الاهــــــداء
إلى
روح وَالدي ..... تأسِّياً وَعِرفاناً
وَروح والدتي ..... حُبّاً وَسلواناً
وَروح رَبيبتي ..... اعِترافاً وامتناناً
وَشريكة حَيَاتي
وأولادي
أهدي ثمرة جهدي المتواضع
شكر محمود عبد اللّه
مقدمــــة
الحمد للّه كما أمر، وصلى اللّه وسلم على محمد سيد البشر، ومن والاه بإحسان إلى يوم الحشر، وبعد:-
مما لاشك فيه أن فروع اللغة العربية جلّها، إنما وجدت لخدمة القرآن العظيم، فلا غرو في ذلك، فإنه كتاب الإنسانية الأكبر، وأمة وحدة في البلاغة والفصاحة، والمنار الشامخ الخليق بأن تكون تراكيبه وأساليبه المثال الذي يهتدى به، وقد شرَّف اللّه اللغة العربية بأن جعلها لغة هذا الكتاب الإلهي المعجز، ولا يقصد باللغة- هنا- لغة التخاطب العادية، وإنما باللغة الأدبية التي أنزل بها نص القرآن الكريم، فهي لغة القرآن والحديث والشعر، فأصبح لزاماً على من يود أن يقف على وجوه إعجاز هذا السفر الرباني أن يتدارى لغته، واللغة عبارة عن مجموعة من العلاقات المعنوية واللفظية، تتجلى فيها المكونات اللغوية على نحو يومئ بالتماسك الفني، ويوحي بالسبك الأدائي المعبّر عن جمالية الفن الرفيع، والبلاغة الراقية، والأساليب الرصينة التي تتشكل في إطار النظم الذي يمنح الألفاظ سبكاً في السياق، على مستوى الأصوات والأبنية والتراكيب، وان التحول في الأداء من هذا الإطار قصد توسيع نطاق النظم لاستيعاب الدلالات المتعددة ينحو بالنظم منحنى أسلوبياً، وتتباين الأساليب البلاغية تبعاً لتباين فنون القول وما يمتاز به كل فن منها، وتسير هذه الأساليب في طوائف ثلاث لتشكل علوم البلاغة التي تشمل ثلاثة بحوث: المعاني: وموضوعه بيان ما ينبغي أن يكون عليه الأسلوب اللغوي ليطابق مقتضى الحال ويعبر عن المقصود أبلغ تعبير، والبيان: وموضوعه شرح المناهج التي يسلكها الأسلوب العربي في استخدام التشبيه والمجاز والكناية وغيرها ، والبديع: وموضوعه دراسة المحسنات اللفظية والمعنوية التي يحتملها الأسلوب العربي، فموضوعات البلاغة الثلاثة هذه أصبحت دراسة مهمة تقع في نطاق ما يسميه المحدثون الغربيون في اللغويات الحديثة باسم الأسلوبيات(stylistics) أي علم الأسلوب التعليمي ، ويقصد بالأسلوب البلاغي في التعبير القرآني ما اشتمل عليه النص القرآني من ظواهر التضام، في نحو: الحذف والزيادة، والإضمار والذكر، والتقديم والتأخير، والإطناب والإيجاز والمساواة، فضلاً عن موضوعنا(الفصل والوصل)، وظواهر المطابقة: كالالتفات وكاختلاف المتعاطفين وغير ذلك، وأول من تصدى لاستيعاب هذه البحوث الثلاثة في مؤلف مستقل هو أبو هلال العسكري(395هـ) في كتاب الصناعتين، ومن ثم جاء عبد القاهر(471هـ) فميّز بحوث المعاني من بحوث البيان وردّ مسائل كل منهما إلى قواعد مضبوطة، فكان بذلك المنشئ الحقيقي لهذين العلمين، إذ خرج بنتيجة لا تقبل النقض هي أن دقة النظم والبلاغة والبراعة والبيان مطوية في التركيب اللغوي، وكامنة في معاني النحو، ذلك لأن التراكيب النحوية لها دلالتان:دلالة وظيفية ودلالة إضافية، أو معنى أولي يدلّ عليه ظاهر اللفظ ومعنى ثان أو(معنى المعنى)، يتبع المعنى الأول، وهذا المعنى الثاني أو تلك الدلالة الإضافية الجمالية أو الذوقية هي الهدف والمقصد في البلاغة، فأصبح همّ البلاغيين البحث عنها، لاسيما بعد أن ظهر أن قوة اللغة في الأداء والبلاغة لا تأتيها من مفرداتها، وإنما من تركيب جملها، وطريقة هذا التركيب، وأن اللغة العربية لها خصوصيتها في تركيب الجمل يمكن أن يسمى بالتركيب الجواري(parataxe)، فتنتظم الجمل في نسق واحد، من غير أن تنبني إحداها عن الأخرى أو تفوقها في القيمة تبعاً لتوزيعها بين تركيب أصلي وتركيب تبعي، والفرق بين هذه التراكيب، والتباين بين الأساليب ليس فرقا ًفي الحركات، وما يطرأ على الكلمات من تغييرات، وإنما الفرق في معاني العبارات، وما يحدثه هذا الوضع وذلك التنظيم، فليس المقصود معرفة قواعد النحو وحدها، ولكن فيما تحدثه هذه القواعد من آثار وما يستتبعه من مدلولات، وما يتولد من النظم من معان.
والعلم الذي يحاول أن يقتبس من نور القرآن الكريم، ويغرف من بحره- في المرتبة الأولى- هو علم المعاني، الذي يهدف إلى معرفة وجه إعجاز القرآن المجيد من نظم الكلام النفسي، وحسن التأليف، وجودة السبك، وبراعة التركيب، وما حوى من سلاسة وعذوبة، إلى جانب الجزالة والسهولة، فالوقوف على بلاغته، وإدراك السرّ في فصاحته، وكيف أنه أصبح معجزة خالدة على مرّ الدهر، لا يقوى على معارضتها بشر.
صلتي بالقرآن الكريم تعود إلى مراحل التعليم الأولى، وزاد تعلقي به ورغبتي في الوقوف على جانب من منابع الإبداع الثرّ فيه، وبلغت هذه الرغبة ذروتها بعد إنهاء الدراسة الجامعية، فشعرت أنها أصبحت حاجة روحية لا مناص من تحقيقها، وقيّض اللّه سبحانه لي ظروفاً أعانني فيها عليها، ولقيت تشجيعاً من لدن أساتذتي الأفاضل، في مقابل ندرة اختصاص البلاغة في كلياتنا، هذه الأسباب مجتمعة دفعتني إلى اختيار موضوع في البلاغة العربية وسمته بـ(الفصل والوصل في القرآن الكريم- دراسة بلاغية)، وعلى الرغم من أن هذا الأسلوب قد عرض له أغلب الكتب البلاغية القديمة والحديثة ضمن الموضوعات الأخرى، إلاّ أنني لا أعرف- على حدّ علمي- أفراد مؤلف مستقل له، كما أن الدراسات التي تناولته جاءت إما مبتورة لإغفال الفصل والوصل في المفردات، فضلاً عن بحث التراكيب، أو قليلة في شواهدها وشرح الأمثلة الموضحة، ويكثر خوضها في المسائل الفلسفية والنفسية التي تبعدها عن الفن البلاغي والذوق الأدبي، فحاولت إلصاق ما بتر، وتكثير ما تزر، وتنقية ما كثر، كما أنني(الناشئ الفقير إلى عفو اللّه) أدركت أن هذه الدراسات تخصّ الفصل والوصل في مجال الأدب.
أما دراستي لهذا الموضوع فتختلف عن سابقاتها من جهة أنها تخصّ تطبيق منهج الفصل والوصل وقواعده على آي القرآن الكريم، ودراسة الأداء البليغ لهذا الأسلوب في تعبيرات كتاب الله المنزل، بطريقة أظنها تربط بين التراث والحديث، ومن هذا الجانب تبرز جدّة البحث وأهميته- كما أظن-
وأغنت جوانب البحث مصادر لغوية وبلاغية ونحوية قديمة من أهمها: كتاب سيبويه(180هـ)ن ومعاني القرآن للفرّاء(207هـ)، والبيان والتبيين للجاحظ (255هـ)، ودلائل الإعجاز لعبد القاهر الجرجاني(471هـ) ومفتاح العلوم للسكاكي(626هـ)، والإيضاح في علوم البلاغة وشروحهما وتلخيصاتهما، والطراز للعلوي(739هـ) وغيرها، كما أفدت في تحليل الآيات أسلوبياً وبلاغياً من كتب التفاسير أهمها: الكشاف للزمخشري(538هـ) والتفسير الكبير لفخر الدين الرازي(606هـ) والمنار لرشيد رضا وغيرها، كما انتفعت بمراجع حديثة، أهمها: علوم البلاغة للمراغي، والمعاني في ضوء أساليب القرآن لعبد الفتاح لاشين، ومن بلاغة النظم العربي لعبد العزيز عرفة، ودلالات التراكيب لمحمد أبو موسى، وغير ذلك.
واقتضت خطة البحث تقسيمه إلى ثلاثة فصول مبدوءة بمقدمة ومختومة بنتائج البحث، خصصت الفصل الأول البلاغة الوصل، تحدثت فيه عن بلاغة الوصل بالعطف في المفردات، وفيها وفي التراكيب، وأحوال التراكيب، وأقسام الجمل، ومن ثم عرض مواضع الوصل الثلاثة ومحسنات الوصل.
وتناولت في الفصل الثاني: الجامع بين الجملتين وأنواعه ومواضع الفصل الخمسة وبالشرح والاستشهاد القرآني والأدبي، وذيلته بشرح وجيز جداً لعلاقة التراكيب الحالية واقترانها بالواو بموضوع الفصل والوصل، ولكن أحجمت عن التفصيل فيه لإشباعها شرحاً في الكتب إلى درجة الفتور.
أما بالفصل الثالث والأخير: فقد أفردته لتطبيق المنهج والقواعد التي استنبطتها من الفصلين الأولين على آي الذكر الحكيم، وانتقاء شواهد موضوعية تغني عن ذكر نظيراتها، وتحليلها تحليلاً بلاغياً وأسلوبياً، فضلاً عن تناول بعض لقضايا البلاغية، والمشكلات الكلامية والأسرار البيانية التي تنطوي عليها التعبيرات القرآنية في كلا الأسلوبين وختمت بها الفصل.
وقد لاقيت صعوبات في مراحل إعداد هذا البحث منها: قلّة المصادر والمراجع وصعوبة السفر للبحث عنها، وضعف تعاون بعض المسؤولين وغير ذلك.
وهكذا يّسر اللّه بمنته أن أقطر من بحر كلماته التي لا تنفذ وأحرر هذه الصفحات، عسى أن تكون فيها خدمة وإن كانت ضئيلة لكتاب اللّه العزيز ولغته وبلاغتها، وهي ثمرة جهود مضنية، أظن أنني لم أدخر منها وسعاً، فإن نفعت، فذاك أملي فيها، وإن كانت دون ذلك فما أزكيها، فما الكمال إلاّ للّه وحده، وما توفيقي ولا اعتصامي إلاّ باللّه، عليه توكلت وإليه أنيب، وصلى اللّه وسلم على محمد الرسول الأمين.
المؤلف
الفصل والوصل في اللغة والاصطلاح البلاغي
إنّ الدلالة اللغوية لكلمتي(الفصل والوصل) أسبق ظهوراً من مدلولهما الاصطلاحي، والأصل في المعنى الاصطلاحي لأية كلمة أن يمت إلى معناها اللغوي بصلة، ولما كانت معرفة هذين المعنيين تلقي عليهما الضوء الذي يكشف عن حقيقتهما ويجعل من السهل تصورهما لذلك نبدأ بتعريف الفصل والوصل في اللغو والاصطلاح.
إذا ما أردنا التماس معنى الفصل والوصل لغة في المعجمات فلابد من المرور بالمدلولات الحقيقية والمجازية الكثيرة التي دارت عليها مادتا(فصل) و(وصل) للاهتداء إلى المعنى الأصلي لهما.
فالفصل لغة: مصدر الفعل فعل- يفصل(بالكسر)، و(فصل) يكون " لازماً وواقعاً، وإذا كان واقعاً فمصدره الفصل، وإذا كان لازماً فمصدره الفصول"([1]) جاء في الصحاح: " فصلت الشيء فانفصل أي قطعته فانقطع وبابه ضرب"([2])، ومنه قوله تعالى: (إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ)
([3]) أي فاصل قاطع......" وفي حديث ابن عمر: (كانَتِ الفَيْصَلَ بَيْنِي وَبَينَهُ) أي القطيعة التامة، والفصال الفطام، قال تعالى: (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً)([4]) .....وقال تعالى: (وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ)([5]) أي خرجت.
قال الزمخشري: " فصَّل الشاة تفصيلاً، قطّعها عضواً عضوا"([6]).
والفصل" الحاجز بين الشيئين. والمصنفون يترجمون به في أثناء الأبواب، أما لأنه نوع من المسائل مفصول عن غيره، أو لأنه ترجمة فاصلة بينه وبين غيره والفصل: الحق من القول.. وقال الليث: الفصل من المجد: موقع الفصل وبين كل فصلين وصل، وأنشد([7]):
وَصْلاً وَفَصْلاً وَتَجْمِيعَاً وَمفتَرَقاً
فَتْقَا وَرَتَقَاً وَتَأليِفَاً لإنْسَانِ
والفصل عند النحاة من البصريين" ضمير رفع منفصل يقع بين المبتدأ والخبر أو ما أصله المبتدأ والخبر"([8])، كما في قوله تعالى:(إِنْ كَانَ هَٰذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ) ([9]) .
وأطلقت لفظة(فصل) على معان أخرى متباينة، فالفصل(Act)" أحد الأقسام الرئيسة في المسرحية...والفصل عند علماء العروض من العرب، كل تغير اختص بالعروض، ولم يلتزم مثله في حشو البيت، والفصل أو الباب(chapter) قسم من الكتاب متصل الموضوع أو الحدث يرقم عادة، وقد يكون له عنوان"([10]).
وتأتي كلمة(الفصل) بمدلولات أخرى، فهي تطلق عند الفرّاء " على الوقف لأنه يقطع عما بعده فينفصل عنه، وعند الطبيعيين: قسم من أقسام السنة الأربعة..وعند المنطقيين: كّليّ يحمل على الشيء يقع في جواب أي شيء في جوهره كالصاهل بالنسبة إلى الفرس فإنه يفصله عن بقية الحيوانات"([11]). والفصل(Asyndetoa) عند علماء المعاني في ترك العطف، وفصل بين الشيئين، فرق وفصل الحاكم بين الخصمين: قضى....فصل الشيء عن غيره أبعده، وفصل الخطيب القول: أحكمه، ...... وفصل الأثر: بيّنه، ... ويوم الفصل، يوم القيامة، وفصل الخطاب: ما كان الحكم فيه قاطعاً لا رادّ له"([12]).
ونخلص من ذلك إلى انه إذا كانت لفظة(فصل) في اللغة تأتي بمدلولات كثيرة في نحو: القطع والفطام والخروج والحاجز وموضع الفصل والحسم والقضاء والحكم والتبيين والأبعاد وترك العطف وضمير العماد أو الفصل أو أحد أقسام المسرحية وتغيير معيّن في علم العروض والوقف عند الفراء وقسم من السنة الشمسية أو كل يحمل على الشيء عند المناطقة وغيرها من المعاني، فإن الأصل من هذه المدلولات(القطع) والتجزئة، فالفصل- إذن- في اللغة(القطّع)([13]).
وقد أخّرت تعريف الفصل اصطلاحاً إلى ما بعد الوصل لغة لكي نسوق التعريف الاصطلاحي للفصل والوصل معاً فإن ذلك متبع لدى جميع البلاغيين مراعاة لوحدة التعريف.
أما الوصل لغة: مصدر فعله: وصل-يصل-وصولاً(من باب وعد) جاء في تاج العروس: " وصل الحبال وغيرها توصيلاً وصل بعضها ببعض....، واتصل الشيء بالشيء لم ينقطع، وليلة الوصل آخر ليالي الشهر لاتصالها بالشهر الآخر، ...وواصل الصيام مواصلة ووصالاً إذا لم يفطر أياماً تباعاً، والتواصل ضدّ التصارم"([14]).
وقال ابن منظور: " الوصل: ضد الهجران: وخلاف الفصل، وفي التنزيل العزيز:(وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ)([15]).
وصل الشيء إلى شيء إذا انتهى إليه وبلغه، قال أبو ذؤيب([16]):
تَوَصَّلُ بِالرُكبَانِ حِيناً، وَتُؤْلِفُ ال
جِوازَ وَيغْشِِِِيهَا الأمَانَ رِبَابُها
... وقال ابن الأعرابي في قوله: (إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ)([17])" أي: ينتسبون"([18]).
وقال الزمخشري(538هـ)" وهو وصيل فلان: لمواصلة الذي لا يكاد يفارقه...ومن المجاز وصل إلى بني فلان واصل: انتمى: قال الأعشى([19]):
إذَا اتَّصَلَتْ قَالَتْ: أَبَكْرَ بنَ وائِلٍ
وَبَكْرٌ سَبضتْهَا وَالاً نُوُفُ رَوَاغِمُ
ووصل رحِمَه، وأمر اللّه تعالى بصلة الرحم"([20]).
وجاء في معجم المصطلحات: " وصل" wast: هو في العروض العربي حرف اللين الناشئ من حركة الروى"([21]). وَوَصَل الشيء: لأَمَه، وربطه به، والوصل في الاصطلاح القرّاء: عدم الفصل، وعند أهل المعاني خلاف الفصل، وهو عطف بعض الجمل على بعض، وحرف الفصل عند أهل القوافي واو أو ياء أو ألف أو هاء........
وعند المحدّثين: هو عدم سقوط راو من رواة الحديث ومجيء إسناده متصلاً"([22]). فلفظة الوصل- إذن- تطلق على مدلولات كثيرة منها حقيقية وأخرى مجازية في نحو: التوصيل والاتصال وعدم القطع والإتباع وضدّ التصارم والهجران والانتهاء والبلوغ والانتساب والانتماء وعدم المقارنة واللأم والربط، إلاّ أن هذه المعاني كلها قريبة ومتشابهة وتوحي بشيء واحد هو(الربط)، وهذا المعنى اللغوي هو أساس المعنى الاصطلاحي للفظتي الفصل والوصل كما سنرى، وإن كان يدخل في ميدان أخص وهو العطف الذي يعدّ نوعاً من أنواع الربط في العربية.
الفصل والوصل في اصطلاح البلاغيين
قد يكون من المفيد أن نذكر- قبل البدء بتعريف الفصل والوصل اصطلاحاً بأن أكثر البلاغيين قدموا في الترجمة لهذا الباب ذكر الفصل على الوصل فقالوا: (الفصل والوصل)، لأن الفصل مرجعه إلى عدم العطف والوصل مرجعه إلى العطف"([23]) أو لأن الفصل هو الأصل" والوصل طارئ أي عارض عليه حاصل بزيادة حرف من حروف العطف، لكن لّما كان الوصل بمنزلة الملكة والفصل بمنزلة عدمها، والإعدام إنما تعرف بملكاتها"([24]). فقد بدأ بأغلبهم في التعريف الاصطلاحي بذكر الوصل قبل الفصل، عكس ما في الترجمة، كما سيأتي في التعريف.
عندما سعى علماء البلاغة إلى تحديد مدلول لفظتي(الفصل والوصل) اصطلاحاً، تأثروا إلى حدّ بعيد بما أدى به أصحاب المعجمات من معان لغوية لهاتين اللفظتين، ويتجلى تأثرهم هذا في توافق تعريفاتهم لهما في خطوطها العامة، وإن اختلفت طرائق تعبيرهم تبعاً لتباين اختصاصهم ونظرتهم إلى هذا الموضوع من التخصيص والتعميم، والتوسع في الباب والتضيّيق فيه، ـ أو اختلاف فهمهم
يبدو أن السكاكي(626هـ) هو أول من حاول وضع التعريف الاصطلاحي للفصل والوصل، حيث قال: " مدار الفصل والوصل.وترك العاطف وذكره"([25])، والذي نفهمه من عبارته هذه أنه لم يحصر الفصل والوصل بين الجمل فحسب، بل جعله يشمل المفردات أيضاً، بدليل قوله في (المفتاح)، " أن تمييز موضع العطف من غير موضعه في الجمل...هو الأصل في هذا الفن"([26]). فعندما يجعل الفصل والوصل أصلاً في الجمل فإن هذا لا يعني أنهما يختصان بها اصطلاحاً، بل بالمفردات كذلك، ويلفتنا الزمخشري(538هـ) إلى أن الفصل وصل تقديري خفيّ وأنه أقوى من الوصل الظاهر بحرف العطف، وأن التنبه إلى هذا الوصل الخفيّ باب دقيق من أبواب البيان تتكاثر محاسنه"([27])، وهذا ما يسميه المحدثون(الوصل بغير العطف)([28])، وسنفصل الحديث عنه في موضوع شبه كمال الاتصال ونطبق عليه في الفصل الثالث بإذن اللّه.
وحدّ الخطيب القزويني(739هـ) الفصل والوصل بقوله: " الوصل عطف بعض الجمل على بعض والفصل تركه"([29])، والظاهر من كلامه هذا أنه ظنّ أن غير ذلك متروك: ([30])، وعلى هذا بادر شرّاح تلخيصه بعده، غير أن عصام الدين الاسفراييني(951هـ) عّقب على كلام السعد التفتازاني(791هـ)- صاحب المطوّل على التلخيص- بقوله: " وعبارة صاحب المطول مشعرة بأن الفصل والوصل مختصان اصطلاحاً بالجمل، والمقتضيات لهما جارية على المفردات أيضاً.فلا ينبغي التخصيص اصطلاحاً"([31]) لكي لا تكون المفردات بمعزل عن الفن البلاغي.
وقال الطيبي(743هـ) في تعريف الفصل والوصل: " هو ترك العاطف بين الجمل وذكره"([32])، وهذا الحدّ يشبه تعريف السكاكي مع فارق هو أن الأخير قصّر الفصل والوصل على الجمل دون المفردات، بينما السكاكي جعل التعريف بالعطف مطلقاً، وحاول المتأخرون من البلاغيين- من سعيهم لإطلاق دعاوي التجديد والتيسير في الدرس البلاغي إلى إيجاد تعريفات للفصل والوصل أخص من الحدود القديمة وأدق منها، وأكثر تعلقاً بالبلاغة وابتعاداً عن النحو في هذا الموضوع، فيرى عبد الفتاح لاشين أن تعريف الفصل والوصل" يجمل أن يصير على هذا الوضع: الوصل: عطف بعض الكلام على بعض، والفصل: ترك هذا بالعطف"([33])، وهذا بالتعريف يختلف قليلاً عن التعريفات القديمة ذلك لأن لاشين لعله يرى أن الكلام أعم من الجملة لأنه يشمل المفردات والجمل معاً على ما يبدو، بينما يقول التفتازاني في المطول: " إنما قال عطف بعض الجمل على بعض دون أن يقول عطف كلام على كلام ليشمل الجمل التي لها محل من الإعراب وذلك لأنهم وإن جعلوا الكلام والجملة مترادفين لكن الاصطلاح المشهور على أن الجملة أعم من الكلام، لأن الكلام ما يتضمن الإسناد الأصلي وكان مقصوداً لذاته والجملة ما تتضمن الإسناد الأصلي سواء كان مقصوداً لذاته أولا"([34]).
ويحسم الرضي(686هـ) الفرق بين الجملة والكلام بقوله: " فكل كلام جملة ولا ينعكس"([35]) والسبب في ذلك أن الكلام شرطه الإفادة، بخلافهما"([36]) وهذا يدل دلالة قاطعة على أن الكلام أخص من الجملة والجملة أعم منها، لذا نجد أن تعريف القزويني أشمل من تعريف لاشين، ذلك أن القزويني اختار "التعبير ببعض الجمل على الكلام لتدخل الصفة والصلة ونحوهما مما لا يشمل الكلام، بناء على أنه لابد أن يكون مقصوداً لذاته"([37]).
حاول بعض البلاغيين المتأخرين والمحدثين التركيز على الموضوع أكثر، فحدّوا الفصل والوصل بقولهم: " الوصل عطف جملةِ على أخرى بالواو والفصل ترك هذا العطف بين الجملتين، والمجيء بها منثورة، تستأنف واحدة منها بعد أخرى، ......ومن هذا يعلم أن الوصل جمع وربط بين جملتين(بالواو خاصة) لصلة بينهما في الصورة والمعنى، أو لدفع اللبس، والفصل ترك الربط بين الجملتين أما لأنهما متحدتان صورة ومعنى، أو بمنزلة المتحدين، وأما لأنه لا صلة بينهما في الصورة أو في المعنى"([38])، ولما كان الوصل نوعاً من الربط والفصل عدم الربط يحسن بنا الوقوف عند مفهومه، فالربط: " ما يحصل من ائتلاف وصلة واتحاد وتماسك في أجزاء الكلام والجملة سواء أكانت هذه الأجزاء عناصر أساسية في بنائهما أم غير أساسية، وذلك بوسائل معنوية أو لفظية"([39]).
فباب الفصل والوصل في علم المعاني يدخل في باب الربط في علم النحو.
ويعرّف المراغي الفصل والوصل اصطلاحاً بقوله: ".... هو العلم بمواضع العطف أو الاستئناف أو التهدي إلى كيفية إيقاع حروف العطف في مواقعها أو تركها عند عدم الحاجة إليها"([40]).
ويقول د . هادي الفضلي في حدّ الفصل: " هو الاستئناف بين الجملتين"([41])، وفي الوصل: " هو العطف بين جملتين للتشريك بينهما في الإعراب أو الحكم"([42])، ومهما يكن من معنى الفصل والوصل اصطلاحاً، فإن ملاك الأمر فيهما" حسن استعمال حرف من حروف المعاني، يضم به أجزاء الكلام بعضها إلى بعض، حيث يكون ذلك مطلوباً من اجل أداء المعنى على أحسن وأتم صورة"([43]).
وباب الوصل في البلاغة العربية يتمثل في باب العطف في النحو، والعطف الذي نقصده هو عطف النسف وليس عطف البيان، ولذلك يتحتم علينا معرفة معنى عطف النسفٌ، فالعطف لغة: الميل إلى الشيء والانصراف عنه"([44])، بحسب الحرف الذي يتم تعدي الفعل به"([45])، أما ما يتضمن الفعل(عطف- يعطف- عطفاً) من معنى الشفقة فإنه يجري- كما يقول الراغب الأصفهاني-" على سبيل الاستعارة، وفي هذه الحالة يجب أن يتعدى الفعل بعلى يقال: ظبية عاطفة على ولدها، فإذا عدّى الفعل ب(عن) فإنه يكون على الضد: نحو عطفت عن فلان بمعنى ملت عنه وانصرفت عنه"([46]).
أما العطف اصطلاحاً كما يعرّفه ابن عصفور(669هـ)" هو حمل الاسم على الاسم، أو الفعل على الفعل، أو الجملة على الجملة، بشرط توسط حرف بينهما من الحروف الموضوعة لذلك"([47])، كما أن الفصل والوصل من الموضوعات التي يلتقي فيها علم المعاني بمعاني النحو، ذلك لأن" علم المعاني من المصطلحات التي أطلقها البيانيون على مباحث بلاغية تتصل بالجملة وما يطرأ عليها من تقديم وتأخير، أو ذكر وحذف، أو فصل ووصل..."([48])، وكان عبد القاهر الجرجاني(471هـ) قد سمى الموضوعات نفسها(معاني النحو) أو(النظم)، والنظم عنده لا معنى له" غير توخي معاني النحو"([49])، وعلى نظريته هذه بنى عبد القاهر" تصوره البلاغي كلّه، ونظر إلى إعجاز كتاب اللّه، واللفظ والمعنى والتصوير الأدبي من خلالها، وجمع بين البناء والنظم والتركيب، والصياغة والتصوير والجمال في فكرة واحدة هي النظم"([50])، وهو "يقصد بالنظم ما يطلق عليه الغربيون(علم التراكيب) وهو عندهم(أهم أجزاء النحو)([51])، لأن مجال النحو هو الجملة الواحدة(التركيب) في حين يطلقون على البلاغة" علم خصائص الكلام"([52])، أي الجملة أو الجمل، وعلى الرغم من اعتقادنا بصحة الرأي القائل يكون النحو صلب البلاغة، إلا أننا نزعم كأنه ليس من المجازفة في شيء أن نقرر أن البلاغة أعلى وأشمل منه، وتصح تسميتها(النحو العالي)، أو(منهج النحو الجمالي) الذي يجمع بين علمي النحو والبلاغة ذلك لأن شرط النحو صحة التركيب، و" شرط البلاغة صحة التركيب التي تترتب عليها صحة المعنى، وهنا يتلاقى النحاة مع المناطقة"([53])، بتوسط علم المعاني، ذلك لأن البلاغة تمييز عن نسبة الخواص في الكلام، و" أن خواص التراكيب تنقسم إلى ما هو خواصها بإفادة وهي المبنية في علم المعاني، وإلى ما هو خواصها بدلالة وهي المبنية في علم البيان، وإلى ما هو خواصها تبييناً وتزييناً وهي المبنية في علم البديع"([54]).
فالبلاغة تلتقي بالنحو في الوصل والعطف([55])، من جهة، وتلتقي بالمنطق من جهة أخرى في الموضوع نفسه، إذ يؤكد(برستلي) في حديثه عن علاقة العطف في الجمل وارتباطه بالمنطق" أن هذه العلاقة بين الجملتين هي علاقة العلة ونتيجة العلة، وهكذا تلتقي البلاغة والمنطق، ولا عيب في ذلك، فقد سعى العرب قديماً بالبلاغة بعلم البيان، وليس المنطق إلا بياناً"([56]).
والذي نستخلصه من هذا الحديث عن المفهوم الاصطلاحي للفصل والوصل عند القدماء والمتأخرين والمحدثين أن تعريفات البلاغيين المحدثين لهذا الباب أدق وأكثر قرباً من روح البلاغة العربية وتعلقاً بها من سابقيهم من البلاغيين لأنهم حاولوا التركيز على الوصل بالواو دون غيرها من حروف العطف في إطار سعيهم لتخصيص هذا الموضوع بالبلاغة وأبعاده من النحو لإعادة جانب الاختصاص لكل علم، وبناء على هذا فإن التعريف الاصطلاحي الذي نرتضيه لأسلوب الفصل والوصل هو أن" الوصل عطف جملة على أخرى بالواو، والفصل ترك هذا العطف"([57]).
ولما كان الموروث اللغوي لا يشير إلى وجود دراسة واضحة لعلاقات الجمل التي لا محل لها من الإعراب، " إذن فليمض بحث الفصل والوصل قاصداً إلى الجمل التي لا محل لها من الإعراب، والتي تربط بالواو خاصة"([58])، ومع التعرض للموضوعات التي من شأنها تيسير هذا الأمر والتي لها وشائج معه، أو يمت إليه بصلة ما.
تطور دراسة أسلوب الفصل والوصل في البلاغة العربية
لقد نشأت فنون البلاغة العربية ممتزجة مع بقية العلوم أول الأمر، ومن ثم" أخذت الملاحظات البلاغية تتطور عند العصر الجاهلي وتنمو، وتأخذ طريقها في كتب اللغويين"([59])]أمثال سيبويه(180هـ)[ والفرّاء(207هـ) وأبي عبيدة معمر بن المثنى(207هـ)، وعلماء الكلام: كالجاحظ(255هـ) والرماني(384هـ) والنقاد: كالآمدي(370هـ) والقاضي عبد العزيز الجرجاني(392هـ) وأبي هلال العسكري(395هـ)، وغيرهم.
إن أسلوب الفصل والوصل بالمعنى الاصطلاحي الذي شاع في كتب المتأخرين من البلاغيين موضوع قديم في العربية، وذلك لأن التحرّي الدقيق لأمهات كتب اللغة والأدب- على الرغم من كونه مجهداً- إلاّ أنه يؤكد لنا أن لهذا الأسلوب جذوراً وسوابق في هذه الكتب، فنجد إمام النحاة سيبويه في كتابه الشهير الذي يمزج فيه بحوث البلاغة بالنحو" يعرض لبعض الخصائص الأسلوبية التي عني بها فيما بعد(علم المعاني) مثل: التقديم والتأخير والتعريف والتنكير والحذف"([60])، كما تحدث في مواضع من كتابه" عن لون بلاغي آخر هو الفصل والوصل كما نعرفه بصفة عامة أو شبه كمال الاتصال كما نعرفه بصفة خاصة"([61]).
ولا يخفى أن سيبويه لم يذكر هذا المصطلح البلاغي لا باسمه ولا بموضوعاته فذلك لم يكن معهوداً في زمنه، " وإنما عرف فيما بعد على يد الفرّاء، ولكن الذي ذكر سيبويه، هو ما يفيد شبه كمال الاتصال وإن لم يصرّح باسمه"([62]).
فمثلاً في باب: (بدل المعرفة من النكرة، والمعرفة من المعرفة، وقطع المعرفة من المعرفة مبتدئة، يقول" أما بدل المعرفة من النكرة فقولك: (مررت برجل عبد الله)، كأنه قيل له: بمن مررّت؟ أو ظّن أنه يقال له ذاك، فأبدل مكانه ما هو أعرف منه........وكذلك قول الشاعر([63]):
وَلَقَدْ خَبَطْنَ بيُوُتَ يَشْكُرَ خَبْطَةً
أَخْوَاُنَا وَهُمْ بَنُو الأعْمَامِ
كأنه حين قال: خبطن بيوت يشكر، قيل له: وما هم؟ فقالوا: أخوالنا وهم بنو الأعمام.....وتقول: مررت برجل الأسد شدة، كأنك قلت: " مررت برجل كامل، أردت أن ترفع شأنه وإن شئت استأنفت، كأنه قيل له: ما هو؟"([64]) .
ويتحدث في باب(ما لا يعمل في المعروف إلاّ مضمراً) عن هذا الأسلوب أيضاً في تقدير السؤال والإجابة عنه، يقول: " أما قولهم: نعم الرجل عبد الله، وعبد الله نعم الرجل، كأنه قال: نعم الرجل، فقيل له: من هو ؟ فقال عبد الله، وإذا قال: عبد الله فكأنه قيل له ما بشأنه ؟ فقال: نعم الرجل"([65]).
من هذا يتبين أن سيبويه قد ضمّن الجملة الأولى سؤالاً، وجعل الجملة الثانية جواباً لهذا السؤال المقّدر، بل نصّ على أن الجملة الثانية استئناف، وهذا أحد مواضع الفصل، ويسمى هذا النوع(شبه كمال الاتصال) أو يسمونه(استئنافاً).
وقد تناول سيبويه في كتابه أيضاً" مسألة على جانب من الأهمية....وأعني بذلك ما يعبر عنها البلاغيين بكمال الانقطاع بين الجملتين إذا اختلفتا خبراً وإنشاءً"([66]).
وجاء بعده الفرّاء(207هـ) فعرض في كتابه(معاني القرآن) لموضوع الفصل والوصل وكان فيه أكثر وضوحاً من سيبويه"([67])، وأقرب إلى الروح العلمية منه.
ويمكن القول- بعد البحث الدقيق- أننا استطعنا أن نعثر في(معاني القرآن) على شواهد وتعقيبات تؤكد أن الفرّاء قد تناول الفصل والوصل ونصّ! على ذلك في أكثر من موضع، بل إن بعض الآيات القرآنية التي لاحظ أنها تأتي على سبيل الانفصال قد دارت على ألسنة البلاغيين وكتبهم فيما بعد، مثل قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ)([68])، وفي قوله تعالى:(وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ)([69])، فكلمة " يذبّحون" جاءت " مرة بالواو ومتصلة بما قبلها، وأخرى بدون الواو ومنفصلة عما قبلها....فمعنى الواو انه يسهم العذاب غير التذبيح، كأنه قال: يعذبونكم بغير الذبح وبالذبح، ومعنى طرح الواو: كأنه تفسير لصفات العذاب، وإذا كان الخبر من العذاب أو الثواب مجملاً في كلمة ثم فسّرته فاجعله بغير الواو وإذا كان أوله غير آخره فبالواو"([70]). ومن هذا نجد أن الفرّاء يفسر لنا" الفرق بين الأسلوبين، أسلوب الفصل وأسلوب الوصل في حديث صريح واضح ليس فيه ولا خفاء"([71]). ونراه في موضع آخر يقول في قوله عزّ من قائل:(يَلْقَ أَثَاماً)([72])، فالآثام فيه نية العذاب قليلة وكثيرة، ثم فسره بغير الواو فقال: (يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ([73])، ألا ترى أنك تقول: عندي دابتان بغل وبرذون، ولا يجوز عندي دابتان وبغل وبرذون، وإننا نريد تفسير الدابتين بالبغل والبرذون، ففي هذا كفاية عما نترك فقس عليه ([74]).
فمذهب الفرّاء في ذلك أن الجملة إذا كانت بياناً للأولى فإن الواو تطرح وهذا ما سماه البلاغيون" كمال الاتصال" فالذبح هنا تفسير للعذاب وتوضيح له. ولا يقع حرف العطف بين التفسير والمفسر: أما إذا كان المراد بالكلام الثاني غير الأول يكون محل الوصل وتذكر الواو باعتبار أن الذبح شيء غير سوم العذاب ([75]).
وقد استفاد المتأخرون من هذه الآية كشاهد على هذا الموضوع واستقوا، كلامهم من التفسير الرائع لحديث الفرّاء عن الفصل والوصل، وأداروا هذا التفسير في كتبهم وبنوا عليه لآرائهم، ومع أن الفرّاء لم ينص على تسمية مصطلح الفصل والوصل صراحة- ويبدو رأيه كأنه ملاحظة عرضية- إلا أن هذا ليس هو الموضع الوحيد الذي تناول فيه الفرّاء الفصل والوصل بل في موضع آخر من كتابه نصّ على هذا المصطلح.
ومن ذلك ما ورد في النظم المعجز: (قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ)([76])، فلاحظ الفرّاء أن الواو قد أسقطت عن" قال أعوذ بالله"، ذلك " لأنه جواب يستغني أوله عن آخره بالوقفة عليه، فيقال: ماذا قال لك ؟ فيقول القائل: قال: كذا وكذا، فكأن حسن السكوت يجوز به طرح الفاء"([77])وهذا كثير في رؤوس الآيات في القرآن الكريم، ومن ذلك أيضاً قوله عزّ شأنه حكاية عن فرعون:(أَلَا تَسْتَمِعُونَ (25) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ)([78])، وغير ذلك مما لا يكاد يحصى في التعبيرات القرآنية.
ومن هذا يتبين لنا بوضوح أن الفرّاء قد أطلق مصطلح الفواصل على رؤوس الآيات المنفصلة عما قبلها، إما إذا كانت الآية واقعة جواباً لسؤال مقدّر فإنها تنفصل عما قبلها أيضاً، كما يفصل الجواب عن السؤال وهذا مما سماه المتأخرون يشبه كمال الاتصال"([79]).
نستشف مما سبق من الكلام أن الفضل الأول في نشأة البلاغة كان للنحاة مع علمنا بأن الأبواب البلاغية كانت أول الأمر لا تعدو أن تكون ملاحظات عابرة ونظرات متناثرة من هناك وهناك، ومختلطة بالمباحث النحوية، لاسيما أسلوب الفصل والوصل الذي" ربطه عبد القاهر بباب العطف عندما نربط البلاغة بمعاني النحو وجعل النظم توخياً له"([80]). وما لا لبس فيه هو أنه" ليست معاني النحو إلاّ علم المعاني"([81]) الذي أطلقه السكاكي(626هـ) فيما بعد على موضوعات بلاغية متعددة أحدها الفصل والوصل.
أما الجاحظ(ت 255هـ) فقد اكتفى بنقل مصطلح الفصل والوصل من الفرس في معرض حديثه عن تعريف البلاغة لدى الاسم حين سئل أحدهم" ما البلاغة ؟ قال: معرفة الفصل من الوصل"([82]) كما بيّنا سابقاً، إلاّ أن الجاحظ لم يعقب على هذا بالقول، ولم يتناوله بالشرح أو التوضيح أو بيان الغرض المقصود منه، لذلك فإن هذا المصطلح قد جاء على لسان الجاحظ بشكل غامض، وبقي دون نقد أو تحليل، ذلك لأن عناية الجاحظ- كما يرى د. أحمد مطلوب- " بالقضايا الأدبية والنظرة الفنية حالت دون ذلك"([83]).
ويبدو أن الجاحظ قد اغفل هذا الموضوع لأن علوم البلاغة كانت مختلطة مع علوم اللغة والأدب ولم تكن مفصولة عن بعضها بعد كما ذكرنا في مكان آخر من البحث ، ولم يتم الفصل بين البلاغة وهذه العلوم إلاّ على يد عبد القاهر الجرجاني والسكاكي(626هـ).
إن ذكر الجاحظ لمصطلح الفصل والوصل بالاسم الصريح حدا ببعض الباحثين المتأخرين([84]) إلى الاعتقاد أن أول حديث عن هذا الموضوع عثر عليه عند الجاحظ يقول د. كامل الخولي: " ولا نجده- أي الحديث عن الفصل والوصل- فيما وصل إلينا من مؤلفات القرن الثاني التي تعرضت لبعض المباحث البلاغية كمجاز القرآن لأبي عبيدة، ومعاني القرآن للفرّاء، وأول حديث عن الفصل والوصل نجده عند الجاحظ"([85]).
ويرى د. عبد الفتاح لاشين على هؤلاء أن في هذا الحكم إغفالاً شديداً لجهود سيبويه والفرّاء بل إجحاف بحقهما لأنهما أتيا بالصور المنطوية تحت ما يعرف بالفصل والوصل"([86])، بينما الجاحـظ قام بنقل الاصطلاح من غير بيان المقصود منه
أو شرح للمصطلح.
والذي يخيل إلينا هنا أن د. لاشين صائب فيما ذهب إليه، بدليل ما تقدم من الحديث عن جهود سيبويه والفرّاء في التعرض لبعض صور الفصل والوصل وإن لم يصرحا بالاسم، في مواضع كثيرة من كتابيهما أشرنا إلى بعضها فيما سبق([87]). كما تناول ابن قتيبة(ت 276هـ9 في كتابه(مشكل تأويل القرآن) الذي هو أهم كتبه في البحث البلاغي (أسلوب الفصل والوصل) وكان رأيه في السجع والفواصل يناقض ما ذهب إليه الفرّاء" حين قال بزيادة الحروف في رؤوس الآيات ونقصانها، مراعاة للموسيقى القرآنية، واتساق الآية مع ما قبلها وما بعدها لأنه اعتبر هذا نوعاً من التعسف السقيم الذي لا يتفق مع جلال القرآن ومعانيه"([88]).
ولكن دراسة ابن قتيبة هذه أيضاً لا تدخل في باب الفصل والوصل، وإنما في موضوع الوقف والابتداء من علم القراءات القرآنية لذلك لا داعي للخوض فيها وبيان وجوه الترجيح بينها وبين رأي الفرّاء هنا.
أما المبرّد(285هـ) فقد تناول في كتابه( المقتضب) وضمن كلامه عن الألوان البلاغية" الفصل والوصل من خلال حديثه عن واو الابتداء ومتى يتحتم وجودها ومتى يجوز"([89])، فهو يشير فيه إلى بعض مواضع الفصل والوصل في نحو(كمال الانقطاع) و(التوسط بين الكمالين) عند البلاغيين ويخصّ(شبه كمال الاتصال) كذلك حينما يكون الكلام جواباً لسؤال مقدّر، فهذه الموضوعات هي في صلب الفصل والوصل وإن لم يصرّح باسمه.
أما أبو هلال العسكري(395هـ) فقد ردّد مصطلح الفصل والوصل في مطلع الفصل الخاص الذي عقده في(الصناعتين) لهذا الموضوع وسماه" في ذكر المقاطع والقول في الفصل والوصل" ونقل أقوالاً للسلف تعظم أمر الفصل والوصل دون أن يوقف القارئ على حقيقة الفصل وماهية الوصل"([90]).
وقد قصر العسكري كلامه في هذا الباب على تقصي" ما يتصل بفصول القضية ومقاطعها....وتطرّق إلى فواصل كتاب الله"([91]).
ويظهر جليّاً أن دراسة أبي هلال وغيره من البلاغيين والنقّاد القدامى تختلف عن دراسة البلاغيين المتأخرين لهذا الموضوع، ولذلك لا نجد في دراساتهم ما تطرق إليه أبو هلال"([92]) والسبب في ذلك أن دراسة القدماء لأسلوب الفصل والوصل" تقرب من اصطلاحات القرّاء وما يذكرونه في الوقف والوصل"([93])، وأن أكثرها لا يمكن إدخالها في هذا الباب بالمفهوم العلمي المحدد، بل يمكن إرجاعها إلى موضوع الوقف والابتداء أو القطع والاستئناف في آيات الذكر الحكيم وهو تابع لعلم القراءات القرآنية.
وتلا هؤلاء شيخ البلاغة العربية ومؤسسها عبد القاهر الجرجاني(471هـ) الذي يعدّ بحق واضع أصول بحث الفصل والوصل وثبت قواعده ذلك لأن له" في هذا الباب خلقاً وإبداعاً لم يسبقه فيه سابق"([94])، فبحث عبد القاهر الجرجاني هذا الموضوع في(دلائل الإعجاز)" بحثاً منظماً يقوم على التقسيم والتحديد والتعليل، وربطه بباب العطف بعد أن ربط البلاغة بمعاني النحو"([95]).
ومن الواضح أن عبد القاهر أول من أشاد بصعوبة هذا الباب- كما ذكرنا- وقد فصّل القول فيه وضرب الأمثلة الكثيرة عليه، وهو لم يقصر هذا الباب على الجمل بل جعله يشمل المفردات أيضاً، لذا جعل حديثه عن المفرد سبيلاً إلى الحديث عن الجملة، إلاّ أنه ركّز في كلامه على الجمل وحدها لأن الإشكال يقع فيها بدون المفردات.
وقسّم عبد القاهر الجمل إلى ثلاثة أقسام: قسم لا يكون فيه العطف ألبتة، وقسم حقّه العطف، والقسم الآخر حقّه ترك العطف ألبتة.
ويخرج من هذا بنتيجة مفادها أن ترك العطف الذي يسمى(الفصل)"يكون إما للاتصال للغاية، أو للانفصال إلى الغاية، والعطف لما هو واسطة بين الأمرين وكان له حال بين الحالين"([96])، وهو ما يسمى(الوصل)، فجاء علماء المعاني فاستفادوا من بحوثه ورتبوها وبّوبوها وهم يقتفون أثره في كلها، لذا نرى أن علماء البلاغة الذين أعقبوه بأجمعهم عالة عليه في باب الفصل والوصل، لأنه لم يكد يترك لمن بعده شيئاً يضيفونه إلى ما سجله من قواعد"([97])، لاسيما في هذا الباب، مع علمنا أن تحديدهم كان" أدق ضبطاً وقواعدهم أكثر تعبيراً منه"([98]).
أما الزمخشري(538هـ) في تفسيره(الكشاف) فاستغل" كل ما كتبه عبد القاهر في الدلائل من قواعد الفصل والوصل بين الجمل بالواو"([99])، في تطبيق هذه القواعد على آي النظم الإلهي المعجز ويتوسع فيها ويتوجها بالشرح والتصوير البارع الدقيق.
ويبدو أن أهم ما أضافه الزمخشري على هذا الباب وقوفه عند الجمل المختلفة خبراً وإنشاءً بعد أن تابع أبا علي النحوي(377هـ) في تقسيم الجمل الخبرية إلى أربعة أضرب: "فعلية واسمية وشرطية وظرفية"([100])، ونرى تفصيل ذلك في موضعه من البحث بمشيئة اللّه.
أما الفخر الرازي(606هـ) فقد خصص الباب الثالث من كتابه(نهاية الإيجاز في دارية الإعجاز) للفصل والوصل وعمله فيه اختصار" كل ما ذكره عبد القاهر عن الفصل بين الجمل، إما لعدم المناسبة أو لأن الثانية تنزل من الأولى منزلة التوكيد أو الصفة"([101])، كما يتحدث عن الجمل الواقعة حالاً، ويعدّ كتابه هذا"حلقة الوصل بين عبد القاهر والسكاكي"([102])، كما يعدّ المراحل الأولى لضبط مسائل البلاغة، وتقنين قواعدها. وجاء بعد السكاكي(626هـ) فألف كتابه(مفتاح العلوم) الذي جعله أقساماً، ووضع لكل قسم تعريفاً دقيقاً وحدّد مباحثه وفنونه"([103])، وأفرد القسم الثالث منه للبلاغة" وقسمها على ثلاثة أقسام: المعاني- البيان- البديع- وبذلك تميزت علوم البلاغة، ومباحث كل قسم منها بالتفصيل"([104]) لأول مرة في تاريخ البلاغة، وتحدث في الفن الرابع ممن مفتاحه عن موضوع الفصل والوصل قائلاً: " إن تمييز موضع العطف عن غير موضعه في الجمل...هو الأصل في هذا الفن"([105]) وقصده من هذا أن الوصل والوصل يأتي في عطف الجمل والمفردات وفي العطف بالواو وأخواتها من حروف العطف"، وأن المعول عليه في ذلك هو الجهة الجامعة"([106]).ويظهر أن عمل السكاكي لا يتجاوز تلخيص آراء عبد القاهر ونقلها برمتها، وجعل منها قوانين خالية- من كل جمال وذوق إذ صاغها في قوالب منطقية جافة لا رونق فيها([107])، لذلك يرى د. أحمد مطلوب أن السكاكي" لم يوضح الموضوع ولم يبحثه بحثاًَ جيداً"([108]).
ولكن مع ذلك" ظلت صورة البلاغة التي رسمها السكاكي أساساً لكل ما كتب"([109]) عن هذا الفن، إلا أن آراءه كانت مثار نشاط كبير للمشتغلين في هذا الفصل.
أما الخطيب القزويني(739هـ) الذي " اشتهر بكتابه(التلخيص) الذي أوجز فيه القسم الثالث من كتاب0مفتاح العلوم) للسكاكي"([110]) وشرحه بكتابه(الإيضاح)، فقد بحث موضوع الفصل والوصل في الباب السابع منه" بحثاً أكثر ترتيباً وطلاوة من بحث السكاكي وردّ عليه في عدّة مواضع"([111])، واستفاد من سابقيه من البلاغيين لاسيما عبد القاهر والسكاكي فكان بحثه بين طريقتي هذين الرجلين، وحاول استبعاد الحشو والتعقيد، وضيّق ما توسع منه عبد القاهر والسكاكي، إذ قصر الفصل والوصل في الجملة دون المفرد، وقد أشاد القلقشندي(821هـ) بأثر(تلخيص المفتاح) الكبير في البلاغة، فقال: " وأعظمها شهرة بالديار المصرية تلخيص المفتاح......وعليه عدّة شروح"([112]).وجاء العلوي(739هـ) فعقد في الجزء الثاني من كتاب(الطراز) فصلاً بعنوان" في أحوال الفصل والوصل" ذكر فيه أن هذا الأسلوب" قاعدته العظمى حروف العطف، وينعطف عليها حرف الجر.....ويتعلق بكل واحد منها أسرار ولطائف"([113])، وقد تميز هذا الكتاب عن غيره من الكتب البلاغية المتأخرة، لأنه مزج بين العلم والأدب.
وتلا هؤلاء شرّاح التلخيص، وأقدمهم بهاء الدين السبكي(773هـ) الذي خالف في كتابه(عروس الأفراح) عبدا لقاهر والقزويني، في جعله الفصل والوصل عاماً في الجمل والمفردات، وقال: " لا يخفى أن الفصل والوصل يكونان بين المفردات كما يكونان بين الجمل"([114])، ومن آرائه الطريفة في هذا الموضوع اعتباره أحكام الفصل والوصل فيما يخصّ الأحوال البلاغية اللغوية، واعتبار الإيجاز والأطناب فيما يعم الحروف. ومنهم التفتازاني(791هـ) العالم البلاغي الذي قام بشرح القسم الثالث من(مفتاح العلوم) وشرح التلخيص شرحين سماهما (المطول) و(المختصر)، وردّ على القزويني تقسيمه لمباحث علم المعاني فيقول: " إن جميع ما ذكره من القصر والفصل والوصل والإيجاز ومقابليه إنما هي من أحوال الجملة، أو المسند إليه والمسند، .... وجعل كلا منها برأسه...ففساد كلامه أكثر وأظهر"([115]).
ومنهم السيد الشريف(816هـ) الذي سار على منهج السكاكي والقزويني والتفتازاني، ولا تخرج تحقيقاته عما ذكره هؤلاء، " وإن خالفهم أحياناً"([116]).وله كتابان هما(شرح القسم الثالث من مفتاح العلوم) و (حاشية على المطول على التخليص).
ومن هؤلاء أيضاً عصام الدين الاسفراييني(951هـ) صاحب كتاب(الأطول) الذي له تحقيقات في الفصل والوصل غير أنها لا جديد فيها.
ومنهم ابن يعقوب المغربي(1110هـ) وكتابه(مواهب الفتاح في شرح المفتاح) وهو" يقتفي أثر السعد ولا يحيد عن منهج السكاكي"([117]) والقزويني.
وأخيراً جاء محمد بن عرفة الدسوقي(1230هـ) الذي وضع حاشية على مختصر السعد على تلخيص المفتاح، وكان يوافق القزويني تارة ويعارضه أخرى ويرّد آراءه في كثير من الأحيان، كنحو ردّه عليه في تقسيم علم المعاني، كما فعل التفتازاني.
فهؤلاء الشرّاح أولوا موضوع الفصل والوصل عناية فائقة إلى أن انتهى إلى صورته الأخيرة التي نجدها في كتب البلاغة اليوم، مع أن البلاغيين المحدثين يحاولون التجديد في هذا الباب في إطار سعيهم لإخراج البلاغة بثوب عصري وتخليصها من الشوائب والاستقاء من متبع التراث البلاغي الثرّ الأصيل.
أما فيما يتعلق بمنزلة الفصل والوصل من البلاغة العربية، فقد فطن أئمة البلاغة الأوائل من العرب وغيرهم لأهمية موضوع الفصل والوصل، فقد نبّه أرسطو على هذا الأسلوب قبل العرب، حيث يقول في كتاب الخطابة: " وأما اللفظ المتخلخل وهو المقطع مفرداً مفرداً فهو شيء غير لذيذ، لأنه لا يتبين فيه الاتصال والانفصال، ..,وهذا الوصل والفصل وزن للكلام وإن لم يكن وزناً عددياً فإن ذلك للشعر"([118]).
ولهذا السبب يقول د. شوقي ضيف في حديثه عن إشارة عبد القاهر الجرجاني(471هـ) بعظم منزلة الفصل والوصل في البلاغة: " ونحسّ في كلامه أصداء من تنويه أرسطو المتكرر بهما في كتاب الخطابة"([119]) ويرّد عليه د. أحمد مطلوب بقوله: " أما الفصل والوصل فهو أقدم من عهد الترجمة عند العرب"([120])، لكن مع ذلك يبدو أن إشارة الجاحظ(255هـ) وأبي هلال العسكري(ت395هـ) بأهمية هذا الموضوع ليست ناتجة بالضرورة عن تأثير هؤلاء وغيرهم بكلام أرسطو المتفرق وتنويهه بالفصل والوصل، ذلك لأن هذا الموضوع" دقيق المجرى، لطيف المغزى، جليل المقدار، كثير الفوائد، غزير الأسرار"([121]) عند الأمم كافة عرباً وإغريقاً وفرساً وغيرهم، وذكر الجاحظ في حديثه عن تعريف البلاغة عند الأمم أنه" قيل للفارسي: ما البلاغة ؟ قال معرفة الفصل من الوصل"([122])، وكأنه قد عدّه هو البلاغة أو قصر البلاغة على معرفته، أو معنى ذلك" أن من عرف الفصل والوصل كأنه أحاط بأركان البلاغة ولمّ شتاتها وجمع متفرقاتها"([123])، وأوضح الخطيب القزويني(739هـ) ذلك بقوله: " وما قصرها عليه لأن الأمر كذلك، وإنما حاول بذلك التنبيه على مزيد غموضه، وأن أحداً لا يمكن فيه إلا كمل في سائر فنونها، فوجب الاعتناء بتحقيقه على ابلغ وجه في البيان"([124])، كما فسر عبد القاهر الجرجاني هذه العبارة بقوله: " أعلم أن العلم بما ينبغي أن يصنع في الجمل من عطف بعضها على بعض أو ترك العطف فيها والمجيء بها منثورة تستأنف واحدة منها بعد أخرى من أسرار البلاغة ومما لا يأتي لتمام الصواب فيه إلاّ الإعراب الخلّص والأقوام طبعوا على البلاغة وأتوا فناً من المعرفة في ذوق الكلام هم بها أفراد، وقد بلغ من قوة الأمر في ذلك أنهم جعلوه حدّاً للبلاغة....... ذاك لغموضه ودقة مسلكه وأنه لا يكمل لإحراز الفضيلة فيه أحد إلاّ كمل لسائر معاني البلاغة"([125]).
وخصص أبو هلال العسكري(395هـ) في(الصناعتين) باباً مستقلاً لهذا الموضوع عنوانه" ذكر المقاطع والقول في الفصل والوصل"يذكر فيه روايات كثيرة عن سالفيه تنوه بأهمية هذا الموضوع وعظم أمره، فاشترط على البليغ أن يكون على البليغ أن" يكون بصيراً بمقاطع الكلام ومواضع وصوله وفصوله، فإن البلاغة إذ اعتزلتها المعرفة بمواضع الفصل والوصل كانت كالآلي بلا نظام"([126]).
يمضي العسكري في قوله قائلاً: " وقال أبو العباس السفاح لكتابته: قف عند مقاطع الكلام وحدوده، وإيّاك أن تخلط المرعيّ بالهمل، ومن حلية البلاغة المعرفة بمواضع الفصل والوصل"([127]).ويرى العسكري قول الأحنف بن قيس الذي يمدح فيه عمرو بن العاص-رضي الله عنه-لأنه كان يعرف حدود الكلام ويحسن الوقوف على مقاطعه وإنه" كان إذا تكلم تفقد مقاطع الكلام، وأعطى حقّ المقام....حتى كان يقف عند المقطع وقوفاً يحول بينه وبين ما يبتغيه من الألفاظ، وكان كثيراً ما ينشد([128]):
إذا ما بَدا فَوْقَ المنَابِر قائِلاً([129])
أَصَابَ لَمِا يومِي إلَيْهِ المَقَاتِلاَ
كما ينقل نصائح معاوية لأشدق وكيف أنه يأمره أن لا ينسى تفقد مواضع الكلام وربطه، قائلاً: " ... وقال معاوية: يا أشدق، قم عند قروم([130]) العرب وجحاجحها([131])، وليكن التفقد لمقاطع الكلام منك على بال، فإني شهدت رسول الله ((صلى الله عليه وسلم)) أملى على عليّ بن أبي طالب- كرم الله وجهه- كتاباً وكان يتفقد مقاطع الكلام كتفقد المصرم صرمته([132]).
وهكذا يمضي أبو هلال العسكري في سردالأصول البلاغية التي يجب أن يبنى عليها بالكاتب البليغ كلامه، كما يورد أقوالاً لمن يمتلكون الحس البلاغي الرفيع يؤكدون فيها قضية الفصل والوصل وأهميتها في بناء النظم، فيروى أنه لمّا أقيم رجل خطيباً بحضرة بعض الأشراف وتكلم، أقبل شبيب بن شيبة وقال: " وايم اللّه لو عرف في خطبته مقاطع الكلام لكان أفصح من نطق بلسان"([133]) بمعنى أنه ينقده بالسلب لعدم تفقده مواقع القطع والربط في كلامه.
وكان(أكثم بن صيفي) يوصي كتّابه بالفصل بين المعاني المنقضة، وبالوصل إذا كان الكلام معجوناً بعضه ببعض، ويقصد بالعجن هنا: ارتباط معاني الكلام وحسن التأليف وشدة التلاحم وقوة الأسر بين أجزائه.
ويستمر العسكري في ذكر النقول التي تخص الفصل والوصل فيروى عن رجل من فارس اسمه(بزر جمهر) أنه على الأديب إذا مدح رجلاً وهجا آخر أن يجعل القولين فصلاً حتى يعرف المدح من الهجاء، وسأل الحسن بن سهل كاتبه الحراني: عن منزلة الكاتب في قوله وفعله؟ فذكر أنه يجب أن يكون مطبوعاً محنكاً بالتجربة ....ويعرف الفصل والوصل. وكان البلغاء والكتاب القدماء يهتمون بمواضع قطع الكلام واستئنافه وربطه، فيروى العسكري أن صالح بن عبد الرحمن التميمي الكاتب كان" يفصل بين الأنات كلها وبين تبعيتها من الكاتب كيف وقعت، وكان يقول: ما استؤنف(أن) إلاّ وقع الفصل... وكان خالد بن زيد يفصل بين الفاءات كلها...وفصل المأمون عند" حتى" كيف وقعت..وكان يأمر كتّابه بالفصل بين: بل، وبلى، وليس، وأمر عبد الملك كتّابه بذلك إلاّ " ليس"([134]).
وبيان موضع الفصل والاستئناف ضرورة لابّد منها للمتكلمين والكتّاب الذين يراعون أركان الفن البلاغي في أحاديثهم وكتاباتهم، فممّا لم" يبيّن موضع الفصل منه فأشكل الكلام قول المخبل في الزّبرقان بن بدر:
وَأبُوكَ بَدْرٌ كَانَ يَنْتَهِسُ الحَصَى
وَأَبِي الجَوَادُ رَبيِعَة بنُ قُبَالِ
فقال الزّبرقان: لا بأس، شيخان اشتركا في ضيعة"([135]). فهذا الإشكال في معنى البيت ناتج عن خلط الكلام والجهل بالقطع والربط.
إن اهتمام البلاغيين بأسلوب الفصل والوصل وإشاداتهم برفعة منزلته بين الفنون البلاغية بالغ وكثير يفوق الحصر، ونلمس مصداق ذلك في قول عبد القاهر الجرجاني(471هـ) حين يقول: " واعلم أنه ما من علم من علوم البلاغة أن تقول أنه فيه خفي غامض ودقيق صعب، إلاّ وعلم هذا الباب أغمض وأخفى وأدق وأصعب"([136]).
ومعنى هذا الكلام أن عبد القاهر يجعل من هذا الفن علماً قائماً بذاته لأهميته ومزيد خفاياه، مع أن هذا الموضوع ليس بابا مستقلاً برأسه وإنما يدخل في مباحث أحوال الجملة، كالمسند والمسند إليه وغيرهما من الأحوال التي لم يفرد لها باب على حده، لذلك فمن الأولى أن يقال: " إن اللفظ يكون مفرداً أو جملة فأحوال الجملة هي الباب الأول والمفرد إما عمدة أو فضلة والعمدة إما مسند إليه أو مسند فجعل أحوال هذه الثلاثة أبواباً ثلاثة تميزاً بين الفضلة والعمدة والمسند إليه والمسند ثم لما كان...من أصول الجملة ماله مزيد شرف ولهم به زيادة اهتمام وهو الفصل والوصل فجعل باباً سادساً وإلاّ فهو من أحوال الجملة ولذا لم يقل: أحوال الفصل والوصل"([137])، وإنما قال- ومعه جميع البلاغيين- باب الفصل والوصل. إن أسلوب الفصل والوصل كلّه يرتكز على أساس نحوي هو كون الجملة الأولى لها محل من الإعراب أو ليس لها محل من الإعراب، وهذا ما نلاحظه في جميع صور الفصل والوصل وأشكاله وأنها ينبغي أن تدخل هذا النطاق النحوي، لأنها تؤكد" العلاقة بين النحو والنظم، ولذلك يجب مراعاة الفصل والوصل في الكلام، فإذا وضع أحدهما موضع الآخر، فسد النظم، وانحرف المعنى"([138]) إذ أن المفردات في اللغة لا تمثل" إلاّ ناحية جامدة هامدة في تلك اللغة، فإذا نظمت ورتبت ذلك الترتيب المعين سرت فيها الحياة وعبّرت عن مكنون الفكر"([139]) فالمفردة أو العبارة ليس بها استقلال أو وجود متميز وإنما ترتبط بها يتقدمها أو يتأخر عنها ارتباط الأسباب بالمسببات وتخضع لها خضوعاً شديداً وهو الخضوع والارتباط المنطقي القوي تحكمه ظاهرة نحوية واضحة تتمثل في وظائف حروف العطف ومواطن الترخص في الوصل، وهذه الظاهرة قد لا نلحظها في العبارات الأدبية، وحتى إذا وجدنا حروف العطف فإننا قلّما نشخص وظيفتها في الربط، ولعل هذا هو سبب اهتمام البلاغيين بأسلوب الاتصال أو الانفصال بين الجمل الأدبية، وما" يتمحلون من تمحلات يبدو فيها التعسف، لأنهم يريدون أن يخضعوا الجمل في الأدب لمنطق العقل، وهي إنما يسيطر عليها منطق العاطفة"([140]).
ويرى فخر الدين الرازي(606هـ) أن أمر الفصل والوصل يعدّ " أعظم أركان البلاغة"([141])، ولعل السبب في ذلك أن البلغاء جعلوا هذا الأسلوب هو الأصل وما سواه تبعاً له ومفتقراً إليه، لأنه جليل الخطر، صعب الإدراك، إذ العلم " بمواضع العطف أو الاستئناف مسلك غامض السرّ لا يوفق للصواب فيه إلاّ من طبع على البلاغة وفهم أسرارها"([142])، وتبحر في علم النحو والبلاغة واللغة وغيرها، وأوتي حظاً عظيماً من حسن الذوق والذكاء، ورزق بصيرة نقاده في إدراك محاسن الفن البلاغي.
ولذلك قال السكاكي(626هـ) عن صور الفصل والوصل: " إنما لمحك البلاغة...... ومعيار قدر الفهم وسبارغور الخاطر، ومنجم صوابه وخطئه ...وهي التي إذا طبقت فيها الفصل شهدوا لك من البلاغة بالقدح المعلى، وأن لك في إبداع وشْيِها باليد الطولي، وهذا فصل له فضل احتياج إلى تقرير واف وتحرير شافٍ"([143]). ولذلك فإن أسلوب الفصل والوصل لا يقف عليه، إلاّ الأفراد الخواص ولا يهتدي إلى كنهه إلاّ النقّاد.
وإذ قد أدركنا قيمة ومكانة الفصل والوصل عند القدماء والمحدثين من البلاغيين وما أولوا هذا الأسلوب من الأهمية والتدبر فإن المتأخرين من البلاغيين لا يقلون عنهم في إيلاء هذا الموضوع المزيد من العناية، فيقول المراغي: " إن سبك الكلام وقوة أسره وشدة تلاحم أجزائه تحتاج إلى صانع صَنِع وحاذق ما هر يبيّن بين أقسام الجمل التي تفصل والتي توصل فيرى الفرق واضحاً بين جملتين تمتزجان جدّ الامتزاج حتى كأن إحداهما الأخرى"([144]). وبين جملتين لا يوجد التناسب بينهما فإحداهما مشئمة والأخرى معرقة"([145]) هما وسط بين الأمرين فيحكم بوجوب الفصل في النوعين الأولين والوصل في النوع الثالث.
ولا يخفى أن الفصل والوصل فيهما ضرب" من ضروب الإيجاز ولاسيما الإيجاز الذي يعرف بالاكتفاء أو إيجاز الحذف، وهو باب من البلاغة ذو قيمة كبيرة"([146]) وهذا دليل على رفعة منزلة هذا الباب في علم المعاني، بل من علم العربية بعامة فهو" أمر من أهم أمور النظم، وقضية من أخطر قضايا البلاغة وفن التعبير في اللسان العربي"([147]).
نخلص مما سبق من الكلام إلى أن اهتمام أهل الفن البلاغي بموضوع الفصل والوصل وتعظيمهم إياه سببه أن إدراك محاسن هذا الأسلوب ومعرفة أسراره وتمييز مواطن جماله إنما يرجع إلى الذوق.
ومن المعلوم" أن الذوق ليس أمراً معيارياً ولا قياسياً، وإنما هو ذاتي شخصي، لا يعتمد عليه في مجال الضبط والتقنين"([148])، لذلك فإن وصف هذا الموضوع ونقله إلى الأجيال اللاحقة كان ولا يزال أصعب شيء على البلاغيين.
بلاغة الوصل بالعطف
اتضح لنا في التمهيد أن الوصل يعني ضم أجزاء الكلام، وتشبّث بعضها ببعض وعقد الصلة بين تلك الأجزاء فصلاً ووصلاً مع مراعاة الاتساق والانسجام والتعاقب والارتباط بينهما.لبيان معنى كل مفردة وجملة وموقعها، وعلاقاتها مما قبلها، وبما بعدها، لأن الكلام بغير هذا الترتيب للأفكار، والتنظيم للعبارات، يكون مفككاً، ويصيبه الإرباك والتشتت فيصعب فهمه، ويزول جماله، وتتلاشى قيمته، ويسهل إنكاره لعدم إفادته المعنى، لذلك قال ابن سنان(466هـ) في سرّ الفصاحة: " أن الألفاظ غير مقصودة في أنفسها، وإنما المقصود هو المعاني"([149]). فالألفاظ المتناثرة تبتعد عن النظام اللغوي، لأن اللغة ليست" في حقيقة أمرها إلا نظاماً من الكلمات التي ارتبط بعضها ببعض، ارتباطاً وثيقاً تحتمه قوانين معينة لكل لغة"([150])، ومن هذا يبرز دور الاتصال بين أجزاء الجمل، والجمل نفسها في إضفاء الروعة على التعبير وزيادة شرف المعنى.
وأطلق المعاينون على الربط بين الجمل وأجزائها مصطلح(الوصل) الذي حدّدناه بـ(العطف) عند تعريفنا له([151])، وهذا النوع من الوصل الذي يكون بحرف العطف واوا كانت أو غيرها، نسميه(الوصل الصريح)، لأن الربط بالحرف أحد أنواع الربط اللفظي([152])، والربط اللفظي وسائله" لغوية محسوسة"([153]) تشمل الأسماء والحروف ومنها حرف العطف، ولكن الوصل لا يقتصر على هذا الضرب فحسب، بل له ضرب آخر نسميه(الوصل بغير العطف) أو(الترّخص في الوصل)([154]) أو (القطع والاستئناف). وسيفصل الكلام عليه في موضوع (شبه كمال الاتصال)، والفصل الثالث بإذن الله.
ومع أن العطف باب نحوي والوصل فن بلاغي يمليه الطرق الأسلوبي إلا أنّهما يمثلان نقطة التقاء بين هذين العلمين، ففضلاً عما ورد آنفاً، فإن الباحث الغربي(بريستلي) قد أطلق على وسائط الربط في نحو: الضمائر والظروف والأسماء الموصولة والعطف، (حروف الوصل)، أو(أدوات الوصل)، وقال: " حروف الوصل هي آخر ما يكتسبه الصبيان في تلقّي اللغة، واستعداد الكهول للسيطرة عليها لا يكتمل إلا بعد تمرسهم باللغة، وهياكلها وأدواتها الأخرى"([155])، لذلك فالوصل والعطف لهما المعنى نفسه، والوظيفة اللغوية عينها، كلاهما وسيلة من وسائل الربط في العربية.
وبناء على ما تقدم يبدو أنه يحسن بنا بل لابدّ من أن نلّم ببعض جوانب معنى العطف لكي نضع البصمات على حقيقة أمر الوصل الذي" دعامته العظمى باب العطف"([156]). فالعطف([157]) " تابع يدلّ على معنى مقصود بالنسبة مع متبوعه، ويتوسط بينه وبين متبوعه أحد الحروف العاطفة، وهو إما أن يشرك بين الأول والثاني بالحكم والأعراب وإما أن يشرك بينهما بالإعراب فقط"([158])، وفي تخصيص ذلك قال ابن عقيل(769هـ) في شرحه على ألفية ابن مالك(672هـ): " حروف العطف على قسمين: أحدهما ما يشرّك بين المعطوف والمعطوف عليه مطلقاً، أي لفظاً وحكماً" ، وهي(الواو) و(ثّم) و(الفاء) و(حتى) و(أو)، ... و" الثاني: ما يشرك لفظاً فقط"([159])دون الحكم، وهي(بل) و(لا) و(لكن). أما عدد حروف العطف، فقد تباينت آراء النحاة فيها، فذهب قوم منهم إلاّ أنها عشرة حروف وهي" الواو- والفاء- وثمّ- و أو" وأم- وحتى- وأما- ولا- وبل"([160])، وذهب قوم إلى أنها تسعة بإسقاط(أما) منها، قال أبو عليّ النحوي(377هـ): " إن حروف العطف تسعة"([161]). وتابعه في ذلك ابن الأنباري(577هـ)، وقال ابن عصفور(669هـ): " إن(أما) ليست بعاطفة في الحقيقة، وإنما ذكرت في الجملة لمصاحبتها لها"([162])، وذهب قوم إلى" أنها ثمانية وأسقطوا منها(حتى)"([163])، ويرى ابن درستويه(347هـ) أن حروف العطف ثلاثة لا غير هي(الواو- الفاء- ثمّ)، قال: " لأنها تشرّك بين ما بعدها وما قبلها في معنى الحديث والإعراب، وليس كذلك البواقي لأنهن يخرجن ما بعدهن من قصة ما قبلهّن"([164])، ويبدو أن كلامه هذا لا يخلو من الصواب فيما يتعلق بموضوع الفصل والوصل لأن فيه نوع من التلميح إلى الجهة الجامعة التي تشترط" في كون العطف بالواو ونحوه مقبولاً في المفرد"([165])، كما يشترط بين المعطوف والمعطوف عليه في الجمل كذلك، " أي لابد من لمح الصلة بين المعطوف والمعطوف عليه"([166])مفرداً كانا أم جملة ولكن د.(بدوي طبانة) يرى أن شرط وجود الجهة الجامعة إنما هو" في العطف بالواو فقط، لأن التشريك في حكم الإعراب موجود في جميع حروف العطف، لكن ماعدا الواو منها ولها معانٍ أخر، تزيد على التشريك كالترتيب مع التعقيب في الفاء، والترتيب مع التراخي في ثمّ...الخ، فإن تحققت هذه المعاني وقصد التشريك حسن العطف، وإن لم توجد جهة جامعة"([167])، أما الواو فإنها"أصل حروف العطف...لأنها لا تدل على أكثر من الإشراك فقط"([168])، فصارت الواو- لهذا السبب- بمنزلة المفرد وباقي الحروف بمنزلة المركب والمفرد أصل المركب"([169])، لذلك قال السيوطي(911هـ) مؤكداً ذلك: " أن الواو أصل حروف العطف"([170]). وهي كما قال المرادي(748هـ): " الواو أم باب حروف العطف، لكثرة مجالها فيه، وهي مشتركة في الإعراب والحكم"([171])، وهي جمّاع معاني العطف، وتربط الجمل كما تربط المفردات"([172]) وهي" الجامعة العاطفة "([173])، التي تعطف مفرداً على مفرد وجملة على جملة"، وهذه تختلف عن واو الاستئناف التي تكون في حالة عدم إمكان" عطف الجملة التي بعدا على الجملة التي قبلها، كان تكون الجملة الثانية إنشائية والأولى خبرية وبالعكس"([174]).
" وإفادة الواو للاشتراك إنما تظهر فيها له حكم إعرابي، كالمفردات والجمل التي لها محل.أما إفادتها للاشتراك فيما لا محل له من الإعراب ففيها خفاء ودقة، لعدم ظهور المشترك فيه، وتوقف الاشتراك على الجهة الجامعة"([175])، وهذا هو السبب في أن"بلاغة الوصل لا تتحقق إلا بالواو العاطفة فقط دون بقية حروف العطف"([176]) الأخرى التي إذا ما عطف بأحدها ظهرت الفائدة ولا يقع الإشكال في استعمالها، لأنه إذا وجد معنى منها كان ذلك المعنى كافياً في صحة العطف بالحرف الدال عليه وإن لم توجد جهة جامعة بخلاف الواو، فلا يكون العطف فيها مقبولاً دون الجهة الجامعة، كما ذكرنا، ولكن ينبغي أن نعلم أن هناك فرقاً نحوياً دقيقاً بين(واو الوصل) و(واو العطف)، وهذا الفرق يكمن في أن الواو تدل على معنيين: الجمع المطلق والعطف، ودلالتها على الجمع أعم من دلالتها على العطف والذي يدل على ذلك إنا لا نجدها تعرى من معنى الجمع وقد تعرى من معنى العطف"([177])، فالذي يدلّ على معنى مطلق الجمع هو(واو الوصل) والآخر هو(واو العطف)([178]).
ونظراً لضيق المقام وللاحتفاظ ببلاغة الموضوع أتحاشى الخوض في معاني العطف وحروفها بالتفصيل لأن ذلك من اختصاص النحو فيستطيع القارئ الرجوع إلى كتب النحو([179]) للاستزادة من المعلومات إذا لزمه الأمر، وكل ما يراد قوله هو تركيزنا على الوصل بالواو دون غيرها من حروف العطف ولا يبحث في غيرها إلاّ بقدر ما توجِبُه ضرورات البحث، ولكن يفضل التنبيه إلى أن" بلاغة الوصل تتحقق في إرادة الجمع بين الجمل أو إضافة صفة أو أمر إلى المسند إليه، ولا ريب في أن الوصل إذا وقع موقعه يجعل الأسلوب مترابطاً يتصل بعضه ببعض، وهذا ما يجعل الموضوع وحدة مترابطة وليست مفككة الأوصال"([180])، فإن النص إذا كان مفصولاً بعضه عن بعض ومتمزقاً تراكيبه تشعث وذهب رونقه وتلاشت جماليته وسبكه.
وصل المفردات وفصلها
لقد مرّ أكثر البلاغيين-لاسيما القدماء منهم- بالمفردات مرور الكرام، فلم يتعرضوا لوصل المفردات وفصلها، لأن ذلك" في الغالب واضح أو لأنه يعلم حكمه من الجملتين"([181])، فركزوا في حديثهم على الجمل حينما ترتبط أو تنفصل لأن الإشكال يقع فيها دون المفردات، و" كان عبد القاهر الجرجاني(471هـ) قد اتخذ من الحديث من عطف المفردات سبيلاً للحديث عن عطف الجمل، ولكن لم يعقد لهذا القسم دراسة خاصة، لأنه مما يتحدث عنه النحاة، ولا يقع فيه الإشكال"([182])، أو لعل بعضهم أكد الأصل، وهو الفصل والوصل في الجمل وترك الحديث عن المفردات، قال السكاكي(626هـ): إن تمييز موضع العطف من غير موضعه في الجمل....هو الأصل في هذا الفن"([183]) وعبارة المفتاح هذه تشعرنا بعدم اختصاص هذا الباب بالجمل وحدها، لكنه الأصل فيها، وهذا لا يمنع في أن يشمل المفردات أيضاً، وكان الخطيب القزويني(739هـ) يظن أن غير الجمل متروك، لذلك قصر(العطف وتركه)على الجمل عند تعريفه للفصل والوصل، ولم يذكر المفرد، وعلى المنهج نفسه سار شّراح تلخيصه، لكن العصام الاسفراييني(951هـ) أشار إلى أن الفصل والوصل ليس مقصوراً على الجمل، بل" المقتضيات لها جارية في المفردات أيضاً، ..... لئلا يكون بمعزل عن البلاغة، وكيف يظن أن عطف الجمل التي هي أخبار المبتدأ، أو أحوال الصاحب، أو صفات المنعوت، وتركه مبنيات على أحوال دون ما في المفردات"([184]).
ولاشك أن الكلام على عطف الجمل لا يتضح إلاّ إذا كان ممهداً له بالحديث عن الفصل والوصل في المفردات، لأنه قد يكون من تيسير النظر إلى مسألة الوصل في الجمل وفصلها" إن تقارن علاقات الجمل بعضها ببعض بعلاقات الألفاظ المفردة بعضها ببعض، أعني الأسماء والأفعال"([185]). لذلك لابد: أن يعطى هذا الموضع حقّه في البحث.
من المعلوم أن العطف على نوعين، "عطف مفرد على مفرد، وعطف جملة على جملة"([186])، أما إذا ورد خلاف هذين النوعين فنستطيع أن نسميه العطف بين المفردات والجمل، ويتحدث عن ذلك وعن العطف بين الجمل في موضعهما بإذن الله.
يقصد بعطف المفرد على المفرد عطف الاسم على الاسم خبراً كان أو صفة أو غير ذلك، جاء في دلائل الإعجاز" أن فائدة العطف في المفرد أن يشرك الثاني في إعراب الأول، وأنه إذا أشركه في إعرابه فقد أشركه في حكم ذلك الإعراب"([187]).
لدى استشرافنا الكتب البلاغية تبّين لنا أن بهاء الدين السبكي(773هـ) كان أحسن من تعرض لبحث الفصل والوصل في المفردات، فقد أفرد لهذا الموضوع فصلاً في كتابه(عروس الأفراح) الذي شرح فيه(تلخيص) القزويني، ونظراً لأهمية كلامه فيه وهو عين ما أريد قوله، سأنقل الكثير منه، أما نصاً أو مضموناً مع بعض التصرّف، قال: " الأصل في المفرد فصله مما قبله، لأن ما قبله:
1. إما عامل فيه مثل: محمد قائم، فلا يعطف المعمول على عامله.
2. أو معمول، فلا يعطف العامل على معموله.
3. أو كلاهما معمول والفعل يطلبهما طلباً واحداً فلا يمكن عطفه لأنه يلزم قطع العامل عن الثاني، مثل: " علمت زيداً قائماً"([188]).
إذا اجتمع مفردان وكان من الممكن عطف أحدهما على الآخر لعدم وجود" مانع من جهة الصناعة النحوية"([189])، فإن كان بينهما جهة جامعة([190])، تم الوصل بينهما، وإلاّ كان الفصل هو الأصل(كما ذكرنا آنفاً).
حالات الفصل والوصل في المفردات
لقد سار السبكي في بحث هذا الموضوع على منهج الجمل، حينما توصل أو تفصل، متمشياً مع اصطلاح أهل الفن، لذلك قسّم حالات الوصل والوصل في المفردات، إلى أقسام منها([191]):
الأول:
}أن يكون بين المفردين كمال الانقطاع بلا إيهام غير المراد، مثل(زيد عالم قائم)، فإنه لا جامع بين هذين الخبرين، إذ ليس معنا في(عالم قائم)" إلاّ صلة واحدة هي الأخبار بمجموع هذه الصفات"([192])، لذلك يفصل بينهما، ومثل ذلك الأعداد قبل تركيبها، في نحو: واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة... وحروف الهجاء ألف، باء، جيم، ففي هذه الأحوال يتعين الفصل.
الثاني:
أن يكون بينهما كمال الانقطاع وفي الوصل إيهام غير المراد، مثل(ظننت محمداً ضارباً وعالماً)، فيجب العطف، إذ لو لم يعطف لتوهم أن(عالماً) معمول ل(ضارباً).
الثالث:
كمال الاتصال: بأن يكون الثاني توكيداً معنوياً، أو لفظياً، أو عطف بيان، أو نعتاً، أو بدلاً عن الأول، في نحو: (جاء محمد نفسه)، أو(جاء محمد محمد)، أو (جاء محمد أبو عبد الله) أو(جاء محمد القائم)، فلا يعطف شيء من ذلك لأنه كالشيء الواحد فلا يعطف الشيء على نفسه، أو يكون في معنى من هذه الأمور، كما في عطف الجمل وفصلها، أو أن يكون المرادان بمنزلة واحد، وفي بيان ذلك بإمكاننا أن نقول أن مذهب جمهور النحاة" جواز تعدد الخبر لمبتدأ واحد"([193])سواء كان بالمفرد أم بالجملة أم بهما معاً، لأن الخبر حكم ويجوز أن يحكم على الشيء الواحد بحكمين فأكثر"([194])، وذهب الجمهور كذلك إلى جواز العطف وتركه، إذا كانت الأخبار مختلفة في اللفظ والمعنى، فيجوز أن نقول: (محمد كاتب وشاعر وفارس)، وكذلك(محمد كاتب شاعر فارس) أما إذا كانت الأخبار متحدة في المعنى دون اللفظ، فيترك العطف، في نحو قولك(الرمان حلو حامض) أي مزّ، فالخبر واحد وإن تعدد اللفظ.
الرابع:
شبه كمال الانقطاع: بان يكون المفرد الأول حكم لا يقصد إعطاؤه للثاني، نحو: (محمد مجيب أن قصد صالح)، إذا أردت الأخبار بأنه صالح مطلقاً، فإن عطف(صالح) على(مجيب) يوهم أنه صالح ان قصد، لأن الشرط في أحد المتعاطفين شرط في الآخر، سبب ذلك- فيما نراه- يعود إلى اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في الحكم الإعرابي اللفظي والمعنوي، بخلاف الشرط في واحد من خبري المبتدأ. وتارة يكون عطفه على المفرد قبله يوهم عطفه على غيره، نحو(كان محمد مكرماً خالداً قائماً)، فلو قيل: (وقائماً)، لأوهم انه معطوف على(خالد) المفعول.
الخامس:
شبه كمال الاتصال، أو" الاستئناف"([195]) في نحو: (هشام غضبان ناقص الحظ) كأن سائلاً سأل: لم غضب؟ وهذا تقدير معنوي لا صناعي ولو كان صناعياً لدخل في موضوع وصل الجمل.
السادس:
أن يكون بينهما التوسط من كمال الانقطاع وكمال الاتصال، مثل: (محمد معط مانع)، على أن يكونا خبرين، فإذا أريد جعل الثاني صفة تعيّن الوصل.
جرى في التعبير القرآني الرائع ألا يعطف بعض الصفات على بعض إلاّ مع القلّة، كقولنا: (مررت بمحمد الكريم المؤدب الفاضل)، " وإنما قلّ العطف فيها، لأن الصفة جارية مجرى الموصوف: ([196])، أو" أن الصفة هي الموصوف في المعنى"([197]) ولا يجوز كذلك أن تقول: (جاءني محمد والعاقل) على أن يكون العاقل هو محمد، لأنه يستحيل أن يعطف الشيء على نفسه، و" جاء قليلاً عطف بعضها على بعض باعتبار المعاني الدالة عليها"([198])، ولهذا يجوز أن تقول: مررت بمحمد الكريم والعاقل والعالم، كأنك تقول: مررت بشخص اجتمعت فيه صفات الكرم والعقل والعلم، وعلى هذا الأساس ورد قول الشاعر: ([199])
إلى المَلِكِ اَلْقْرمِ وابْن الهُمَامِ
وَلَيْتِ الكَتِيبَةِ في المُزْدَحَمْ