Page 1
جديد الكتاب
هدف هذا الكتاب منذ بداياته الأولى إلى تأطير هذا العلم ووضع بعض الضوابط والقواعد له، استنادا الى الأدلة المنقولة من قرآن وسنة وتطبيقات سلف الأمة وفي مقدمتهم الصحابة الكرام، فضلا عن إجلاء ما أحاط بهذا العلم الشريف، الذي اختص فيه أنبياء عظام وأولياء كرام، من خلط العوام وأخطاء الخواص علّ وعسى أن ينفع به الله ويجلي به ما علق في هذا العلم من جهل الجهال أو ادعاء المدعين.
وتضمن كتابنا "الجديد في رؤى العبيد" كما كبيرا من المحتوى غير المسبوق إليه في كتب هذا العلم، من معلومات ومستجدات عالجت الكثير من المواضيع التي ربما كانت تثير تساؤلات عند الخاصة فضلاً عن العامة.
وتحقيقاً للفائدة المرجوة من هذا الكتاب، فقد اشتمل على عدد كبير من التفاصيل التي ربما يتم التعرض لها للمرة الأولى كإثبات "أن الرؤيا هي كلمات من الله" وذلك من القرآن والسنة.
وكذلك الأمر في إعادة الاعتبار لتفسير "أضغاث الأحلام" الذي فسر بشكل خاطئ على مر العصور واختلاف المفسرين.
إِضافة لما سبق فقد تم إفراد باب كامل لمساعدة القارئ على "التفريق بين رؤى الرحمن وأحلام الشيطان وحديث النفس"، وكذلك على تحديد ماهية "حديث النفس" والتعرف على "الأحلام الشيطانية و قاعدتها."
كما وتم استعراض موضوع " الرموز الثابتة في تفسيرها مع كل عصر" وكذلك "الرموز المتغيرة" وطريقة "التفسير بالاستنتاج."
وشغل التعرف على "زمن حدوث الرؤيا" حيزا لا بأس به من الكتاب لتمكين القارئ من معرفة آخر ما تم التوصل اليه في هذا المضمار المهم , وكذلك "باب تصديق الرؤيا"، و"كيف فسرت بعض الرؤى ".
واشتمل الكتاب كذلك على شرح كيف أن "حدوث الرؤيا التي فيها البشرى ووقوعها يحتاج فقط الى التحدث بها وليس بالضرورة تعبيرها"،في حين أن الرؤيا التي فيها تحذير أو إعلام بخبر مفجع أو مصيبة يحتاج الى "تعبير الرؤيا لكي تقع."
وتم التطرق كذلك الى "شروط تحقق الرؤيا" و "دلائل تحقق الرؤيا" و"المسببات والنتائج في تفسير الرؤيا" لتمكين القارئ من التعرف على كيفية تحقق رؤياه أو عدم تحققها والأسباب المساعدة في ذلك.
وعالج الكتاب كذلك موضوعين جديدين كل الجدة، هما: "رؤيا فلق الصبح" و "كيف يكون المسلم صادقا رغم أنفه."
وأفرد الكتاب كذلك فصلا لـ "باب الأحاديث في الرؤى وتفسيرها والفوائد منها في علم التعبير"، فضلا عن "فوائد حديث «الْتَمِسُوْهَا فِى الْسَّبْع الْأَوَاخِر»" و"تفسير أحاديث أجزاء النبوة على معنى واحد" وربطها مع بعضها البعض.
وكان لتفسير أحاديث "(مِن رَآَنِي فِي الْمَنَام)"، والتي تختلف في معانيها عن بعضها البعض، مكانا هاما في الكتاب. كما وتم الإشارة إلى بعض "الرؤى على زمن الصحابة وزمن ابن سيرين" وكيف تم تفسيرها بالإضافة الى "َتفْسِيْرَيْن عَجِيْبَيْن لِابْن سِيْرِيْن ( هل أخطأ الشيخ ؟)"
وأخيراً إمكانية وكيفية استخدام هذا العلم في "الدعوة الى الله من خلال علم التعبير."
عمان في 1434هـ ـ 2013م
Page 2
شكر وتقدير
الحمد لله حق حمده والصلاة والسلام على رسوله وعبده.
لقد من الله تعالى عليّ بإتمام هذا الكتاب وإخراجه في طبعته الأولى التي أرجو لها القبول والاهتمام كي أتمكن لاحقا من إضافة العديد من النقاط والمواضيع التي كانت تستجد لي وتظهر أثناء كتابتي لهذا الكتاب.
وأود بهذه المناسبة أن أتقدم، بعد شكر الله والثناء عليه، بالشكر والتقدير للأخ الشيخ صالح اللحام الذي كان لمساهمته الكبيرة وجهده المتفاني في تدقيق وتخريج الأدلة والاستدلالات من آي الذكر الحكيم ومن كلام سيد المرسلين الأثر الأكبر في إظهار هذا الكتاب بالشكل الذي ظهر عليه.
كما وأشكر الأخ ماضي عيسى على مساهمته في تدقيق الكتاب لغوياً وقيامه بترجمة موقعي على الإنترنت الى الإنجليزية.
وأسأل الله العلي القدير أن يكتب لهذا الكتاب القبول والانتشار كما وأسأله تعالى أن يوفق كل من أعانني بالقول أو العمل أو الدعاء ويجزيه عني خير الجزاء..
عماد أبو زناد
Page 3
الْمُقَدّمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالْله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مِن يهده الْله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الَله وحده لا شريك له، وأشْهد أن محمدا عبده ورسوله.(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴿١﴾) [آل عمران: ١٠٢]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴿١﴾)[النساء: ١]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ﴿٧٠﴾يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴿٧١﴾)الأحزاب: ٧٠ – ٧١].
أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الْله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الْلّه عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
فقد عزمت متوكلا على الْلّه العلي القدير أن أخوض هذا البحث في مجال علم الرؤى والتعبير وكان مما شدني إليه كثرة التّكرار في كتب الرؤى والتعبير وتفسيرها وأني لم أر فيها من جديد. ولما رأيته من كثرة من تخبطوا في هذا العلم من غير رقيب عليهم وذلك لعدم وجود قواعد للبحث والدراسة فيما يقولون أو يكتبون. وحيث أنه من العلوم الشرعية التي تخص الأنبياء والأولياء الصالحين وحيث أهمله أهله من الأولين والآخرين ولم يوضع له ضوابط وقواعد تيسر لمن يبحث فيه.
فكما أسلفت فإن هذا العلم هو علم الرسل والأنبياء و يجب أن يجدد في كل عصر لما يدخل عليه من رموز وأحوال جديدة ولزم أن يكون من العلوم المتجددة في كل عصر وزمان لما يستجد من الرموز والقواعد والدلالات.
وتجد أن هذا العلم قد برع فيه علماء من كل الديانات النصرانية واليهودية وكذلك الإسلامية طبعا وقد أورد بعض السابقين من المؤلفين أسماء هؤلاء لذا فالرؤى لا تقتصر على أهل ديانة معينة وإنما هي لكل البشر.
لقد قرأت في هذا العلم العشرات من المؤلفات والكتب وما رأيت فيها إلا تكراراً لنفس المعلومات في كل الكتب وحتى نفس أسماء الفصول والأبواب من علمائنا السابقين والحاضرين و يلحظ هذا التّكرار من كان له الدراية والمعرفة في هذا المضمار ومن كان خارجه . وما كان محتوى هذه الكتب إلا تَكرارا بعنونة مختلفة وما هو إلا نقل لا أكثر حتى إنني ارتأيت أن الكثير من إخواننا المحدثين الذين كتبوا في هذا المجال نقلوا من أفكار السابقين وعباراتهم بالنص والحرف ولم يعزوها إلى مؤلفيها أو يذكروا شيئا من ذلك وهذا ليس من الأمانة العلمية. حتى إن البعض كتب مواضيع عجيبة منها (هل يرى الحيوان رؤى وكذلِك الجن)، واللَّه المستعان. ومنهم من اختص بعلم التفسير فترى كتابه في الرؤى انتهج نهج التعمق في الآيات وتفسيرها وكمن خاض في مسألة من ولد قبل إسماعيل ابن إبراهيم عليه السلام أم إسحاق.
Page 4
ومنهم من خاض في تخريج أحاديث الرؤى وكأن كتابه هو لتخريج الأحاديث وليس كما عنونه ولو أخذت أي كتاب يقع بين يديك في هذا العلم وبشكل عشوائي لعلمت ما أرمي إليه عن هؤلاء الذين ما زادوا المسلمين إلا حيرة.
ولشدة نقص الْمَكتبات في هذا العلم قام بعض الطامعين بعمل إصدارات لبعض الكتب القديمة وترويجها بعنونة جديدة وعملوا على التغيير البسيط فيها أو حذف بعض منها والغاية من ذلك هي الكسب وليس خدمة العلم.
وحيث أننا في عصر تسوده الفوضى المعلوماتية حيث تتوفَر التكنولوجيا ويسهل الحصول على المعلومات بدون أن يميز القارئ الدقة في صحة المعلومات، استعنت بالْلَّه لأضع بين يدي القارئ هذا البحث المتواضع وأسميته الجديد في رؤى العبيد.
ووضعت حرف (ج) مع كل جديد لم يرد سابقا في كتب التعبير والتأويل، وأوردت الأدلة على أي جديد من القرآن أو السنة أو من التجارب التي رأيتها وسمعت بها من رؤى الناس.
وكان أسلوبي في هذا البحث أن أبين للقارئ ما توصلت إليه من أدلة علمية على ما أوردت من جديد (وأيضا فقد وضعت في نهاية كل حديث رقم يستطيع القارئ من خلاله الرجوع بنهاية الكتاب إلى الأحاديث ليعرف صحة ومصدر هذا الحديث.) كما رأيت أن يكون البحث شاملا يفيد القارئ والمعبر على حد سواء، أما تعليقاتي على بعض الكتب فقد اكتفيت بذكر اسم الكتاب دون اسم الكاتب وذلك لما رأيت فيه من عدم التشهير بذلك الكاتب حيث أنها من هدي الرسول صلى الله عليه وسلم حيث كان إذا رأى ما لا يعجبه من قول أو فعل فكان يقول ما بالي أرى أقوام يقولون أو يفعلون كذا وكذا دون التعرض لأسمائهم.
أسأل الله أن يجعلني ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه وأن يجعل عملي خالصا لوجهه عز وجل ويزيدني مما علمني إنه هو السميع المجيب وصلى الله على محمد وسلم تسليما كثيرا.
والحمد لله رب العالمين
* * *
Page 5
تمهيــــــد
لقد فطر الْلَّه الإنسان على حب المعرفة، وهو تواق دائما لمعرفة أمور الغيب وما سيئول إليه مصيره من خير أو شر، وكثير من الرؤى تغير حياة الإنسان وخاصة إذا اهتم بتفْسيرها، فمنها ما يدخل البشرى على حياة ذلك الشخص بحصول منفعة دنيوية ومنها ما يحذره من الوقوع بمصيبة أو من بلاء سيصيبه ليستعد له، وقد اعتمد بعض الناس على التعامل مع العرافين والفتاحين حتى إنهم استحدثوا طريقة الفتح في فناجين القهوة، وحيث أن مثل هذه الطرق لا تزيد الإنسان إلا ضلالا وجهلا وبعدا عن الدين مصداقا لقول رسولنا عليه الصلاة والسلام (من أتى عرافا لم تقبل له صلاة أربعين يوما)، ولنعلم أن كل ما يقوله هؤلاء الدجالون هو من باب الدجل والتضليل، ولكن الذي يحدث مع الإنسان أنه عندما يسمع من هذا الدجال خبرا واحدا صادقا ومن ثم يتبعه بالأخبار الكاذبة التي ما أنزل الْلَّه بها من سلطان فيكون تركيز هذا الإنسان على حدوث الخبر الصادق ويعتقد أن هذا الدجال استطاع أن يعرف عنه أو عما سيحدث له ويكون إيمانه به كبيرا وقد أعلمنا الْلَّه عز وجل كيف يحدث ذلك من الآية الكريمة:(إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ ﴿١٨﴾) [الحجر: ١٨] ومعنى هذه الآية من التفسير الميسر: (إلا من اختلس السمع من كلام أهل الملأ الأعلى في بعض الأوقات، فأدركه ولحقه كوكب مضيِء يحرقه. وقد يلقي الشيطان إلى وليه بعض ما استرقه قبل أن يحرقه الشهاب.)
فهنا من التفسير يتبين لنا أن بعض الشياطين والجن يستمعون إلى الملأ الأعلى ويعلمون بعضا من أخبار السماء فيلقونها إلى أوليائهم من الإنس الذين يتعاملون معهم، ثم يقوم هذا الإنسي بإبلاغ صاحب الشأن بهذا الخبر ويضيف عليه من الإخبار الكثيرة وهي من كذبه .
وعند حدوث هذا الخبر الْصادق فما يكون من هذا الشخص إلا أن يركز على الخبر الصادق وينسى معه الكثير من الأخبار الكاذبة ويزي إيمانه وتعجبه من هذا الدجال وكيف أنه أستطاع أن يبلغه بأخبار عنه لا يعلمها أحد إلا الله.
والمستمع كما قلنا لا يسعه إلا التصديق بهذا العراف والإيمان به ولا يعلم أنه لا تقبل له صلاة أربعين يوما كما فِي الحديث عن النّبي -صلى الْلَّه عليه وسلم قال (مَن أَتَى عَرَّافا فَسَأَلَه عَن شيءٍ لَم تُقْبَل لَه صَلَاة أَرْبَعِيْن لَيْلَة.)(1).
ولكن سبحان الخالق القائل في كتابه الكريم (اليوم أكملت لكم دينَكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) فقد حسدنا اليهود على هذه الآية وقالوا لو أنزلت عليهم لكانت لهم عيدا. فديننا الحنيف قد اكتمل، ولم يبق شيء يعلم الناس دينهم وتقربهم إلى الْلَّه إلا وقد أتى به وما من شر وبعد عن الْلَّه إلا وقد نهانا عنه.
Page 6
فالرؤى من الْلَّه تعطي المسلم أخباره وأخبار من حوله وتبشره بالخير ولكن كما قيل ما ظهرت من بدعة إلا وأماتت سنة وما أحييت سنة ألا وأماتت بدعة.
وقد حاولت في هذا البحث الصغير أن أعطي القارئ ما يهمه من الأمثال ومن واقعنا ومن واقع الصحابة ما يجعله على يقِين مِما يرى فمثلا كتبت في أحد الأبواب أنه كيف يَكون المسلم صادقا رغم أنفه إذا علم من هذا العلم ما يفيده في الدنيا والآخرة، ويتغير مجرى حياته وهذا بدلِيل من بعض أحاديث الرسول صلى الْلَّه عليه وسلم عن الرؤى وكيف يستطيع تحقيق رؤاه.
أو كما يقولون في العامية (تحقيق أحلامه) وأيضا كيف يستطيع المسلم أن يبعد عن نفسه الأحلام التي من الشيطان. وذكرت أيضا بعض الرؤى التي لم يتعرض لها أحد من علماء الرؤى ومروا بها على أنها لا تعني شيئا، وهي من الرؤى العظِيمة التي تبشر صاحبها بكل خير. وقد أوردت بعض الأحاديث في الرؤى والتي اختلف على تفسيرها كبار العلماء السابقين مثل كتاب التعبير شرح البخاري وابن حجر العسقلاني، وابن سيرين. فمثلا اهتم كتاب "فتح الباري شرح صحيح البخاري" بمعنى مفردات الحديث وقول أهل العلم في المسائل المختلف عليها والزيادات التي وردت في أحاديث الرؤى ورواتها ولم نجد مثلا من ترجيح لمسألة بدليل شرعي أو من جديد في علم التعبير، حيث وجدت لهذا الاختلاف تفسيرا وبدليل من القرآن، كحديث (أجزاء النبوة) وأيضاً حديث (على رجل طائر) وأيضا ما وجدته من قواعد جديدة في هذا العلم وتوضيح أن هناك رموزاً ثابتة لكل عصر ورموزا متغيرة ،مع الدليل على ذلك، وما لم يفسر من قبل علمائنا السابقين من الرؤى والتي تعد من أعظم الرؤى حيث مروا عليها دون تعليق أو تفسير، وهي الرؤى التي مثل فلق الصبح، وأيضا كان لي بعض التعليقات والنقد على من كتب في هذا العلم من الكتب الحديثة، دون الإسهاب في هذا النقد، حيث رأيت فيها كثيرا من المغالطات ولكني اكتفيت أن أذكر بعضها ولو أني رأيت من الكتب التِي لا تستحق أن توضع على رفوف المكتبات.
وقد ابتعدت في بداية بحثي عن الكتابة في نقد البعض ولكن لما رأيت أن هذا من الحق الذي يجب أن يعلمه الناس والحق أحق أن يتبع، أوردت بعضا من الخلل والخطأ الذي وقع به الكثيرون والله أسال التوفيق والسداد بكل ما سطرته وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم الذي علمني وزادني من فيض هذا الدر الثمين وأن له الرجعى وهو المستعان على كل أمر.
* * *
Page 7
تساهل أهل هذا العلم والزهد فيْه
لقد تساهل أهل العلوم الشرعية في علوم الرؤى والتعبير فلم نجد من كتب فيه بجدية وقد أخذ هذا العلم أقل الحظوظ في كتب السابقين فلو نظرنا في كتاب التعبير في صحيح البخاري وشرحه لوجدناه سردا للأحاديث ومعاني المفردات والزيادات وتخريجا للأحاديث وذكر أقوال أهل العلم في كل مسألة وقس على ذلك ايضا بعض السابقين فمنهم من كتب ولم يفرق بين الأحاديث الصحيحة والضعيفة، ومنهم من أعطى رأيه في المسألة المطروحة ولم يأت بدلِيل.
فمثلا الكتب التي نسبت إلى ابن سيرين وهي ليست له كانت جميعها عن رؤى رآها أهل عصره وكيف كان تفسيرها مع العلم أن ابن سيرين لم يهتم بالكتابة حتى أنه روي في كتاب الطرق الحكمية لابن القيم (وقد قال ابن سيرين رحمه الله: (لو كنت متخذا كتابا لاتخذت رسائل النبي صلى الله عليه وسلم)، وأيضا قول ابن خلدون عن ابن سيرين (وكتبت عنه في ذلك قوانين)، فيه إشارة أنه لا تصح نسبة أي كتاب في تفسير الأحلام لابن سيرين ككتب: (تعبير الرؤيا، أو منتخب الكلام في تفسير الأحلام، أو تفسير الأحلام، ، أو غيرها من الكتب.) مقتبس من كتاب ضوابط الرؤيا.
وقد قيل أن أحد الناس أعطاه كتابا فرفض أن يبقيه في بيتِه ولو ليوم واحد، ولو أنه كتب لنا لوجدنا منه القواعد والعلومات الكثيرة ،ومن طريقة تفسيره للرؤى يتبين لنا مدى ذكائه وإلهامه.
وممن أشتهر بهذا المجال أيضاً الشيخ عبد الغني النابلسي والذي كان كتابه في الرموز وما تدل عليها ولم نجد له أيا من القواعد أو الضوابط والقواعد الجديدة أو تفسير ما اختلف عليه من تفسير للأحاديث وغيرها.
وَهَذَا مَا حَدَث أَيْضا فِي كُتُب الْمُعَاصِرِيْن، أَلَا أن كُتب أَهْل هَذَا الْعَصْر اتخذت مَنْحَى جَدِيدَا فِي نَّقْل أجزاء مِن كُتُب الْسَّابِقِيْن كَمَا وَرَدَت دُوْن الإشارة إلى أنها لَيْسَت مِن أَقْوَالِهِم، وَكَثِير ممَّن كَتَبُوا فِي مُقَدِّمَات كُتُبِهِم أن هَذَا الْعَلَم يَحْتَاج إلى جَدِيد وَاعْتَقَدْت أن كُتُبِهِم أَتَت بِجَديِد وَلَكِنَّهَا جاءت كَمَا قَالُوْا، فَمَثَلَا قَال الكاتب فِي كِتَابِه (الْرُّؤَى والأحلام فِي سنة هَادِي الأنام-ص 20): (فَأَقُوْل أن كُل مَن كَتَبُوْا فِي مَوْضُوْع الْرُّؤَى والأحلام فِي عَصرِنَا الْحَاضِر لَم يَأْتُوا بِجَديِد وَلَا أُبَالِغ إذا قُلْت أن كُل مَن كَتَبُوا فِي هَذَا فهُم عِيَال عَلَى ابْن حَجَر الْعَسْقَلَانِي وَغَيْرِه مِن الْشُّرَّاح الْسَّابِقِين) فَمِن هُنَا نُدْرِك أن هَذَا الْعَلَم يَحْتَاج إلى مَن يُجَدِّد فِي قَوَاعِدِه وَدلالاتِه وَرُمُوزه الَّتِي تَتَغَيَّر مِن زَمَان إلى آخَر وَأن يَفصِّل وَيَشْرَح مَا لَم يَتِم شَرْحُه فِيْمَا جَد مِن جَدِيد فِي زَمَانِه، وَقَد اسْتَبْشَرَت خَيْرا بِتِلْك المقدمة مِن الْمُؤَلِّف وقلت عَسَى أن أَلْقَى فِي الكتاب مِن جَدِيد وَلَكَن كَبَاقِي الْكُتُب وَكَمَا كَتَب لَم يَأْتوا بِجَديِد وَلَم يَأْت هُو أيضا بِجَدْيِد--، وَلَيْس هَذَا فقط وَلَكِنَّه أنكر مَعْنَى أَحَادِيث الأجزاء وأنها لِلبَشَر وَخَصَّهَا للأنبياء كما ورد في الْحَدِيث الذي قَال فيه رَسُول الْلَّه صَلَّى الْلَّه عَلَيْه وَسَلَّم: (الْرُّؤْيَا الْصَّالِحَة جُزْء مِن خَمْسَة و عِشْرِين جُزْءا مِن الْنُّبُوَّة.)(2).
Page 8
وفِي ص 29 كتب: (وَلَا يَتَخَيَّل أَيْضا مِن الْحَدِيث أَن رُؤْيَا الْصَّالِح جُزْء مِن النبوة فَإن الْرُّؤْيَا إنما هِي جُزْء مِن أَجْزَاء الْنُّبُوَّة فِي حَق الأنبياء وَلَيْسَت فِي حَق غَيْرِهِم مِن أَجْزَاء الْنُّبُوَّة، فَيَكُوْن الْمَعْنَى أَن الْرُّؤْيَا الْوَاقِعَة لِلْصَّالِح تُشْبِه الْرُّؤْيَا الْوَاقِعَة للأنبياء الَّتِي هِي فِي حَقِّهِم جُزْء مِن الْنُّبُوَّة فِي الأنبياء.) وَيَعُوْد الْكَاتِب لِيَنْفِي مَا أَكَّدَه وَيُثَبّت أنّها جُزْء مِن الْنُّبُوَّة وَذَلِك ص 32 (فَفِي هَذِه الأحاديث بِشَارَة مِن الصَّادِق الْمَصْدُوْق عَلَيْه الْصَّلاة وَالْسَّلام لِلْمُؤْمِنِيْن بِبَقَاء مَا يُتَحِفَهُم وَيُؤْنِسَهُم مِن أَجْزَاء الْنُّبُوَّة) وَأَيْضا فَقَد حَصَلَت عَلَى كِتَاب تَفْسِير الأحلام بَيْن الدَّين وَالْعِلْم وَقَد كُتِب عَلَى صَفْحَتِه الأولى: (وَفِيه نَقْد وَتَحْلِيل لِكُتُب الْمَنَامَات المشهورة.) فَقَد كَتَب فِي مُقَدِّمَة الْكِتَاب: ص6 (فَجَاءَت الْكِتَابَات وَالْكُتُب، نسخَا مُطَابَقَة لِبَعْضِهَا الْبَعْض بِالشَّكْل وَالْمَضْمُون، كُتُبا لَا تَحْمِل أَي جَدِيد، فَكَانَت الْكِتَابَات مِن قَبل كتّاب جُدد، عَالَة عَلَى الْكتّاب وَالْكُتُب القديمة.) وَقَال أيضاً فِي ص7 (لَقَد أَطْلَعَت عَلّى كتب تَفْسِيْر الأحلام القديمة فَوَجَدْتُهَا تُغْفِل الْجَانِب الْمَادِّي للأحلام، وَالْجَانِب السيكولوجي، وَتُرَكِّز عَلَى الْجَانِب الْرُّوْحِي) فظننت لأول وهلة أَنِّي وَقَعَت عَلَى ضَالَّتِي الَّتِي أَبْحَث عَنْهَا فَحَضَرَت نَفْسِي هُنَا لأقرأ الْجَدِيْد مِن هَذَا الكاتب، فَأَخَذ فِي بِدَايَتِه يَتَحدّث عَن الآيات فِي الْقرآن الَّتِي تَتَحَدَّث عَن الْنَّوْم وَعَن الصعقة وَالْفَرْق بَيْنَهَما وَأَخَذ بِتَفْسِيرِهَا وآياتٍ أُخْرَى وَمَن ثُم ذَكَر الأحاديث الَّتِي وَرَدَت عَن الْنَّوْم والأحلام وَتَفْسِيْرهَا في مَا يَقْرُب مِن مِئَة صَفْحِه مِن كِتَابِه الْبَالِغ ثَلاثَمائة وَخَمْسِيْن صَفْحَة وَمَا حَوَت من تَعْلِيْق مِنْه عَلَى تِلْك الآيات والأحاديث وَلَم يَكُن بِهَا مِن جَدِيْد. وَأَيْضا كَمَا عَنْوَن كِتَابِه عَن الْنَّقْد وَالتَّحْلِيل لِكُتُب الْمَنَامَات المشهورة فَقَد كَانَت هَذِه التَحْلَيلَات وَالْنَّقْد عِبِارة عَن وَصْف مُخْتَصَر لُأَبْوَاب الْكتَب الَّتِي قَرَأَهَا وَلَم نَجِد أَي تَحْلِيْل أَو نَقْد كَمَا ذكَر في العنوان، وَقَد قَال فِي كِتَابِه ص 109 (فالأحلام لَيْسَت وَقْفَا عَلَى الْكَبِير دُون الْصَّغِيْر .. وَلَا عَلَى الإنسان دُوْن الْحَيَوَان .. وَلَيْسَت أَحْلَام الْحَيَوَان كَأَحْلَام الإنسان.)
فَمَن أَيْن أَتَى بِذَلِك أن لِلْحَيَوَانَات أَحْلَامَا وَهَل اكْتشف الْعُلَمَاء جِهَازَا نَسْتَطِيع مِن خِلَالِه مَعْرِفَة أَن الْحَيَوَانَات لَهَا أَحْلَام أَو هَل توَصِّلُنَا لِطَرِيقَة تعيننا على أن نَّتَكَلَّم مَع الْحَيَوَانَات أو الجن وَنَفْهَم مِنْهُا إذا كَانت ترى أَحْلَامَا، أقُوْل مَا هِي أَلَّا أوهام فِي عُقُوْل الْنَّاس. وحيث سمعنا من بعض علماء النفس حتى أن الجنين في بطن أمه يرى أحلاما ولكن هنا يجب التنبيه إلى أمر مهم وهو لو نظرنا إلى الحكمة التي أرادها الله عز وجل من إعطاء الرؤيا للإنسان فهي إما لتبشره بخير يأتيه أو تحذير من أمر ليتجنب الوقوع فيه أو أن بلاء معين سيصيب هذا الإنسان كي يستعد له، ولكن لو كما قالوا أن الجنين يرى الرؤى فأقول ما الفائدة والحكمة من ذلك، فهل يستطيع هذا الجنين أن يذكر رؤياه بعد الولادة ويتحدث بها أو هل يستطيع ذكرها بعد أن يكون قادرا على النطق أيضا. لا أرى من فائدة ترجى من أقوال هؤلاء وَانْظُر إلى تَجْرِبَة ذلك الكاتب في كتابه (تفسير الأحلام بين الدين والعلم) الَّتِي يُبَاهِي بِهَا فِي ص 125 حيث يقول: (لَقَد أَجْرَيْت عِدَّة تَجَارِب عَلَى أَشْخَاص بِحَيْث أَعْطُوْا عَقَاقِير تُوقِّف الُقدرَة عَلَى رُؤْيَة الأحلام، فَتَغَيَّرَت طِبَاعهِم وَقُدُرَاتِهِم عَلَى الْتَّعَاطِي مَع الْمَشَاكِل) وَهْنَا يدّعيَ هَذَا الدُّكْتُوْر أنَّه قَادِر عَلَى تَوْقِيف الرؤيا الَّتِي هِي مِن الْلَّه، فَسُبْحَان الْلَّه إذا كَان هَذَا مَا توَصَل لَه بَحْثِك وَعَلَمك فأقول نَحْن لَسْنَا بِحَاجَة لِمَن يَدَّعِي أن أحدا قَادِر عَلَى تَوْقِيف مَا أَرَادَه الْلَّه أم أن هَذِه الْرُّؤَى تَأْتِي بِأَمْر مِن الْعُلَمَاء الَّذِيْن هُم عَلَى مَنْهَجُك. اسْتَغْفِر الْلَّه فَهَذَا بُهْتَان عَظِيْم وَقَد كَتَب هَذَا الْرَّجُل كِتَابَه عَام 1999 فَأَقُوْل أين الَّذِين قرأوا هَذَا الْكِتَاب وَسَكَتُوا عَلَى مِثْل هَذَا الضَّلَال، وسأورد تَعْلِيْقَاتِي عَلَى مَا كُتِب في الأبواب القادمة.
Page 9
أقسام هذا العلم
ينقسم هذا العلم إلى قِسْمَيْن:
أحَدُهُمَا يَخْتَص بِعِلْم الْتَّعْبِير وَمَا فِيه مِن آياتٍ وأحاديث وَقَوَاعِد وَرُمُوز وَقَرَائِن تُسَاعِد المُعبٍر على الْوُصُول الى أحسن الْتَّعْبِير وَمِن النَّاس مَن اخْتَص فِي هَذَا الْعِلْم وَلَكِن لَيْس لَه مَن قَدْرِة عَلَى تَفْسِير الْرُّؤَى.
وَالْقِسْم الآخر مِن اسْتَطَاع أن يُفَسِّر وَيُعَبَّر لِلْرَّائِي مَا رآه وَلَكِن لَيْس لَه عِلْم فِي هَذَا الْعلَم وَلَو قُلْنَا كَيْف فالجواب هو التالي: إن مَن الْمُعَبِّرِين مَن لَه الْفِرَاسَة والإلهام مِن اللَّه عَز وَجَل لِّتَعْبِير الْرُّؤَى وَلَكِن لَو سَأَلْتَه مَاذَا يَعْنِي الْرَّمْز هَذَا أو سألته عَن قاعدة مُعَيَّنَه فَمِنْهُم مَن لَا يَسْتَطِيع إجَابَتك.
وَلَكِن لَو وَرَد هَذَا الْرَّمْز فِي رُؤْيَا مُعَيَّنَة فَهو يَسْتَطِيع تَعْبِيرَهَا ضِمْن هَذِه الْرُّؤْيَا بِشَكْل كَامِل وَمِنْهُم مَن يَكُون لَدَيْه الْخبْرَة وَالْمَهَارِة بِذَلِك، وَلَكِن الْخَيْر كُل الْخَيْر لِمَن اسَتَطَاع أن يَجْمَعُهُمَا مَعَا وَنَقْصِد هُنَا أن الإنسان لَا يَسْتَطِيع أن يَحْصُل عَلَى الْفِرَاسَة والإلهام إلَا بإُذن الْلَّه وَلَكِن مَن أَعْطَاه الْلَّه هَذِه الْفِرَاسَة والإلهام فَعَلَيْه أن يدرِس هَذَا الْعِلْم وَيَجْتَهِد فيِه وَالتَّوْفِيق مِن الْلَّه عَز وَجَل.
وَاعْلَم أُخَي أنَّه رُوِي عَن الْسَّابِقِين أن مِنْهُم مَن أَعْطَاه الْلَّه هَذَا الْعِلْم إلهاما فَمَثَلَا رُوِي عَن ابن سِيْرِيْن أَنَّه قَال رَأَيْت فِي الْمَنَام كَأَنِّي دَخَلْت الْجَامِع فَإِذَا أَنَا بِمَشَايِخ ثَلَاثَة وَشَاب حَسَن الْوَجْه إِلَى جَانِبِهِم فَقُلْت لِلْشَّاب مَن أَنْت رَحِمَك الْلَّه قَال أَنَا يُوْسُف قُلْت فَهَؤُلَاء الْمَشْيَخَة قَال آبائي إِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب فَقُلْت عَلِّمْنِي مِمَّا عَلَّمَك الْلَّه قَال فَفَتَح فَاه وَقَال انْظُر مَاذَا تَرَى فَقُلْت أُرَى لِسَانَك ثُم فَتَح فَاه فَقَال أُنْظُر مَاذَا تَرَى فَقُلْت لِسَانَك فَفَتَحَه ثَالِثَة فَقَال أُنْظُر مَاذَا تَرَى قُلْت أَرَى قَلْبِك فَقَال عَبّر وَلا تَخَف فَأَصْبَحت وَمَا قَصَّت عَلَيّ رُؤْيَا إِلَّا وَكَأَنِّي انْظُر إِلَيْهَا فِي كَفِّي.
وَقَرَأنَا فِي كُتُب الْسَّابِقِين عن بعض من تَعلَّم هَذَا الأمر إِلهَامَا مِن الْلَّه عَزَ وَجَل وَلَم يُنْكِر الْعُلَمَاء الْسَّابِقُون عَلَى هَؤُلَاء وَلَكِن لَم نَر فِي عَصْرِنَا هَذَا مَن تَعَلَّم هَذَا الْعِلْم هَكَذَا ولكن كما قيل ما استقام إلهامه مع الشرع فهذا يؤخذ منه ومن كان غير ذلك فهو مردود عليه.
* * *
Page 10
إَثْبَات حَقِيْقَة الْرُّؤَى
إن كَثِيرا مِن الْنَّاس قد أنكر الْرُّؤَى وأنها مِن الْلَّه عَز وَجَل وَأفاض فِي أفكار عديدة لإنكار هَذَا الأمر ومن طَوَائِف الْمُسْلِمِيْن أيضا مِن أنكر عَذَاب الْقَبْر.
وَلَسْنَا هُنَا بِالْمَقَام لِذِكْر هَذِه الْطَّوَائِف ومُعْتَقَدَاتِهَا فِي هَذَا الأمر، وإنما سَيَكُون هَذَا البَاب لِإِثْبَات حَقِيْقَتهَا بِالَّدَّلِيل مِن الْقرآن والسنة.
وَنَبْدَأ بِقَوْل الْلَّه عَز وَجَل (ثُمَّ أَنْتُمْ هَٰؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ۚ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴿٨٥﴾) [البقرة: ٨٥].
ومن الْمَعْنَى الْعَام لِهَذِه الآية يَتَبَيَّن لَنَا أنّ عَلَى كُل مُسْلِم أن يُؤْمِن بِجَمِيْع آيات كِتَاب الْلَّه عَز وَجَل وَلَا يأخذ بِقَوْل مَن خَالَف هَذَا الْكِتَاب أَو مِن عَارَضَه فَيُؤْمِن بِبَعْض وَيُخَالِف بَعْض، فَهَذَا الأمر يُخْرِجُه مِن دَائِرَة الإسلام إلى دَائِرَة الْكُفْر، نَعُوْذ بِالْلَّه مِن ذَلِك.
وَقَد سُئِل رَسُول الْلَّه صَلَّى الْلَّه عَلَيْه وَسَلَّم عَن تَفْسِيْر الآية الْكَرِيمَة فِي سُوْرَة يُوْنُس (لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۚ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿٦٤﴾) [يونس: ٦٤].) (فعَن عَطَاء بْن يَسَار عَن رَجُل مِن أَهْل مِصْر قَال سَألْت أَبَا الدر داء عَن قَوْل الْلَّه تَعَالَى ﮋ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥﮊ فَقَال مَا سألني عَنْهَا أَحَد غَيْرَك إِلَا رَجُل وَاحِد مُنْذ سَأَلْت رَسُول الْلَّه -صَلَّى الْلَّه عَلَيْه وَسَلَّم- سَألْت رَسُول الْلَّه – صَلَّى الْلَّه عَلَيْه وَسَلَّم- فَقَال: (مَا سألني عَنْهَا أَحَد غَيْرَك مُنْذ أُنْزِلَت، هي الْرُّؤْيَا الْصَّالِحَة يَرَاهَا الْمُسْلِم أَو تُرَى لَه) (3). وَمِن هُنَا فَمَعْنَى الْبُشْرَى هِي الْرُّؤْيَا الَّتِي يَرَاهَا الْمُسْلِم فِي الْمَنَام.
وَقَد تَبَيَّن لَنَا مِن خِلَال تَفْسِيرِه عَلَيْه السَّلَام لِهَذِه الآية أنها الْرُّؤْيَا الْصَّالِحَة وَحَتَّى لَا يَخْتَلِف عَلَيْهَا أحَد مِن جهة الْتَّفْسِير فَقَد فُسِّرَت مِن قَبلِه عَلَيْه الْسَّلَام في الْحَدِيْث الْصَّحِيح.
وأيضا قَوْل الْنَّبِي صَلَّى الْلَّه عَلَيْه وَسَلَّم: (إِذَا رَأى أَحَدُكُم الْرُّؤْيَا يُحِبُّهَا، فَإِنَّهَا مِن الْلَّه، فَلْيَحْمَد الْلَّه عَلَيْهَا، وَلْيُحَدِّث بِهَا وَإِذَا رَأى غَيْر ذَلِك مِمَّا يَكْرَه، فَإِنَّمَا هِي مِن الْشَّيْطَان، فَلْيَسْتَعِذ مِن شَرِّهَا، وَلَا يذَكرهَا لِأحَد، فَإِنَّهَا لَن تَضُرَّه.)(4).