eKtab
EN ع
الفتاوى الكبرى الجزء الثالث عشر
Read free sample

الفتاوى الكبرى الجزء الثالث عشر

by ابن تيمية

Page 1
وَتَجِبُ النَّفَقَةُ لِكُلِّ وَارِثٍ وَلَوْ كَانَ مُقَاطِعًا مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ وَغَيْرِهِمْ لِأَنَّهُ مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ وَهُوَ عَامٌّ كَعُمُومِ الْمِيرَاثِ فِي ذَوِي الْأَرْحَامِ ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَالْأَوْجَهُ وُجُوبُهَا مُرَتَّبًا وَإِنْ كَانَ الْمُوسِرُ الْقَرِيبُ مُمْتَنِعًا فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَالْمُعْسِرِ كَمَا لَوْ كَانَ لِلرَّجُلِ مَالٌ وَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ لِغَصْبٍ أَوْ بُعْدٍ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْوَاجِبُ هُنَا الْقَرْضُ رَجَاءَ الِاسْتِرْجَاعِ وَعَلَى هَذَا فَمَتَى وَجَبَتْ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَرْضُ إذَا كَانَ لَهُ وَفَاءٌ .
 
وَذَكَرَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُمَا فِي أَبٍ وَابْنٍ الْقِيَاسَ أَنَّ عَلَى الْأَبِ السُّدُسَ إلَّا أَنَّ الْأَصْحَابَ تَرَكُوا الْقِيَاسَ لِظَاهِرِ الْآيَةِ ، وَالْآيَةُ إنَّمَا هِيَ فِي الرَّضِيعِ وَلَيْسَ لَهُ ابْنٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَغَيْرِهِ فَإِنَّ مَنْ لَهُ ابْنٌ يَبْعُدُ أَنْ لَا تَكُونَ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ بَلْ تَكُونَ عَلَى الْأَبِ فَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ وَهَذَا جَيِّدٌ عَلَى قَوْلِ ابْنِ عَقِيلٍ حَيْثُ ذَكَرَ فِي التَّذْكِرَةِ أَنَّ الْوَلَدَ يَنْفَرِدُ بِنَفَقَةِ وَالِدَيْهِ .
 
بَابُ الْحَضَانَةِ لَا حَضَانَةَ إلَّا لِرَجُلٍ مِنْ الْعَصَبَةِ أَوْ لِامْرَأَةٍ وَارِثَةٍ أَوْ مُدْلِيَةٍ بِعَصَبَةٍ أَوْ بِوَارِثٍ فَإِنْ عَدِمُوا فَالْحَاكِمُ وَقِيلَ : إنْ عَدِمُوا ثَبَتَتْ لِمَنْ سِوَاهُمْ مِنْ الْأَقَارِبِ ثُمَّ لِلْحَاكِمِ وَيُتَوَجَّهُ عِنْدَ الْعَدَمِ أَنْ تَكُونَ لِمَنْ سَبَقَتْ إلَيْهِ الْيَدُ كَاللَّقِيطَةِ فَإِنَّ كُفَّالَ الْيَتَامَى لَمْ يَكُونُوا يَسْتَأْذِنُونَ الْحَاكِمَ وَالْوَجْهُ أَنْ يَتَرَدَّدَ ذَلِكَ بَيْنَ الْمِيرَاثِ وَالْمَالِ ، وَالْعَمَّةُ أَحَقُّ مِنْ الْخَالَةِ ، وَكَذَا نِسَاءُ الْأَبِ أَحَقُّ يُقَدَّمْنَ عَلَى نِسَاءِ الْأُمِّ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ لِلْأَبِ ، وَكَذَا أَقَارِبُهُ وَإِنَّمَا قُدِّمَتْ الْأُمُّ عَلَى الْأَبِ لِأَنَّهُ لَا يَقُومُ مَقَامَهَا هُنَا فِي مَصْلَحَةِ الطِّفْلِ ، وَإِنَّمَا قَدَّمَ الشَّارِعُ عَلَيْهِ السَّلَامُ خَالَةَ بِنْتِ حَمْزَةَ عَلَى عَمَّتِهَا صَفِيَّةَ لِأَنَّ صَفِيَّةَ لَمْ تَطْلُبْ وَجَعْفَرٌ طَلَب نَائِبًا عَنْ خَالَتِهَا فَقَضَى لَهَا بِهَا فِي غَيْبَتِهَا وَضَعْفُ الْبَصَرِ يَمْنَعُ مِنْ كَمَالِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمَحْضُونُ مِنْ الْمَصَالِحِ .
 
وَإِذَا تَزَوَّجَتْ الْأُمُّ فَلَا حَضَانَةَ لَهَا وَعَلَى عَصَبَةِ الْمَرْأَةِ مَنْعُهَا مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ فَإِنْ لَمْ تَمْتَنِعْ إلَّا بِالْحَبْسِ حَبَسُوهَا وَإِنْ احْتَاجَتْ إلَى الْقَيْدِ قَيَّدُوهَا .
 
وَمَا يَنْبَغِي لِلْمَوْلُودِ أَنْ يَضْرِبَ أُمَّهُ وَلَا يَجُوزُ لَهُمْ مُقَاطَعَتُهَا بِحَيْثُ تَتَمَكَّنُ مِنْ السُّوءِ بَلْ يُلَاحِظُونَهَا بِحَسَبِ قُدْرَتِهِمْ وَإِنْ احْتَاجَتْ إلَى رِزْقٍ وَكِسْوَةٍ كَسَوْهَا وَلَيْسَ لَهُمْ إقَامَةُ الْحَدِّ عَلَيْهَا وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ .
 
كِتَابُ الْجِنَايَاتِ الْعُقُوبَاتُ الشَّرْعِيَّةُ إنَّمَا شُرِعَتْ رَحْمَةً مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِعِبَادِهِ فَهِيَ صَادِرَةٌ عَنْ رَحْمَةِ الْخَلْقِ وَإِرَادَةِ الْإِحْسَانِ إلَيْهِمْ وَلِهَذَا يَنْبَغِي لِمَنْ يُعَاقِبُ النَّاسَ عَلَى ذُنُوبِهِمْ أَنْ يَقْصِدَ بِذَلِكَ الْإِحْسَانَ إلَيْهِمْ وَالرَّحْمَةَ لَهُمْ كَمَا يَقْصِدُ الْوَالِدُ تَأْدِيبَ وَلَدِهِ وَكَمَا يَقْصِدُ الطَّبِيبُ مُعَالَجَةَ الْمَرِيضِ .
Page 2
وَتَوْبَةُ الْقَاتِلِ لِلنَّفْسِ عَمْدًا مَقْبُولَةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَا تُقْبَلُ ، وَعَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ وَإِذَا اُقْتُصَّ مِنْهُ فِي الدُّنْيَا فَهَلْ لِلْمَقْتُولِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ فِي الْآخِرَةِ فِيهِ قَوْلَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ بَعْدَ الْجَرْحِ أَوْ بَعْدَ الرَّمْيِ قَبْلَ الْإِصَابَةِ مَانِعَةً مِنْ وُجُوبِ الْقِصَاصِ ذَكَرَ أَصْحَابُنَا مِنْ صُوَرِ الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْمُوجِبِ لِلْقَوَدِ مَنْ شَهِدَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ بِالرِّدَّةِ فَقُتِلَ بِذَلِكَ ثُمَّ رَجَعُوا وَقَالُوا عَمَدْنَا قَتْلَهُ .
 
وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ إنَّمَا يُقْتَلُ إذَا لَمْ يَتُبْ فَيُمْكِنُ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ كَمَا يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ إذَا أُلْقِيَ فِي الْغَارِ .
 
وَالدَّوْلُ عَلَى مَنْ يُقْتَلُ بِغَيْرِ حَقٍّ يَلْزَمُهُ الْقَوَدُ وَالدِّيَةُ إذَا تَعَمَّدَ ، وَإِمْسَاكُ الْحَيَّاتِ جِنَايَةٌ مُحَرَّمَةٌ قَالَ فِي " الْمُحَرَّرِ "
 
: لَوْ أَمَرَ بِهِ يَعْنِي الْقَتْلَ سُلْطَانٌ عَادِلٌ أَوْ جَائِرٍ ظُلْمًا مَنْ لَمْ يَعْرِفْ ظُلْمَهُ فِيهِ فَقَتَلَهُ فَالْقَوَدُ وَالدِّيَةُ عَلَى الْآمِرِ خَاصَّةً .
 
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ : هَذَا بِنَاءٌ عَلَى وُجُوبِ طَاعَةِ السُّلْطَانِ فِي الْقَتْلِ الْمَجْهُولِ وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ لَا يُطَاعُ حَتَّى يَعْلَمَ جَوَازَ قَتْلِهِ وَحِينَئِذٍ فَتَكُونُ الطَّاعَةُ لَهُ مَعْصِيَةً لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِالظُّلْمِ فَهُنَا الْجَهْلُ بِعَدَمِ الْحِلِّ كَالْعِلْمِ بِالْحُرْمَةِ وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمَأْمُورُ مِمَّنْ يُطِيعُهُ غَالِبًا فِي ذَلِكَ أَنَّهُ يَجِبُ الْقَتْلُ عَلَيْهِمَا وَهُوَ أَوْلَى مِنْ الْحَاكِمِ وَالشُّهُودُ سَبَبٌ يَقْتَضِي غَالِبًا فَهُوَ أَقْوَى مِنْ الْمُكْرَهِ وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِذِمِّيٍّ إلَّا أَنْ يَقْتُلَهُ غِيلَةً لِأَخْذِ مَالِهِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَا يُقْتَلُ حُرٌّ بِعَبْدٍ وَلَكِنْ لَيْسَ فِي الْعَبْدِ نُصُوصٌ صَحِيحَةٌ صَرِيحَةٌ كَمَا فِي الذِّمِّيِّ بَلْ أَجْوَدُ مَا رُوِيَ { مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ } .
 
وَهَذَا لِأَنَّهُ إذَا قَتَلَهُ ظُلْمًا كَانَ الْإِمَامُ وَلِيَّ دَمِهِ .
 
وَأَيْضًا فَقَدْ ثَبَتَ فِي السُّنَّةِ وَالْآثَارِ أَنَّهُ إذَا مَثَّلَ بِعَبْدِهِ عَتَقَ عَلَيْهِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا وَقَتْلُهُ أَعْظَمُ أَنْوَاعِ الْمُثْلَةِ فَلَا يَمُوتُ إلَّا حُرًّا لَكِنَّ حُرِّيَّتَهُ لَمْ تَثْبُتْ حَالَ حَيَاتِهِ حَتَّى تَرِثَهُ عَصَبَتُهُ بَلْ حُرِّيَّتُهُ ثَبَتَتْ حُكْمًا وَهُوَ إذَا عَتَقَ كَانَ وَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ فَيَكُونُ الْإِمَامُ هُوَ وَلِيَّهُ فَلَهُ قَتْلُ قَاتِلِ عَبْدِهِ وَقَدْ يَحْتَجُّ بِهَذَا مَنْ يَقُولُ : إنَّ قَاتِلَ عَبْدِ غَيْرِهِ لِسَيِّدِهِ قَتْلُهُ وَإِذَا دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى هَذَا كَانَ هَذَا الْقَوْلُ هُوَ الرَّاجِحَ وَهَذَا قَوِيٌّ عَلَى قَوْلِ أَحْمَدَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ شَهَادَةُ الْعَبْدِ كَالْحُرِّ بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ فَلِمَاذَا لَا يُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ .
Page 3
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ : { الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ } وَمَنْ قَالَ لَا يُقْتَلُ حُرٌّ بِعَبْدٍ يَقُولُ إنَّهُ لَا
 
يُقْتَلُ الذِّمِّيُّ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ الْمُسْلِمِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَقُولُ : { وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ } ، فَالْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ خَيْرٌ مِنْ الذِّمِّيِّ الْمُشْرِكِ فَكَيْفَ لَا يُقْتَلُ بِهِ وَالسُّنَّةُ إنَّمَا جَاءَتْ لَا يُقْتَلُ وَالِدٌ بِوَلَدٍ فَإِلْحَاقُ الْجَدِّ أَبِي الْأُمِّ بِذَلِكَ بَعِيدٌ وَيُتَوَجَّهُ أَنْ لَا يَرِثَ الْقَاتِلُ دَمًا مِنْ وَارِثٍ كَمَا لَا يَرِثُ هُوَ الْمَقْتُولَ وَهُوَ يُشْبِهُ حَدَّ الْقَذْفِ الْمُطَالَبَ بِهِ إذَا كَانَ الْقَاذِفُ هُوَ الْوَارِثَ أَوْ وَارِثَ الْوَارِثِ فَعَلَى هَذَا لَوْ قَتَلَ أَحَدُ الِابْنَيْنِ أَبَاهُ وَالْآخَرُ أُمَّهُ وَهِيَ فِي زَوْجِيَّةِ الْأَبِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَسْتَحِقُّ قَتْلَ الْآخَرِ فَيَتَقَاصَّانِ لَا سِيَّمَا إذَا قِيلَ إنَّهُ مُسْتَحِقُّ الْقَوَدِ بِمِلْكٍ نَقَلَهُ إلَى غَيْرِهِ ، إمَّا بِطَرِيقِ التَّوْكِيلِ بِلَا رَيْبٍ ، وَإِمَّا بِالتَّمْلِيكِ وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ .
 
وَإِذَا كَانَ الْمَقْتُولُ رَضِيَ بِالِاسْتِيفَاءِ أَوْ بِالذِّمَّةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَعَيَّنَ كَمَا لَوْ عَفَا وَعَلَيْهِ تُخَرَّجُ قِصَّةُ عَلِيٍّ إذَا لَمْ تُخَرَّجْ عَلَى كَوْنِهِ مُرْتَدًّا أَوْ مُفْسِدًا فِي الْأَرْضِ أَوْ قَاتِلٌ الْأَئِمَّةَ ، وَإِذَا قَالَ أَنَا قَاتِلُ غُلَامِ زَيْدٍ فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ إنْ كَانَ نَحْوِيًّا لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا وَإِنْ كَانَ غَيْرَ نَحْوِيٍّ كَانَ مُقِرًّا كَمَا لَوْ قَالَهُ بِالْإِضَافَةِ ، وَمَنْ رَأَى رَجُلًا يَفْجُرُ بِأَهْلِهِ جَازَ لَهُ قَتْلُهُمَا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَسَوَاءٌ كَانَ الْفَاجِرُ مُحْصَنًا أَوْ غَيْرَ مُحْصَنٍ مَعْرُوفًا بِذَلِكَ أَمْ لَا كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْأَصْحَابِ وَفَتَاوَى الصَّحَابَة وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ دَفْعِ الصَّائِلِ كَمَا ظَنَّهُ بَعْضُهُمْ بَلْ هُوَ مِنْ عُقُوبَةِ الْمُعْتَدِينَ الْمُؤْذِينَ .
 
وَأَمَّا إذَا دَخَلَ الرَّجُلُ وَلَمْ يَفْعَلْ بَعْدُ فَاحِشَةً وَلَكِنْ دَخَلَ لِأَجْلِ ذَلِكَ فَهَذَا فِيهِ نِزَاعٌ وَالْأَحْوَطُ لِهَذَا أَنْ يَتُوبَ مِنْ الْقَتْلِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ وَمَنْ طُلِبَ مِنْهُ الْفُجُورُ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ الصَّائِلَ
 
عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَنْدَفِعْ إلَّا بِالْقَتْلِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ .
 
فَإِنْ ادَّعَى الْقَاتِلُ أَنَّهُ صَالَ عَلَيْهِ وَأَنْكَرَ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ فَإِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ مَعْرُوفًا بِالْبِرِّ وَقَتَلَهُ فِي مَحَلٍّ لَا رِيبَةَ فِيهِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ الْقَاتِلِ ، وَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْفُجُورِ وَالْقَاتِلُ مَعْرُوفًا بِالْبِرِّ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْقَاتِلِ مَعَ يَمِينِهِ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِالتَّعَرُّضِ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ .
 
بَابُ اسْتِيفَاءِ الْقَوَدِ وَالْعَفْوِ عَنْهُ وَالْجَمَاعَةُ الْمُشْتَرِكُونَ فِي اسْتِحْقَاقِ دَمِ الْمَقْتُولِ الْوَاحِدِ ، إمَّا أَنْ يَثْبُتَ لِكُلِّ وَاحِدٍ بَعْضُ الِاسْتِيفَاءِ فَيَكُونُونَ كَالْمُشْتَرِكِينَ فِي عَقْدٍ أَوْ خُصُومَةٍ وَتَعْيِينُ الْإِمَامِ قَوِيٌّ كَمَا يُؤْجَرُ عَلَيْهِمْ لِنِيَابَتِهِ عَنْ الْمُمْتَنِعِ .
Page 4
وَالْقُرْعَةُ إنَّمَا شُرِعَتْ فِي الْأَصْلِ إذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مُسْتَحِقًّا أَوْ كَالْمُسْتَحِقِّ وَيُتَوَجَّهُ أَنْ يُقَدَّمَ الْأَكْثَرُ حَقًّا أَوْ الْأَفْضَلُ لِقَوْلِهِ كَبِرَ وَكَالْأَوْلِيَاءِ فِي النِّكَاحِ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا - : هُنَا مَنْ تَقَدَّمَ بِالْقُرْعَةِ قَدَّمَتْهُ وَلَمْ تَسْقُطْ حُقُوقُهُمْ وَيُتَوَجَّهُ إذَا قُلْنَا لَيْسَ لِلْوَلِيِّ أَخْذُ الدِّيَةِ إلَّا بِرِضَا الْجَانِي أَنْ يَسْقُطَ حَقَّهُ بِمَوْتِهِ كَمَا لَوْ مَاتَ الْعَبْدُ الْجَانِي أَوْ الْمَكْفُولُ بِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ثَوَابٍ وَأَبِي الْقَاسِمِ وَأَبِي طَالِبٍ وَيُتَوَجَّهُ ذَلِكَ وَإِنْ قُلْنَا لِوَاجِبِ الْقَوَدِ عَيْنًا أَوْ أَحَدِ شَيْئَيْنِ ؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ عَدِيلُ الْعَفْوِ .
 
فَأَمَّا الدِّيَةُ مَعَ الْهَلَاكِ فَلَا ، وَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنْ لَا يُعَاقَبَ الْمَجْنُونُ بِقَتْلٍ وَلَا قَطْعٍ لَكِنْ يُضْرَبُ عَلَى مَا فَعَلَ لِيُزْجَرَ .
 
وَكَذَا الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ يُعَاقَبُ عَلَى الْفَاحِشَةِ تَعْزِيرًا بَلِيغًا .
 
قَالَ أَصْحَابُنَا : وَإِنْ وَجَبَ لِعَبْدٍ قِصَاصٌ أَوْ تَعْزِيرُ قَذْفٍ فَطَلَبُهُ وَإِسْقَاطُهُ إلَيْهِ دُونَ سَيِّدِهِ وَيُتَوَجَّهُ أَنْ لَا يَمْلِكَ إسْقَاطَهُ مَجَّانًا كَالْمُفْلِسِ وَالْوَرَثَةُ مَعَ الدُّيُونِ الْمُسْتَغْرِقَةِ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، وَكَذَلِكَ الْأَصْلُ فِي الْوَصِيِّ وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَمْلِكَ السَّيِّدُ تَعْزِيرَ الْقَذْفِ إذَا مَاتَ الْعَبْدُ إلَّا إذَا طَالَبَ كَالْوَارِثِ وَيُفْعَلُ بِالْجَانِي عَلَى النَّفْسِ مِثْلَ مَا فَعَلَ بِالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا فِي نَفْسِهِ أَوْ يَقْتُلَهُ بِالسَّيْفِ إنْ شَاءَ ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ .
 
وَلَوْ كَوَى شَخْصًا بِمِسْمَارٍ كَانَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَنْ يَكْوِيَهُ مِثْلَ مَا كَوَاهُ إنْ أَمْكَنَ وَيَجْرِي الْقِصَاصُ فِي اللَّطْمَةِ وَالضَّرْبَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَهُوَ مَذْهَبُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَغَيْرِهِمْ ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ إسْمَاعِيلَ بْنِ سَعْدٍ الشَّالَنْجِيِّ وَلَا يُسْتَوْفَى الْقَوَدُ فِي الطُّرُقِ إلَّا بِحَضْرَةِ السُّلْطَانِ وَمَنْ أَبْرَأَ جَانِيًا حُرًّا جِنَايَتُهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ إنْ قُلْنَا تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ أَوْ تُحْمَلُ عَنْهُ ابْتِدَاءً أَوْ عَبْدًا إنْ قُلْنَا جِنَايَتُهُ فِي ذِمَّتِهِ مَعَ أَنَّهُ يَتَوَجَّهُ الصِّحَّةُ مُطْلَقًا وَهُوَ وَجْهٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَفْهُومَ هَذَا اللَّفْظِ فِي عُرْفِ النَّاسِ الْعَفْوُ مُطْلَقًا وَالتَّصَرُّفَاتُ تُحْمَلُ مُوجِبَاتُهَا عَلَى عُرْفِ النَّاسِ فَتَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الِاصْطِلَاحَاتِ
 
وَإِذَا عَفَا أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ عَنْ الْقَاتِلِ بِشَرْطِ أَلَّا يُقِيمَ فِي هَذَا الْبَلَدِ وَلَمْ يَفِ بِهَذَا الشَّرْطِ لَمْ يَكُنْ الْعَفْوُ لَازِمًا بَلْ لَهُمْ أَنْ يُطَالِبُوهُ بِالدِّيَةِ فِي قَوْلِ الْعُلَمَاءِ وَبِالدَّمِ فِي قَوْلٍ آخَرَ .
 
وَسَوَاءٌ قِيلَ هَذَا الشَّرْطُ صَحِيحٌ أَمْ فَاسِدٌ يَفْسُدُ بِهِ الْعَقْدُ أَمْ لَا .
 
وَلَا يَصِحُّ الْعَفْوُ فِي قَتْلِ الْغَفْلَةِ لِتَعَذُّرِ الِاحْتِرَازِ مِنْهُ كَالْقَتْلِ فِي الْمُحَارَبَةِ وَوِلَايَةِ الْقِصَاصِ وَالْعَفْوِ عَنْهُ لَيْسَتْ عَامَّةً لِجَمِيعِ الْوَرَثَةِ بَلْ تَخْتَصُّ بِالْعَصَبَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ .
 
وَتُخَرَّجُ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ
Page 5
وَإِذَا اتَّفَقَ الْجَمَاعَةُ عَلَى قَتْلِ شَخْصٍ فَلِأَوْلِيَاءِ الدَّمِ أَنْ يَقْتُلُوهُمْ وَلَهُمْ أَنْ يَقْتُلُوا بَعْضَهُمْ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ عَيْنُ الْقَاتِلِ فَلِلْأَوْلِيَاءِ أَنْ يَحْلِفُوا عَلَى وَاحِدٍ بِقَتْلِهِ أَنَّهُ قَتَلَهُ وَيُحْكَمَ لَهُمْ بِالدَّمِ انْتَهَى .
 
كِتَابُ الدِّيَاتِ الْمَعْرُوفُ أَنَّ الْحُرَّ يَضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ لَا بِالْيَدِ إلَّا الصَّغِيرَ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ كَالرِّوَايَتَيْنِ فِي سَرِقَتِهِ فَإِنْ كَانَ الْحُرُّ قَدْ تَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ حَقٌّ لِغَيْرِهِ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ حَقُّ قَوَدٍ أَوْ فِي ذِمَّتِهِ مَالٌ أَوْ مَنْفَعَتُهُ أَوْ عِنْدَهُ أَمَانَاتٌ أَوْ غُصُوبٌ تَلِفَتْ بِتَلَفِهِ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ حَافِظًا عَلَيْهَا وَإِذَا تَلِفَ زَالَ الْحِفْظُ فَيَنْبَغِي أَنَّهُ إنْ أَتْلَفَ فَمَا ذَهَبَ لِإِتْلَافِهِ مِنْ عَيْنٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ مَضْمُونَةٍ ضُمِنَتْ كَالْقَوَدِ فَإِنَّهُ مَضْمُونٌ لَكِنْ هَلْ يَنْتَقِلُ الْحَقُّ إلَى الْقَاتِلِ فَيُخَيَّرُ الْأَوْلِيَاءُ بَيْنَ قَتْلِهِ وَالْعَفْوِ عَنْهُ أَوْ إلَى تَرْكِ الْأَوَّلِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ، وَأَمَّا إذَا تَلِفَ تَحْتَ الْيَدِ الْعَادِيَةِ فَالْمُتَوَجَّهُ أَنْ يَضْمَنَ مَا تَلِفَ بِذَلِكَ مِنْ مَالٍ أَوْ بَدَلِ قَوَدٍ بِحَيْثُ يُقَالُ إذَا كَانَ عَلَيْهِ قَوَدٌ فَحَالَ بَيْنَ أَهْلِ الْحَقِّ وَالْقَوَدِ حَتَّى مَاتَ ضَمِنَ لَهُمْ الدِّيَةَ وَمَنْ جَنَى عَلَى سِنِّهِ اثْنَانِ وَاخْتَلَفُوا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فِي قَدْرِ مَا أَتْلَفَهُ كُلٌّ مِنْهُمَا .
 
قَالَهُ أَصْحَابُنَا وَيُتَوَجَّهُ أَنْ يَقْتَرِعَا عَلَى الْقَدْرِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ لِأَنَّهُ ثَبَتَ عَلَى أَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ كَمَا لَوْ ثَبَتَ الْحَقُّ لِأَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ .
 
وَإِذَا أَخَذَ مِنْ لِحْيَتِهِ مَا لَا جَمَالَ فِيهِ فَهَلْ يَجِبُ الْقِسْطُ أَوْ الْحُكُومَةُ .
 
فَصْلٌ وَأَبُو الرَّجُلِ وَابْنُهُ مِنْ عَاقِلَتِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَتُؤْخَذُ الدِّيَةُ مِنْ الْجَانِي خَطَأً عِنْدَ تَعَذُّرِ الْعَاقِلَةِ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ وَلَا يُؤَجَّلُ عَلَى الْعَاقِلَةِ إذَا رَأَى الْإِمَامُ الْمَصْلَحَةَ فِيهِ ، وَنَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَيُتَوَجَّهُ أَنْ يَعْقِلَ ذَوُو الْأَرْحَامِ عِنْدَ عَدَمِ الْعَصَبَةِ إذَا قُلْنَا تَجِبُ النَّفَقَةُ عَلَيْهِمْ وَالْمُرْتَدُّ يَجِبُ أَنْ يَعْقِلَ عَنْهُ مِنْ يَرِثُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ أَهْلِ الدِّينِ الَّذِي انْتَقَلَ إلَيْهِ .
 
بَابُ الْقَسَامَةِ نَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ : أَذْهَبُ إلَى الْقَسَامَةِ إذَا كَانَ ثَمَّ لَطْخٌ وَإِذَا كَانَ ثَمَّ سَبَبٌ بَيِّنٌ وَإِذَا كَانَ ثَمَّ عَدَاوَةٌ وَإِذَا كَانَ مِثْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَفْعَلُ هَذَا فَذَكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَرْبَعَةَ أُمُورٍ : اللَّطْخُ وَهُوَ التَّكَلُّمُ فِي عِرْضِهِ كَالشَّهَادَةِ الْمَرْدُودَةِ وَالسَّبَبُ الْبَيِّنُ كَالتَّعَرُّفِ عَنْ قَتِيلٍ .
 
وَالْعَدَاوَةُ كَوْنُ الْمَطْلُوبِ مِنْ الْمَعْرُوفِينَ بِالْقَتْلِ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ ، ثُمَّ لَوْثٌ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ قَتَلَ مَنْ اُتُّهِمَ بِقَتْلِهِ جَازَ لِأَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ أَنْ يَحْلِفُوا خَمْسِينَ يَمِينًا وَيَسْتَحِقُّوا دَمَهُ ، وَأَمَّا ضَرْبُهُ لِيُقِرَّ فَلَا يَجُوز إلَّا مَعَ الْقَرَائِن الَّتِي تَدُلّ عَلَى أَنَّهُ قَتَلَهُ فَإِنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ جَوَّزَ تَقْرِيرًا بِالضَّرْبِ فِي هَذِهِ الْحَالِ وَبَعْضُهُمْ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ مُطْلَقًا .
Page 6
كِتَابُ الْحُدُودِ قَوْله تَعَالَى : { فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا } قَدْ يُسْتَدَلُّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمُذْنِبَ إذَا لَمْ يُعْرَفْ فِيهِ حُكْمُ الشَّرْعِ فَإِنَّهُ يُمْسَكُ فَيُحْبَسُ حَتَّى يُعْرَفَ فِيهِ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ فَيُنَفَّذَ فِيهِ وَإِذَا زَنَى الذِّمِّيُّ بِالْمُسْلِمَةِ قُتِلَ وَلَا يَصْرِفُ عَنْهُ الْقَتْلَ الْإِسْلَامُ وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ أَدَاءُ الشَّهَادَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَبَرِ فِي الْمُسْلِمِ ، بَلْ يَكْفِي اسْتِفَاضَتُهُ وَاشْتِهَارُهُ ، وَإِنْ حَمَلَتْ امْرَأَةٌ لَا زَوْجَ لَهَا وَلَا سَبَبَ حُدَّتْ إنْ لَمْ تَدَّعِ الشُّبْهَةَ .
 
وَكَذَا مَنْ وُجِدَ مِنْهُ رَائِحَةُ الْخَمْرِ .
 
وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ فِيهِمَا وَغِلَظُ الْمَعْصِيَةِ وَعِقَابُهَا بِقَدْرِ فَضِيلَةِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالْكَبِيرَةُ الْوَاحِدَةُ لَا تُحْبِطُ جَمِيعَ الْحَسَنَاتِ لَكِنْ قَدْ تُحْبِطُ مَا يُقَابِلُهَا عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ .
 
وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْقَطْعِ بِالسَّرِقَةِ مُطَالَبَةُ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ بِمَالِهِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ كَإِقْرَارِهِ بِالزِّنَا بِأَمَةِ غَيْرِهِ وَمَنْ سَرَقَ تَمْرًا أَوْ مَاشِيَةً مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ أُضْعِفَتْ عَلَيْهِ الْقِيمَةُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ وَكَذَا غَيْرُهَا وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْهُ .
 
وَاللِّصُّ الَّذِي غَرَضُهُ سَرِقَةُ أَمْوَالِ النَّاسِ وَلَا غَرَضَ لَهُ فِي شَخْصٍ مُعَيَّنٍ فَإِنَّ قَطْعَ يَدِهِ وَاجِبٌ وَلَوْ عَفَا عَنْهُ رَبُّ الْمَالِ .
 
فَصْلٌ وَالْمُحَارِبُونَ حُكْمُهُمْ فِي الْمِصْرِ وَالصَّحْرَاءِ وَاحِدٌ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَالشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِنَا قَالَ الْقَاضِي الْمَذْهَبُ عَلَى مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي عَدَمِ التَّفْرِقَةِ وَلَا نَصَّ فِي الْخِلَافِ بَلْ هُمْ فِي الْبُنْيَانِ أَحَقُّ بِالْعُقُوبَةِ مِنْهُمْ فِي الصَّحْرَاءِ وَالزِّوَى فَالْمُبَاشَرَةُ فِي الْخَرَابِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ وَكَذَا فِي السَّرِقَةِ وَالْمَرْأَةُ الَّتِي تُحْضِرُ النِّسَاءَ لِلْقَتْلِ تُقْتَلُ .
 
وَالْعُقُوبَاتُ الَّتِي تُقَامُ مِنْ حَدٍّ أَوْ تَعْزِيرٍ إذَا ثَبَتَتْ بِالْبَيِّنَةِ فَإِذَا أَظْهَرَ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ التَّوْبَةَ لَمْ يُوثَقْ مِنْهُ بِهَا فَيُقَامُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ تَائِبًا فِي الْبَاطِنِ كَانَ الْحَدُّ مُكَفِّرًا وَكَانَ مَأْجُورًا عَلَى صَبْرِهِ وَإِنْ جَاءَ تَائِبًا بِنَفْسِهِ فَاعْتَرَفَ فَلَا يُقَامُ عَلَيْهِ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ وَغَيْرُهُمْ فِي الْمُحَارِبِينَ وَإِنْ شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ كَمَا شَهِدَ بِهِ مَاعِزٌ وَالْغَامِدِيَّةُ وَاخْتَارَ إقَامَةَ الْحَدِّ عَلَيْهِ أُقِيمَ وَإِلَّا لَا ، وَتَصِحُّ التَّوْبَةُ مِنْ ذَنْبٍ مَعَ الْإِصْرَارِ عَلَى آخَرَ إذَا كَانَ الْمُقْتَضِي لِلتَّوْبَةِ مِنْهُ أَقْوَى مِنْ الْمُقْتَضِي لِلتَّوْبَةِ مِنْ الْآخَرِ أَوْ كَانَ الْمَانِعُ مِنْ أَحَدِهِمَا أَشَدَّ هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ عَنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَيَلْزَمُ الدَّفْعُ عَنْ مَالِ الْغَيْرِ وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَدْفُوعُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَوْ غَيْرِهِمْ .
 
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ فِي جُنْدٍ قَاتَلُوا عَرَبًا نَهَبُوا أَمْوَالَ تُجَّارٍ لِيَرُدُّوهَا إلَيْهِمْ فَهُمْ مُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ بِقَوَدِ وِلَايَةٍ وَلَا كَفَّارَةٍ وَمَنْ أَمَّنَ لِلرِّئَاسَةِ وَالْمَالِ لَمْ يُثَبْ وَيَأْثَمُ عَلَى فَسَادِ نِيَّتِهِ كَالْمُصَلِّي رِيَاءً وَسُمْعَةً .
Page 7
فَصْلٌ وَالْأَفْضَلُ تَرْكُ قِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ حَتَّى يَبْدَأَ الْإِمَامُ وَقَالَهُ مَالِكٌ وَلَهُ قَتْلُ أَهْلِ الْخَوَارِجِ ابْتِدَاءً أَوْ مُتَمِّمَةً تَخْرِيجَهُمْ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْخَوَارِجِ وَالْبُغَاةِ الْمُتَأَوِّلِينَ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عَنْ الصَّحَابَةِ وَأَكْثَرِ الْمُصَنِّفِينَ لِقِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ يَرَى الْقِتَالَ مِنْ نَاحِيَةِ عَلِيٍّ وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى الْإِمْسَاكَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ مَعَ رُؤْيَتِهِمْ لِقِتَالِ مَنْ خَرَجَ عَنْ الشَّرِيعَةِ كَالْحَرُورِيَّةِ وَنَحْوِهِمْ وَأَنَّهُ يَجِبُ ، وَالْأَخْبَارُ تُوَافِقُ هَذَا فَاتَّبِعُوا النَّصَّ الصَّحِيحَ وَالْقِيَاسَ الْمُسْتَقِيمَ ، وَعَلِيٌّ كَانَ أَقْرَبَ إلَى الصَّوَابِ مِنْ مُعَاوِيَةَ وَمَنْ اسْتَحَلَّ أَذَى مَنْ أَمَرَهُ وَنَهَاهُ بِتَأْوِيلٍ فَكَالْمُبْتَدِعِ وَنَحْوِهِ يَسْقُطُ بِتَوْبَتِهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقُّ الْعَبْدِ .
 
وَاحْتَجَّ أَبُو الْعَبَّاسِ لِذَلِكَ بِمَا أَتْلَفَهُ الْبُغَاةُ لِأَنَّهُ مِنْ الْجِهَادِ الَّذِي يَجِبُ الْأَجْرُ فِيهِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَقِتَالُ التَّتَارِ وَلَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ هُوَ قِتَالُ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَانِعِي الزَّكَاةِ وَيَأْخُذُ مَالَهُمْ وَذُرِّيَّتَهُمْ وَكَذَا الْمَقْفَزُ إلَيْهِمْ وَلَوْ ادَّعَى إكْرَاهًا ، وَمَنْ أَجْهَزَ عَلَى جَرِيحٍ لَمْ يَأْثَمْ وَلَوْ تَشَهَّدَ وَمَنْ أَخَذَ مِنْهُمْ شَيْئًا خُمِّسَ وَبَقِيَّتُهُ لَهُ وَالرَّافِضَةُ وَالْجَبَلِيَّةُ يَجُوزُ أَخْذُ أَمْوَالِهِمْ وَسَبْيُ حَرِيمِهِمْ يَخْرُجُ عَلَى تَكْفِيرِهِمْ قَالَ أَصْحَابُنَا وَإِنْ اقْتَتَلَتْ طَائِفَتَانِ لِعَصَبِيَّةٍ أَوْ طَلَبِ رِئَاسَةٍ فَهُمَا ظَالِمَتَانِ ضَامِنَتَانِ فَأَوْجَبُوا الضَّمَانَ عَلَى مَجْمُوعِ الطَّائِفَةِ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ عَيْنُ الْمُتْلِفِ وَإِنْ تَقَاتَلَا تَقَاصَّا لِأَنَّ الْمُبَاشَرَةَ وَالْمُعَيَّنَ سَوَاءٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَإِنْ جُهِلَ قَدْرُ مَا نَهَبَهُ كُلُّ طَائِفَةٍ مِنْ الْأُخْرَى تَسَاوَيَا كَمَنْ جَهِلَ قَدْرَ الْحَرَامِ الْمُخْتَلَطِ بِمَالِهِ فَإِنَّهُ يُخْرِجُ النِّصْفَ وَالْبَاقِي لَهُ وَمَنْ
 
دَخَلَ لِصُلْحٍ فَقُتِلَ فَجُهِلَ قَاتِلُهُ ضَمِنَهُ الطَّائِفَتَانِ ، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ مُمْتَنِعَةٍ عَنْ شَرِيعَةِ مُتَوَاتِرَةٍ مِنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ يَجِبُ قِتَالُهَا حَتَّى يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ كَالْمُحَارِبِينَ وَأَوْلَى .
 
فَصْلٌ وَإِذَا شَكَكْت فِي الْمَطْعُومِ وَالْمَشْرُوبِ هَلْ يُسْكِرُ أَوْ لَا لَمْ يَحْرُمْ بِمُجَرَّدِ الشَّكِّ وَلَمْ يُقَمْ الْحَدُّ عَلَى شَارِبِهِ وَلَا يَنْبَغِي إبَاحَتُهُ لِلنَّاسِ إذْ كَانَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْكِرًا لِأَنَّ إبَاحَةَ الْحَرَامِ مِثْلُ تَحْرِيمِ الْحَلَالِ فَتُكْشَفُ عَنْ هَذَا شَهَادَةُ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ طَعِمَهُ ثُمَّ تَابَ مِنْهُ أَوْ طَعِمَهُ غَيْرَ مُعْتَقِدٍ تَحْرِيمَهُ أَوْ مُعْتَقِدًا حِلَّهُ لِتَدَاوٍ وَنَحْوِهِ أَوْ عَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ فِي تَحْلِيلِ يَسِيرِ النَّبِيذِ فَإِنْ شَهِدَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ يَتَأَوَّلُهُ مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَهُ فَيَنْبَغِي إذَا أَخْبَرَ عَدَدٌ كَثِيرٌ لَا يُمْكِنُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ أَنْ يُحْكَمَ بِذَلِكَ فَإِنَّ هَذَا مِثْلُ التَّوَاتُرِ وَالِاسْتِفَاضَةِ كَمَا اسْتَفَاضَ بَيْنَ الْفُسَّاقِ وَالْكُفَّارِ الْمَوْتُ وَالنَّسَبُ وَالنِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ فَيَكُونُ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ إمَّا الْحُكْمُ بِذَلِكَ لِأَنَّ التَّوَاتُرَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْإِسْلَامُ وَالْعَدَالَةُ .
 
وَإِمَّا الشَّهَادَةُ بِذَلِكَ بِنَاءً عَلَى الِاسْتِفَاضَةِ فَلَا يَحْصُلُ بِهَا التَّوَاتُرُ وَلَنَا أَنْ نَمْتَحِنَ بَعْضَ الْعُدُولِ بِتَأَوُّلِهِ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ تَحْرِيمَ ذَلِكَ قَبْلَ التَّأْوِيلِ فَيَجُوزُ الْإِقْدَامُ عَلَى تَنَاوُلِهِ وَكَرَاهَةِ الْإِقْدَامِ عَلَى الشُّبْهَةِ تُعَارِضُهَا مَصْلَحَةُ بَيَانِ الْحَالِ .
Page 8
الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ الْمُحَرَّمَاتِ قَدْ تُبَاحُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَالْحَاجَةُ إلَى الْبَيَانِ مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ فَيَجُوزُ تَنَاوُلُهَا لِأَجْلِ ذَلِكَ وَالْحَشِيشَةُ الْقُنَّبِيَّةُ نَجِسَةٌ فِي الْأَصَحِّ وَهِيَ حَرَامٌ سَكِرَ مِنْهَا أَوْ لَمْ يَسْكَرْ وَالْمُسْكِرُ مِنْهَا حَرَامٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَضَرَرُهَا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ أَعْظَمُ مِنْ ضَرَرِ الْخَمْرِ وَلِهَذَا أَوْجَبَ الْفُقَهَاءُ فِيهَا الْحَدَّ كَالْخَمْرِ وَتَوَقَّفَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي الْحَدِّ بِهَا وَأَنَّ أَكْلَهَا يُوجِبُ التَّعْزِيرَ بِمَا دُونَ الْحَدِّ فِيهِ نَظَرٌ إذْ هِيَ دَاخِلَةٌ فِي عُمُومِ مَا حَرَّمَ
 
اللَّهُ تَعَالَى وَأَكَلَتُهَا يَتَبَشُّونَ عَنْهَا وَيُشَبِّهُونَهَا بِشُرْبِ الْخَمْرِ وَأَكْثَرَ وَتَصُدُّهُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ .
 
وَإِنَّمَا لَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُتَقَدِّمُونَ فِي خُصُوصِهَا لِأَنَّهَا إنَّمَا حَدَثَ أَكْلُهَا فِي أَوَاخِرِ الْمِائَةِ السَّادِسَةِ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ فَكَانَ ظُهُورُهَا مَعَ ظُهُورِ سَيْفِ بْنِ بخشخا .
 
لَا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِالْخَمْرِ وَلَا بِغَيْرِهَا مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ وَيَجُوزُ شُرْبُ لَبَنِ الْخَيْلِ إذْ لَمْ يَصِرْ مُسْكِرًا .
 
وَالصَّحِيحُ فِي حَدِّ الْخَمْرِ أَحَدُ الرِّوَايَتَيْنِ الْمُوَافِقَةُ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الْأَرْبَعِينَ إلَى الثَّمَانِينَ لَيْسَتْ وَاجِبَةً عَلَى الْإِطْلَاقِ بَلْ يَرْجِعُ فِيهَا إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ كَمَا جَوَّزْنَا لَهُ الِاجْتِهَادَ فِي صِفَةِ الضَّرْبِ فِيهِ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ وَأَطْرَافِ الثِّيَابِ فِي بَقِيَّةِ الْحُدُودِ .
 
وَمِنْ التَّعْزِيرِ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَالشَّافِعِيُّ : نَفْيُ الْمُخَنَّثِ ، وَحَلَقَ عُمَرُ رَأْسَ نَصْرِ بْنِ حَجَّاجٍ وَنَفَاهُ لَمَّا اُفْتُتِنَ بِهِ النِّسَاءُ ، فَكَذَا مَنْ اُفْتُتِنَ بِهِ الرِّجَالُ مِنْ الْمُرْدَانِ وَلَا يُقَدَّرُ التَّعْزِيرُ ، بَلْ بِمَا يَرْدَعُ الْمُعَزَّرَ ، وَقَدْ يَكُونُ بِالْعَمَلِ وَالنَّيْلِ مِنْ عِرْضِهِ مِثْلُ أَنْ يُقَالَ لَهُ : يَا ظَالِمُ يَا مُعْتَدِي وَبِإِقَامَتِهِ مِنْ الْمَجْلِسِ ، وَاَلَّذِينَ قَدَّرُوا التَّعْزِيرَ مِنْ أَصْحَابِنَا إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا كَانَ تَعْزِيرًا عَلَى مَا مَضَى مِنْ فِعْلٍ أَوْ تَرْكٍ فَإِنْ كَانَ تَعْزِيرًا لِأَجْلِ تَرْكِ مَا هُوَ فَاعِلٌ لَهُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ قَتْلِ الْمُرْتَدِّ وَالْحَرْبِيِّ وَقِتَالِ الْبَاغِي وَالْعَادِي وَهَذَا التَّعْزِيرُ لَيْسَ يُقَدَّرُ بَلْ يَنْتَهِي إلَى الْقَتْلِ ، كَمَا فِي الصَّائِلِ لِأَخْذِ الْمَالِ يَجُوزُ أَنْ يُمْنَعَ مِنْ الْأَخْذِ وَلَوْ بِالْقَتْلِ وَعَلَى هَذَا فَإِذَا كَانَ الْمَقْصُودُ دَفْعَ الْفَسَادِ وَلَمْ يَنْدَفِعْ إلَّا بِالْقَتْلِ قُتِلَ .
 
وَحِينَئِذٍ فَمَنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ فِعْلُ الْفَسَادِ وَلَمْ يَرْتَدِعْ بِالْحُدُودِ الْمُقَدَّرَةِ بَلْ اسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ الْفَسَادِ فَهُوَ كَالصَّائِلِ الَّذِي لَا يَنْدَفِعُ إلَّا بِالْقَتْلِ فَيُقْتَلُ قِيلَ وَيُمْكِنُ أَنْ يُخَرَّجَ شَارِبُ الْخَمْرِ فِي الرَّابِعَةِ عَلَى هَذَا ، وَيُقْتَلُ الْجَاسُوسُ الَّذِي يُكَرِّرُ التَّجَسُّسَ وَقَدْ ذَكَرَ شَيْئًا مِنْ هَذَا الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ
 
وَإِلَيْهِ يَرْجِعُ قَوْلُ ابْنِ عَقِيلٍ وَهُوَ أَصْلٌ عَظِيمٌ فِي صَلَاحِ النَّاسِ .
Page 9
وَكَذَلِكَ تَارِكُ الْوَاجِبِ فَلَا يَزَالُ يُعَاقَبُ حَتَّى يَفْعَلَهُ ، وَمَنْ قَفَزَ إلَى بِلَادِ الْعَدُوِّ أَوْ لَمْ يَنْدَفِعْ ضَرَرُهُ إلَّا بِقَتْلِهِ قُتِلَ وَالتَّعْزِيرُ بِالْمَالِ سَائِغٌ إتْلَافًا وَأَخْذًا وَهُوَ جَارٍ عَلَى أَصْلِ أَحْمَدَ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفْ أَصْحَابُهُ أَنَّ الْعُقُوبَاتِ فِي الْأَمْوَالِ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ كُلُّهَا وَقَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْمَقْدِسِيَّ وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ مَالِ الْمُعَزَّرِ فَإِشَارَةٌ مِنْهُ إلَى مَا يَفْعَلُهُ الْوُلَاةُ الظَّلَمَةُ .
 
وَمَنْ وَطِئَ امْرَأَةً مُشْرِكَةً قَدَحَ ذَلِكَ فِي عَدَالَتِهِ وَأُدِّبَ وَالتَّعْزِيرُ يَكُونُ عَلَى فِعْلِ الْمُحَرَّمَاتِ وَتَرْكِ الْوَاجِبَاتِ فَمِنْ جِنْسِ تَرْكِ الْوَاجِبَاتِ مَنْ كَتَمَ مَا يَجِبُ بَيَانُهُ كَالْبَائِعِ الْمُدَلِّسِ وَالْمُؤَجِّرِ وَالنَّاكِحِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْعَامِلِينَ وَكَذَا الشَّاهِدُ وَالْمُخْبِرُ وَالْمُفْتِي وَالْحَاكِمُ وَنَحْوُهُمْ فَإِنَّ كِتْمَانَ الْحَقِّ مُشَبَّهٌ بِالْكَذِبِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلضَّمَانِ كَمَا أَنَّ الْكَذِبَ سَبَبٌ لِلضَّمَانِ فَإِنَّ الْوَاجِبَاتِ عِنْدَنَا فِي الضَّمَانِ كَفِعْلِ الْمُحَرَّمَاتِ حَتَّى قُلْنَا لَوْ قَدَرَ عَلَى إنْجَاءِ شَخْصٍ بِإِطْعَامٍ أَوْ سَقْيٍ فَلَمْ يَفْعَلْ فَمَاتَ ضَمِنَهُ فَعَلَى هَذَا فَلَوْ كَتَمَ شَهَادَةً كِتْمَانًا أَبْطَلَ بِهَا حَقَّ مُسْلِمٍ ضَمِنَهُ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ حَقٌّ بَيْنَهُ وَقَدْ أَدَّاهُ حَقَّهُ وَلَهُ بَيِّنَةٌ بِالْأَدَاءِ فَكَتَمَ الشَّهَادَةَ حَتَّى يَغْرَمَ ذَلِكَ الْحَقَّ .
 
وَكَمَا لَوْ كَانَتْ وَثَائِقُ لِرَجُلٍ فَكَتَمَهَا أَوْ جَحَدَهَا حَتَّى فَاتَ الْحَقُّ وَلَوْ قَالَ أَنَا أَعْلَمُهَا وَلَا أُؤَدِّيهَا فَوُجُوبُ الضَّمَانِ ظَاهِرٌ .
 
وَظَاهِرُ نَقْلِ ابْنِ حَنْبَلٍ وَابْنِ مَنْصُورٍ سَمَاعُ الدَّعْوَى مِنْ الْأَعْدَاءِ وَالتَّحْلِيفُ فِي الشَّهَادَةِ .
 
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ لَوْ كَانَ فِي الْقَرْيَةِ أَوْ الْمَحَلَّةِ أَوْ الْبَلْدَةِ رَجُلٌ ظَالِمٌ فَسَأَلَ الْوَالِي أَوْ الْغَرِيمُ عَنْ مَكَانِهِ لِيَأْخُذَ مِنْهُ الْحَقَّ فَإِنَّهُ يَجِبُ دَلَالَتُهُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ قَصْدُهُ أَكْثَرَ مِنْ الْحَقِّ فَعَلَى هَذَا إذَا كَتَمُوا ذَلِكَ حَتَّى تَلِفَ الْحَقُّ ضَمِنُوهُ وَيَمْلِكُ السُّلْطَانُ تَعْزِيرَ مَنْ ثَبَتَ عِنْدَهُ أَنَّهُ كَتَمَ الْخَبَرَ الْوَاجِبَ كَمَا يَمْلِكُ تَعْزِيرَ الْمُقِرِّ قَرَارًا مَحْمُولًا حَتَّى يُفَسِّرَهُ أَوْ مَنْ كَتَمَ الْإِقْرَارَ وَقَدْ يَكُونُ التَّعْزِيرُ بِتَرْكِهِ الْمُسْتَحَبَّ كَمَا يُعَزَّرُ الْعَاطِسُ الَّذِي لَمْ يَحْمَدْ اللَّهَ بِتَرْكِ تَشْمِيتِهِ .
 
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ : فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَالتَّعْزِيرُ عَلَى الشَّيْءِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ مِنْ
 
هَذَا الْبَابِ مَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ مِنْ قَتْلِ الدَّاعِيَةِ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ كَمَا قُتِلَ الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ وَالْجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ وَغَيْلَانُ الْقَدَرِيُّ وَقَتْلُ هَؤُلَاءِ لَهُ مَأْخَذَانِ .
 
أَحَدُهُمَا : كَوْنُ ذَلِكَ كُفْرًا كَقَتْلِ الْمُرْتَدِّ أَوْ جُحُودًا أَوْ تَغْلِيظًا وَهَذَا الْمَعْنَى يَعُمُّ الدَّاعِيَ إلَيْهَا وَغَيْرَ الدَّاعِي وَإِذَا كَفَرُوا فَيَكُونُ قَتْلُهُمْ مِنْ بَابِ قَتْلِ الْمُرْتَدِّ .
Page 10
وَالْمَأْخَذُ الثَّانِي : لِمَا فِي الدُّعَاءِ إلَى الْبِدْعَةِ مِنْ إفْسَادِ دِينِ النَّاسِ وَلِهَذَا كَانَ أَصْلُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ مِنْ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ وَعُلَمَائِهِمْ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الدَّاعِي إلَى الْبِدْعَةِ وَغَيْرِ الدَّاعِي فِي رَدِّ الشَّهَادَةِ وَتَرْكِ الرِّوَايَةِ عَنْهُ وَالصَّلَاةِ خَلْفَهُ وَهَجْرِهِ ، وَلِهَذَا تُرِكَ فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ وَمُسْنَدِ أَحْمَدَ الرِّوَايَةُ عَنْ مِثْلِ عُمَرَ وَابْنِ عُبَيْدٍ وَنَحْوِهِ وَلَمْ يُتْرَكْ عَنْ الْقَدَرِيَّةِ الَّذِينَ لَيْسُوا بِدُعَاةٍ وَعَلَى هَذَا الْمَأْخَذِ فَقَتْلُهُمْ مِنْ بَابِ قَتْلِ الْمُفْسِدِينَ الْمُحَارِبِينَ لِأَنَّ الْمُحَارَبَةَ بِاللِّسَانِ كَالْمُحَارَبَةِ بِالْيَدِ وَيُشْبِهُ قَتْلَ الْمُحَارَبِينَ لِلسُّنَّةِ بِالرَّأْيِ قَتْلَ الْمُحَارِبِينَ لَهَا بِالرِّوَايَةِ وَهُوَ قَتْلُ مَنْ يَتَعَمَّدُ الْكَذِبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا قَتَلَ النَّبِيُّ الَّذِي كَذَبَ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ ، وَهُوَ حَدِيثٌ جَيِّدٌ لِمَا فِيهِ مِنْ تَغْيِيرِ سُنَّتِهِ .
 
وَقَدْ قَرَّرَ أَبُو الْعَبَّاسِ هَذَا مَعَ نَظَائِرَ لَهُ فِي " الصَّارِمِ الْمَسْلُولِ " كَقَتْلِ الَّذِي يَتَعَرَّضُ لِحُرَمِهِ أَوْ يَسُبُّهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَكَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ بِقَتْلِ الْمُفَرِّقِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْرِيقِ الْجَمَاعَةِ .
 
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ الْجَاسُوسُ الْمُسْلِمُ الَّذِي يُخْبِرُ بِعَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَمِنْهُ الَّذِي يَكْذِبُ بِلِسَانِهِ أَوْ بِخَطِّهِ أَوْ يَأْمُرُ بِذَلِكَ حَتَّى يَقْتُلَ بِهِ أَعْيَانَ الْأُمَّةِ عُلَمَاءَهَا وَأُمَرَاءَهَا فَتَحْصُلُ
 
أَنْوَاعٌ مِنْ الْفَسَادِ كَثِيرَةٌ فَهَذَا مَتَى لَمْ يَنْدَفِعْ فَسَادُهُ إلَّا بِقَتْلِهِ فَلَا رَيْبَ فِي قَتْلِهِ وَإِنْ جَازَ أَنْ يَنْدَفِعَ وَجَازَ أَنْ لَا يَنْدَفِعَ قُتِلَ أَيْضًا وَعَلَى هَذَا جَاءَ قَوْله تَعَالَى { : مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ } وَقَوْلُهُ : { إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا } وَأَمَّا إنْ انْدَفَعَ الْفَسَادُ الْأَكْبَرُ بِقَتْلِهِ لَكِنْ قَدْ بَقِيَ فَسَادٌ دُونَ ذَلِكَ فَهُوَ مَحَلُّ نَظَرٍ .
 
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ : وَأَفْتَيْت أَمِيرًا مُقَدَّمًا عَلَى عَسْكَرٍ كَبِيرٍ فِي الْحَرْبِيَّةِ إذْ نَهَبُوا أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يَنْزَجِرُوا إلَّا بِالْقَتْلِ أَنْ يَقْتُلَ مَنْ يَكُفُّونَ بِقَتْلِهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ عَشَرَةٌ إذْ هُوَ مِنْ بَابِ دَفْعِ الصَّائِلِ قَالَ وَأَمَّرَ أَمِيرًا خَرَجَ لِتَسْكِينِ الْفِتْنَةِ الثَّائِرَةِ بَيْنَ قَيْسِ يَمَنَ وَقَدْ قُتِلَ بَيْنَهُمْ أَلْفَانِ أَنْ يَقْتُلَ مَنْ يَحْصُلُ بِقَتْلِهِ كَفُّ الْفِتْنَةِ وَلَوْ أَنَّهُمْ مِائَةٌ .
 
قَالَ : وَأَفْتَيْت وُلَاةَ الْأُمُورِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ بِقَتْلِ مَنْ أُمْسِكَ فِي سُوقِ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ سَكْرَانُ وَقَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ مَعَ بَعْضِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَهُوَ مُجْتَازٌ بِشُقَّةِ لَحْمٍ يَذْهَبُ بِهَا إلَى نُدَمَائِهِ وَكُنْت أَفْتَيْتُهُمْ قَبْلَ هَذَا بِأَنَّهُ يُعَاقَبُ عُقُوبَتَيْنِ : عُقُوبَةً عَلَى الشُّرْبِ وَعُقُوبَةً عَلَى الْفِطْرِ فَقَالُوا مَا مِقْدَارُ التَّعْزِيرِ فَقُلْت هَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الذَّنْبِ وَحَالِ الْمُذْنِبِ وَحَالِ النَّاسِ .