eKtab
EN ع
الفلسفة والتسامح والبيئة
Read free sample

الفلسفة والتسامح والبيئة

by فريال حسن خليفة

Page 1
مـقدمـــــة

الفلسفة والتسامح والبيئة ثلاثة أبحاث تشكل معًا موضوع هذا الكتاب ، وفي سياق هذه الأبحاث يبدو الترابط واضحًا بين الفلسفة والتسامح والبيئة ، إنها قضايا متداخلة لا انفصال بينها . يؤكد البحث الأول أن " معني الفلسفة " في تاريخ الفلسفة هو" مركب جدلي من المعرفة والنقد " ، هو "التنوير". ويعتبر جدل المعرفة والنقد هو الأساس لتراكم التراث الفلسفي ، وظهور المذاهب الفلسفية أو المدارس الفلسفية المختلفة وتياراتها، وبقدر ما يعبر النقد عن فعل التفلسف يشير أيضا إلى العقل الحر المستقل ، والذي بدونه يمتنع التفلسف ، وتستحيل غاية النقد الأساسية ، وهي إعادة الترتيب العقلي للواقع .

وعلى العقل يؤسس جون لوك التسامح الديني ليعيد ترتيب الواقع الأوروبي بغية تحقيق السلام والأمن ، والمحافظة على الحقوق والحريات والمصلحة العامة . ويرى لوك أن العقل هو صوت الله في الإنسان ، و قد وهبه الله قدرات معرفية من حس وحدس وبرهان . وعلى أساس هذا التصور للعقل يرى لوك أن كل ما يدركه العقل ويصل إليه بقدراته المعرفية في الدين أو في الواقع أو في الفكر إنما هو حقائق إنسانية . فإدراك المطلق على العقل محال، والاعتراف بإنسانية الحقيقة يلزم الناس التزام التسامح ، وعلى أساس التسامح المتبادل يتأكد وجود التعددية ، الأمر الذي يجعل العلمانية مطلبا ضروريا لسلام المجتمع وأمنه.

وجميع تلك الفضائل أو القيم الإنسانية هي مطالب ضرورية للعمل الكوكبي في حماية البيئة ، وهو في طبيعته عمل إبداعي ، يتطلب أيضًا - إلى جانب القيم الإنسانية - التقدم في المعرفة والعلم والتكنولوجيا ؛ ذلك أن مهمة العمل الكوكبي هي القضاء على الكوارث والأزمات البيئية ، وتنمية مختلف جوانب البيئة الكوكبية ، فى الثقافة والتعليم والصحة وكل جوانب الحياة الإنسانية والطبيعية على كوكب الأرض ، وهو أمر يصعب تحقيقه بعيدًا عن تمسك كل شعوب الكوكب بقيم التنوير ، والتقدم العلمي والتكنولوجيي، ونقد كل معوقات العمل الكوكبي في البناء الثقافي والتنظيم الاجتماعي.
Page 2
الفصل الأول

معني الفلسفة في تاريخ الفلسفة(1)

أولاً : المقدمـة :إشكالية معنى الفلسفة :

البحث عن معنى الفلسفة وأهميتها في حياة البشر ومستقبل الشعوب لا يتم بمعزل عن النظر في تاريخ الفكر الفلسفي ، من بداياته الأولى في الشرق القديم عند اليونان والرومان حتى عصرنا الحاضر .

ومعاني الفلسفة متعددة في تاريخ الفلسفة . فهي عند فيثاغورس " محبة الحكمة" ، وعند أرسطو هي " علم الوجود بما هو وجود" ، وفي تعريف الكندى " هي علم الأشياء بحقائقها بقدر طاقة الإنسان" ، وعند ابن رشد هي " النظر في الموجودات واعتبارها بحسب ما تقتضيه شرائط البرهان" ، وعند برونو باور هي " النقد " ، وعند ماركس هي " نظرة كلية لتغيير العالم " ، وعند الوضعية المنطقية هي " التحليل المنطقي لقضايا العلم "…إلخ

وهكذا تختلف التعريفات والمعاني من عصر إلي عصر ، ومن مذهب إلى مذهب ، ومن فيلسوف إلى فيلسوف ، وهذا الاختلاف لـه جذوره الاجتماعية والمعرفية التي تعمق وتنفى إمكانية وجود معنى واحد محدد للفلسفة .

وقد يكون من السهل السؤال: ما هي فلسفة ديكارت ؟ أو ما هي فلسفة كانط ؟ أو ما هي فلسفة سارتر ؟ لأن الإجابة عن مثل هذه الأسئلة ( كما يقول تيدور أويزرمان ) هي بسيطة لأن مضمونها ممكن تحديده بدقة ، ولكن الإجابة عن السؤال: ما هي الفلسفة ؟ يتطلب منا أن نستبعد تماما كل ما يميز فلسفة ديكارت ، وما يميز فلسفة كانط ، وما يميز فلسفة سارتر . ولكن ماذا يبقى بعد استبعاد كل ما يميز فيلسوفا عن الآخر ويفرق بينهما ؟ ويجيب تيدور أن ما يبقى هو هوية مجردة ننظر فيها من خلال المتعين"(2) .

فالهوية المجردة لا نستطيع التعبير عنها إلا من خلال تاريخ الفكر الفلسفي؛ أي من خلال مسار الفلسفة في الزمان . ولكن هذا المسار ليس ثابتا بل متطور ، والتطور ينطوي على سلب فكرة ثبات الهوية ، وبالتالي تظل إشكالية معنى الفلسفة قائمة لأن التطور في صميم الهوية . وأساس التطور هو التناقض ، وهذا معناه أن كل فلسفة تنطوي على تناقض ، وبالتالي يمكن القول بأن التفلسف هو القدرة على كشف التناقضات وتجاوزها . ولما كان كشف التناقض لا يتسنى إلا بإعمال العقل في المنقود ، وإعمال العقل موقف معرفي ؛. ومن ثم فالمعرفة تشكل محتوى أساسيا للفلسفة ، سواء كان المنقود نصا ، أو فكرا ، أو واقعا . وبفضل قدرة العقل على إعادة تشكيل الواقع في شكل عقلاني جديد . فتكون الفلسفة إبداعا ، وعندما يكون العقل الإنساني قادرا على الإبداع فهو بالضرورة " عقل راشد لا سلطان عليه يتسم بالجرأة على إعمال العقل"(3) . وهنا تكون الفلسفة بمعنى التنوير .

وعلى هذا فمعنى الفلسفة باعتبارها تنويرا هو معنى مركب ، وليس بسيطا . وهو معنى مركب من المعرفة ، والنقد ، وغاية الفلسفة باعتبارها تنويرا هى الإبداع ، والإبداع طريق التقدم للفرد والمجتمع ، وللإنسانية جمعاء . وبهذا التحديد لمعنى الفلسفة وغايتها يبقى لنا أن نسأل: هل يمكن للفلسفة أن تحدث تنويرا في التعليم ، فيؤدى التعليم إلى الإبداع؟

والإجابة عن هذا السؤال هي خاتمة البحث في معنى الفلسفة . وهو ينقسم إلى أربعة أقسام :

1 - البعد الأول في معنى الفلسفة هو المعرفة .

2 - البعد الثاني في معنى الفلسفة هو النقد .

3 - الفلسفة - كمركب جدلي من المعرفة والنقد- هي التنوير .

4 - أهمية الفلسفة - أو أهمية التنوير - في التعليم .
Page 3
ثانيا : البعد الأول في معنى الفلسفة هو المعرفة

المعرفة بصفتها بعدا أساسيا لمعنى الفلسفة ليس المقصود بها مجرد المعلومات ، فنظرية المعرفة إنما تجسد منهج الفيلسوف في البحث والنظر ، وفي الفكر وفي الواقع بكل أبعاده وأشكاله الثقافية والسياسية والاجتماعية ، ومسار تطور المعرفة الإنسانية من المرحلة البدائية حتى العصر الحديث هو مسار التحرر من الغيبيات والخرافات . كما أن تطور المعرفة وتنوع أشكالها ما هو إلا تطور في الرؤى المنهجية ، وتباينها بين فيلسوف وآخر .

واعتبار نظرية المعرفة بعدا أساسيا في معنى الفلسفة ليس فيه إنكار لبعد الوجود . وذلك لأن " نظرية المعرفة تتضمن - باعتبارها شرطا أوليا - الاعتراف بموضوعية العالم ، ولا يستطيع المرء أن ينظر إليها خارج النظرة إلى العالم"(4) .

1 - المعرفة والأسطورة قبل نشأة الفلسفة :

يمكن القول إن المعرفة معاصرة لوجود الجنس البشرى ، ومن ثم فالمعرفة موجودة قبل أن تكون فلسفة ، ولكن ثمة فارق بين المعرفة باعتبارها نظرية أو وعيا منهجيا في الفلسفة وبين المعرفة قبل نشأة الفلسفة ، حيث المعرفة قبل ظهور الفلسفة مختلطة بالأساطير والعقائد الدينية ، وكانت الأسطورة هي مصدر الوعي عند الإنسان . والأسطورة - كما يقول هيجل - هي : " تعبير عن عجز الفكر في أن ينهض مستقلا بذاته . " وليس العجز هنا بالمعنى البيولوجى ، بل قضية تطور شكلت فيها الأسطورة البداية الأولى أو المصدر الأول للوعي الإنساني قبل نشــأة الفكر الفلسفي خلال القرنين 7 ، 6 ق . م في الصين والهند ومصر واليونان القديمة"(5) .

وعندما صاغ قدماء اليونان مصطلح فلسفة بمعنى " حب الحكمة "لم يكن هناك أدنى اختلاف بين اليونانيين حول ما يجب اعتباره حكمة . حيث كانت الحكمة تنسب للآلهة أو على الأقل للبعض منهم . وكانت أثينا معبودة عند الإغريق بوصفها إلهة الحكمة ، وصورت في تمثال " البومة " لأن البومة ينظر إليها بوصفها طائرا مقدسا باعتبارها قادرة على الرؤية فى الظلام ، وبالتالي فإن ما يعتبره اليونانيون حكمة هو معرفة الأشياء التي هم على جهل بها ولا يستطيعون فهمها ، لأن الحكمة - وفقا للميثولوجيا - هي نبوءة خاصة تمنحها الآلهة لأفراد مختارين تخصهم بالحكمة مثلما تخصهم بكل الفضائل الإنسانية الأخرى"(6) .

ولذلك يقول هوميروس : "إن العراف أو الكاهن عالم بالماضى والحاضر والمستقبل، والتكهن بالغيب هو منحة من أبولو إله الجمال والشعر والموسيقى". معنى هذا أن الحكمة في المجتمع البدائي هي معرفة المجهول ومصدر هذه المعرفة هو الأسطورة . ومن هنا لم تكن الحكمة تشكل وجهة نظر خاصة بالفرد بل هي وعى اجتماعي عام للقبيلة ، لأن القبيلة كانت هي العنصر الفعال ، فهي مجتمع تذوب فيه الفردية والتميز . وهذا يفضي إلى أن ظهور الفلسفة يتوافق وتشكيل المجتمع الطبقي حيث تظهر فاعليات الفرد ولكن يظل المجتمع الطبقي في بداياته الأولى موجهًا بالتصورات الأسطورية ، باعتبار الأسطورة وعيا اجتماعيا سائدا وموروثا له فاعلياته في ذلك الوقت .
Page 4
2 - نشأة الفلسفة بوصفها معرفة دنيوية هى بداية الصراع مع الأسطورة:

مع نشأة الفلسفة كمعرفة دنيوية كانت بداية الصراع مع الأساطير والعقائد الدينية المسيطرة على تفكير الإنسان ووعيه . وبدأ تفكير البشرية يتخلص شيئا فشيئا من الأساطير والغيبيات ليقترب من العقل ويتوجه به . ومن ثم تراجع فهم المعرفة باعتبارها منحة للمصطفين من البشر باختيار الآلهة ، وإن كان معني الحكمة باعتبارها معرفة لم يتغير ، ولكن كان التغير واقعا ليس فقط على المصدر الأسطوري للمعرفة ، بل وأيضا على منهجية المعرفة .

وعلى هذا أصبحت الفلسفة بمعنى محبة الحكمة هي المعرفة التي يمكن الوصول إليها من خلال قدرات الإنسان المعرفية وجهده الخاص . وتنحصر آليات هذه المعرفة في الحواس والعقل وعن طريق الملاحظة والاستدلال والبرهان . والدليل على ذلك أن طاليس 624-546 ق . م عندما يقول : " الماء هو المادة الأولى والجوهر الأوحد الذى تتكون منه الأشياء " هو لا يقول بذلك المبدأ أخذا عن الأساطير والتراث الموروث ، ولكنه يقول به على أساس موقف معرفي ، مؤسس على منهج الملاحظة والاستدلال :

" إن النبات والحيوان يتغذيان بالرطوبة ، ومبدأ الرطوبة الماء ، وما منه يتغذى الشيء فهو يتكون منه بالضرورة ، ثم إن النبات والحيوان يولدان من الرطوبة ، فإن الجراثيم الحية رطبة وما منه يولد الشيء فهو مكون منه . بل إن التراب يتكون من الماء ويطفو عليه شيئا فشيئا كما يشاهد في الدلتا في نهر أيونيه حيث يتراكم الطمي عاما بعد عام ، وما يشاهده في هذه الأحوال الجزئية ينطبق على الأرض بالإجمال فإنها خرجت من الماء وصارت قرصا طافيا على وجهه في بحر عظيم ، وتستمد من هذا المحيط اللامتناهي العناصر الغازية التي تفتقر إليها فالماء أصل الأشياء"(7) .

وشكل المعرفة المؤسسة على الملاحظة والاستدلال عند طاليس نجده أيضا عند انكسمانس وانكسمندريس ، بل يمتد أيضا إلى هيراقليطس . " فالفلسفة عند هيراقليطس هى أن تعرف العقل الذى به تتحرك كل الأشياء "(8) . وإذا كانت الأشياء هي التي ترى وتسمع وتتعلم فإن الطبيعة المعنية في تلك الأشياء هي الكلى وهو في أحد جوانبه العقل أو اللوغس ، وفي الجانب الآخر هو النار الأبدية . " فالعالم واحد للجميع لم يخلقه إله أو بشر لكنه كان ، وهو كائن ، وسوف يكون نارًا أبدية تشعل نفسها ، بمقاييس منتظمة وتخبو بمقاييس منتظمة"(9) . فالنار الأبدية سيلان أبدى فكل شيء ينساب ولا شيء ويسكن فالكلى في تغير أبدى ، متخلل كل شيء يشتمل على كل شيء ، وبه يتلاشى كل شيء ولا يوجد شيء بمعزل عنه أو يستطيع الانفصال عن هذا القانون الكلى.

" والكلى موضوع للفهم لا موضوع للتعلم والفهم خاصة الفلاسفة لا العامة ، لأن كثرة التعلم لا تعلم الفهم . فالباحثون عن الذهب يحفرون كثيرا في التراب ثم يعثرون على القليل ، والقليل هو الذهب ، هو الحكمة ، هو معرفة الكلى ، هو عمل الفيلسوف ومعنى الفلسفة"(10) .

فمعنى الفلسفة عند الفلاسفة الملطيين ، بوصفها الحكمة أو محبة المعرفة بعد فصلها عن مصدرها الأسطوري ، هي معرفة دنيوية إنسانية حتى وإن كان السؤال الأساسي في المعرفة خاصًا بأصل الوجود ، أو المبدأ الأول . فالطابع العام لفلاسفة مالطية كما يقول تيدور أويزرمان أنهم قد انتهوا إلى " علمنة الحكمة"(11) .
Page 5
3 - المعرفة والصراع بين الدنيوية والمثالية :

وعلمنة الحكمة من حيث مصدرها وطبيعتها تبلغ ذروتها عند السوفسطائيين ؛ حيث لا مكان عندهم للمطلق والثابت والكلى و الضروري والغيبي والمسلمات غير المشروطة .

" ومعنى الفلسفة عند السوفسطائيين يتطابق ومعنى المعرفة ، ولكنهم فهموا الحكمة بوصفها معرفة عالمية ، كالفن والبلاغة والبيان ، بمساعدتها يمكن للمثقف والمتعلم التغلب على الجاهل . وكان السوفسطائيون أول محاولة لإتمام المذهب الدنيوي عن الحكمة ، بأن جعلوها في متناول كل فرد وتكتسب بالتربية . هذا الملمح الديمقراطي عند السوفسطائيين يسير يدا بيد في توجيه مهمة الفلسفة من البحث في معرفة أو في فهم الجوهر والكلى . ليكون للفهم دور جديد هو من أجل الحياة الإنسانية أو حياة الإنسان ، فهذا هو الأكثر أهمية عند السوفسطائيين"(12) . أن تصير المعرفة نسبية ومتغيرة ويصبح الإنسان مقياس الأشياء جميعا .

وعند سقراط تبدو " الحكمة والمعرفة أمرًا واحدًا "(13) . وفي فهمه معنى المعرفة يعترض على ثئيتس بأن المعرفة لا هي الإحساس ، ولا هي الرأي الصحيح ولا هي تحديد أو تعليل مصاحب أو مضاف لأي رأى صحيح (14) .

ومرجع الخلاف بين سقراط وثئيتس هو الاختلاف في فهم موضوع المعرفة أو موضوع العلم وهو عند سقراط طبائع الأشياء وماهيتها الحقيقية أو المبادئ الأولى ، وهي لا تكون موضوعا للتعريف أو للبرهان فيقول:" المبادئ الأولى ، نظير العناصر ، منها نتركب نحن وسائر الأشياء لا تعليل لها ، إذ يمكن للمرء أن يسمى تلك المبادئ فقط ، ويستحيل عليه أن يصفها بأي صفة إثبات أو إنكار . أو أن يقول عن ذاك المبدأ إنه موجود أو لا موجود ، لأنه حينئذ يضيف إليه الوجود أو اللاوجود في حين أن المبدأ لا يحمل عليه شيئا إذا أردنا الكلام عنه ، ومن ثم لا يجب أن يحمل على المبدأ لا لفظة " ذاته "أو "ذاك " ولا " كل بمفرده "ولا " فقط " ولا " هذا " ولا غير ذلك من الألفاظ أو الكلمات الكثيرة المماثلة التي تطبق في كل مكان على جميع الأشياء…وعلى ذلك من المستحيل أن يعبر عن أي من المبادئ الأولى بتعريفه أو تحديده ، لأنه لا يملك إلا الاسم فقط"(15) .

" وعلى ذلك يعترف سقراط بأنه لا يملك شيئا من الحكمة ولكن الله يضطره إلى توليد الآخرين ، ويمنعه هو ذاته من الإنجاب ، فهو في ذاته ليس على شيء يذكر من الحكمة…والآخرون لا يتعلمون منه شيئا ، بل هم يجدون في ذواتهم معارف جميلة وافرة تتولد فيهم ، وسبب توليدها هو الإله وسقراط

بتوليده إياهم"(16) . ولكن لا توليد دون تهكم أو سؤال عن المجهول . وما يجهله ســـقراط هو ماهيات الأشـــياء فراح يسأل ما الخير ؟ وما الشـــر ؟ وما العدالة ؟ وما الظلم ؟ وما الشجاعة ؟ وما الجبن ؟

وفي محاورة Apology يقول سقراط :" أنا لا أعرف ولا أعتقد أنني أعرف "(17) . ويتوجه لعامة الشعب والعمال ويقول : إنهم يعرفون أشياء كثيرة أجهلها أنا ، فأنا جاهل بها ، ولهذا هم حكماء أكثر منى…إنهم اعتقدوا أنهم يعرفون كل أنواع الموضوعات السامية ، وهذا العيب أو القصور فيهم غيم أو حجب حكمتهم "(18) . هكذا كانت نظرة سقراط للمعرفة الإنسانية أنها ناقصة ومختلطة بالجهل وهو ما يمنع الإنسان أن يسمى نفسه حكيما .

وعند افلاطون نجد الفهم المثالي للفلسفة بوصفها محبة الحكمة أو محبة المعرفة ، وذلك بعد نزعها من أساسها الدنيوي الذي نجده عند السوفسطائيين والطبيعيين الأوائل . بينما الحكمة عند أفلاطون هي جزء من الطبيعة الإلهية ، فالطبيعة الإلهية هي الجمال والحكمة والخير"(19) .

وعلى هذا يقول : أن نسمى إنسانا حكيما فهذا في ظني كثير عليه وهو لقب لا يناسب إلا الآلهة ، ولكن حين نسميه مُحبًا للحكمة ( أي فيلسوفًا ) فأي اسم من هذا القبيل يكون مناسبا"(20) .

ومحبة الحكمة والمعرفة عنده هما شيء واحد لأن المعرفة تجعل البشر أحكم

وأكثر قدرة على التذكر ، فالمعرفة سر الحكمة والذاكرة "(21) . ولكن المعرفة عنده لا تكتسب بالتربية أو التعلم على نحو ما يؤكد السوفسطائيون . ذلك أن التربية عند أفلاطون هي أفضل سبيل لكشف المعرفة الموجودة أو إظهار من قبل في النفس الإنسانية ، والمغيم عليها بشهوات البدن وشواغل العالم المادى ، فالمعرفة على نحوما يؤكد في " فيدون " ليست اكتسابا بل تذكر لما حصلت عليه النفس عندما كانت تطوف بالعالم الآخر .

وفي محاورة " الجمهورية " تبدو المعرفة أمرا مستحيلا على طبقة العبيد ، فأقوى ملكاتها هي الشهوة ، ولا تنالها طبقة الحراس لسيطرة الانفعالات القوية على النفس . فالمعرفة الحقة خاصة بطبقة الحكام الفلاسفة .

" وهذا الفهم الأفلاطونى للفلسفة باعتبارها معرفة نظرية ملازمة في طبائع مختارة… يجعل الحكمة تكمن في معرفة الحقائق الثابتة المفارقة ( أي المثل ) التي هي مجاوزة لكل الشهوات الحسية والأشياء الطبيعية ومتطلبات الإنسان . وبذلك يخلق أفلاطون نسقا من المعرفة المطلقة ، وهو بذلك يختلف اختلافا جوهريا عن سقراط ؛ ذلك لأن أفلاطون قد هجر الفهم السقراطى للفلسفة من حيث هي محبة الحكمة أي محبة المعرفة المثالية والحياة المثالية التي هي بعيدة المنال . كما كان نقد أفلاطون للسوفسطائية متجهًا إلى نقد التصور الدنيوي للحكمة . بينما أفلاطون ينكر الأساس الدنيوي للحكمة"(22) .

ويقف أرسطو من تصور أفلاطون للمعرفة موقفا نقديا ، ويهبط بالمثل أو الأفكار من عالمها الإلهي المفارق ليردها إلى أساسها الواقعي ، فالحكمة من وجهة نظر أرسطو تتطابق والمعرفة العلمية ، لكنها ليست معرفة بالأشياء المفردة والجزئية ، بل بالأشياء الأكثر شرفا"(23) ، أي الماهيات أو الصورة أو الطبائع الجوهرية .

ومعرفة الماهيات أو الكليات ليست معرفة بعيدة المنال كما هو الحال عند سقراط ، ولا معرفة بالمثل المفارقة كما هو الحال عند أفلاطون ، لأن الماهيات أو الصور الجوهرية لا توجد عند أرسطو في عالم مفارق ، بل هي أشياء حقيقية، ومعرفة الإنسان بالصور تبدأ من التجربة الحسية وتنتهى بالتجريد .

فالعقل عند أرسطو يملك القدرة على تجريد الصور الجوهرية من واقع الأشياء ذاتها ، ويعتبرها معاني كلية أو عامة ، لا يسقطها أرسطو خارج العقل، ولا يقيمها في عالم مفارق كما يفعل أفلاطون . " وأرسطو يرى أن لكل شيء طبيعة جوهرية تتحقق بالتدريج خلال عملية تطوره ، وهذه الطبيعة الجوهرية هي ملك للشيء المذكور بغض النظر عن الظروف"(24) .

وإلى جانب الطبائع الجوهرية يقول أرسطو بالمحرك الأول أو صورة الصور، وهو الغاية الباطنة للأشياء ، وهو ذلك الذي يكون بمثابة إمكانية وهدف لكل شيء ينمو ، إنه مبدأ حياة العالم والهدف المتضمن في عملية نموه ، إنه المحرك الأول ، إلا أن الله لا يحرك العالم بالتأثير عليه ، بل بكونه الدافع إلى عملياته كلها ، تماما كما يحرك الشيء المرغوب الإنسان الباحث عنه ، أو يدفعه الخير الذى يريده إلى تحقيقه بأن يستحث إرادته"(25) .

والعقل هو الطبيعة الجوهرية للإنسان عند أرسطو " وفاعلية العقل هي التفكير ، والتفكير يقوم على النظر في موضوعات الفكر "(26) . وهى الطبائع الجوهرية ، وعندما يتجه التفكير إلى هذه الموضوعات يكون قريبا من الحكمة أو حكمة بالمعنى الحقيقي ، فالإنسان إذا حرم الإدراك الحسي والعقل صار شبيها بالنبات ، وإذا حرم العقل وحده تحول إلى حيوان ، أما إذا تحرر من غير المعقول ، وتمسك بالعقل فقد صار شبيها بالله ، وذلك أن العقل الذي نتميز به عن سائر الكائنات الحية لا يتحقق بصورة كاملة إلا في ذلك الشكل من أشكال الحياة الذي لا يعترف بالاتفاق أو الصدفة ، ولا بما هو عديم القيمــة " فالحكمة لا يوصف بها إلا الآلهة ، ولا تنسب للعقل الإنساني "(27) . ولكون طبيعة الإنسان تحددت بالعقل فليس لـه سوى مهمة واحدة ، وهي بلوغ المعرفة بالموجودات"(28) .
Page 6
4 - المعرفة والتأويل في الدين :

إذا انتقلنا إلى العصر الوسيط نجد أن الصراع يدور على التأويل في المعرفة والتصديق . وأشد القوى تعبيرا عن هذا الصراع هو الصراع بين الغزالى من جانب والفارابى وابن سينا وابن رشد من جانب آخر . وهو صراع ينتهي بالغزالى إلى نقد الفلسفة وتكفير الفلاسفة .

وعلى هذا يبقى العلم الحق عند الغزالى هو اعتقاد أهل السنة ، وأركان هذا العلم يحددها في كتابه " الاقتصاد في الاعتقاد " ، وفيه يزعم أن العلم هو التصديق البرهاني ، ويحدد ثلاثة أشكال للتصديق :

أ - التصديق الإيماني .

ب - التصديق عقد تقليدي .

ج - التصديق يقين برهاني"(29) .

ثم يستطرد فيقول : "وصاحب الشرع لم يطالب العرب بأكثر من التصــديق ، ولم يفرق بين أن يكون ذلك بإيمان أو عقــد تقليدي أو يقين برهاني" (30) .

وبهذا القول أصبح لا معنى لتعدد أشكال التصديق ، ويكون قوله بالتصديق البرهاني لا مجال له ولا دلالة ، مادام قد تساوى التصديق في النهاية بأي نحو يكون ، ولم يعد ضرورة للتمييز بينها ، ولم يعد للتصديق البرهاني قيمة ، ولذلك يبقى العلم الحق عنده هو ( علم الكلام ) عقيدة أهل السنة ، ويصنف الغزالى موضوعات هذا العلم في أربعة أبواب في كتابه " الاقتصاد في الاعتقاد " فيذكر :

أ - باب النظر في ذات الله .

ب - باب النظر في صفات الله .

ج - باب النظر في أفعال الله .

د - باب في رسول الله .

وفى الغــرب المسيحي كان أشــهر دعاة التبرير هو القديس أوغســطين ، (354-430) أشهر آباء الكنيسة ، ومعه يبدأ استقلال العقل بذاته - الذي تجلى في الفلسفة اليونانية - في التراجع أمام سلطة الكتاب المقدس ورجال الدين .

" فالعقل عند أوغسطين لا يستقل بذاته في إدراك الحقيقة المطلقة… ولكي يكون برهان العقل يقينا لا بد له من الاعتماد على السلطة ، التي تمحو كل شك وتردد قد يتركه العقل في البرهان"(31) .

فأصبحت الفلسفة عند أهل التبرير خادمة للاهوت وبات مركز اهتمامها معرفة الله وعلاقته بالإنسان ، وفي اهتمام التبريريين أو الكلاميين بوضع براهين وجود الله فقد الكلاميون كل صلة بمستلزمات التطور الاجتماعى ، وباتت الفلسفة المعزولة عن الحياة والبالغة التعقيد تسمى عن قصد بالفلسفة الكلامية"(32) .

بينما في الشرق الإسلامى عند الفلاسفة المسلمين مثل الكندى ( 803- 873م) نجد التوازن بين الحقيقة الدينية والعقل . يقول الكندى : "موضوع الحقيقة واحد بين الفلسفة والدين ، وما أتت به الرسل يصل إليه الفيلسوف بالعقل ، فالعقل هو منهج البحث فيما بعد الطبيعة"(33) .

وعند الفارابي في " آراء أهل المدينة الفاضلة " العقل الفعال مصدر المعرفة عند الفيلسوف ومصدر الوحي عند النبي . فامتياز الفيلسوف العقل ، وامتياز النبي ملكة المخيلة . بينما عند ابن رشد في كتاب " فصل المقال " يذكر ثلاثة أشكال للمعرفة : الخطابية والجدلية والبرهانية ، والمعرفة البرهانية هي أتم أنواع المعرفة وهى خاصة بالفلاسفة والخواص في الدين . وذلك أن الشرع أوجب النظر البرهانى في الموجودات " فاعتبروا يا أولى الأبصار " ، وكان الاعتبار ليس شيئا أكثر من استنباط المجهول من المعلوم واستخراجه منه ، وهذا هو القياس… وهذا النحو من النظر الذي دعا إليه الشرع وحث عليه هو أتم أنواع النظر بأنواع القياس وهو المسمى برهانا"(34) .

" ولا يؤدى النظر البرهانى إلى مخالفة ما ورد به الشرع ؛ فإن الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد لـه !! وإذا كان هذا هكذا فإن أدى النظر البرهاني إلى نحو ما من المعرفة بموجود ما فلا يخلو ذلك الموجود أن يكون قد سكت عنه في الشرع أو عرف به ، فإن كان مما سكت عنه فلا تعارض هناك… وإن كانت الشريعة نطقت به فلا يخلو ظاهر النطق أن يكون موافقا لما أدى إليه البرهان فيه أو مخالفا . فإن كان موافقا فلا قول هناك ، وإن كان مخالفا طلب هناك تأويله"(35) .

وطلب تأويل ما هو مخالف للبرهان إنما ينطوي بالضرورة على إعلاء العقل ، أو على طلب الشريعة المعقلنة ، وهو طلب أدى إلى " اضطهاد ابن رشد في أواخر أيامه بسبب وشاية الفقهاء ، وكان ذلك إيذانا بارتحال الفلسفة وعلومها نهائيا إلى أوروبا . إذ قد ترجمها اليهود والمسيحيون إلى اللاتينية في صقلية ، وطليطلة بالأندلس ، وبذلك انتشرت الفلسفة الإسلامية والأرسطية بين المفكرين في أوروبا . كما انتشرت في أعقاب ذلك الفلسفة الأرسطية الخالصة ترجمة عن اليونانية مباشرة في مدينة القسطنطينية التي كان البنادقة اللاتين قد استولوا عليها في الحرب الصليبية الرابعة في مطلع القرن الثالث عشر ( 1204) فتأثر الأوربيون بالفلسفة الأرسطية ووصلت الفلسفة المسيحية إلى أوج ازدهارها في الفلسفة المدرسية… بينما ظهر لابن رشد في جامعتى باريس، وبادو بإيطاليا تلاميذ كثيرون وكان لهم بعض الفضل في إنهاء العصور الوسطى في أوروبا والتمهيد لعصر النهضة الأوروبية"(36) .

5 - المعرفة وصراع القطيعة مع الدوجما :

وبفضل الإصلاح الديني في القرنين الرابع عشر والخامس عشر يبدأ العقل في استرداد حريته المسلوبة منه في الدين ، ويكون له استقلالية بذاته . ولم يتم ذلك دفعة واحدة ، بل اتخذ مسارا من التطور . فمبدأ إعمال العقل في الدين الذي أقامه ابن رشد يطبقه مارتن لوثر على العهد الجديد ، ويكون الإيمان هو العلاقة المباشرة بين الإنسان والله . وبذيوع البروتستانتية تحققت التعددية الدينية ، وهى في دلالتها إعلاء للعقل ، وبالعقل تجاوز الفلاسفة الحقيقة الدينية الجاهزة في العصر الوسيط .

وفي العصر الحديث ارتبطت المعرفة بالطبيعة والعقل وتخلت عن الحقيقة الجاهزة في الدين واتخذت المعرفة أشكالا ومسميات مختلفة : حسية ، وعقلية أو برهانية ، ونقدية وجدلية…الخ . ومع تطور أشكال المعرفة ومناهجها تطور أيضا مفهوم الحقيقة واليقين في المعرفة في العصر الحديث . ويقول ديكارت بالحقيقة العقلية واليقين العقلي في مقابل الحقيقة الدينية واليقين الديني في العصر الوسيط . ويتخذ ديكارت من العقل مصدرا للمعرفة والحقيقة واليقين ، والعقل هو أعدل الأشياء قسمة بين الناس ، والفارق بين البشر هو الفارق في استخدام العقل .

بينما نجد أن جون لوك يؤكد على ثلاثة أشكال للمعرفة وهي : الحسية ، والحدسية ، والبرهانية ، وما ينتهي إليه العقل بالدليل والبرهان هو حقيقة إنسانية ويقين إنساني ، وليست الحقيقة المطلقة في ذاتها أو في طبيعتها . ويعلل ذلك بأن قدراتنا المعرفية لها حدود ، فهي لا تكشف لنا عن الطبيعة الحقيقية للموجودات المادية أو الروحية ، فأضحي اليقين المعرفي الموسوم به الحقيقة عند لوك هو يقين إنساني ، وليس اليقين المطلق . فالحقيقة المطلقة بعيدة المنال عن متناول قدرات الإنسان وملكاته المعرفية ، وإدراك الإنسان وتناوله لها هو إدراك إنساني ، وليس الحقيقة في ذاتها وطبيعتها (37) .

ثم يأتي كانط بفلسفته النقدية ليجعل معرفة الحقيقة من حيث هي مجاوزة للزمان والمكان معرفة صورية خالصة ، ووجودها وجود صوري لا يتجاوز حدود العقل ، والعقل الصوري عقل جدلي قادر على إثبات القضية وإثبات نقيضها في آن واحد ، وبذلك يشكك كانط في وجود الحقيقة من حيث هي مطلق طبيعى ، ويجعل المعرفة الإنسانية محدودة بالحساسية الصورية والفهم ، وحدودهما هي ما يبدو لنا من الظواهر . أما الشيء في ذاته أو المطلق فهو عند كانط يفتقد الوجود الموضوعي ، فلا يمكن أن يكون موضوعا للمعرفة الإنسانية ، فيشكك في إمكانية معرفته على مستوى العقل النظري ، ويحيله إلي مصادرة أو مطلب للقانون الأخلاقي على مستوى العقل العملي ، ويجعل بذلك الدين فعلا أخلاقيا مؤسسا على الأخلاق لا العكس .

وعلى هذا يكون العقل الإنساني عند كانط متحررًا تماما محققا استقلاليته ، أو بتعبير كانط قد اكتمل رشده .
Page 7
ثالثا : البعد الثاني في معني الفلسفة هو النقد

1 - معنــى النقــــد في التفلسف :

لو أحصـينا المذاهب الفلســفية ابتداء من الطبيعيين الأوائل في القــرن 6 ق . م حتى مدرسة فرانكفورت ، نجد أنفسنا أمام عدد كبير من المذاهب المادية والمثالية والعقلية والتجريبية ، والنقدية والوجودية والظاهريات والبنيوية والوضعية والتحليلية والتفكيكية…الخ ، وهذا التراكم الهائل من التراث الفلسفي يثير في النفس التساؤل عن كيفية التفلسف ؟ الذي أثمر كل هذا التراث الفلسفي للبشرية بكل هذا التنوع الضخم من الأفكار والمناهج .

والكشف عن كيفية التفلسف يقتضي أن تحدد بداية معنى الفيلسوف ، ونبدأ بما قاله فيثاغورس ( 582 - 500 ق . م )حين وجه إليه السؤال : " ماذا أنت تكون ؟ أجاب : أنا فيلسوف ، والكلمة لكونها غير مألوفة بالنسبة للسائل قدم فيثاغورس توضيحا جاء فيه : إن الناس في الحياة بعضهم ولد ليكونوا عبيدا من أجل إشباع غرور الأغنياء ، والبعض الآخر هم الحكماء الباحثون عن الحقيقة"(38) . والبحث عن الحقيقة في أي مجال في الفكر أو في الواقع ، في الثقافة أو في العلم ، في الفلسفة أو في الدين ، إنما يتطلب من الفيلسوف موقفا نقديا في مجال الحقيقة المبحوث عنها ، وما أعنيه بالنقد هو فعل عقلي إرادي يكشف عن التناقضات فيما هو قائم والتي من خلالها تتوافر للفيلسوف شرعية عقلية ومنطقية تسمح له بالتجاوز وبناء إبداع جـــديد ، والقــدرة علي تجــاوز المنقــود هي التي تسمح بالقــول مع برونو باور ( 1809-1883) إن النقد هو الأداة التي تطور - دون انقطاع - المذاهب الفلسفية والسياسية والدينية والاجتماعية . وبهذا المعني يكون النقد هو أيضا الفعل الثوري الذي يحرك كل ساكن ، ويغير كل ثابت ، ويزعزع كل جامد ، ويحول كل واقع ؛ فالنقد هو أساس التطور في كل المجالات ، وهو في الفلسفة يشكل طبيعة خاصة لها ؛ فالنقد ليس مجرد الرفض أو النفي أو بيان المميزات والعيوب ، أو السلبيات أو الإيجابيات ، أو المدح أو القدح في هذا الوضع أو ذاك ، بل هو القدرة على كشف التناقضات وتجاوزها .

فالنقد والتجاوز هما أساس التراكم الابداعي في الفلسفة . والنقد في طبيعته ينطوي على الشك في مصداقية المنقود ، والشك هو الذي يدفع الفيلسوف إلى النقد . لذلك عندما يعلن انكسمندريس (610-547 ق . م ) نقده قول طاليس ( 624 -546 ق . م ) بالماء مبـدأ أول ويرى أنه لا يصــلح أن يكون مبدأ أول ، فهو يشكك في مصداقية الماء كمبدأ أول . وللشك أسباب أن الحار والبارد سابقان عليه وهذا يبطل أولية الماء . وفي المقابل يقول باللامتناهى. ثم يأتي أنكسمانس (588 -524 ق . م ) وينقد انكسمندريس لقوله باللامتناهى . ويشكك فيه باعتباره مزيجا من الأضداد ، فهو ومن ثم مركب وليس بسيطا فلا يصلح أن يكون مبدأ أول لأنه يناقض مفهوم المبدأ الأول ، ويستعيض عنه بالهواء لأنه أكثر بساطة ووحدة . ويكشف هيراقليطس تناقضًا آخر فيما انتهى إليه فلاسفة ملطية . إن الأشياء في تغير ولكنها ترتد في النهاية إلى أصل واحد ، ويتجاوز ذلك القول بأن " العالم كلٌُ واحد نار حية وسيلان أبدى ، تشعل نفسها بمقاييس منتظمة ، فالحركة مستمرة والتناقض قائم مصدرا للحركة ، فكل شيء ينساب ، ولا شيء يسكن ، وكل شيء يتغير ، ولا شيء يدوم على الثبات "(39) .

ويكشف بارمنيدس ( 540 ق . م ) عن التناقض في مفهوم التغير ليبرر أن الوجود موجود ثابت لا يتغير بينما التغير يعني أن الموجود كان موجودا ولم يكن موجودا ( ما صار إليه ) وأنه باق في الوجود ، ومع ذلك فهو ليس موجودا ( على ما كان ) (40) .

ويكشف السوفسطائيون التناقض بين الثبات عند بارمنيدس والتغير عند هيراقليطس ويفضي ذلك عند بروتاغوراس إلى وضع الحقيقة موضع التساؤل والشك وينتهي للقول " إن الإنسان مقياس جميع الأشياء " . ولأن الإنسان هو الإنسان الفرد ، فكل الأحكام على السواء ، لأن الحكم إحساس والإحساس هو المصدر الوحيد للمعرفة ، ومن ثم تبطل الحقيقة من حيث هي كلية أو مطلق .

ولكن السوفسطائيين دعاة علم ، والعلم أساسه الكلى عند سقراط ، فيبدو لـه مفهوم العلم عند السوفسطائيين متناقضا . فاصطنع سقراط منهج التهكم والتوليد . ليكشف للسوفسطائيين تناقض مفهوم العلم لديهم ، ولكنه يكتشف أيضا أن الحقيقة من حيث هي مطلق أو كلي بعيدة المنال .

ولكن تعرية الواقع من الحقيقة واعتبارها بعيدة المنال هو ما أطاح بسقراط في نظر أفلاطون فأقام نظرية في المثل ، وعالمًا مفارقًا قائمًا بذاته في مقابل العالم المحسوس ، وبالتالي فالحقيقة ليست شيئا يحدثه أو يصل إليه العقل ، بل هي شيء يتذكره .

ولهذا كان نقد أرسطو لأفلاطون ، لأن الماهيات أو الصور أو المثل لا توجد مفارقة أبدا ، بل هي متحققة في الجزئيات ، ويدركها العقل بالتجريد .

ولو انتقلنا إلى العصر الحديث لوجدنا ديكارت ناقدا لعصر بأكمله ، ويقيم العقل مبدأ ومنهجا في مقابل الإيمان والتقليد . ولوك وهيوم وباركلي وكانط ناقدون لديكارت ، وهيجل ناقد لفلسفة التنوير ، وماركس والهيجليون الشبان ناقدون لهيجل ، والوجوديون ناقدون للماركسية والهيجلية . والوضعيون المناطقة ناقدون للماركسية والهيجلية ، وفلاسفة فرانكفورت ناقدون لكل الأنساق .

وهكذا نجد أن كل المذاهب الفلسفية البارزة ينقد أحدها الآخر ، ويتخذ النقد زوايا ومسارات متعددة فقد يكون نقدا للبعد الميتافيزيقي ، أو البعد السياسي ، أو البعد المعرفي ، أو البعد المنهجي . ولكن مهما تعددت زوايا النقد ومساراته فإنه يعكس في النهاية الطبيعة النوعية للفلسفة ، وهي القدرة على كشف التناقضات وتجاوزها .
Page 8
2 - غاية النقد ، إعادة الترتيب العقلي للواقع :

إذا كان النقد هو القدرة على كشف التناقضات فإن النقد يصبح لا دلالة له إذا لم يملك القدرة علي تجاوز المنقود ، وتقديم شيء جديد ، وخلاف ذلك يجعل النقد سلبا ونفيا يفتقد إلى الإيجاب ، ومن ثم يمتنع الجدل وينتهي التطور . لذلك فإن القدرة علي تجاوز الواقع هي القدرة على إعادة ترتيبه ترتيبا عقليا فيكون بهذا الترتيب إبداعا جديدا أو فلسفة غايتها دفع الواقع إلى التطور على النحو الذي يريده الفيلسوف وموقعه في إطار القوى الاجتماعية .

وتأسيسا على ذلك تبدو كل فلسفة موقفا نقديا من الواقع ، بكل أحداثه ومشكلاته وأزماته ، ومحاورة الجمهورية لأفلاطون هي تعبير جيد يعيد فيها أفلاطون ترتيب واقع القوى الاجتماعية في المجتمع اليوناني بما يبدعه من نظرية في الدولة المثالية ، والإدارة الحكيمة العاقلة ، وحكومة الفلاسفة ، فذلك هو في نظر أفلاطون الترتيب المعقول للمجتمع اليوناني من أجل سلطة الأرستقراط القديمة في مقابل ديمقراطية الغوغاء والتي يعتبرها أفلاطون هي المسئولة عن إعدام سقراط ، فيكتب نظريته في الدولة المثالية وحكم العقل . وبفضل حكم العقل يتحقق التناغم بين الطبقات في المجتمع ، وفيه يحدد أفلاطون لكل إنسان موقعا طبقيا ثابتا ووظيفة خاصة ، أيا كان الإنسان عبدا أو حارسا أو فيلسوفا، والدولة تكون عادلة عندما تقوم كل طبقة من طبقاتها بوظائفها الخاصة ولا تتدخل في شئون الطبقة الأخرى .

وذلك هو الترتيب العقلي في نظر أفلاطون للواقع في شكله المثالي ، وهو الذي يعيد لأرستقراط اليونان واقعهم المتميز المفقود في ظل ديمقراطية المجتمع العبودي ، والتي تبدو الفلسفة السوفسطائية مدعمة لها خلال نظريتها في المعرفة والوجود " ذلك أن رد المعرفة إلى الحس وما يترتب عليه من نسبية الحقيقة ، - وهو ما قال به السوفسطائيون - إنما يعني من الناحية العملية تعدد وجهات النظر ، وما دام الحق نسبيًّا فإن سائر وجهات النظر صحيحة ، كل بالنسبة إلى صاحبه ، ومادام الأمر كذلك فلا سبيل إلى حسم الخلاف بين وجهات النظر إلا بالطريق الديمقراطي . وفي مقابل الموقف السوفسطائى يقول أفلاطون : الحق واحد ، وهناك مثال واحد للصواب لا يتغير ، وهذا معناه من الناحية السياسية أنه لا حاجة بنا إلى الديمقراطية ما دام قد وجد الحاكم المستنير القادر على أن يتعرف على هذا المثال الواحد للخير ، ويفرضه فرضا على المجتمع "(41) .

وإذا انتقلنا إلى القرن الثالث الميلادي ، حيث الوضع ينذر بانهيار الإمبراطورية الرومانية لكونها عاجزة عن حل تناقضات المجتمع العبودى ، وعمت بوادر الانهيار في كل من أرجاء الإمبراطورية ومدنها الكبرى ، وظهرت الأفلاطونية المحدثة وقطبها البارز أفلوطين ( 205-271 ق . م ) ليعيد ترتيب واقع الإمبراطورية الرومانية المنهار كي تنهض من جديد .

ويجعل أفلوطين العقل أساس الوجود ، ومبدأ الفعل أيا كان الفعل إرادة أو اضطرارًا ، وما يهدف إليه أفلوطين من فلسفة الفعل في عصر تدهور الإمبراطورية هو أن ينوه عن معنى تدهور العلم وانحداره ، كي ينظر لإمكانية النهضة من جديد ، إمكانية فعل الصعود والعودة إلى العقل ، فتكوين الوجود المعقول والمحسوس هو فعل طبيعته اضطرار ، والنهضة والصعود فعل وهو في طبيعته فعل إرادي ، وتدهور العالم يأتي من توجه الإنسان وانغماسه فيما هو أدنى من العقل"(42) .

وغياب العقل هو تداعي العالم، وهو ما تعاني منه الإمبراطورية الرومانية، ولا سبيل إلى الخلاص إلا بالعودة إلى العقل ، والعودة فعل ، ولكنه ليس فعل الغوغاء ، ولا فعل الطبقة الوسطى ، بل هو فعل الصفوة الفضلاء ، وفعلها هو حكم العقل ، حكم الأرسقراطية"(43) . ومن ينفك عنه العقل مصيره إلى زوال . وانفك العقل وانهارت الإمبراطورية الرومانية ، وواكب انهيارها في الغرب والشرق على السواء هيمنة الأديان على مختلف جوانب الحياة ، وأصبحت إيديولوجيات العصر .

في الشرق الإسلامي نجد الفارابي (44) في كتابه " آراء أهل المدينة الفاضلة "يعيد ترتيب واقع الخلافة العباسية الآخذ في التدهور ، ويقدم تصورًا للمدينة الفاضلة التي يعتلى قمتها الفيلسوف أو النبي ولكن للفيلسوف الأولوية ، وتقدم الفيلسوف عن النبي هو تقدم العقل على الوحي ، تقدم العقل ( أو القوة الناطقة في النفس ) وهو امتياز الفيلسوف على ملكة التخيل وهو امتياز النبى . ويشكل الفارابي المدينة الفاضلة كيانًا عضويًا حيًا يتعاون أعضاؤه على حفظ حياته ، ويرتب الطبقات الاجتماعية ترتيبا هرميا ، وفقا للطبع والهيئة عند البشر ، والطبع فطرة والهيئة اكتساب ، وعلى قمة الهرم يكون العضو الرئيس فيلسوفا أو نبيا . ولأن محمدًا هو آخر الأنبياء ، فلا يبقي أمام الفارابي سوي الفيلسوف .

وفي القرن السادس عشر الميلادى يعيد ميكافيللي في كتابه " الأمير" (45) ترتيب العلاقات بين الشعب والحاكم ، استنادا إلى مبدأ " الغاية تبرر الوسيلة " كما كان نقده للسلطة الدينية تمهيدا للعلمانية .

وتوماس هوبز في كتابه "التنين"(46) يعيد تأسيس السلطة الحاكمة في المجتمع ، من الحكم المؤسس على الحق الإلهي إلى الحكم المؤسس على العقد الاجتماعي . وينزل الحاكم المطلق من شرعيته الإلهية إلى شرعية اجتماعية صادرة من الشعب كله بواسطة العقد الاجتماعي .

وكذلك نجد جون لوك في القرن السابع عشر الميلادي يعيد ترتيب الواقع الأوروبي المتناحر ترتيبا عقلانيا بالدعوة إلى التسامح الديني ، والدولة العلمانية في مواجهة الاستغلال السياسي للدين ، ودفاع عن حق الفرد وحريته في التفكير والاعتقاد والاختلاف ، ودفاع عن التعددية الدينية ، يميز لوك عمل الحكومة المدنية من عمل الدين ، يدعو إلى إقامة الحدود الثابتة الفاصلة بين الكنيسة والسياسة ، لينتهي من ذلك أنه ليس من حق أي فرد حاكما أو بابا أو أي إنسان الاعتداء باسم الدين على الحقوق المدنية للبشر ، فللدولة السياسية مجالها وحدودها ولا يجب الخلط بين الاثنين ، والعلمانية عند لوك لها أساس معرفي يطرحه في الكتاب الرابع من " بحث في الفهم الإنساني " عندما يجعل المعرفة الإنسانية محدودة بحدود قدراتنا المعرفية أي الحس والحدس والبرهان . وما يصل إليه الإنسان من حقائق هو معرفة من إطار قدراتنا المعرفية ، وهي معرفة لا تكشف عن الطبيعة الحقيقية للموجودات المادية أو الروحية ، وبالتالى يبقى الصراع بين أهل الحمية - ملاك الحقيقة المطلقة - صراعا لا أساس له من المعرفة أو العقل ، ومن ثم على الإنسان أن يلتزم بالتسامح الديني والعلمانية كنظام اجتماعي ، فالحقيقة المطلقة ليست في متناول الإنسان"(47) .

وفي القرن الثامن عشر الميلادي يعيد روسو تأسيس المجتمع السياسي على النحو الذي يعيد السيادة لصاحبها الحقيقي وهو الشعب صاحب الإرادة العامة . والإرادة العامة هي العقل الذي يصبح بالعقد الاجتماعي والاتفاق بين البشر قانونًا عامًا . فالإرادة تتحقق بممارسة فعلها ، وفعلها هو التشريع وهو وجودها وحياتها ، وتشريعها هو القانون الذي يربط الحق بالواجب"(48) .

وفي القرن التاسع عشر الميلادى نجد أن هيجل في كتابه " فلسفة الحق " يتجاوز التناقض بين الإقطاع والبرجوازية في ألمانيا من خلال الملكية الدستورية ، وهى تعبير عن وحدة الحق الذاتي والموضوعي ، وحدة الكل والجزء ، وحدة الحرية والضرورة ، وحدة الحق والواجب ، فهي ضمان الوحدة وضمان الحرية .

وعند ماركس في " البيان الشيوعي " نجد تجاوز الواقع القائم فعلا ثوريا ، الجدل المادي أساسه ، ووحدة النظرية والممارسة منطلقه . والجدل ليس شكلا نظريا بل كشف للتناقضات الأساسية في الواقع المادي ، و هي التي تدفعه إلى الحركة والتطور ، وما يتولد عنها من صراعات اجتماعية أهمها : الصراع بين البيروليتاريا والبرجوازية ، وهو وجه التناقض الأساسي في المجتمع البرجوازي ، وهذا التناقض من خلق نمط الإنتاج الصناعي الحديث ، وحل التناقض هو مهمة البيروليتاريا ، ومهمتها هى تغيير المجتمع تغييرا جذريا أو كيفيا وتحويله إلى مجتمع جديد متحرر إنسانيا بفضل الثورة الاجتماعية الشاملة .
Page 9
رابعا : الفلسفة مركب جدلي من المعرفة والنقد هي التنوير

إذا كانت العلاقة بين المعرفة والنقد علاقة جدلية ، والنقد فعل عقلي إرادي وهو القدرة على كشف التناقضات وتجاوزها . فجدل المعرفة والنقد يدفع بالمعرفة إلى التطور ، كما يدفع أيضا بالأداة الرئيسية في النقد - وهي العقل - إلى التطور .

والنقد في إطار المعرفة ، كما هو في إطار الواقع ، يجعل المعرفة - كما يجعل الواقع - في تطور مستمر ، وإذا ارتضينا أن العالم متطور ، وأن المعرفة هي انعكاس للواقع المادي في العقل الإنساني . وأن الإنسان هو جزء من هذا العالم ، فمعني هذا أن موضوع المعرفة متطور من تطور العالم ، وتطور الإنسان في علاقته بالعالم ، ويلزم عن هذا أن المعرفة في تطور إلى مالا نهاية ، لأن العالم باق في تطور إلى ما لا نهاية .

وإذا كان التطور في الطبيعة فعلا طبيعيا باطنيا في العالم فإن التطور في المعرفة والواقع بكل أبعاده الفكرية والاجتماعية والسياسية هو ليس تطورا آليا ، ولكنه تطور بفعل النقد سواء كان المنقود معرفة أو واقعا .

ولأن النقد فعل عقلي إرادي ، فالتلازم ضروري بين النقد والحرية ؛ معني هذا أن العقل الناقد هو العقل الحر في كل مجالات المعرفة والواقع ، ومن ثم تبقي قدرة العقل على النقد هي دلالة ومؤشر على حرية العقل .

والحرية نقيض القهر ، والعقل المقهور هو العقل المنغمس في براثن الدوجماطيقية أي " الاعتقاد بحقيقة مطلقة تتجسد في الواقع ، ويمتنع مع هذا التجسد ألا يكون للعقل سلطان على ذاته "(49) .

معني هذا أن تحرير العقل من الدوجما يحقق سلطان العقل على ذاته ، وهذا يقتضي من الإنسان " قوة العزيمة والجرأة على إعمال عقله "(50) . وإعمال العقل يبدأ بوضع الدوجما موضع التساؤل ، وهنا أستعير من ديكارت قاعدته المنهجية الأولي : " ألا أقبل شيئا ما على أنه حق ما لم أعرف يقينا أنه كذلك "(51) ، ووفقا لهذه القاعدة يجب على الإنسان عند ديكارت أن يضع كل المعارف الإنسانية موضع الشك ، وأضيف إليها : يجب عليه أن يضع كل دوجما موضع التشكك ، ومن ثم موضع الفحص النقدي ، أيًا كانت الدوجما دينية أو سياسية أو اجتماعية .

والفحص النقدي في الدين يكشف عن تناقضات الدين مع العقل والواقع المتطور ، وتجاوز هذه التناقضات لا يتم إلا بالتأويل ، فالتأويل قضاء على دوجما الدين ، لأن التأويل يمنع تحول الدين إلى لاهوت أو علم كلام ، أي يمنع تحوله إلى معتقد متحجر في الواقع .

وذكر التأويل يُذكر بابن رشد في كتابه " فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال " حيث يضع في هذا الكتاب مبدأ العقلانية في الفكر وفي الدين وهو مبدأ التأويل ، لما ينطوي عليه من إعلاء للعقل ويحقق تحرره ، واستقلاليته بذاته بوصفه عقل إنسان فرد ، لا عقل الإجماع .

بينما نقد اللاهوت الطبيعي يتم بنقد المعرفة الإنسانية التي تزعم إثبات معرفة وجود المطلق ، ذلك ما اتخذته الفلسفة النقدية عند كانط مهمة لها " ، وفي نقد اللاهوت العقلي يفحص كانط أدلة وجود الله وبالذات الدليل الأنطولوجى والكسمولوجي والفيزيقي ، فيثبت استحالتها وعدم كفايتها وينتهي إلى أن فكرة الموجود الكامل ليست إلا مثالا في خدمة العقل النظرى من أجل تحقيق وحدة المعرفة ، أما وجودها الموضوعي فليس من الممكن أن يكون موضوع إثبات أو إنكار . نتيجة الديالكتيك إذن نافية بمعنى أن القضايا الثلاث ( الله والحرية والخلود ) ليست موضوعات للعقل الخالص ، ولكنها موضوعات للعقل العملي ؛ ويترتب على ذلك أن أفكار العقل الخالص ( الله والنفس والعالم ) ليست مبادئ منشئة ، ولكن مبادئ منظمة (52) .

والفحص النقدى لدوجما الواقع الاجتماعي والسياسي هو فعل ثورى يكشف تناقضات الواقع ، ويلازمه التغيير ، وقد يكون التغيير جزئيا ، وقد يبدو مجرد تعديل في الشكل إلا أن التراكمات الحادثة عن التغيرات الجزئية مع استمرار الفعل الثورى أو استمرار النقد تؤدى لا محالة إلى نقلة كيفية في الواقع . وهنا تبدو أهمية النقد وأهمية الديالكتيك ، أو تبدو أهمية برونوباور ، وكارل ماركس .

نخلص من هذا أن حرية العقل وتحقيق استقلاليته هي مكتسب إنساني مؤسس على جدل المعرفة والنقد ، فابن رشد يحرر الإنسان من دوجما علم الكلام ، وطريق التحرير هو البرهان والتأويل ، وكانط يحرر العقل من دوجما اللاهوت ، وطريقة نقد المعرفة النظرية المدعية معرفة المطلق .

وبرونو باور يحرر الوعي من التحجر وطريقة النقد ، وماركس يحرر الإنسان من كل دوجما في الواقع وطريقه الجدل المادي والثورة الجذرية الاجتماعية الشاملة .

وطريق التحرير لم يسر في خط مستقيم بفعل صراع القوى الاجتماعية المناهضة للنهضة والحرية والتنوير ؛ لذلك فإن التيار الفلسفي الذي يحمل اسم التنوير في العصر الحديث ما هو إلا نقلة كيفية ، تحققت بفعل التراكمات الفلسفية ابتداء من طاليس في القرن السابع ق . م حتى فلاسفة التنوير في العصر الحديث .

والتنوير كما هو في تعريف كانط " هو هجرة الإنسان من اللارشد ، والإنسان علة هذه الهجرة ، واللارشد هو عجز الإفادة من عقله من غير معونة من الآخرين . كما أن اللارشد سببه الإنسان ذاته عندما لا تكون علته مردودة إلى نقص في العلم ، وإنما نقص في العزيمة والجرأة على إعمال العقل من غير معونة الآخرين ، كن جريئا في إعمال عقلك ، هذا هو شعار التنوير " (53) ، وهو دعوة لتحقيق سلطان العقل أي تحقيق استقلاليته ، ومن ثم تحرير الإنسان. ولما كانت الحــرية هي مكتسب جدل المعــرفة والنقد ، كانت الفلسفة هي التنوير .
Page 10
خامسًا : أهمية الفلسفة - أو أهمية التنوير - في التعليم

أهمية التنوير في التعليم من أهمية التنوير للإنسان ، وأهميته للمجتمع ، والإنسانية جمعاء ، وتتلخص أهمية التنوير للإنسان في تحقيق سلطان العقل الإنساني على ذاته ، أي أنه يصبح عقلا مستقلا ، يمارس جدل المعرفة والنقد .

والنقد كما عرفناه من قبل فعل عقلي إرادي بمعنى القدرة على كشف التناقضات ( في الفكر وفي الواقع ، أو في الثقافة والمجتمع ) وتجاوزها ، والقدرة على تجاوز التناقضات تدفع بالثقافة والفكر والمجتمع إلى التطور ؛ لأن العقل القادر على تجاوز الواقع هو العقل القادر على إعادة ترتيبه في شكل عقلاني جديد ، وهذا هو ما يمكن أن نسميه إبداعا ، كما رأينا إبداعات الفلاسفة من قبل .

فالإنسان المبدع صاحب عقل راشد (بالمعنى الكانطى) ، ومتى كان العقل حرا مستقلا ، فهو ليس عقلا منغلقا في حدود ثقافة بعينها ، وهنا تكون أهمية التنوير ليس للفرد والمجتمع فحسب ، بل للإنسانية جمعاء .

وإذا كان التنوير يؤدى إلى الإبداع فإنه يمكن ترجمة التنوير كهدف عام وأساسي للتعليم ، ليكون هدف التعليم إحداث تغيير في ذهنية المتعلم ليجعل منه إنسانا حرا مستقلا مبدعا لنفسه ولمجتمعه وللإنسانية جمعاء .

ومتى أقمنا التلاقي بين التعليم والتنوير علي مستوى الغايات والأهداف ، علينا أن نترجم التنوير إلى واقع تعلمي معيش . وأولى خطوات هذه الترجمة هي الفحص النقدي للنسق التعليمي القائم ، ليكشف عن التناقضات المعوقة لتحقيق هدف التعليم باعتباره تنويرا ، وأن يتسع ذلك الفحص النقدي ليشمل التلميذ والمعلم والكتاب والمكتبة والمدرسة والأسرة والوزارة والمجتمع ككل .

وثمة عدد من التساؤلات يمكن أن تشكل محاور للنقد تكشف عن التناقض بين هدف التعليم بصفته تنويرا ، والنسق التعليمي القائم :

1 - هل النسق التعليمي القائم يحقق سلطان العقل أم يحقق سلطة الأستاذ والكتاب وسلطة الدوجما ؟

2 - هل النسق التعليمي القائم يربى العقل المنفتح والمحاور ويرسخ حق النقد والاختلاف والتعددية في الرأي ، أم هو تعليم يقوم على التقبل السلبي والرأي الواحد والنموذج الثابت ؟

3 - هل النسق التعليمي القائم يقوم على تربية الفهم وإعمال العقل ، أم يقوم على تقوية الذاكرة ؟

4 - هل النسق التعليمي القائم هو تعليم من أجل الإبداع في عصر الكوكبية ، أم هو تعليم يساعد على تحجر الهوية ؟

وتأسيسا على ذلك إذا أردنا للتعليم أن يكون تنويرا ، علينا إعادة النظر في النسق التعليمي القائم برمته وفقا لمعني الفلسفة باعتبارها تنويرا .