eKtab
EN ع
الجامعة العربية والعمل العربي المشترك 1945-2000
Read free sample

الجامعة العربية والعمل العربي المشترك 1945-2000

by الطاهر بن عريفه

Page 1
المقدمة
 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
 
 
لم تتأثر منظمة سياسية بالمتغيرات الإقليمية والدولية مثلما تأثرت جامعة الدول العربية، فهي تقوى بقوة النظام العربي وتماسكه وتضعف بضعف هذا النظام، فهي المقياس الذي تقاس به قوة وضعف علاقات الأقطار العربية بعضها ببعض، وبينها مجتمعة ودول العالم الأخرى، فهي الوحدة في غياب الوحدة الحقيقية بين الأقطار العربية وهي حالة الانفصال مع وقوع الوحدة. تجتمع فيها تناقضات الدول العربية كلها في نفس الوقت هي المكان الذي تتوحّد فيه هذه الأمة عند مجابهة الأخطار.
 
صمدت طيلة خمسون سنة أمام أعتى الهجمات على الأمة العربية وبقيت كأن وجودها من ضرورات الواقع العربي، سفهّت أحلام المستعمرين في أن تكون مطيّة لأغراضهم وبوقاً لسياساتهم فأصبحت السيف الذي تشهره الأمة العربية في معاركها السياسية والحربية، تدافع عن القضايا العربية في المحافل الدولية والتجمّعات الإقليمية، وفي الصحافة ووسائل الإعلام، وفي إطارها تقرر الأمة العربية مصير هذه المنطقة بكاملها.
 
واليوم والنظام العربي يتعرّض لأخطار الذوبان نتيجة للضغوط التي يتعرض لها من قبل النظام الدولي تبدو الجامعة العربية رغم قصورها كأنها خط الدفاع الأول في مواجهة هذه الأخطار، فوسائل الاتصال لم تعد مثل السابق، لقد غزت الأقمار الصناعية والشبكات الفضائية بقاع العالم قاطبة، وأصبحت المعلومات في متناول الجميع، ومن هؤلاء المواطن العربي، وعلى الجامعة العربية ودولها أن تبرهن على نسق آخر من الكفاح يختلف عمّا ألفناه في السابق وسيلته اليوم الفكر والكلمة، ومجاله العالم بأسره.
 
وعالم اليوم أصبح أكثر ارتباطاً من الناحية الاقتصادية، ويعمل النظام العالمي الجديد على الزّج بالدول النامية ومنها الدول العربية في نظام اقتصادي غير متكافئ الأمر الذي يحتّم على الجامعة العربية ودولها الاستعداد لهذا النوع من الكفاح، ولا يتأتى ذلك إلا بخلق تكتلات اقتصادية تستجيب لطموحات المواطن العربي وتلبّي ما يفرضه النظام العالمي من ضغط على المجموعة العربية. وميدان الحرب انطلق اليوم إلى الفضاء الكوني، والعرب اليوم أمامهم فرصة الخروج من دائرة الحلم في هذا المجال إلى دائرة الواقع، ولا يتأتى ذلك إلا بحصر الكفاءات العلمية ورصد الأموال، وتغليب المصلحة العامة على المصالح القطرية الضيقة. وعالم اليوم يحاربنا حرباً غذائية، ونسمع كل يوم عن زيادة في أسعار هذه المادة أو تلك وعلينا أن نوظّف التقنية العالية في مجال الزراعة إذا أردنا أن نحقق الاستقلال في هذا المجال، وأن نستغلّ مصادر المياه والتربة التي حبانا الله بها استغلالاً يعود بالفائدة على أقطارنا.
Page 2
وفي مجال الثقافة مازال للجامعة دوراً – أي دور – فالمعركة تفتح لأول مرة على مستوى العالم بأسره، معركة تتناطح فيها الأفكار والعقائد والأديان والتكنولوجيا، وعلينا أن نعدّ جيلاً قادراً على مقارعة الحجّة بالحجّة يمتلك قناعات هي الإيمان بالله خالق هذا الكون، والإيمان برسالة الأمة الموجهة إلى البشرية قاطبة، وهي رسالة محبة وعدالة ورخاء ومساواة، وما أحوج العالم وهو يعاني من فقر روحي مدقع من أن يستمع إلى هذه الرسالة.
 
وأمام هذه التحديات التي تواجه الجامعة العربية ودولها لا مناص إذا ما رغبت هذه الدول وشعوبها في أن تكون عربية من إعادة النظر في ميثاقها، وإعادة النظر في أساليب عملها، وإعادة النظر في كوادرها، فالجامعة العربية بوضعها التي هي عليه الآن ربما لبّت طموحات عربية في مرحلة من المراحل لكنها لا تستطيع أن تواكب عصر تغيّر فيه كل شيء، فعلى الجامعة إذاً أن تتغيّر لتواكب هذا العصر ومتطلباته والتغيير لا يعني الاستبدال فما زالت الجامعة رغم قصورها وفي ظل عدم وجود وحدة أو اتحاد يجمع الأقطار العربية مازالت أفضل مكان للقاء والتشاور واتخاذ القرار العربي الجماعي الذي ينصت له العالم ويعيه. غير أن ثمة أخطار تواجه الجامعة العربية ودولها وهو أن النظام العالمي الجديد لا يريد أي منافسة أو تكتل أو حتى تنسيق خارج إطار مصالحه، ومن هذه الأخطار رغبة دول الهامش وهي إسرائيل وتركيا وإيران والحبشة لعب دور في النظام العربي ومحاولة جذب هذا القطر أو ذاك وإخراجه من دائرة التضامن العربي إلى دائرة التكتلات الهامشية مثل فكرة (الشرق أوسطية) (أو فكرة المتوسطية) نسبة إلى شعوب البحر الأبيض المتوسط، وقد عشنا في السابق نفس التجربة مع فكرة (حلف بغداد)، ومن هذه المخاطر أيضاً الانعزالية والطائفية والإقليمية بديلاً عن فكرة الوحدة العربية.
 
لهذه الأسباب وغيرها تبدو الأمة العربية في حاجة إلى الجامعة العربية لأن ما يجمع بين أقطار الأمة أكثر مما يفرّق. وإذا كانت الاختلافات تؤثر على المسيرة العامة لهذه الأمة فإن وحدة الهدف تظلّ أقوى من جميع التحديات، ومن هذا المنطلق كانت هذه الدراسة عن الجامعة العربية بمناسبة مرور خمسون عاماً على تأسيسها، وقد حاولت قدر المستطاع أن تتحلّى هذه الدراسة بأكبر قدر من الموضوعية. فاعتمدت على الوثائق الخاصة بالجامعة العربية نفسها، واستعنت بما كتب حولها، إضافة إلى معايشتي لهذه المنظّمة طيلة عشر سنوات سواء باشتغالي بمكتب شؤون الجامعة العربية بمكتب الاتصال الخارجي والتعاون الدولي بطرابلس، أو بعملي ضمن الوفد الليبي لدى الجامعة العربية بتونس ابتداءً من سنة 1979 إلى سنة 1984، وحضوري العديد من الاجتماعات واللقاءات المختلفة سواء على المستوى الوزاري أو الفني مما مكنني من الإطلاع عن كثب على سير عمل هذه المنظمة، ومعرفة أوجه الخلل وأساليب النجاح. وشجعني على كتابة هذه الدراسة الوصفية التحليلية المعنونة باسم (الجامعة العربية، والعمل العربي المشترك) وقسمتها إلى مقدمة وأربعة عشر فصلاً وخاتمة. تحدثّت في الفصل الأول عن ظروف نشأة هذه المنظمة، والهيكل التنظيمي لها، ومبدأ التصويت والعضوية والانسحاب والفصل، وطريقة اتخاذ القرار، وفض المنازعات بين الدول الأعضاء، ومشاريع تعديل الميثاق. وفي الفصل الثاني تحدثت عن مؤتمرات القمة العربية منذ نشأة الجامعة حتى الآن موضّحاً أهم قرارات كل مؤتمر، والوسائل التي اعتمدت لتنفيذ تلك القرارات، والضغوط التي واجهت الأمة العربية خاصةً ما يتعلّق منها بالقضية الفلسطينية. وفي الفصل الثالث تكلمت عن الدفاع العربي المشترك
Page 3
 مبيناً فيه ميثاق الضمان الجماعي العربي، والقيادة العربية الموحدة، وحرب أكتوبر 1973، والنتائج والدروس المستفادة. وفي الرابع تحدثت عن العمل الاقتصادي العربي المشترك سواء في إطار المجلس الاقتصادي والاجتماعي العربي أو في مجلس الوحدة الاقتصادية العربية أو من خلال الصناديق وأجهزة التمويل المالية العربية. وفي الفصل الخامس تحدثّت عن المنظّمات العربية المتخصصة مبيناً أطوار نشأتها وسبل عملها وعلاقتها بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية، وأوجه التطور والنجاح الذي تحقق من خلالها. وفي الفصل السادس تكلمت عن المقاطعة العربية لإسرائيل، تاريخها، وأهدافها وكيف حاولت إسرائيل بشتى الطرق محاربتها وإلغائها. وفي الفصل السابع تحدثّت عن العمل الثقافي العربي المشترك وأهمية ذلك في تكوين قاسم مشترك للحياة العربية المعاصرة، وفي الفصل الثامن بينت أهم المجالات التي تطرق إليها الإعلام العربي والمهام والمسئوليات المنوطة به. وفي الفصل التاسع تحدثّت عن الحوار العربي الأوروبي، بداياته، ومساره والمعوقات التي صادفته. وفي الفصل العاشر عرّجت على قضية التعاون العربي الأفريقي وأوضحت القصور الذي واكب هذا التعاون من بدايته، وسبل الخروج من هذا القصور. وفي الفصل الحادي عشر بيّنت دور الجامعة في قضية الوحدة العربية. وفي الفصل الثاني عشر تحدث الباحث عن الجامعة العربية والنظام العالمي الجديد، وفي الفصل الثالث عشر تطرق الباحث إلى ما يحاك من مشاريع تؤثر على النظام العربي مثل النظام الإقليمي الشرق أوسطي الجديد، وفي الفصل الرابع عشر بيّن الباحث آفاق المستقبل أمام جامعة الدول العربية. وفي الخاتمة تم التطرّق إلى أهم النتائج التي توصل إليها الباحث من خلال هذا العمل.
 
إن هذا البحث الذي قام على تحليل النصوص بغية استكناه دور هذه المنظّمة وفهم مسارها وإدراك غايتها يهدف أساساً إلى سد نقص طالما صاحب مثل هذا النوع من الدراسات من قبل فئتين من الباحثين هما فئة المنتقدين لدور جامعة الدول العربية المتهمين لها بالعجز والقصور والتراخي وعدم الفاعلية، والفئة الثانية هم فئة المبررين لدورها المادحين له المغضّين الطرف عن جوانب السلب فيه مما أحدث لبساً وغموضاً حول فكرة الجامعة العربية وغايتها وطرق عملها في ذهن المواطن العربي الذي يفترض أن يكون الهدف والغاية والمبرر من عمل هذه المنظّمة الإقليمية.
 
 
 
وما توفيقي إلا بالله
 
الطاهر المهدي عريفه
 
سبها-/ليبيا
Page 4
أولاً: نشأة الجامعة العربية
 
المتتبع لتاريخ العرب الحديث يلاحظ وجود ظاهرتين متلازمتين تميزان هذا التاريخ، وتلقيان بظلالهما عليه، وتحددان مساره، هما السعي في سبيل الاستقلال والحرية، حيث كانت معظم الأقطار العربية خاضعة للنفوذ والهيمنة الاستعمارية فيما عدى القليل منها، والرغبة في تحقيق الوحدة العربية وهي مطلب شعبي في الأساس وهدف من أهداف الكفاح.
 
وصحيح أن بعض الزعماء العرب تعاونوا غداة الحرب العالمية الأولى 1914-1918 مع الحلفاء مقابل وعود ساقها الحلفاء وبالذات بريطانيا تقضي بمنح البلدان العربية الواقعة تحت السيطرة التركية حريتها واستقلالها، غير أن هذه الوعود ما لبثت أن تلاشت، فما أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها حتى تراجع الحلفاء عن وعودهم، وطبقاً لاتفاقية (سايكس بيكو) تم تقسيم البلدان العربية بين الدول المنتصرة في الحرب وبالذات بريطانيا وفرنسا.
 
ومع بداية الحرب العالمية الثانية وكسباً لود العرب رأت بريطانيا أن خير وسيلة للتعامل مع العرب هي في تلبية بعضاً من مطالبهم، وهذا هو مغزى التصريح الذي أدلى به وزير الخارجية البريطاني المستر (ايدن) في مجلس العموم البريطاني بتاريخ 21/5/1941 الذي أعلن فيه حق هذه الدول في إقامة منظمة إقليمية تحت شعار (الوحدة العربية) وقد اعتبر الكثيرون هذا التصريح بمثابة البداية الحقيقية للجامعة العربية(1). وعادة ما تتهم هذه المنظمة القومية بهذه التهمة، وصحيح أن هدف بريطانيا من هذا التصريح وغيره هو أن تصب النتائج في صالح أهدافها الاستعمارية، لكن ما فتئت الدول الغربية أن ناصبت الجامعة العربية العداء بعد أن تبين لها أن هدف هذه المنظمة هو تصفية الاستعمار ومرتكزاته في المنطقة.
 
هذا عن النتائج العامة لتصريح وزير الخارجية البريطاني، أما عن النتائج المباشرة لهذا التصريح، فقد برزت في القاهرة وبالتحديد عندما دعت الحكومة المصرية سنة 1943 رؤساء الحكومات العربية إلى إجراء مباحثات ومشاورات لبحث توثيق الروابط الثقافية والاقتصادية والسياسية بين بلدانهم. وشكل المجتمعون لجنة تحضيرية اجتمعت في الإسكندرية سنة 1944 وانتهت بوضع (بروتوكول) الإسكندرية، وقد برزت أولى الخلافات في القاهرة سنة 1945 عند إقرار الميثاق، ومن هذه الخلافات اسم الجامعة فاسم (جامعة الدول العربية) اقتبس أساساً من المشروع اللبناني وقد اختير هذا الاسم بدلاً من (الجامعة العربية) الذي تقدم به العراق، وانطلاقاً من ذلك أخذت بنود الميثاق المصادق عليها سنة 1945 تردد لفظة (الدول العربية) بدلاً من الأمة العربية أو الوطن العربي، والخلاف الثاني الذي برز عند وضع الميثاق هو هل تكون هذه المنظمة شكلاً من أشكال الاتحاد أو نوعاً من أنواع الوحدة، أم مجرد أداة للتعاون والتنسيق بين الدول الأعضاء، وقد خرج المجتمعون في القاهرة بفكرة سيادة كل دولة من الدول الأعضاء، الأمر الذي (جعل من الجامعة نادياً سياسياً تجتمع فيه الدول العربية للحوار والمناقشة وإصدار القرارات إذا أمكن، ولكن في النهاية فإن هذه القرارات لا تلزم إلا من يقبلها) (2).
Page 5
وهكذا برز نوع من التعايش بين مفهومين مختلفين في السياسة العربية، هما مفهوم السيادة الوطنية لكل دولة من الدول العربية المستقلة، ومفهوم الوحدة العربية بصيغة مصالحة بين هاذين الاتجاهين، (ومنذ البداية اعترفت البلدان العربية صراحة بتنوع أنظمتها السياسية، وبالتناقضات التي يمكن أن تقوم بسبب هذا التنوع، وكانت تنظر إلى الجامعة بوصفها أداة لتوجيه التيار أو التيارات الوحدوية العربية التي أخذت تتبلور منذ نهاية الحرب العالمية الثانية(3).
 
فالميثاق الذي صدر كان عبارة عن صيغة مصالحة بين أولئك الذين كانوا يرون في الجامعة أداة توحيد، وبين أولئك الذين يدعون إلى الاختيار الحر الخالي من الالتزام، وحتى التنسيق والتعاون الذي اتفق عليه في اجتماع القاهرة بديلاً للوحدة أو الاتحاد الذي كانت تطمح إليه الشعوب العربية لم تقع عليه الموافقة بسهولة خوفاً من تعارضه مع موضوع السيادة القطرية للدول الأعضاء، ولذلك فقد ركز الميثاق على أن التنسيق والتعاون يرتبطان بمسألة السيادة، وهذه الكلمة لها الفيصل وجميع الحقوق التي تطالب بها الدول الأعضاء من بعضها البعض إن هي إلا نتيجة مستمدة من هذا المبدأ، وقد أوضحت ديباجة الميثاق بشيء لا يدعو إلى اللبس والغموض هذه الحقيقة حيث برهنت بأنه (تثبيتاً للعلاقات الوثيقة بين الدول العربية، وحرصاً على دعم هذه الروابط وتوثيقها على أساس احترام استقلال تلك الدول وسيادتها، وتوجيهاً لجهودها لما فيه خير البلاد العربية قاطبة وصلاح أحوالها وتأمين مستقبلها وتحقيق أمانيها وآمالها)      (4).
 
وهكذا فإن (التعاون) الذي برز في النصوص هو عبارة عن تعاون طوعي اختياري، تقرره الأكثرية غير ملزم إلا لمن يقبله، وقد جاء ذلك في المادة السابعة من الميثاق (ما يقرره بالإجماع يكون ملزماً لجميع الدول المشتركة في الجامعة، وما يقرره المجلس بالأكثرية يكون ملزماً لمن يقبله، وفي الحالتين ينفذ قرارات المجلس في كل دولة وفقاً لنظمها الأساسية)، غير أن واضعي الميثاق لم يسدوا الباب أمام فكرة الاتحاد أو الوحدة العربية أو التنسيق والتكامل، لكن ربطوا كل ذلك (بالسيادة)، سيادة الدولة على إقليمها، فقد نصت المادة التاسعة من الميثاق (أن من حق الدول الأعضاء في إقامة علاقات أوثق فيما بينها أن تعمل في هذا الاتجاه)، كما نصت المادة التاسعة عشرة على إمكانية تعديل الميثاق لجعل الروابط بين الدول العربية أمتن وأقوى.
 
ويتبلور التعاون والتنسيق بين الدول العربية الأعضاء في الجامعة في قيام علاقات أوثق بين الدول الأعضاء مثل المصادقة على معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي الموقعة سنة 1951، وإبرام معاهدة التعاون الثقافي لبناء جيل عربي موحد الفكر والثقافة في إطار المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، والاتفاقيات الصحية والعلمية، وفي مجال المواصلات والإعلام والاقتصاد والأمن، وفي العلاقات مع المنظمات الإقليمية والدولية، مثل الموقف من منظمة الوحدة الأفريقية، أو العلاقات مع المجموعة الأوروبية، أو مجموعة عدم الانحياز، والمشاورات في إطار الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة.
Page 6
غير أن هذه النجاحات لا تجعلنا نغمض العين عن العجز الذي أصيبت به الجامعة العربية خاصة عند معالجتها لبعض القضايا المصيرية، فقد فشلت الجامعة في قيام قيادة عسكرية عربية موحدة تضع الخطط وتحشد الجيوش وتعبئ الإمكانات للوقوف ضد المتربصين بالوطن العربي، ويرى البعض أن ذلك ناتج في المقام الأول عن اضطرار الجامعة إلى الالتزام بالحركة الشكلية لجميع أعضائها، وسيرها بفاعلية أضعف هؤلاء الأعضاء قدره على التحرك، ولذلك برز الاتجاه التوحيدي من جديد خاصة بعد نكبة فلسطين سنة 1948، فظهرت مشاريع وحدوية بين كل من سوريا والعراق، والأردن وسوريا، ومشروع الهلال الخصيب، ووحدة مصر وسوريا سنة 1958، والإعلان الاتحادي بين سوريا والعراق ومصر سنة 1963، ووحدة دول ميثاق طرابلس سنة 1970، وقد تمت هذه الخطوات خارج إطار جامعة الدول العربية، وقد رأينا في السابق كيف أن اتخاذ خطوات وحدوية بين هذا القطر وذاك، أو اتخاذ قرارات قومية مصيرية مثل شن الحرب على إسرائيل سنة 1973 لا يخل ببنود الميثاق، لأن المادة التاسعة منه نصت صراحة على أنه (من حق دول الجامعة الراغبة فيما بينها في تعاون أوثق، وروابط أقوى مما نص عليه هذا الميثاق أن تعقد فيما بينها من الاتفاقات ما تشاء لتحقيق هذه الأغراض).
 
وقد استطاعت الجامعة العربية نظراً لمرونة ميثاقها التكيف مع المستجدات في الساحة العربية، فمن الناحية الكمية زاد عدد أعضائها من سبع دول سنة 1945 إلى اثنان وعشرون دولة الآن، ومن الناحية الكيفية فقد شهدت الساحة العربية كثيراً من المتغيرات السياسية التي أثرت على أنظمة الحكم وتوجهات هذه الأنظمة السياسية والاقتصادية، كما تكيفت الجامعة مع الخلافات العربية التي كانت تنشب من حينٍ لآخر بين هذا القطر وغيره من الأقطار، كما استطاعت هذه المنظمة بفضل المرونة التي تملكها أن تنجو من الانقسام أو البعثرة.
 
لقد فرض على هذه المنظمة أن تكون معقدة التنظيم، فإضافة إلى كونها رمزاً للعمل العربي المشترك وإطاره العام، فقد تحملت الجامعة متابعة ملف القضية الفلسطينية منذ سنة 1948 وحتى الآن، إضافة إلى تشعب عمل الجامعة وتوسعه، فتعددت فيها اللجان الدائمة، والمنظمات المتخصصة، والمجالس الوزارية، والاتحادات والروابط المهنية، واقتحمت الجامعة مجالات لم يسبق لها ارتيادها، فوضعت استراتيجية للعمل الاقتصادي العربي المشترك التي أقرت في مؤتمر قمة عمان سنة 1981، وأرست دعائم وخطط في الميادين الاجتماعية والصحية والرياضية وشؤون الأسرة والمرأة والطفولة، وساهمت الجامعة في حل بعض الخلافات العربية فأنشئت قوة للردع في كل من الكويت ولبنان، وأقامت علاقات مع المنظمات الإقليمية المماثلة، فأنشئت الحوار العربي الأوروبي مع دول المجموعة الأوروبية، والتعاون العربي الأفريقي مع منظمة الوحدة الأفريقية.
Page 7
ثانياً: الهيكل التنظيمي
 
نعني بالهيكل التنظيمي، النظام الذي تسير عليه الجامعة العربية في عملها والأقسام التي تتكون منها هذه المنظمة الإقليمية، فهناك طبقاً للميثاق ثلاثة أقسام رئيسية هي مجلس الجامعة، واللجان الفنية المتخصصة، والأمانة العامة.
 
‌أ. مجلس الجامعة:-
 
مجلس الجامعة هو الهيئة العليا للجامعة العربية طبقاً للميثاق المصادق عليه في سنة 1945، ومهمة المجلس هي الإشراف على كل ما يدخل في نطاق اختصاصات هذه المنظمة، ويتكون المجلس من ممثلي الدول الأعضاء في الجامعة، ويكون لكل دولة عضواً صوتاً واحداً مهماً يكن عدد ممثليها، ويعقد المجلس اجتماعاته مرتين في السنة، ويكون الانعقاد صحيحاً إذا حضره ممثلوا أغلب الدول الأعضاء، ويتناوب ممثلوا الدول الأعضاء على رئاسة المجلس في كل دورة انعقاد عادي لمجلس الجامعة على أساس حروف الترتيب الهجائي لأسماء دولهم، وتكون قرارات المجلس ملزمة لجميع الدول الأعضاء إذا كانت قد اتخذت بصورة جماعية، أما القرارات التي اتخذت بالأغلبية فلا تكون ملزمة إلا لمن يقبلها كما نصت على ذلك المادة السابعة من الميثاق، وفي كلا الحالتين يكون التنفيذ وفقاً للنظم السياسية الداخلية للدولة العضو الأمر الذي جعل صفة الإلزام في تنفيذ القرارات لا يتعدى الصفة الأدبية فقط.
 
‌ب. اللجان الفنية:-
 
نص على أن يضم مجلس الجامعة ستة لجان فنية دائمة، ممثلة فيها جميع الدول الأعضاء مهمتها مساعدة المجلس من الناحية الفنية على وضع قواعد التعاون والتنسيق بين الدول الأعضاء وهذه اللجان هي لجنة الشؤون الاقتصادية والمالية، ولجنة شؤون المواصلات، ولجنة الشؤون الصحية، ولجنة الشؤون السياسية، واللجنة الثقافية. وقد تطورت كل من هذه اللجان فأصبحت مجلساً وزارياً، فهناك الآن مجلس وزراء الاقتصاد العرب ومجلس وزراء المواصلات العرب، ومجلس وزراء الصحة العرب، ومجلس وزراء الثقافة والتعليم العرب، وغيرها من المجالس المخصصة.
 
‌ج. الأمانة العامة للجامعة:-
 
تتكون الأمانة العامة للجامعة من أمين عام وأمناء عامون مساعدون وعدد من الموظفين، ويصدر قرار من مجلس الجامعة بتعيين الأمين العام بأغلبية الثلثين، ويعيّن الأمين العام بعد موافقة مجلس الجامعة الأمناء العامون المساعدون والموظفون الرئيسيون. وتقوم الأمانة العامة للجامعة بإعداد جدول أعمال مجلس الجامعة واللجان المنبثقة عنه، كما تتولى هذه الأمانة تنفيذ ما يصدر عن المجلس من قرارات وتوصيات، ويقوم الأمين العام بدعوة مجلس الجامعة للانعقاد وتحديد موعد اجتماعاته، وإعداد ميزانية الأمانة العامة للجامعة ويقوم بعرضها على مجلس الجامعة.
 
‌د. الهياكل الناشئة عن التطور:-
 
يقصد بالهياكل الناشئة عن التطور تلك الهياكل التي لم يرد بشأنها نص في الميثاق لكن الظروف والمستجدات الإقليمية والدولية استوجبت وجودها، من هذه الهياكل مؤتمرات القمة العربية التي أفرزتها الظروف الدولية والإقليمية، فتم عقد أول مؤتمر قمة عربي سنة 1964 دون الحاجة إلى إدخال تعديل على الميثاق.
 
ونتج عن ذلك أن تغير الهيكل التنظيمي للجامعة فبعد أن كان مجلس الجامعة هو أعلى سلطة تنظيمية، أصبحت مؤتمرات القمة هي قمة البناء الهرمي في هذه المنظمة، وكذلك أنشئت أجهزة وهياكل أخرى منها مجلس الدفاع العربي المشترك المكون من وزراء الخارجية والدفاع العرب، والمجلس الاقتصادي العربي، وتحولت اللجان الفنية المتخصصة إلى مجالس وزارية شملت جميع أوجه نشاط جامعة الدول العربية، وقد تغير منصب الأمين العام نفسه، فإلى جانب مهامه الإدارية المخول بها طبقاً للميثاق أسندت إلى الأمين العام مهام سياسية عديدة، كذلك ظهرت إلى الوجود العديد من المنظمات والتنظيمات العربية مثل المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، والمنظمة العربية للدفاع الاجتماعي ضد الجريمة، ومنظمة الزراعة العربية، والمنظمة العربية للأرصاد، وغيرها من المنظمات، ولكل منها دور في تحقيق أهداف جامعة الدول العربية مما أضفى على الجامعة بعداً قومياً شمل كثيراً من مجالات الحياة العربية المعاصرة.
Page 8
ثالثاً: العضوية والانسحاب والفصل
 
تتكون جامعة الدول العربية كما نصت المادة الأولى من الميثاق من الدول العربية المستقلة التي أبرمت الميثاق وهي سوريا والأردن والعراق والسعودية ولبنان ومصر واليمن، وتلك التي انضمت فيما بعد وهي ليبيا، والسودان، والمغرب، وتونس، والكويت، والجزائر، والبحرين، وقطر، والإمارات، وعمان، وموريتانيا، والصومال، وفلسطين، وجيبوتي، وأخيراً جزر القمر، وعلى هذا الأساس فإن الدول الأعضاء مؤلفة من فئتين، الأولى مكونة من الدول الموقعة على الميثاق أو الدول المؤسسة للجامعة، والثانية مكونة من الدول التي انضمت فيما بعد للجامعة، وفي الواقع فإنه لا يترتب على هذه التفرقة بين المجموعتين تفرقة في الوضع القانوني أو السياسي لكل منها من حيث الحقوق والالتزامات المنصوص عليها في الميثاق.
 
ويشترط في الدولة التي ترغب في الانضمام إلى جامعة الدول العربية ثلاثة شروط هي:-
 
1. أن تكون دولة عربية، فالجامعة العربية ليست مفتوحة لكل الدول بل أن عضويتها قاصرة على الدول العربية، لأنها لا تعتمد في تأسيسها على الجوار الجغرافي فقط بل أن اعتمادها في الأساس على الصلات القومية التي تجمع بين شعوبها، وتعتبر العضوية في الجامعة حقاً طبيعياً لكل دولة عربية مستقلة، ومجلس الجامعة هو الذي يفصل في توافر هذه الصفة. ولم يتضمن الميثاق تعريف (للعروبة)، إلا أنه من الواضح أن يشترط لاعتبار الدولة عربية أن يكون شعبها جزأً من الأمة العربية، وهي الأمة التي تسكن العالم العربي، ويتكلم شعبها اللغة العربية، وتشترك مع هذه الأمة في التاريخ والأماني والآلام، والتقاليد والتراث الحضاري، والحفاظ على الرسالات السماوية، وشرط (العروبة) للانضمام إلى الجامعة العربية يقابله شرط (الأمريكية)، أو (الأفريقية) للانضمام إلى منظمة الوحدة الأفريقية.
 
2. أن تكون دولة مستقلة، والحكمة في هذا الشرط هو أن الدول المستقلة وحدها هي التي تستطيع تحمل وتنفيذ الالتزامات المنصوص عليها في الميثاق والاستقلال هنا بمعناه الواسع، فلم يشترط في الدولة طالبة العضوية الاستقلال الكامل ويكفي أن يكون قد اعترف بوجودها دولة مستقلة ذات سيادة من جانب عدد كبير من الدول كما حدث مثلاً لفلسطين التي تتمتع بالعضوية الكاملة في جامعة الدول العربية رغم عدم تمتعها بالسيادة الكاملة على أراضي إقليمها، ويقرر مجلس الجامعة فيما إذا كانت الدولة طالبة العضوية مستقلة أو غير مستقلة.
Page 9
3. والشرط الثالث لقبول الدولة عضواً بالجامعة العربية هو أن يوافق مجلس الجامعة على قبولها، فالعضوية ليست حقاً قانونياً لكل دولة عربية مستقلة، بل يجب أن يوافق مجلس الجامعة العربية بالإجماع على قبول العضو الجديد، لأنه من الجائز وجود اعتبارات تجعل من غير المناسب قبول عضوية دولة معينة، ومع ذلك وتطبيقاً لفكرة القومية العربية تعتبر العضوية في الجامعة العربية حقاً لكل دولة عربية.
 
فقد العضوية:-
 
توجد ثلاثة أسباب رئيسية إذا توافر إحداها فقدت الدولة عضويتها في الجامعة العربية وهي:-
 
‌أ. الانسحاب:- فقد نصت الفقرة الأولى من المادة الثامنة عشرة من الميثاق على أنه (إذا رأت إحدى دول الجامعة أن تنسحب منها أبلغت المجلس عزمها على الانسحاب قبل تنفيذه بسنة)، ونصت المادة التاسعة عشرة على انه (يجوز بموافقة ثلثي دول الجامعة تعديل هذا الميثاق)، وللدولة التي لا تقبل التعديل أن تنسحب عند تنفيذه دون التقيد بأحكام المادة السابقة.
 
ولما كان الانسحاب من الجامعة العربية حقاً مطلقاً لكل دولة فليس لمجلس الجامعة أن يتعرض لها بالبحث من حيث الموضوع، أما من حيث الشكل فيكفي أن يبلغ المجلس رغبة الدولة صاحبة الشأن ليأخذ علماً بها، وليس هناك صيغة معينة يجب أن يطرح بها هذا التبليغ.
 
‌ب. الفصل:- ورد في الفقرة الثانية من المادة الثانية عشرة من الميثاق (إن مجلس الجامعة له أن يعتبر أية دولة لا تقوم بواجبات هذا الميثاق منفصلة من الجامعة وذلك بقرار يصدره بإجماع الدول عدا الدولة المشار إليها)، فالفصل بهذا المعنى هو جزاء يوقّع على الدولة التي تخل بالتزاماتها نحو الجامعة، وهو في الوقت نفسه طريق تلجأ إليه الجامعة للتخلص من الدولة التي لا تقوم بالواجبات التي يفرضها الميثاق على الدول الأعضاء، ومجلس الجامعة هو الذي يقرر إخلال الدولة بالواجبات التي يفرضها الميثاق، ويتحقق منه عند مراجعة أعمال الدولة وموقفها من الجامعة أو من دولة من أعضاء الجامعة، وقد أحاط واضعوا الميثاق، حق مجلس الجامعة في الفصل بضمانات وقيود نظراً لخطورة الأمر، ولدى حث الميثاق على ضرورة توفير شرطين لفصل الدولة من الجامعة هي: إخلال هذه الدولة بواجبات الميثاق، وأن يصدر قرار الفصل بإجماع آراء الدول الممثلة في المجلس عدا الدولة المشار إليها، ويجب أن يتضمن قرار الفصل الأسباب الني بنى عليها المجلس الفصل، وتسقط عضوية الدولة المفصولة من تاريخ القرار، وتسقط تبعاً لذلك الحقوق والامتيازات المترتبة على هذه العضوية والمتعلقة بها، ولا يؤثر الفصل في حقوق الجامعة العربية والدول الأعضاء قبل الدولة المفصولة إذ أن التزاماتها لا تسقط بسقوط عضويتها، فالفصل جزاء بحكم ولا يجوز أن يكون سبيلاً لتخلص الدولة من التزاماتها نحو الجامعة أو الدول الأعضاء.
Page 10
‌ج. فقد العضوية بسبب فقدان السيادة:- لم يرد في ميثاق الجامعة العربية حكم لمثل هذه الحالة، ومع ذلك فإنه وفقاً للقانون الدولي فإنه إذا فقدت الدولة العضو سيادتها أو استقلالها بسبب اندماجها في دولة أخرى أو لأي سبب آخر فإنها تفقد عضويتها في المنظمة الدولية بطريقة واقعية، وتجدر الإشارة هنا أنه حينما اندمجت مصر وسوريا في دولة واحدة سميت الجمهورية العربية المتحدة أخطرت الجامعة العربية بأن الجمهورية العربية المتحدة قد حلت محل الدولتين القديمتين وأصبحت عضواً في الجامعة العربية بدلاً منهما، وقد وافق مجلس الجامعة على ذلك ضمنياً بقراره رقم 1429 الصادر في الدورة التاسعة والعشرين والخاص بالتهنئة على قيام الجمهورية العربية المتحدة.
 
‌د. فيما عدا الأصول المنصوص عليها في هذا الميثاق يكتفي بأغلبية الآراء لاتخاذ المجلس قرارات نافذة في الشؤون الآتية:
 
‌أ. شؤون الموظفين.
 
‌ب. إقرار ميزانية الجامعة.
 
‌ج. وضع نظام داخلي لكل من المجلس واللجان والأمانة العامة.
 
‌د. تقرير فض أدوار الاجتماع.
 
وبهذا النص قد استثنيت الموازنة الخاصة لجامعة الدول العربية من مبدأ الإجماع الذي أقره الميثاق في مادته السابعة وأصبح ما يقرره المجلس بشأن الميزانية يسري على كل الدول الأعضاء الموافقة وغير الموافقة على هذه التراتيب المالية. وشكلت إدارة بالأمانة العامة للجامعة سميت إدارة الشؤون المالية مهمتها تحضير ميزانية الجامعة ومراقبة تنفيذها ومسك حسابات الجامعة وحسابات صندوق الادخار للمستخدمين والتوريدات وجميع ما يتعلق بالموظفين مالياً وإدارياً، وتعرض ميزانية الأمانة العامة للجامعة العربية كل سنة على مجلس الجامعة وفق بنود تبين المستهدف من الصرف على كل قطاع على حدة. وفي العادة يتم إقرار الموازنة وفقاً لقرار يصدر من مجلس الجامعة يحدد نصيب كل دولة من هذه الموازنة. وتستند الجامعة في ذلك بعدد السكان والدخل القومي والدخل الفردي. وعادة ما تكون مساهمة الدول العربية النفطية أكثر من غيرها من الدول. ومثالاً على ذلك فإن قرار مجلس الجامعة رقم 2933 بتاريخ 16/3/1972 قد اقر النسب التالية:-