eKtab
EN ع
الفتاوى الكبرى الجزء الثاني عشر
Read free sample

الفتاوى الكبرى الجزء الثاني عشر

by ابن تيمية

Page 1
1065 - 1065 - 41
 
مَسْأَلَةٌ : عَنْ الْعُمْرَةِ ، هَلْ هِيَ وَاجِبَةٌ ؟ وَإِنْ كَانَ ، فَمَا الدَّلِيلُ عَلَيْهِ ؟ .
 
فَصْلٌ : الْعُمْرَةُ فِي وُجُوبِهَا قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ وَهُمَا قَوْلَانِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ ، وَالْمَشْهُورُ عَنْهُمَا وُجُوبُهَا ، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ : لَا تَجِبُ ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَهَذَا الْقَوْلُ أَرْجَحُ فَإِنَّ اللَّهَ إنَّمَا أَوْجَبَ الْحَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ } لَمْ يُوجِبْ الْعُمْرَةَ كَمَا أَوْجَبَ إتْمَامَهَا بِقَوْلِهِ : { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ } إيجَابُ الْإِتْمَامِ وَأَوْجَبَ إتْمَامَهُمَا ، وَفِي الِابْتِدَاءِ إنَّمَا أَوْجَبَ الْحَجَّ ، وَهَكَذَا سَائِرُ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ لَيْسَ فِيهَا إلَّا إيجَابُ الْحَجِّ ؛ وَلِأَنَّ الْعُمْرَةَ لَيْسَ فِيهَا جِنْسُ غَيْرِ مَا فِي الْحَجِّ فَإِنَّهَا إحْرَامٌ وَإِحْلَالٌ وَطَوَافٌ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ .
 
وَهَذَا كُلُّهُ دَاخِلٌ فِي الْحَجِّ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَأَفْعَالُ الْحَجِّ لَمْ يَفْرِضْ اللَّهُ مِنْهَا شَيْئًا مَرَّتَيْنِ ، فَلَمْ يَفْرِضْ وَقُوفَيْنِ وَلَا طَوَافَيْنِ وَلَا سَعْيَيْنِ ، وَلَا فَرَضَ الْحَجَّ مَرَّتَيْنِ ، فَطَوَافُ الْوَدَاعِ لَيْسَ بِرُكْنٍ بَلْ هُوَ وَاجِبٌ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ تَمَامِ الْحَجِّ ، وَلَكِنْ كُلُّ مَنْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ عَلَيْهِ أَنْ يُوَدِّعَ ، وَلِهَذَا مَنْ أَقَامَ بِمَكَّةَ لَا يُوَدِّعُ عَلَى الصَّحِيحِ ، فَوُجُوبُهُ لِيَكُونَ آخِرَ عَهْدِ الْخَارِجِ بِالْبَيْتِ كَمَا وَجَبَ الدُّخُولُ بِالْإِحْرَامِ فِي أَحَدِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ لِسَبَبٍ عَارِضٍ ، لَا لِكَوْنِ ذَلِكَ وَاجِبًا بِالْإِسْلَامِ كَوُجُوبِ الْحَجِّ ، وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ الْمُقِيمِينَ بِمَكَّةَ لَمْ يَكُونُوا يَعْتَمِرُونَ بِمَكَّةَ لَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا عَلَى عَهْدِ خُلَفَائِهِ ، بَلْ لَمْ يَعْتَمِرْ أَحَدٌ عُمْرَةً بِمَكَّةَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا عَائِشَةُ وَحْدَهَا لِسَبَبٍ عَارِضٍ .
 
وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا
 
الْمَوْضِعِ .
 
كِتَابُ الِاخْتِيَارَاتِ الْعِلْمِيَّةِ كِتَابُ الطَّهَارَةِ بَابُ الْمِيَاهِ الطَّهَارَةُ تَارَةً تَكُونُ مِنْ الْأَعْيَانِ النَّجِسَةِ ، وَتَارَةً مِنْ الْأَعْمَالِ الْخَبِيثَةِ ، وَتَارَةً مِنْ الْأَحْدَاثِ الْمَانِعَةِ ، فَمِنْ الْأَوَّلِ : قَوْله تَعَالَى : { وَثِيَابَك فَطَهِّرْ } عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ .
 
مِنْ الثَّانِي : قَوْله تَعَالَى : { فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا } الْآيَةَ .
 
وَمِنْ الثَّالِثِ : قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا } .
 
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الطَّهُورِ هَلْ هُوَ بِمَعْنَى الطَّاهِرِ أَمْ لَا ؟ وَهَذَا النِّزَاعُ مَعْرُوفٌ بَيْنَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ .
 
قَالَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ ، وَأَحْمَدَ ، وَالشَّافِعِيِّ : الطَّهُورُ مُتَعَدٍّ ، وَالطَّاهِرُ لَازِمٌ .
Page 2
وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ : الطَّاهِرُ هُوَ الطَّهُورُ ، وَهُوَ قَوْلُ الْخِرَقِيِّ .
 
وَفَصْلُ الْخِطَابِ : أَنَّ صِيغَةَ اللُّزُومِ وَالتَّعَدِّي لَفْظٌ مُجْمَلٌ يُرَادُ بِهِ اللُّزُومُ ، الطَّاهِرُ يَتَنَاوَلُ الْمَاءَ وَغَيْرَهُ ، وَكَذَلِكَ الطَّهُورُ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ التُّرَابَ طَهُورًا ، وَلَكِنْ لَفْظُ الطَّاهِرِ يَقَعُ عَلَى جَامِدَاتٍ كَثِيرَةٍ : كَالثِّيَابِ ، وَالْأَطْعِمَةِ ، وَعَلَى مَائِعَاتٍ كَثِيرَةٍ : كَالْأَدْهَانِ ، وَالْأَلْبَانِ ، وَتِلْكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُطَهَّرَ بِهَا فَهِيَ طَاهِرَةٌ لَيْسَتْ بِطَهُورٍ .
 
قُلْت : وَذَكَرَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي شَرْحِ الْإِلْمَامِ " عَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ الْمُتَأَخِّرِينَ مَعْنَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ أَبُو الْعَبَّاسِ ، قَالَ بَعْضُ النَّاسِ : لَا فَائِدَةَ فِي النِّزَاعِ فِي الْمَسْأَلَةِ ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى : فَائِدَتُهُ أَنَّهُ عِنْدَنَا لَا تَجُوزُ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ بِغَيْرِ الْمَاءِ لَا لِاخْتِصَاصِهِ بِالتَّطْهِيرِ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُمْ تَجُوزُ لِمُشَارَكَتِهِ غَيْرَ الْمَاءِ فِي الطَّهَارَةِ .
 
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ : لَهُ فَائِدَةٌ أُخْرَى ، الْمَاءُ يَدْفَعُ النَّجَاسَةَ عَنْ نَفْسِهِ بِكَوْنِهِ مُطَهِّرًا كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ : {
 
الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يَنْجَسُ بِشَيْءٍ } وَغَيْرُهُ لَيْسَ بِطَهُورٍ ، فَلَا يُدْفَعُ وَعِنْدَهُمْ الْجَمِيعُ سَوَاءٌ .
 
وَتَجُوزُ طَهَارَةُ الْحَدَثِ بِكُلِّ مَا يُسَمَّى مَاءً وَبِمُعْتَصِرِ الشَّجَرِ ، قَالَهُ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالْأَصَمُّ ، وَابْنُ شَعْبَانَ .
 
وَبِمُتَغَيِّرٍ بِطَاهِرٍ ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَبِمَاءٍ حَلَّتْ بِهِ امْرَأَةٌ لِطَهَارَةٍ ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَبِمُسْتَعْمَلٍ فِي رَفْعِ حَدَثٍ ، وَهُوَ رِوَايَةٌ اخْتَارَهَا ابْنُ عَقِيلٍ ، وَأَبُو الْبَقَاءِ ، وَطَوَائِفُ مِنْ الْعُلَمَاءِ ، وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إلَى نَجَاسَتِهِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَحُمِلَ كَلَامُهُ عَلَى الْغَدِيرِ يُغْتَسَلُ فِيهِ أَقَلُّ مِنْ قُلَّتَيْنِ مِنْ نَجَاسَةِ الْحَدَثِ ، وَلَيْسَتْ مِنْ مَوَارِدِ الظُّنُونِ ، بَلْ هِيَ قَطِيعَةٌ بِلَا رَيْبٍ .
 
وَلَا يُسْتَحَبُّ غَسْلُ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ مِنْهُ ، وَهُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ ، وَأَوَّلَ الْقَاضِي الْقَوْلَ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ بِجَعْلِهِ فِي صِفَةِ النَّجَسِ فِي مَعْنَى الْوُضُوءِ ، لَا أَنَّهُ جَعَلَهُ نَجَسًا حَقِيقَةً ، وَكَلَامُهُ فِي التَّعْلِيقِ لَا يَرْتَفِعُ عَنْ الْأَعْضَاءِ إلَّا بَعْدَ الِانْفِصَالِ ، كَمَا لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا إلَّا بِذَلِكَ هَذَا إذَا نَوَى وَهُوَ فِي الْمَاءِ وَإِذَا نَوَى قَبْلَ الِانْغِمَاسِ ، فَفِيهِ الْوَجْهَانِ .
 
وَأَمَّا إذَا صَبَّ عَلَى الْعُضْوِ فَهُنَا يَنْبَغِي أَنْ يَرْتَفِعَ الْحَدَثُ .
 
وَيُكْرَهُ الْغُسْلُ لَا الْوُضُوءُ بِمَاءِ زَمْزَمَ .
 
قَالَهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ .
Page 3
وَلَا يَنْجَسُ الْمَاءُ إلَّا بِالتَّغْيِيرِ ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ اخْتَارَهَا ابْنُ عَقِيلٍ ، وَابْنُ الْمُنَى ، وَأَبُو الْمُظَفَّرِ بْنُ الْجَوْزِيِّ ، وَأَبُو نَصْرٍ ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَصْحَابِنَا ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ .
 
وَلَوْ كَانَ تَغْيِيرُهُ فِي مَحَلِّ التَّطْهِيرِ ، وَقَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَفَرَّقَتْ طَائِفَةٌ مِنْ مُحَقِّقِي أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ بَيْنَ الْجَارِي ، وَالْوَاقِفِ ،
 
وَهُوَ نَصُّ الرِّوَايَتَيْنِ ، فَلَا يَنْجَسُ الْجَارِي إلَّا بِالتَّغَيُّرِ ، سَوَاءً كَانَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا .
 
وَحَوْضُ الْحَمَّامِ إذَا كَانَ فَائِضًا يَجْرِي إلَيْهِ الْمَاءُ فَإِنَّهُ جَارٍ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَإِذَا وَقَعَتْ نَجَاسَةٌ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ هَلْ يَقْتَضِي الْقِيَاسُ فِيهِ أَنَّ النَّجَاسَةَ كَاخْتِلَاطِ الْحَلَالِ بِالْحَرَامِ إلَى حِينِ يَقُومُ الدَّلِيلُ عَلَى تَطْهِيرِهِ ، أَوْ مُقْتَضَى الْقِيَاسِ طَهَارَتُهُ إلَى أَنْ تَظْهَرَ النَّجَاسَةُ فِيهِ قَوْلَانِ .
 
وَالثَّانِي الصَّوَابُ .
 
وَالْمَائِعَاتُ كُلُّهَا حُكْمُهَا حُكْمُ الْمَاءِ قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ .
 
وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ ، وَمَذْهَبُ الزُّهْرِيِّ ، وَالْبُخَارِيِّ ، وَحُكِيَ رِوَايَةً عَنْ مَالِكٍ ، وَذُكِرَ فِي " شَرْحِ الْعُمْدَةِ " أَنَّ نَجَاسَةَ الْمَاءِ لَيْسَتْ عَيْنِيَّةً ، لِأَنَّهُ يُطَهِّرُ غَيْرَهُ ، فَنَفْسُهُ أَوْلَى .
 
وَفِي الثِّيَابِ الْمُشْتَبِهَةِ بِنَجَسٍ أَنَّهُ يَتَحَرَّى وَيُصَلِّي فِي وَاحِدٍ ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ سَوَاءً قَلَّتْ الطَّاهِرَةُ أَوْ كَثُرَتْ .
 
ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي فُنُونِهِ وَمُنَاظَرَاتِهِ " .
 
قُلْت : وَرَجَّحَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ ، قَالَ : وَهُوَ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَنْ مَالِكٍ كَمَا يَتَحَرَّى فِي الْقِبْلَةِ ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : إنْ كَثُرَ عَدَدُ الثِّيَابِ تَحَرَّى دَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ ، وَإِنْ قَلَّ عَمِلَ بِالْيَقِينِ .
 
وَنَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ : إذَا سَقَطَ عَلَيْهِ مَاءٌ مِنْ مِيزَابٍ وَنَحْوِهِ ، وَلَا أَمَارَةَ عَلَى النَّجَاسَةِ لَمْ يَلْزَمْ السُّؤَالُ عَنْهُ ، بَلْ يُكْرَهُ ، وَإِنْ سُئِلَ فَهَلْ يَلْزَمُهُ رَدُّ الْجَوَابِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ، وَاسْتَحَبَّ بَعْضُ الْأَصْحَابِ وَغَيْرُهُمْ السُّؤَالَ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ وَأَضْعَفُ مِنْهُ مَنْ أَوْجَبَهُمَا .
 
قَالَ الْأَزَجِيُّ : إنْ عَلِمَ الْمَسْئُولُ نَجَاسَتَهُ وَجَبَ الْجَوَابُ .
Page 4
وَإِلَّا فَلَا ، وَإِذَا شَكَّ فِي النَّجَاسَةِ هَلْ أَصَابَتْ الثَّوْبَ أَوْ الْبَدَنَ فَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَأْمُرُ بِنَضْحِهِ ، وَيَجْعَلُ حُكْمَ الْمَشْكُوكِ فِيهِ النَّضْحَ ، كَمَا
 
يَقُولُهُ مَالِكٌ ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُوجِبُهُ ، فَإِذَا احْتَاطَ وَنَضَحَ كَانَ حَسَنًا ، كَمَا رُوِيَ فِي نَضْحِ أَنَسٍ لِلْحَصِيرِ الَّذِي قَدْ اسْوَدَّ ، وَنَضَحَ عُمَرُ ثَوْبَهُ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ .
 
بَابُ الْآنِيَةِ يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُ آنِيَةِ الذَّهَبِ ، وَالْفِضَّةِ ، وَاِتِّخَاذُهَا .
 
ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي " الْخِلَافِ " .
 
وَيَحْرُمُ اسْتِعْمَالُ إنَاءٍ مُفَضَّضٍ إذَا كَانَ كَثِيرًا ، وَلَا يُكْرَهُ يَسِيرٌ لِحَاجَةٍ ، وَيُكْرَهُ لِغَيْرِهَا ، وَنَصُّ عَلَى التَّفْضِيلِ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ ، رَأْسُ الْمُكْحُلَةِ وَالْمِيلُ ، وَحَلْقَةُ الْمَرْأَةِ إذَا كَانَتْ مِنْ فِضَّةٍ فَهِيَ مِنْ الْآنِيَةِ .
 
قَالَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ نَصْرٍ ، وَجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ : لَا بَأْسَ بِمَا يُضَبِّبُهُ وَأَكْرَهُ الْحَلْقَةَ .
 
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا وَأَبِي مَنْصُورٍ : لَا بَأْسَ فِي إنَاءٍ مُفَضَّضٍ إذَا لَمْ يَقَعْ فَمُهُ عَلَى الْفِضَّةِ .
 
وَقَالَ الْقَاضِي : قَدْ فَرَّقَ بَيْن الضَّبَّةِ ، وَالْحَلْقَةِ ، وَرَأْسِ الْحَلْقَةِ .
 
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ : وَكَلَامُ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ لِمَنْ تَدَبَّرَهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْحَاجَةِ .
 
وَعَدَمِهَا ، وَإِنَّمَا فَرَّقَ بَيْن مَا يُسْتَعْمَلُ وَبَيْنَ مَا لَا يُسْتَعْمَلُ .
 
فَأَمَّا يَسِيرُ الذَّهَبِ فَلَا يُبَاحُ بِحَالٍ ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ فِي النَّصِّ : إذَا خَافَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْقُطَ هَلْ يُجْعَلُ لَهُ مِسْمَارٌ مِنْ ذَهَبٍ ، فَقَالَ : إنَّمَا رَخَّصَ فِي الْأَسْنَانِ عَلَى الضَّرُورَةِ ، فَأَمَّا الْمِسْمَارُ فَلَا ، فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي اللِّبَاسِ فَفِي الْآنِيَةِ أَوْلَى .
 
وَقَدْ غَلِطَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ حَيْثُ حَكَتْ قَوْلًا بِيَسِيرِ الذَّهَبِ تَبَعًا فِي الْآنِيَةِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَأَبُو بَكْرٍ ، إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ فِي بَابِ اللِّبَاسِ ، وَالتَّحَلِّي ، وَبَابُ اللِّبَاسِ أَوْسَعُ .
 
وَلَا يَجُوزُ تَمْوِيهُ السُّقُوفِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، وَلَا يَجُوزُ لَطْخُ اللِّجَامِ وَالسَّرْجِ بِالْفِضَّةِ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى إبَاحَتِهِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَحَيْثُ أُبِيحَتْ الضَّبَّةُ يُرَادُ مِنْ إبَاحَتِهَا أَنْ تَحْتَاجَ إلَى تِلْكَ الصُّورَةِ لَا إلَى كَوْنِهَا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ ، فَإِنَّ هَذِهِ
 
ضَرُورَةٌ ، وَهِيَ تُبِيحُ الْمُتَعَذِّرَ .
Page 5
وَيُبَاحُ الِاكْتِحَالُ بِمِيلِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، لِأَنَّهَا حَاجَةٌ ، وَيُبَاحَانِ لَهَا .
 
قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي .
 
بَابُ آدَابِ التَّخَلِّي يَحْرُمُ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَاسْتِدْبَارُهَا عِنْدَ التَّخَلِّي مُطْلَقًا سَوَاءٌ الْفَضَاءُ وَالْبُنْيَانُ .
 
وَهُوَ رِوَايَةٌ اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ ، وَلَا يَكْفِي انْحِرَافُهُ عَنْ الْجِهَةِ .
 
قُلْت : وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَدِّهِ .
 
وَيَحْمَدُ اللَّهَ فِي نَفْسِهِ إذَا عَطَسَ بِخَلَاءٍ ، وَكَذَلِكَ فِي صَلَاتِهِ ، قَالَ أَبُو دَاوُد لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ : أَيُحَرِّكُ بِهَا لِسَانَهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ .
 
قَالَ الْقَاضِي : وَنَقَلَ بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ يُحَرِّكُ بِهِ شَفَتَيْهِ فِي الْخَلَاءِ ؟ قَالَ الْقَاضِي : بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُهُ ، وَقَالَ : مَا لَا يَسْمَعُهُ لَا يَكُونُ كَلَامًا فَيَجْرِي مَجْرَى الذِّكْرِ فِي نَفْسِهِ ، وَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ فِي الرِّوَايَةِ عَنْهُ وِفَاقًا الْقَاضِي ، وَجَعَلَهَا أَوْلَى الرِّوَايَتَيْنِ .
 
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ : أَمَّا مَسْأَلَةُ الصَّلَاةِ فَتُقَارِبُ مَسْأَلَةَ الْخَلَاءِ ، فَإِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ ذِكْرٌ لِلَّهِ ، وَنَصَّ أَحْمَدُ أَنَّهُ يَقُولُهُ فِي الصَّلَاةِ بِمَنْزِلَةِ أَذْكَارِ الْمُخَافَتَةِ لَكِنْ لَا يَجْهَرُ بِهِ كَمَا يَجْهَرُ خَارِجَ الصَّلَاةِ ، لَيْسَ أَنَّهُ لَا يَسْمَعُ نَفْسَهُ .
 
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْخَلَاءِ : فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَا قَالَ الْقَاضِي ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا فِي نَفْسِهِ بِلَا لَفْظٍ ، وَالثَّانِيَةُ بِاللَّفْظِ .
 
وَيُكْرَهُ السَّلْتُ ، وَالنَّثْرُ ، وَلَمْ يَصِحَّ الْحَدِيثُ فِي الْأَمْرِ وَالْمَشْيِ ، وَالتَّنَحْنُحُ عَقِيبَ الْبَوْلِ بِدْعَةٌ ، وَيَجْزِي الِاسْتِجْمَارُ وَلَوْ بِوَاحِدَةٍ فِي وَالصَّفْحَتَيْنِ وَالْحَشَفَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ؛ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ بِجَوَازِ الِاسْتِجْمَارِ .
 
وَلَمْ يُنْقَلُ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ تَقْدِيرٌ ، وَيَجْزِي بِعَظْمٍ وَرَوْثٍ .
 
قُلْت : وَمَا نَهَى عَنْهُ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ ؛ وَلِأَنَّهُ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ لِأَنَّهُ لَا يَنْفِي ، بَلْ لِإِفْسَادِهِ ، فَإِذَا قِيلَ : يَزُولُ بِطَعَامِنَا مَعَ التَّحْرِيمِ ، فَهَذَا أَوْلَى ، وَالْأَفْضَلُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا .
 
وَلَا
 
يُكْرَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْحَجَرِ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَلَيْسَ لَهُ الْبَوْلُ فِي الْمَسْجِدِ وَلَوْ فِي وِعَاءٍ .
 
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فِي الْبَوْلِ حَوْلَ الْبِرْكَةِ فِي الْمَسْجِدِ : هَذَا يُشْبِهُ الْبَوْلَ فِي قَارُورَةٍ فِي الْمَسْجِدِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ نَهَى عَنْهُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُرَخِّصُ فِيهِ لِلْحَاجَةِ ، فَأَمَّا اتِّخَاذُهُ مَبَالًا فَلَا .
 
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَذْبَحَ فِي الْمَسْجِدِ ضَحَايَا وَلَا غَيْرَهَا ، وَلَيْسَ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَّخِذَ .
 
الْمَسْجِدَ طَرِيقًا .
Page 6
فَكَيْفَ إذَا اتَّخَذَهُ الْكَافِرُ طَرِيقًا ، وَيَحْرُمُ مَنْعُ الْمُحْتَاجِ إلَى الطَّهَارَةِ وَلَوْ وُقِفَتْ عَلَى طَائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ فِي رِبَاطٍ وَلَوْ فِي مِلْكِهِ ؛ لِأَنَّهَا بِمُوجِبِ الشَّرْعِ وَالْعُرْفِ مَبْذُولَةٌ لِلْمُحْتَاجِ ، وَلَوْ قَدَّرْت أَنَّ الْوَاقِفَ صَرَّحَ بِالْمَنْعِ ، فَإِنَّمَا يَسُوغُ مَعَ الِاسْتِغْنَاءِ ، وَإِلَّا فَيَجِبُ بَذْلُ الْمَنَافِعِ الْمُحْصَنَةِ لِلْمُحْتَاجِ كَسُكْنَى دَارِهِ ، وَالِانْتِفَاعِ بِمَا حَوَتْهُ ، وَلَا أُجْرَةَ لِذَلِكَ ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ، وَيُمْنَعُ أَهْلُ الذِّمَّةِ مِنْ دُخُولِ بَيْتِ الْخَلَاءِ إنْ حَصَلَ مِنْهُمْ تَضْيِيقٌ ، أَوْ فَسَادُ مَاءٍ ، أَوْ تَنْجِيسٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِمْ ضَرَرٌ ، وَلَهُمْ مَا يَسْتَغْنُونَ بِهِ فَلَيْسَ لَهُمْ مُزَاحَمَتُهُمْ .
 
بَابُ السِّوَاكِ وَغَيْرِهِ يُطْلَقُ عَلَى الْفِعْلِ وَعَلَى مَا يُتَسَوَّكُ بِهِ وَهُوَ مُذَكَّرٌ ، قَالَ اللَّيْثُ : وَتُؤَنِّثُهُ الْعَرَبُ أَيْضًا ، وَغَلَّطَهُ الْأَزْهَرِيُّ فِي ذَلِكَ ، وَتَبِعَهُ ابْنُ سِيدَهْ فِي الْمُحْكَمِ " .
 
وَهُوَ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ مُسْتَحَبٌّ ، وَالْأَصَحُّ وَلَوْ لِلصَّائِمِ بَعْدَ الزَّوَالِ ، وَهُوَ رِوَايَةٌ ، وَقَالَهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ ، وَالْأَفْضَلُ بِيَدِهِ الْيُسْرَى .
 
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ : مَا عَلِمْت إمَامًا خَالَفَ فِيهِ ، وَالسِّوَاكُ مَا عَلِمْت أَحَدًا كَرِهَهُ فِي الْمَسْجِدِ ، وَالْآثَارُ تَدُلُّ عَلَيْهِ ، وَيُكْرَهُ تَرْكُ شَعْرِهِ فِي الْمَسْجِدِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَجِسًا ، وَيَفْعَلُ الْأَصْلَحَ كُلُّ بَلَدٍ بِمَا يُنَاسِبُهُ فِي الْعَمَلِ ، وَالْأَفْضَلُ قَمِيصٌ مِنْ سَرَاوِيلَ لَا رِدَاءٍ ، وَإِزَارٍ وَلَوْ مَعَ الْقَمِيصِ ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ .
 
وَيَحْرُمُ حَلْقُ اللِّحْيَةِ ، وَيَجِبُ الْخِتَانُ إذَا وَجَبَتْ الطَّهَارَةُ وَالصَّلَاةُ ، وَيَنْبَغِي إذَا رَاهَقَ الْبُلُوغَ أَنْ يَخْتَتِنَ كَمَا كَانَتْ الْعَرَبُ تَفْعَلُ لِئَلَّا يَبْلُغَ إلَّا وَهُوَ مَخْتُونٌ .
 
بَابُ صِفَةِ الْوُضُوءِ لَمْ يَرِدْ الْوُضُوءُ بِمَعْنَى غُسْلِ الْيَدِ إلَّا فِي لُغَةِ الْيَهُودِ ، فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنَّ سُلَيْمَانَ الْفَارِسِيَّ قَالَ : إنَّا نَجِدُهُ فِي التَّوْرَاةِ ، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ مِنْ بَرَكَةِ الطَّعَامِ الْوُضُوءَ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ } وَهُوَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ كَمَا جَاءَتْ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ أَنَّهُمْ يُبْعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
 
وَحَدِيثُ ابْنِ مَاجَهْ : { وُضُوءُ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي } ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِمِثْلِهِ ، وَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ خَبَرٌ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّهُ كَانَ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَ الْمُسْلِمِينَ بِخِلَافِ الِاغْتِسَالِ مِنْ الْجَنَابَةِ ، فَإِنَّهُ كَانَ مَشْرُوعًا ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ تَيَمُّمٌ إذَا عَدِمُوا الْمَاءَ .
 
وَيَجِبُ الْوُضُوءُ بِالْحَدَثِ ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ ، وَفِي الِانْتِصَارِ بِإِرَادَةِ الصَّلَاةِ نِزَاعٌ لَفْظِيٌّ ، وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ الْوُضُوءُ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، إلَّا أَنْ يَحْصُلَ مَعَهُ بُصَاقٌ أَوْ مُخَاطٌ .
Page 7
وَالْأَفْضَلُ بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ ، الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ يَجْمَعُهَا بِغَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ .
 
وَتَجِبُ النِّيَّةُ لِطَهَارَةِ الْحَدَثِ لَا الْخَبَثِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ ، وَلَا يَجِبُ نُطْقُهُ بِهَا سِرًّا بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ ، وَشَذَّ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فَأَوْجَبَ النُّطْقَ بِهَا وَهُوَ خَطَأٌ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ ، وَقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ فِي اسْتِحْبَابِ النُّطْقِ بِهَا ، وَالْأَقْوَى عَدَمُهُ ، وَاتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ الْجَهْرُ بِهَا وَلَا تَكْرَارُهَا ، وَيَنْبَغِي تَأْدِيبُ مَنْ اعْتَادَهُ ، وَكَذَا بَقِيَّةُ الْعِبَادَاتِ لَا يُسْتَحَبُّ النُّطْقُ بِهَا لِإِحْرَامٍ وَغَيْرِهِ .
 
قَالَ أَبُو دَاوُد لِأَحْمَدَ : يَقُولُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ شَيْئًا .
 
وَالْجَهْرُ بِلَفْظِهَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَسَائِرِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ ، وَفَاعِلُهُ مُسِيءٌ ، وَإِنْ
 
اعْتَقَدَهُ دَيْنًا خَرَجَ عَنْ إجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَيَجِبُ نَهْيُهُ ، وَيُعْزَلُ عَنْ الْإِمَامَةِ إنْ لَمْ يَتُبْ ، وَيَجُوزُ مَسْحُ بَعْضِ الرَّأْسِ لِلْعُذْرِ .
 
قَالَهُ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ " وَيَمْسَحُ مَعَهُ الْعِمَامَةَ ، وَيَكُونُ كَالْجَبِيرَةِ فَلَا تَوْقِيتَ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ وَجَبَ مَسْحُ جَمِيعِهِ .
 
وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ الصَّحِيحُ عَنْهُ ، وَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ مَسْحِ شَعْرِهِ أَوْ بَعْضِ رَأْسِهِ ، بَلْ شَعْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ خَطَأٌ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا ، وَلَا يُسَنُّ تَكْرَارُ مَسْحِ جَمِيعِهِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ ، وَمَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَلَا يَمْسَحُ الْعُنُقَ وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ ، وَلَا أَخْذُهُ مَاءً جَدِيدًا لِلْأُذُنَيْنِ ، وَهُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَغَيْرِهِ ، وَإِنْ مَنَعَ يَسِيرُ وَسَخِ ظُفْرٍ وَنَحْوِهِ وُصُولَ الْمَاءِ صَحَّتْ الطَّهَارَةُ ، وَهُوَ وَجْهٌ لِأَصْحَابِنَا ، وَمِثْلُهُ كُلُّ يَسِيرٍ مَنَعَ وُصُولَ الْمَاءِ حَيْثُ كَانَ : كَدَمٍ ، وَعَجِينٍ ، وَلَا يُسْتَحَبُّ إطَالَةُ الْغُرَّةِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ ، وَالْوُضُوءُ إنْ كَانَ مُسْتَحَبًّا لَهُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الْبَعْضِ لِوُضُوءِ ابْنِ عُمَرَ لِنَوْمِهِ جُنُبًا .
 
بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ : وَخَفِيَ أَصْلُهُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ حَتَّى أَنْكَرَهُ بَعْضُ الصَّحَابَةِ ، وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَأَهْلِ الْبَيْتِ ، وَصَنَّفَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ كِتَابًا كَبِيرًا فِي " الْأَشْرِبَةِ " فِي تَحْرِيمِ الْمُسْكِرِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ خِلَافًا عَنْ الصَّحَابَةِ ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ : هَذَا صَحَّ فِيهِ الْخِلَافُ عَنْ الصَّحَابَةِ ، بِخِلَافِ الْمُسْكِرِ ، وَمَالِكٌ مَعَ سَعَةِ عِلْمِهِ وَعُلُوِّ قَدْرِهِ أَنْكَرَهُ فِي رِوَايَةٍ وَأَصْحَابُهُ خَالَفُوهُ فِي ذَلِكَ .
 
قُلْت : وَحَكَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ إنْكَارَهُ عَنْ عَائِشَةَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَضَعَّفَ الرِّوَايَةَ عَنْ الصَّحَابَةِ بِإِنْكَارِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
Page 8
وَاَلَّذِينَ خَفِيَ عَلَيْهِمْ ظَنُّوا مُعَارَضَةَ آيَةِ الْمَائِدَةِ لِلْمَسْحِ ، لِأَنَّهُ أَمَرَ بِغَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فِيهَا ، وَاخْتُلِفَ فِي الْآيَةِ مَعَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ نَاسِخٌ لِلْآيَةِ ، قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ ، قَالَ : وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ نَسْخَ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ ، قَالَ الطَّبَرِيُّ مُخَصَّصٌ وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ : هُوَ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ ، وَطَائِفَةٌ : بَيَانٌ لِمَا فِي الْكِتَابِ .
 
وَمَالَ إلَيْهِ أَبُو الْعَبَّاسِ ، وَجَمِيعُ مَا يُدْعَى مِنْ السُّنَّةِ أَنَّهُ نَاسِخٌ لِلْقُرْآنِ غَلَطٌ ، أَمَّا أَحَادِيثُ الْمَسْحِ فَهِيَ تُبَيِّنُ الْمُرَادَ بِالْقُرْآنِ ، إذْ لَيْسَ فِيهِ أَنَّ لَابِسَ الْخُفِّ يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ ، وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّ مَنْ قَامَ إلَى الصَّلَاةِ يَغْسِلُ ، وَهَذَا عَامٌّ لِكُلِّ قَائِمٍ إلَى الصَّلَاةِ ، لَكِنْ لَيْسَ عَامًّا لِأَحْوَالِهِ ، بَلْ هُوَ مُطْلَقٌ فِي ذَلِكَ مَسْكُوتٌ عَنْهُ .
 
قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يُخَالِفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كِتَابَ اللَّهِ ، بَلْ يُبَيِّنُ مُرَادَهُ بِهِ وَطَائِفَةٌ قَالَتْ : كَالشَّافِعِيِّ ، وَابْنِ
 
الْقَصَّارِ ، وَمَالَ إلَيْهِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَيْضًا أَنَّ الْآيَةَ قُرِئَتْ بِالْخَفْضِ ، وَالنَّصْبِ ، فَيُحْمَلُ النَّصْبُ عَلَى غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ وَالْخَفْضُ عَلَى مَسْحِ الْخُفَّيْنِ ، فَيَكُونُ الْقُرْآنُ كَآيَتَيْنِ .
 
وَهَلْ الْمَسْحُ أَفْضَلُ أَمْ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ ، أَمْ هُمَا سَوَاءٌ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ عَنْ أَحْمَدَ ، وَالْأَفْضَلُ فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ بِحَسَبِ قَدَمِهِ ، فَلِلَابِسِ الْخُفِّ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِ ، وَلَا يَنْزِعُ خُفَّيْهِ اقْتِدَاءً بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ ، وَلِمَنْ قَدَمَاهُ مَكْشُوفَتَانِ الْغَسْلُ ، وَلَا يَتَحَرَّى لُبْسَهُ لِيَمْسَحَ عَلَيْهِ ، وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ إذَا كَانَتَا مَكْشُوفَتَيْنِ ، وَيَمْسَحُ إذَا كَانَ لَابِسَ الْخُفَّيْنِ .
 
وَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى اللَّفَائِفِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، حَكَاهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ ، وَعَلَى الْخُفِّ الْمُخَرَّقِ مَا دَامَ اسْمُهُ بَاقِيًا ، وَالْمَشْيُ فِيهِ مُمْكِنٌ ، وَهُوَ قَدِيمُ الشَّافِعِيِّ ، وَاخْتِيَارُ أَبِي الْبَرَكَاتِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ ، وَعَلَى الْقَدَمِ وَنَعْلِهَا الَّتِي يَشُقُّ نَزْعُهَا إلَّا بِيَدٍ أَوْ رِجْلٍ ، كَمَا جَاءَتْ بِهِ الْآثَارُ ، وَالِاكْتِفَاءُ بِأَكْثَرِ الْقَدَمِ هُنَا ، وَالظَّاهِرِ مِنْهَا غَسْلًا وَمَسْحًا أَوْلَى مِنْ مَسْحِ بَعْضِ الْخُفِّ ، وَلِهَذَا لَا يَتَوَقَّتُ .
 
وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ الرِّجْلَ لَهَا ثَلَاثُ أَحْوَالٍ الْكَشْفُ لَهُ الْغَسْلُ ، وَهُوَ أَعْلَى الْمَرَاتِبِ ، وَالسِّتْرُ الْمَسْحُ ، وَحَالَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ وَهِيَ فِي النَّعْلِ ، فَلَا هِيَ بَارِزَةٌ فَيَجِبُ الْغَسْلُ ، فَأُعْطِيَتْ حَالَةً مُتَوَسِّطَةً وَهُوَ الرَّشُّ ، وَحَيْثُ أُطْلِقَ عَلَيْهَا لَفْظُ الْمَسْحِ فِي هَذَا الْحَالِ فَالْمُرَادُ بِهِ الرَّشُّ .
 
وَقَدْ وَرَدَ الرَّشُّ عَلَى النَّعْلَيْنِ وَالْمَسْحُ عَلَيْهَا فِي الْمُسْنَدِ " مِنْ حَدِيثِ أَوْسٍ ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَوْسٍ ، وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمَنْصُوصُ أَحْمَدَ { الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ مَا لَمْ يَخْلَعْ النَّعْلَيْنِ } ،
Page 9
فَإِذَا أَجَازَ عَلَيْهِمَا فَالزَّرْبُولُ الَّذِي لَا يَثْبُتُ إلَّا بِسَيْرٍ يَشُدُّهُ بِهِ مُتَّصِلًا وَمُنْفَصِلًا عَنْهُ أَوْلَى بِالْمَسْحِ عَلَيْهِ مِنْ الْجَوْرَبَيْنِ ، وَمَا لَبِسَهُ مِنْ فَرْوَةٍ أَوْ قُطْنٍ وَغَيْرِهِمَا .
 
وَثَبَتَ بِشَدِّهِ بِخَيْطٍ مُتَّصِلٍ أَوْ مُنْفَصِلٍ مَسَحَ عَلَيْهِ ، وَأَمَّا اشْتِرَاطُ الثَّبَاتِ بِنَفْسِهِ فَلَا أَصْلَ لَهُ فِي كَلَامِ أَحْمَدَ ، وَإِنَّمَا الْمَنْصُوصُ عَنْهُ مَا ذَكَرْنَاهُ .
 
وَعَلَى الْقَوْلِ بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ فَالْمُرَادُ بِهِ مَا ثَبَتَ فِي السَّاقِ وَلَمْ يَسْتَرْسِلْ عِنْدَ الْمَشْيِ ، وَلَا يَعْتَبِرُ مُوَالَاةَ الْمَشْيِ فِيهِ ، كَمَا ذَكَرَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ تَيْمِيَّةَ ، وَيَجُوزُ عَلَى الْعِمَامَةِ الصَّمَّاءِ ، وَهِيَ كَالْقَلَانِسِ ، وَالْمَحْكِيُّ عَنْ أَحْمَدَ الْكَرَاهَةُ ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّهَا كَرَاهَةُ السَّلَفِ لِغَيْرِ الْمُحَنَّكَةِ عَلَى الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ لِجِهَادٍ أَوْ غَيْرِهِ ، وَالْعَمَائِمُ الْمُكَلَّبَةُ بِالْكِلَابِ تُشْبِهُ الْمُحَنَّكَةَ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ ، فَإِنَّهُ يُمْسِكُهَا كَمَا تَمْسِكُ الْحَنَكُ الْعِمَامَةَ .
 
وَمَنْ غَسَلَ إحْدَى رِجْلَيْهِ ثُمَّ أَدْخَلَهَا الْخُفَّ قَبْلَ غَسْلِ الْأُخْرَى فَإِنَّهُ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ خَلْعٍ ، وَلُبْسُهُ قَبْلَ إكْمَالِ الطَّهَارَةِ ، كَلُبْسِهِ بَعْدَهَا ، وَكَذَا لُبْسُهَا قَبْلَ كَمَالِهَا .
 
وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَلَوْ غَسَلَ الرِّجْلَيْنِ فِي الْخُفَّيْنِ بَعْدَ أَنْ لَبِسَهَا مُحْدِثًا جَازَ الْمَسْحُ ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَقَوْلٌ مُخَرَّجٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ .
 
قُلْت : وَهُوَ رِوَايَةٌ فِي الْمَنْهَجِ
 
وَلَا تَتَوَقَّتُ مُدَّةُ الْمَسْحِ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ ، الَّذِي يَشُقُّ اشْتِغَالُهُ بِالْخَلْعِ ، وَاللُّبْسُ ، كَالْبَرِيدِ الْمُجَهَّزِ فِي مَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قِصَّةُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، وَهُوَ نَصُّ مَذْهَبِ مَالِكٍ ، وَغَيْرِهِ مِمَّنْ لَا يَرَى التَّوْقِيتَ ، وَلَا يُنْتَقَضُ وُضُوءُ الْمَاسِحِ عَلَى الْخُفِّ وَالْعِمَامَةِ بِنَزْعِهِمَا ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ مَسْحُ رَأْسِهِ وَلَا غَسْلُ قَدَمَيْهِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، كَإِزَالَةِ الشَّعْرِ الْمَمْسُوحِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ ، وَقَوْلِ الْجُمْهُورِ .
 
وَإِذَا حَلَّ الْجَبِيرَةَ فَهَلْ تُنْتَقَضُ طَهَارَتُهُ كَالْخُفِّ ؟ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ بِالنَّقْضِ ، أَوْ لَا تُنْتَقَضُ كَحَلْقِ الرَّأْسِ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ لَا تُنْتَقَضَ الطَّهَارَةُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا طَهَارَةٌ أَصْلٌ لِوُجُوبِهَا فِي الطَّهَارَتَيْنِ ، وَعَدَمِ تَوْقِيتِهَا ، وَأَنَّ الْجَبِيرَةَ بِمَنْزِلَةِ بَاقِي الْبَشَرَةِ ، إلَّا أَنَّ الْفَرْضَ اسْتَتَرَ بِمَا يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ إلَيْهِ ، فَانْتَقَلَ الْفَرْضُ إلَى الْحَائِلِ فِي الطَّهَارَتَيْنِ ، كَمَا يَنْتَقِلُ الْوُضُوءُ إلَى مَنْبَتِ الشَّعْرِ فِي الْوَجْهِ ، وَالرَّأْسِ لِلْمَشَقَّةِ لَا لِلشَّعْرِ ، وَهَذَا قَوِيٌّ عَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يَشْتَرِطُ الطَّهَارَةَ لِشَدِّهَا .
Page 10
فَأَمَّا مَنْ اشْتَرَطَ الطَّهَارَةَ لِشَدِّهَا فَأَلْحَقَهَا الْحَوَائِلَ الْبَنِيلِيَّةَ فَتُنْتَقَضُ الطَّهَارَةُ بِزَوَالِهَا كَالْعِمَامَةِ وَالْخُفِّ ، وَيُتَوَجَّهُ أَنْ تَنْبَنِيَ هَذِهِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي اشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ .
 
قُلْت : الْبَدَلُ عِنْدَنَا فِي حَلِّ الْجَبِيرَةِ إنْ كَانَ بَعْدَ الْبُرْءِ ، وَإِلَّا فَكَالْخُفِّ إذَا خَلَعَهُ ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا كَذَلِكَ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ ، وَتَعَالَى أَعْلَمُ .
 
بَابُ مَا ظُنَّ نَاقِضًا وَلَيْسَ بِنَاقِضٍ وَالْأَحْدَاثُ اللَّازِمَةُ : كَدَمِ الِاسْتِحَاضَةِ ، وَسَلَسِ الْبَوْلِ لَا تَنْقُضُ الْوُضُوءَ مَا لَمْ يُوجَدْ الْمُعْتَادُ ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ .
 
وَالدَّمُ ، وَالْقَيْءُ ، وَغَيْرُهُمَا مِنْ النَّجَاسَاتِ الْخَارِجَةِ مِنْ غَيْرِ الْمَخْرَجِ الْمُعْتَادِ : لَا تَنْقُضُ الْوُضُوءَ ، وَلَوْ كَثُرَتْ ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ .
 
قُلْت : اخْتَارَهُ الْأَجْرُمِيُّ فِي غَيْرِ الْقَيْءِ .
 
وَالنَّوْمُ : لَا يَنْقُضُ مُطْلَقًا إنْ ظَنَّ بَقَاءَ طَهَارَتِهِ ، وَهُوَ أَخَصُّ مِنْ رِوَايَةٍ حُكِيَتْ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ النَّوْمَ لَا يَنْقُضُ بِحَالٍ .
 
وَيُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ مِنْ أَكْلِ لَحْمِ الْإِبِلِ ، وَأَمَّا اللَّحْمُ الْخَبِيثُ الْمُبَاحُ لِلضَّرُورَةِ : كَلَحْمِ السِّبَاعِ فَيَنْبَنِي الْخِلَافُ فِيهِ عَلَى أَنَّ النَّقْضَ بِلَحْمِ الْإِبِلِ تَعَبُّدِيٌّ ، فَلَا يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِ ، أَوْ مَعْقُولُ الْمَعْنَى فَيُعْطَى حُكْمَهُ ، بَلْ هُوَ أَبْلَغُ مِنْهُ .
 
وَيُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ عَقِيبَ الذَّنْبِ ، وَمِنْ مَسِّ الذَّكَرِ إذَا تَحَرَّكَتْ الشَّهْوَةُ بِمَسِّهِ ، وَتَرَدَّدَ فِيمَا إذَا لَمْ تَتَحَرَّك ، وَمَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ أَخِيرًا إلَى اسْتِحْبَابِ الْوُضُوءِ دُونَ الْوُجُوبِ مِنْ مَسِّ النِّسَاءِ ، وَالْأَمْرَدِ إذَا كَانَ لِشَهْوَةٍ .
 
قَالَ : إذَا مَسَّ الْمَرْأَةَ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ فَهَذَا مِمَّا عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يُوجِبْ مِنْهُ وُضُوءً وَلَا يُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ مِنْهُ .
 
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ فِي قَدِيمِ خَطِّهِ : خَطَرَ لِي أَنَّ الرِّدَّةَ تَنْقُضُ الْوُضُوءَ ؛ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهَا دَوَامُ شَرْطِهَا اسْتِصْحَابًا فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالنِّيَّةُ مِنْ شَرَائِطِ الطَّهَارَةِ عَلَى أَصْلِنَا ، وَالْكَافِرُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ .
 
وَلَا يَفْتَحُ الْمُصْحَفَ لِلْفَأْلِ ، قَالَهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ خِلَافًا لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَطَّةَ ، وَيَجِبُ احْتِرَامُ الْقُرْآنِ حَيْثُ كُتِبَ ، وَتَحْرُمُ كِتَابَتُهُ حَيْثُ يُهَانُ بِبَوْلِ حَيَوَانٍ أَوْ جُلُوسٍ عَلَيْهِ إجْمَاعًا ، وَالنَّاسُ إذَا اعْتَادُوا الْقِيَامَ وَإِنْ لَمْ يُقَمْ لِأَحَدِهِمْ أَفْضَى إلَى مَفْسَدَةٍ فَالْقِيَامُ دَفْعًا لَهَا خَيْرٌ مِنْ تَرْكِهِ .
 
وَيَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَسْعَى فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ ، وَعَادَتِهِمْ ، وَاتِّبَاعِ هَدْيِهِمْ ، وَالْقِيَامُ بِكِتَابِ اللَّهِ أَوْلَى .