميدس. مسافةٌ لم يحاول الرسول – لا شك بأنه جنديٌّ غبيٌّ ولكن مطيع– عبورها. ومهمة الفلسفة هنا هي أن تلقي الضوء على هذه المسافة. يجب أن تتأمل، وتفكر بمسافةٍ من دون مقياس، أو مسافةٍ ينبغي على الفلسفة، بحد ذاتها، أن تبتكر مقياسها.

أول تعريفٍ للوضع الفلسفيّ: أوضِح الخيار، القرار. ثاني تعريفٍ للحالة الفلسفيّ: أوضِح المسافة بين السلطة والحقائق.

مثالي الثالث عبارةٌ عن فيلم. إنه فيلمٌ فريدٌ للمخرج اليابانيّ ميزوغوشي، بعنوان العاشقان المصلوبان. ويُعتبر، من دون أدنى شك، أحد أجمل الأفلام عن الحب. يمكن تلخيص الحبكة ببساطة. تجري أحداث الفيلم في الحقبة الكلاسيكية من تاريخ اليابان، حيث تبدو السّمات البصرية فيه وكأنها لا تنضب، بخاصةٍ وأنه بالأبيض والأسود. تتزوج امرأةٌ شابةٌ من صاحب ورشةٍ صغيرة، وهو رجلٌ صادقٌ ميسور الحال، ولكنها لا تحبه ولا تشتهيه. يدخل شاب، أحد موظّفي زوجها، فتقع في حبه. ولكن في هذه الحقبة الكلاسيكية، حيث تُبتلى نساء ميزوغوشي بالشقاء والحظ العاثر، كانت عقوبة الزنا هي الموت: يُحكم على المذنبَيْن بالصّلب. ينتهي الأمر بالحبيبين بالفرار إلى الريف. وقد كان تسلسل المشاهد الذي يصوِّر رحلتهما في الغابة، في عالمٍ من الطرق، العربات، البحيرات والقوارب، مذهلاً جدًا. ويُحاط الحب، الذي يكون فريسةً لسلطته الذاتية على هذا الثنائيّ المطارَد والمنهَك، بطبيعةٍ مُعتمة وشعرية في آن. في هذه الأثناء، يحاول الزوج المُخْلص حماية الهاربَيْن. إذ يتوجب على الأزواج التبليغ عن الزناة، تجنّبًا لفكرة اعتبارهم متواطئين. وبرغم هذا، يحاول الزوج – وهذا برهانٌ حقيقيٌّ على حبّه لزوجته – أن يكسب الوقت. يدّعي بأن زوجته غادرت إلى الأقاليم لزيارة أقرباء لها... زوجٌ طيّبٌ ومخلصٌ – حقًا. شخصيةٌ تستحق الاحترام حقيقةً. ولكن بكلّ الأحوال، يتم كشف الحبيبَيْن، ويُلقى القبض عليهما، ويؤخذان إلى عذابهما.

هنا، تابعوا الصور الأخيرة للفيلم، التي تشكّل مناسَبةً جديدةً للوضع الفلسفيّ. يتمّ تقييد الحبيبين بشكلٍ عكسيٍّ ويُحملان على بغل. تقوم اللقطة بتأطير صورة الحبيبين المقيَّدَيْن وهما متّجهان إلى موتهما المروِّع؛ يبدو كلاهما مبتهجَيْن، وخاليين من الأسى: على وجهيهما ثمة إيماءةٌ بابتسامةٍ فحسب، أشبه بارتدادٍ نحو الابتسامة. إن كلمة «ابتسامة» هنا مجرد مجاز. يُظهر وجهاهما بأن الرجل والمرأة يوجدان بشكلٍ تامٍّ في حبهما. ولكن فكرة الفيلم، المتجسدة في الظلال اللانهائية من الأسود والأبيض على وجهيهما، لا تشير أبدًا إلى الفكرة الرومانسية لانصهار الحب والموت. لم يرغب هذان «العاشقان المصلوبان» بالموت مطلقًا. ولكن اللقطة تقول العكس تمامًا: الحب هو ما يقاوم الموت.

في مؤتمرٍ عُقد في لا فيميس(1)، قال دولوز، مُقتبسًا مالرو، إن الفن هو ما يقاوم الموت. حسنًا، في هذه اللقطات المذهلة، لم يكتف فن ميزوغوشي بمقاومة الموت بل قادنا للتفكير بأن الحب، أيضًا، يقاوم الموت. الأمر الذي يخلق مشاركةً بين الحب والفن – بطريقةٍ شهدناها دومًا.

ما أسميه هنا «ابتسامة» العاشقَيْن، بسبب افتقاري لمفردةٍ أفضل، هي وضعٌ فلسفيّ. لماذا؟ لأننا نقوم فيه، مجددًا، بمواجهة شيءٍ غير متكافئ، علاقةٌ بلا علاقة. بين حدَث الحب (قَلْب الوجود رأسًا على عقب) والقواعد الاعتيادية للحياة (قوانين المدينة، قوانين الزواج) ليس ثمة مقياس متعارفٌ عليه. ما الذي ستقوله الفلسفة لنا إذًا؟ ستخبرنا بأن «علينا أن نفكّر بالحدث». علينا أن نفكر بالاستثناء. يجب أن نعلم ما علينا قوله بشأن ما هو غير اعتياديّ. علينا التفكير بتحوّل الحياة.

بإمكاننا الآن تلخيص واجبات الفلسفة بما يخص الأوضاع.

أولاً، أن تلقي ضوءًا على الخيارات الجوهرية للفكر. «وفي المرحلة الأخيرة» (كما يقول آلتوسير) مثل هذه الخيارات تكون دومًا بين ما هو متأثّر وما هو غير متأثّر.

ثانيًا، أن تلقي ضوءًا على المسافة بين التفكير والسلطة، بين حقائق الفكر والدولة. أن تدرس هذه المسافة. أن تعلم ما إذا كانت قابلةً للعبور أم لا.

ثالثًا، أن تلقي ضوءًا على قيمة الاستثناء. قيمة الحدث. قيمة الانقطاع. وأن تفعل هذا بمواجهة استمرارية الحياة، بمواجهة التحفّظ الاجتماعيّ.

Page 9

هذه هي الواجبات العظيمة الثلاثة للفلسفة: التعامل مع الخَيار، التعامل مع المسافة، والتعامل مع الاستثناء – على الأقل، إذا ما كانت الفلسفة ذات معنى للحياة، أن تكون شيئًا أكبر من مجرد فرعٍ معرفيٍّ أكاديميّ.

في مرحلةٍ أكثر عمقًا، يمكننا القول بأن الفلسفة، بمواجهة الظروف، تبحث عن الصلة بين الأنواع الثلاثة للحالة: الصلة بين الخَيار، والمسافة، والاستثناء. أعتبر بأن المفهوم الفلسفيّ، بالمعنى الذي يتحدث عنه دولوز، أي بمعنى الخلق – هو دومًا ما يربط مشكلة الخَيار (أو القرار)، مشكلة المسافة (أو الهوّة)، ومشكلة الاستثناء (أو الحدث).

تخبرنا أعمق المفاهيم الفلسفية شيئًا كالآتي: «لو أردتَ لحياتك أن يكون لها معنى، عليك تقبُّل الحدث، عليك البقاء على مسافةٍ من السلطة، وعليك أن تكون حازمًا في قرارك». هذه هي القصة التي ترويها الفلسفة لنا دومًا، تحت أقنعةٍ كثيرةٍ مختلفة: أن تكون في الاستثناء، في حالة الحدث، أن تحافظ على مسافةٍ من السلطة، وأن تتقبّل عواقب القرار، أيًا يكن بُعدها وصعوبتها.

وفي حال فهمها بهذا الشكل، بهذا الشكل فحسب، ستكون الفلسفة هي حتمًا ما سيساعد الوجود على التغيّر.

منذ أيام رامبو، يكرر الجميع عبارة «الحياة الحقيقية غائبة». ولا تستحق الفلسفة الوقت والجهد الضائعين ما لم تكن مستندةً إلى فكرة أن الحياة الحقيقية موجودة. ومع أخذ الظروف في الاعتبار، تكون الحياة الحقيقية موجودةً في الخَيار، في المسافة وفي الحدث.

وعلى أية حال، وبما يخص الظروف، لا ينبغي أن نتعامى عن حقيقة أننا مرغمون على الاختيار بهدف بلوغ فكرة الحياة الحقيقية. ويتأسس الاختيار، كما قلنا، على مقياس عدم التكافؤ.

ما يوحّد أمثلتنا الثلاثة هو حقيقة أنها متمحورةٌ حول علاقةٍ بين مصطلحاتٍ غير متجانسة: كالّيكليس وسقراط، الجنديّ الرومانيّ وأرخميدس، العاشقان والمجتمع.

وتقوم علاقة الفلسفة بالوضع بتهيئة خشبة المسرح للعلاقة المستحيلة، التي تأخذ شكل قصة. لقد تمّ إخبارنا عن النقاش بين كالّيكليس وسقراط، وعن قصة العاشقَيْن المصلوبَيْن. إذًا، نحن نسمع حكاية علاقة. وفي نهاية الأمر، يكون ما تم إخبارنا به هو انقطاع: انقطاعٌ للرابط الطبيعيّ والاجتماعيّ المكرَّس. ولكن بالطبع، وبهدف روايةانقطاعٍ ما، ينبغي عليك أولاً أن تروي علاقة. ولكن في النهاية، القصة هي قصة انقطاع. بين كالّيكليس وسقراط، يجب على المرء الاختيار. سيكون من الضروري حتمًا القَطْع مع أحد الاثنين. وبشكلٍ مشابه، لو أخذت جانب أرخميدس، لن يكون بإمكانك مطلقًا أن تأخذ جانب مارسيلوس. ولو تتبّعتَ العاشقَيْن في رحلتهما إلى نهايتها، لن يكون بإمكانك أبدًا أن تأخذ جانب قاعدة الزواج.

إذًا، يمكننا القول بأن الفلسفة، التي هي الفكر، لا تترافق مع الموجود، بل مع ما هو ليس الموجود (ليس الأمر مرتبطًا بمتناقضَيْن، بلبمتناقضات منقطعة)، مهتمةٌ بالعلاقات التي ليست علاقات.

قال أفلاطون مرةً إن الفلسفة إيقاظ. وكان يعلم يقينًا بأن الإيقاظ يتضمن انقطاعًا صعبًا مع النوم. بالنسبة لأفلاطون الآن، وفي أي وقت، الفلسفة هيالفهممن خلال الفكر عما سينقطع مع نوم الفكر.

إذًا يحق لنا التفكير بأن الفلسفة يمكن أن تَحْدث في كل مرةٍ توجد فيها علاقة قائمةٌ على المفارقة، أي، علاقةٌ هي ليست علاقة، وضعٌ يتضمّن تمزقًا ما.

أنا أصرّ على هذه النقطة، ليس بسبب وجود «شيء» توجد الفلسفة. فالفلسفة ليست انعكاسًا لأي شيءٍ مطلقًا. هناك فلسفة، ويمكن أن تكون هناك فلسفة، لأن ثمة علاقاتٍ مبنيةً على المفارقة، لأن ثمة انقطاعات، قرارات، مسافات، وأحداث.

يمكننا إلقاء المزيد من الضوء على هذا الأمر مع أمثلة لا تكون أساطير، كموت أرخميدس، ولا بناءاتٍ أدبية، كشخصية كالّيكليس، ولا قصائد سينمائية، كحكاية العاشقَيْن اليابانيَّيْن. لنأخذ بعض الأمثلة المعاصرة الجيدة والبسيطة. مثالٌ سلبيّ وآخر إيجابيّ.

Page 10

مثالي السلبيّ بسيطٌ جدًا. إنه يتعلق بسبب عدم امتلاك الفلاسفة، عمومًا، لأيّ شيءٍ مثير للاهتمام بما يخص الخيارات الانتخابية. لنأخذ الحالة المعتاد للنظام البرلمانيّ النموذجيّ. حينما تواجهك الخيارات الانتخابية في ظل النظام البرلمانيّ النموذجيّ، لا تمتلك، فعليًا، أي معيارٍ لتبرير وشَرْعنة تدخّل الفلسفة. لا أعني بأن على المرء عدم الاهتمام لمثل هذه المواقف. بل أقول، ببساطة، بأن على المرء عدم الاهتمام بها بطريقةٍ فلسفية. إذ حينما يعرض الفيلسوف آراءه بخصوص هذه المسائل، يكون مواطنًا عاديًا، لا أكثر: هو لا يتحدث بمنطق التناغم الفلسفيّ الأصيل. ترى، لِمَ تكون الأشياء على هذا النحو؟ بشكلٍ أساسيّ، لأن الغالبية والمعارضة متناغمان قياسيًا، في النظام البرلمانيّ النموذجي، وفي طريقة عمله الاعتيادية. فمن الواضح بأن ثمة مقياسًا متعارفًا عليه بين الغالبية والمعارضة، مما يعني عدم وجود علاقةٍ مبنيةٍ على المفارقة. توجد اختلافاتٌ، بشكلٍ طبيعيّ، ولكن هذه الاختلافات لا تندرج ضمن مفهوم العلاقة القائمة على المفارقة؛ على العكس، هما يشكّلان علاقةً اعتياديةً محكومةً بالقانون. ومن السهل التقاط هذا: إذ عاجلاً أم آجلاً (هذا ما يُشار إليه بـ «التعاقب الديمقراطي») ستحلّ المعارضة محلّ الغالبية، ومن الضروريّ، حقًا، وجود مقياسٍ متعارفٍ عليه بين الاثنين. فإن لم يكن لديك مقياسٌ متعارفٌ عليه، لن يكون بمقدورك استبدال أحدهما بالآخر. إذًا فالمصطلحان متناغمان قياسيًا، وبقدر تناغمهما لن يكون لديك حالة الاستثناء الراديكاليّ. وكذلك، لن يكون أمامك خيارٌ راديكاليٌّ بمعنى الكلمة: فالقرار هو قرارٌ بين ظلال الفارق، بين اختلافاتٍ ضئيلة – كما تعلمون. فالانتخابات، عمومًا، تُحدَّد من قبل مجموعةٍ صغيرةٍ من المتردّدين، أولئك الذين لا يمتلكون رأيًا مستقرًا، مقرَّرًا سلفًا. فالناس الذين يمتلكون التزامًا فعليًا يشكّلون كتلاً ثابتة؛ ومن ثم يكون لدينا مجموعةٌ صغيرةٌ من الناس فيما يسمّى الوسط، الذين يميلون أحيانًا لطرفٍ ما، وتارةً للطرف الآخر. ويمكنكم فهم لم يكون القرار المتّخذ من قِبل أناسٍ سمتهم الجوهرية هي التردّد قرارًا شديد التميّز؛ فهو ليس قرارًا مُتَّخَذًا من قِبل أناسٍ حازمي الرأي، بل هو قرار اللامُقرّر، أو أولئك الذين لم يقرروا بعد وسيقرّرون لاحقًا لانتهاز فرصةٍ ما، أو في الدقيقة الأخيرة. إذًا، وظيفة الخَيار في جوهريّة رحابته غائبة. فالانتخابات لا تخلق هوّةً، بل هي القاعدة، هي تخلق تجسُّد القاعدة. وأخيرًا، أنت لا تمتلك فرضية حدثٍ صحيح، لا تمتلك شعور الاستثناء، وذلك لكونك في حضرة شعور المؤسسة, في التوظيف الاعتياديّ للمؤسسات. ولكن من الواضح بأن ثمة توترًا جوهريًا بين المؤسسة والاستثناء. إذًا، فمسألة الانتخابات بالنسبة للفيلسوف مسألة رأي نموذجية، أي ليس ثمة ما يربطها باللاتناغم، بالخيار الراديكاليّ، بالمسافة أو الاستثناء. وكظاهرة رأي، إنها لا تشكّل إشارةً لخلق مشاكل جديدة.

يتعلق مثالي الإيجابيّ بضرورة تدخّلٍ قام به الأميركيون في العراق. ففي حالة الحرب الأميركية ضد العراق، وعلى العكس من حالة الانتخابات البرلمانية، كل المعايير موجودةٌ معًا. أولاً، ثمة شيءٌ غير متناغمٍ في أبسط المعاني: بين السلطة الأميركية في جانب، والدولة العراقية في الجانب الآخر، ليس ثمة مقياسٌ متعارفٌ عليه. إنها ليست حالة فرنسا وألمانيا خلال حرب 1914-1918. ففي حرب 1914-1918، كان ثمة مقياسٌ متعارفٌ عليه بين فرنسا وألمانيا، هو بالتحديد ما يتسبّب بحربٍ عالمية. ولكن لم يكن ثمة أي مقياسٍ متعارفٍ عليه بين الولايات المتحدة والعراق. وغياب هذا المقياس هو ما أعطى كل دلالاته إلى بزنس «أسلحة الدمار الشامل» برمّته، لأن البروباغاندا الأميركية والبريطانية، بخصوص أسلحة الدمار الشامل، سعت إلى دفع الناس للتصديق بأن ثمة مقياسًا متعارفًا عليه. فلو كان صدام حسين يمتلك أسلحةً نووية، كيميائية، وبيولوجية أثناء إسقاطه، حينها كان سيكون لديك شيءٌ يُشَرْعِن التدخل، ضمن مقياسٍ متعارفٍ عليه بين السلطة الأميركية والعراق. لم تكن ستواجه حرب عدوانٍ من شديد القوة ضد شديد الضعف، ولكنَّدفاعًا شرعيًّا ضد خطرٍ قابلٍ للقياس. وحقيقة عدم وجود أسلحة دمارٍ شامل يوضح بشدةٍ ما كان الجميع يعرفونه أصلاً: بأن في هذه المسألة، لم يكن ثمة مقياسٌ متعارفٌ عليه. ثانيًا، لديك الحاجة القصوى لخَيار. وهذا هو شكل الوضع الذي لا يتوضّح فيه كيف يمكن لشخصٍ أن يكون شيئًا آخر بعيدًا عن دعم أو رفض الحرب. هذا الإرغام على الاختيار هو ما ساهم بتوسيع رقعة وانتشارالتظاهراتوالتحركات ضد الحرب.ثالثًا، أنت تمتلك مسافةً عن السلطة: خلقت التظاهرات الشعبية ضد الحرب هوةً ذاتيةً مهمةً بما يخص سلطة الهيمنة للولايات المتحدة. وأخيرًا، لعلّ أمامك بداية وضعٍ جديدٍ يتحدد، من بين عوامل أخرى، بأهمية هذه التظاهرات، ولكن، أيضًا، باحتمالاتٍ جديدةٍ لفهمٍ وفعلٍ مشتركٍ بين فرنسا وألمانيا.

وأخيرًا، بما يتعلق بالأحداث الجارية، ينبغي أن تسأل قبل أي شيءٍ آخر: «هل هناك علاقةٌ ليست علاقة؟ هل ثمة عناصر غير متناغمة؟». لو كانت الإجابة بالإيجاب، ينبغي أن تحدّد العواقب: ثمة خَيار، ثمة مسافة، وثمة استثناء. واستنادًا إلى هذه الأسس، يمكنك العبور من مجال الإبداء الصرف للرأي إلى الوضع الفلسفيّ. وضمن هذه الشروط، بإمكانك إعطاء معنى للالتزام الفلسفيّ. ويخلق هذا الالتزام اقتناعه الذاتيّ في حقل الفلسفة، مستفيدًا من المعايير الفلسفية.

أشدّد على فرديّة الالتزام الفلسفيّ. وينبغي علينا التفريق بشكلٍ واضحٍ بين الفلسفة والسياسة. ثمة التزاماتٌ سياسيةٌ تنيرها الفلسفة، أو حتى قد تكون الفلسفة سببًا في ضرورتها، ولكن الفلسفة والسياسة متمايزتان. فالسياسة تهدف إلى تحويل الأوضاع الجمعية، فيما تسعى الفلسفة إلى طرح مشكلاتٍ جديدة للجميع. ويقوم هذا الطرح، المتعلّق بمشكلاتٍ فلسفيةٍ جديدة، بصياغة شكلٍ مختلفٍ كليًا من الحكم، عن ذاك المتعلق بالنضال السياسيّ المباشر.

بالطبع، يمكن للفلسفة العمل على أساس الإشارات السياسية، إذ بمقدورها صياغة مشاكل باستخدام إشاراتٍ سياسية. ولكن هذا لا يعني بأن من الجائز خلطها مع السياسة بحدّ ذاتها. هذا يعني أن بإمكاننا، بسهولةٍ متناهية، التصور بأنه، وفي لحظةٍ ما، يمكن أن تكون لظروفٍ معينةٍأهميةٌبالنسبة للسياسة، ولكن ليس للفلسفة، والعكس صحيح. ولهذا، قد يبدو الالتزام الفلسفيّ شديد الغموض أحيانًا، بل وغير قابلٍ للاستيعاب. فالالتزام الفلسفيّ الأصيل – ذاك المنغمس في اللاتناغم، والذي يستدعي خيار الفكر، يمهّد للاستثناءات، يخلق المسافات، وينأى، بشكلٍ خاص، عن أشكال السلطة – غالبًا ما يكون التزامًا غريبًا.

ثمة نصٌّ مثيرٌ للاهتمام لأفلاطون حول هذه النقطة، نصٌ يمكنك أن تجده في نهاية الكتاب التاسع من الجمهورية. في الجمهورية، كما تعلمون، يرسم أفلاطون ملامح نوعٍ من اليوتوبيا السياسية. وبذا يمكن للمرء أن يفكّر تحديدًا بأن الفلسفة والسياسة في هذا الكتاب متقاربتان جدًا. في نهاية الكتاب التاسع، يخطب سقراط ببعض الشباب، كالمعتاد، فيقول بعضهم له: «هذه القصة رائعةٌ جدًا، ولكن لن تتحقق في أي مكان». إن نقد اليوتوبيا كان حاضرًا منذ تلك اللحظة. لذا يقولون له: «لن توجد جمهوريتك في أي مكان». ويجيب سقراط: «في كل الأحوال، لعلها ستوجد في مكانٍ ما غير بلادنا». بمعنى آخر، هو يقول بأنها ستحدث خارج البلاد، وسيكون ثمة شيءٌ أجنبيُّ وغريبٌ فيها. أعتقد بأن من المهم أن نفهم الآتي: يقوم الالتزام الفلسفيّ الأصيل، في أوضاعٍ ما، بخلق أَجْنَبة. في الحالة العامة، هي تكون أجنبية. وحين تكون عموميةً ببساطة، حينما لا تمتلك تلك الأَجْنَبة، حينما لا تكون مغمورةً بهذه المفارقة، ستكون حينئذٍ التزامًا سياسيًا، التزامًا أيديولوجيًا، التزام مواطن، ولكنه ليس التزامًا فلسفيًا بالضرورة. فالالتزام الفلسفيّ يتحدّد بأَجْنَبته الداخلية.

هذا يدفعني للتفكير بقصيدة أحبها جدًا، قصيدة للشاعر الفرنسيّ سان جون بيرس، ملحمةٌ عظيمةٌ عنوانها أناباز. في هذه القصيدة، ومع نهاية القسم الخامس، تجدون السطور الآتية، التي أود قراءتها لكم: «الغريب، متسربلٌ بأفكاره الجديدة, يكتسب المزيد من الحِرابفي طرق الصمت». هذا تعريفٌ للالتزام الفلسفيّ. فالفيلسوف غريبٌ دومًا، يرتدي أفكاره الجديدة. وهذا يعني بأنه يطرح أفكارًا جديدةً ومشاكل جديدة. وهو يكتسب المزيد من الحراب، في طرق الصمت. هذا يعني بأنه قادرٌ على جذب عددٍ كبيرٍ من الناس إلى هذه المشكلات الجديدة، لأنه أقنعهم بأن هذه المشكلات كونية. والأمر المهم هو أن أولئك الذين يخاطبهم الفيلسوف مقتنعون، بدايةً، من خلال صمت الاقتناع وليس عبر بلاغة الخطاب.