إهداء
إليك لحظاتٍ الألم والأسى التي لولاكِ
ما انبسجت تلك المعاني والأفكار.
فالمعنى من المعاناة أبلغ..
والكَِلمُ من الألم أبيَن.
أملاً ورجاءً أن تنتفي مسَّببات الألم لتبقى
الكلمات عبرةً وذكرى تحجز عن معاودة الكرَّة.
معتز الخطيب
تقديم
طارق البشري(*)
[كلنا يعلم كيف يقرأ طارق البشري الكتب وكيف يعلق
عليها تعليقاً هو في الغالب إضافة إليها وتقوية لفكرتها]
محمد سليم العوا[1]
(1)
هذا الكتاب يسعدني أن أقدم له؛ لأنه يشمل موضوعاً أكاد أقول: إنه من أهم ما يتعين أن ينشغل به الفكر السياسي لدينا في هذه الفترة. وهو يتناول مسألة ما أحرانا أن نقف عندها طويلاً؛ بمثل ما تأملها صاحب الكتاب، وقد توافر لديه القدر المناسب من الإحاطة الفكرية بالظاهرة السياسية التي ينظر فيها، وجمع لها من وجهات النظر المتنوعة والمتخالفة ما أثير ويثار بشأن هذه الظاهرة، حتى يكون قارئه على بصيرة بهذه الوجهات جميعاً، وكان لديه من الصبر والمثابرة في عرض وجهات النظر ما يندر وجوده بين الشباب في مثل سنّه، وما قد يَغبطه عليه بعض الشيوخ!.
الموضوع في ظني يدور في إطار هذه العلاقة الجدلية بين الفكر السياسي وبين الحركة السياسية، ويتعلق بالتأثير المتبادل بينهما. وإذا كانت الحركة السياسية - لا شك - تصدر عن فكر تحددت به الرؤى والتوجهات، ثم انبعثت به دعوة ثم تمثلت في إطار تنظيم بشري حركي يصدر عن هذا الفكر ويستهدف الغايات التي رسمها، إذا كان ذلك كذلك، فإن هذا الفكر ذاته إنما كان ثمرة تلاقح بين واقع فعلي مرئي معيش وبين مصدرية فكرية سابقة.
وإن الفكر لا يتولد في تجدداته وتعدلاته وتغيراته - أي لا يتولد في حركته - إلا باتصاله بواقع معيش، وبنظر إلى أوضاع هذا الواقع المعيش، واتخاذ موقف اختياري منه. وفي ظني أنه لا يوجد فكر يَجدّ ويطرأ إلا ويكون متأثراً بواقع ما جدَّ فيه وما طرأ.
والأكثر رجحاناً في ذلك أنه لا يوجد فكر ينتشر وتتشكل به حركات سياسية أو اجتماعية إلا ويكون هذا الانتشار ذاته تعبيراً عن ظاهرة حاضرة. فثمة ظاهرة حاضرة وحاصلة، وثمة تعبير فكري عنها نتج عن التقاء فكر ما بواقع ما وعن تفاعلهما معاً.
وعلى أي حال، فإن كل مجتمع أو جماعة، وهو يتعامل مع أوضاعه إنما يتعاطى من مخزونه الثقافي ويصوغ حركته وأفعاله وردود فعله، ويصوغ تعبيره عن ذلك من رصيده الفكري العام، أياً كان تقديرنا لأفعاله وردود فعله بالنفع أو الضرر، وأياً كان حكمنا على تعبيره الفكري بالصحة أو الخطأ.
إن مؤرخين لاحظوا - مثلاً - أن الفرنسيين هم من عاد إلى التاريخ الإغريقي ونظام المدينة فيه، وهم يبنون موقفهم من نظم الحكم وينجذبون إلى النظام الديمقراطي يحددون أطره ويردون أصوله إلى سوابق تاريخية، كما أن الألمان هم من عاد إلى التاريخ الروماني وهم يبنون موقفهم من بناء الدولة القوية وينقبون عن السوابق التاريخية. وفي كلا الأمرين نلحظ أن الخيار معاصر ولّدته التجربة السياسية المعيشة، وأن الصياغة التاريخية كانت سحباً من المخزون التاريخي والفكري لمجمل الحضارة الأوربية.
وبالمثل ظهرت الفاشية في إيطالية في عشرينيات القرن العشرين من خلال بعث الأمجاد الرومانية، في حين ظهرت النازية الألمانية من خلال توجهات ما في الفكر الاشتراكي والذي كان سائداً في حاضر ألمانية وماضيها القريب. كما أن بعض الساسة لاحظ أن السياسة الاستبدادية العدوانية في الولايات المتحدة الأمريكية كانت تتلمس تعبيرات لها من الرصيد الليبرالي الحرّ. وفي كل هذه الحالات نلحظ سياسات هي أفعال وردود أفعال واقعية لبلاد أو جماعات أو تيارات فيها، وهي في ذات الوقت تستدعي مخزوناً ثقافياً يكون مناسباً في التعبير عنها، وتصوغه بما يعبر عن موقفها الحياتي الراهن.
(2)
ومن جهة الفكر، فله طبعاً أنساقه ومرجعياته الذاتية وأبنيته المنطقية وتراكماته التاريخية، وله أيضاً ضوابطه وحدوده وأصوله التي تميزه عن غيره، ويمكن القول: إنه تجاوزها أو اعتَسَفَها في التفسير، وذلك بالخروج عن الضوابط والحدود المتعارف عليها، سواء كان فكراً عقيدياً أم نظريات سياسية أو اجتماعية أو ما شابه، ولكن كل فكر - في هذا النطاق وبأصوله وثوابته - إنما يحتوي في التوظيف الحركي على إمكانات غلو وإمكانات اعتدال. والواقع أو الظرف التاريخي أو موقف جماعة معينة ورؤيتها، هو ما يُنعش إمكانية من هذه الإمكانيات أو يُضمرها.
الفكر الإسلامي نجد فيه - ووجدنا في السوابق التاريخية - اتجاهات مغالاة واتجاهات اعتدال، سواء في النسق العبادي أو في أنساق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والفكر القومي أو الوطني نجد فيه - ووجدنا في تاريخه وفصائله - اتجاهات مغالاة واتجاهات اعتدال، وكذلك الفكر الاشتراكي وجدنا فيه تيارات مغالية وأخرى معتدلة. وكل ذلك نجده في تواريخ وبلدان مختلفة، حسب وقائع التاريخ، كما أن كلاًّ من هذه التيارات الفكرية العامة، صدرت عنها حركات سياسية بعضها يتسم في عمله السياسي بالسلمية، وبعضها يتسم باستخدام العنف.
ونحن نلحظ أن الغلو والاعتدال يحسب بالفارق بين أوضاع الحاضر المعيش والمراد تغييره أو تعديله أو تحسينه، وبين الرؤية العامة للأوضاع المستهدفة طبقاً للصورة المثلى المتصورة، وذلك في نظر الحركة السياسية أو الدعوة المطروحة، وكلما ضاق هذا الفارق كانت الدعوة أو الحركة أقرب للاعتدال، وكلما بعدت الشقة كانت أقرب إلى الغلو.
أما العنف والسلمية، فهي تحسب بالفارق في الوسائل المستخدمة لتحقيق الأهداف وتحقيق الصورة المبتغاة، وكلما كانت الوسائل المستخدمة أقرب إلى التدرج والميل للتغيير، كانت الحركة أقرب إلى السلمية، وبالعكس تكون أقرب للعنف كلما عملت على التسارع أو الفجائية أو العمل الانقلابي.
فمعيار الغلو والاعتدال يختلف نوعيّاً عن معيار العنف والسلمية؛ لأن الأول يتعلق بقرب الغايات أو بعدها عن الواقع الحالّ، والثاني يتعلق بالوسائل التي تستخدم لبلوغ الغايات. وهذا الاختلاف النوعي بين المعيارين لا يعني المفاصلة التامة بينهما، لأن بُعد الأهداف قد يميل بأصحابها إلى التسارع والفجائية في اتخاذ الوسائل، كما أن قربها قد يميل بأصحابها في اعتدالهم إلى السلمية والتدرج. وقد تختلط المعايير على الدعاة والحركيين في دعاويهم وفيما يسوقون من أفكار. ولكن علينا في صدد البحث والتحليل الفكري أن نكون قادرين على التمييز بين الظواهر لنفهمها على نحو أدقّ.
وفي كل الأحوال يتعيّن أن نعرف أن العنف ليس من لوازم الغلو، ولا أن السلمية هي من لوازم الاعتدال . وقد عرفت الحركات السياسية حركات معتدلة مارست العنف الذي يبلغ حدّ حروب المقاومة، كما عُرفت جماعات مغالية لم تستخدم في عملها إلا القلم والقرطاس، ومثال الأولى حرب تحرير الجزائر من 1954 إلى 1962، ومثال الثانية الحركات الشيوعية في البلاد العربية. وإن العنف إنما يظهر عندما يظن الرائي أن باب الإصلاح صار مغلقاً، وأن الأوضاع إنما تجمدت بما يكاد يستحيل معه تَقبل التعديلات، وذلك حتى إن كانت الأهداف معتدلة.
ونحن عندما ننظر في هذا الأمر أو ذاك، إنما يتعين أن ندرك هذه الفوارق لنتبين مكامن الخطأ والصواب، وهذا الأمر المبين إنما يعتمد - أكثر ما يعتمد في بدايته - على دراسة الواقع الحادث، وليس على دراسة الفكر في حد ذاته معزولاً عن الواقع المعيش.
(3)
بهذا المنهج في ظني يتعين علينا أن نبحث فكر الحركات الإسلامية، وخاصة فكر الحركات التي اتخذت العنف سبيلاً لها في العقود الأخيرة، وذلك لنرى ما هو وارد من المرجعية الفكرية لها، وما هو وارد من رؤيتها للواقع المعيش، نبحث ذلك ثم ننظر من بعد في تقدير الصواب والخطأ في هذا الموقف أو ذلك.
والحاصل أن تَجَادَلَ الناس والمفكرون في فكر هؤلاء بمعيار شبه وحيد يتعلق بالصواب والخطأ الفكري في إسناد تأويلات هذه الحركات للمصادر الإسلامية، ودون اهتمام ذي شأن بما يبين من وجهة نظرها في رؤيتها للواقع الذي عاشته أو تعيشه. وجاء جدالهم في ذلك كما لو أن الفكر الإسلامي من مصادره الأساسية إلى تأويلاته المذهبية، إنما يتعين أن يفضي إلى رأي وحيد في كل أمر، حتى إن كان ذلك لا يتعلق بما هو قطعي الثبوت وقطعي الدلالة، حتى إن كان لا يتعلق بما عرف من الدين بالضرورة، وأجاز كلٌّ لنفسه أن يقول: «إن الإسلام يقول كذا..» غير مبال بمدى سعة النصوص في إمكان اشتمالها لأكثر من رأي في المسألة الواحدة، وغير واضع في الاعتبار ما عسى أن يحدثه اختلاف الوقائع وتغير السياق الزماني والمكاني للأحداث من أثر في وجهات النظر الآخذة من الأحكام العامة لفقه الإسلام.
إن رجل القانون والفقه عامة يصدر - عادة - في تقرير الأحكام عن النص وحده، ويطبقه على الحالة المعروضة عليه في طلب فتوى أو طلب حكم قضائي. وهو في عمله الفني هذا ينظر في الواقعة المعروضة عليه، ويتحقق من وجوه ثبوتها ثم يُجري تكييفاً قانونياً لها، أي يقيم تصوراً قانونياً لها، أي يورد لها وصفاً من مفاهيم الفقه والقانون، ثم يختار النص الذي يطبق على هذه الحالة.
وغالب خلافات رجال القانون - فيما أرى - ترد لا من جانب اختلاف في فهم دلالات النص، ولكنها ترد من جانب تقدير الواقعة وإطلاق الوصف الفقهي والقانوني عليها، توطئة لاختيار النص الذي يتناسب إنزاله مع هذه الواقعة.
ولا ترد مشكلة حقيقية في اتباع هذا المنهج، إنما ترد المشكلة مما يحدث في الوعي الثقافي من بعد، إذ يجري تجريد الرأي الفقهي المُبدى عن ملابسات الواقعة التي تَشَكّل الرأي بشأنها، وتعرض وجهة النظر عرضاً فقهياً نظرياً مبتوت الصلة بكونها نتجت من تلاقح واقعة معينة مع نص محدد، وينسب الرأي إلى النص وحده، ثم ترد بعد ذلك اختلافات الآراء في فهم النص الواحد بحسبانها اختلافات رأي بين صواب وخطأ فقط، دون نظر في أوضاع المفارقة بين كل اجتهاد والاجتهاد الآخر، مما كان سببه ما يسمى باختلاف الزمان والمكان، أي الاختلاف في النظر إلى الوقائع التي جرى كل اجتهاد بشأنها.
إن كثيراً من مفكري الإسلام وقفوا عند هذا الأمر ونظروا فيه واعتبروا به، ومن أهمهم مثلاً ابن قيم الجوزية عندما أورد حالات كثيرة في «إعلام الموقعين» عن اختلاف الفتوى باختلاف الزمان والمكان، وكذلك أبو إسحاق الشاطبي عندما تكلم في «الموافقات» عن مقاصد الشريعة وعن «مآلات» الأحكام. وكان ذلك مما أفضى إلى فقه تقترب استطراداته هذه إلى ما نسميه اليوم بعلم الاجتماع القانوني وبعلم اجتماع المعرفة. ولكن بقي جمهور المتعاملين مع النصوص والأحكام لا يعترفون بهذه الجوانب المعرفية في رصدهم لهذه الجوانب من اختلافات التطبيق للنصوص. وهم يخضعون لضغوط الواقع وأحداثه ونوازله في فهم النصوص واستخلاص الأحكام، ولكنهم لا يعترفون بهذا الخضوع، أو بعبارة أدق لا يُدْخِلون هذا الأمر في منهج فهمهم للأحكام والاجتهادات المختلفة.
وفضلاً عن ذلك فإن ذوي الثقافة الغربية من أبناء بلادنا، الذين لم تتوافر لهم مناسبات فهم أحكام الإسلام ومناهج تفسيرها وممارسة هذه المناهج، لم يستطيعوا أن يتبينوا أثر الاختلاف في رؤية الواقع وتوصيفه، أثر ذلك في الرأي المُبدَى، فنسبوا كل ما يرونه مخالفاً لوجهات نظرهم، نسبوه إلى النصوص وأرجعوه لقدمها وأنها يتعين أن تتغير وإلا فلا. ولم يستطيعوا أن يدركوا أن صلة النص بالوقائع هي إشكالية تُقابل المتعاملين بالنصوص جميعاً عند تطبيقها على الوقائع والنوازل، سواء كانت هذه النصوص نصوصاً دينية ثابتة أو كانت نصوصاً وضعية من صنع البشر.
(4)
نحن عندما ننظر للأعمال الفكرية السياسية التي حررها وأذاعها من كانوا مفكرين وموجهين للحركات الإسلامية السياسية التي اشتهرت بالعنف في العقود الماضية، نلحظ أنه مع نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية وأعمال الصحابة وأقوال الفقهاء، مع هذا الهيكل الفكري الذي يسوقه الواحد منهم في أي من كتاباته، نلحظ العبارات التي تنم عن رؤية معينة للواقع السياسي الاجتماعي المعيش حسبما يعبر عنه الكاتب، وإذا كنا نلحظ أن غالب الحديث يتعلق بالنصوص وسوابق الأحكام بحسبانه هو ما يحتاج إلى إثبات في نظر الكاتب، وأن أقل الحديث عندهم يوجه إلى بيان رؤيتهم للواقع السياسي الاجتماعي، وهو يُعرض بحسبانه نظراً مسلماً به ووصفاً مستقرّاً عليه لدى الكاتب والقارئ، إلا أنه يتعين علينا أن نسجل هذه الأوصاف الواقعية لنستبين منها رؤية الكاتب للواقع الذي تحياه الأمة، حسبما يرى هو هذا الواقع، لأن هذه الأوصاف للواقع هي ما جعله يختار النصوص والأحكام والسوابق الفقهية التي حدد بها وصفه لوقائع دهره، وعيّن بها ما يتعين أن يكون عليه سلوك الناس في مواجهة هذا الواقع، طبقاً لما اختاره مناسباً من أحكام الشرع الإسلامي لمواجهة هذا الواقع.
ويمكن الإشارة إلى أمثلة ما أريد بيانه، فمثلاً في كتاب «منهج جماعة الجهاد الإسلامي» والذي كان أعده عبود الزمر (ليمان طره 1986) يشير إلى الخلافة باعتبار أن سقوطها أفقد المسلمين سيفهم ودرعهم وقطع أوصال الدولة، ويشير إلى احتلال فلسطين وأفغانستان واضطهاد المسلمين، وأنهم أشتات في مواجهة عدو يستجمع قوته وأنصاره، وفي كتاب الفريضة الغائبة لمحمد عبد السلام فرج (1979 - 1981) يشير إلى صلة الحكومات بالاستعمار، ويلجأ إلى فتاوى ابن تيمية في عصر مقاومة التتار، ورسالة الإحياء الإسلامي يشير كاتبها «أبو عبد الرحمن (كمال حبيب) » في 1986 إلى أحداث مصر وإيران وأفغانستان والحروب الصليبية والاستعمار والصهيونية والخضوع لأمريكة. وهذا أيضاً ما يلاحظ في كتابات سالم الرحّال عن أمريكة ومصر والحركة الإسلامية، وذلك في أوائل الثمانينيات..
ونحن في هذا المجال لا نقيِّم الفكر السياسي ولا التقديرات السياسية الاجتماعية لحركات الغلو الإسلامية، ولكننا نحاول أن نوضح أنه لم تكن المسألة الأساسية لديهم متعلقة بما رأوه من إملاءات الفكر الإسلامي عليهم، وإنما كانت المسألة الأساسية أنهم استدعوا هذه الشريحة الفكرية الإسلامية دون غيرها على وجه الاختيار لها، لما قدروه في ضوء نظرتهم للواقع المعيش من أوضاع تستدعي منهم تصدياً لها بطريقة ظنوها مناسبة. ومن ثم فإنه هنا «في البدء» كان النظر إلى الواقع المعيش وتقديره، ثم يرد بعد ذلك النظر في كيفية التصدي له والتعامل معه من خلال المخزون الثقافي والإيماني، ومن خلال استدعاء نصوص بذاتها لبيان حكمها الذي ظنوه يعالج الواقع الموصوف.
والحاصل أن الغالب ممن تصدوا لفكر الغلو الإسلامي في بلادنا، إنما ناقشوه من منظور فكري وفقهي فقط، دون محاولة التوغل إلى المنظور الواقعي الذي رآه أصحاب هذا الفكر، واستدعى منهم هذا الاختيار الفقهي. ونُظر إلى الأمر بحسبانه خياراً فكريّاً خاطئاً، أو استخلاصاً فكريّاً خاطئاً، أي نُظر إلى الأمر بمعيار الصواب والخطأ في استخلاص الحكم من النصوص، وليس بمعيار الصواب والخطأ في تقدير أوضاع الواقع السياسي والاجتماعي لحال الأمة وما يمكن أن يتخذ من أساليب وسياسات في التصدي لما تواجه من تحديات واقعية. وذلك كان في ظني حواراً لم ينتج ثمرة.
(5)
انتفعت قوى العدوان الخارجي بهذا التصور الذي وضعناه لمسألة الغلو والعنف في الحركات الإسلامية؛ لأنه كان يفيد هذه القوى أن تنسب موقف الغلو وفعل العنف إلى الفكر الإسلامي، وليس إلى رؤية معينة للواقع الفعلي، وإنّ نسبته إلى الفكر الإسلامي من شأنه أن يبرئ قوى العدوان الخارجي من تهمة أنهم معتدون، وهو يساعدهم في تصوير الأمر على أن هؤلاء الذين يتصدون للعدوان الأجنبي في بلادهم، لا يتصدون له دفاعاً عن أوطانهم، وإنما يفعلون ذلك لأن لديهم فكراً عقيدياً يدفعهم إلى الإمساك بالسلاح وقتل الآخرين. وإن تاريخ السياسات العدوانية في بلادنا يقدم موادّ غزيرة في تبرير عدوان المعتدين وتصويرهم لأنفسهم على أنهم المعتدى عليهم، كما يقدم أساليب عديدة لذلك، ومن أهم هذه الأساليب طبعاً إقصاء الواقع الفعلي عن النظر والإدراك، وإظهار الواقع الثقافي مجرداً من دوافعه الواقعية.
وأظن أن كتاب الأستاذ معتز الخطيب الذي بين أيدينا من شأنه أن يسهم مساهمة طيبة في إعادة الأمور في هذا الشأن إلى نصابها الصحيح.
والحمد لله.
مُقَدْمة
شكّلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م صدمة عالمية أثارت جدلاً كبيرًا على المستويات كافة، الثقافية منها والسياسية والدينية والفكرية، ونشطت في ظل ذلك العديد من المقولات والصور النمطية، كما أحدثت انقلابًا في العلاقات الدولية وبناء التحالفات وتحجيم عدد من المفاهيم التي تعارف عليها النظام الدولي ما قبل ذلك التاريخ، ولعل من أبرزها مفاهيم السيادة الوطنية واستقلال الدول وتحديد العدو الذي تقوم فكرة الحروب الدفاعية ضده، وغير ذلك حتى تحولت الحرب إلى حرب أفكار، والحروب الدفاعية إلى حروب استباقية، ومن ثم فقد أحدث ذلك وما نتج عنه تغيرات كبيرة على مستويات عدة. فعلى المستوى الثقافي والفكري نشطت مقولات الطبيعة الثابتة للإسلام، وللعرب كذلك، وتم استحياء الإرث العدائي - الذي ساد في ظل الحروب الصليبية - ضد الإسلام، وفي المقابل شهدنا حضورًا كثيفًا لمقولة الحرب الصليبية على الإسلام، التي يتزعمها "الغرب"، الأمر الذي استدعى إحياء تلك التصورات السلبية عن الغرب، بعمومه، الذي يبدو في المخيلة العامة كلاًّ متجانسًا ويخوض حروبًا دينية تجاه الإسلام!.
المحور الذي دار من حوله كل ذلك الجدل وتلك التغيرات، كان - ولا يزال - هو موضوع الإرهاب والعنف، وبسببٍ منه دار جدل كبير حول تجديد الخطاب الديني وتعديل مناهج التعليم في عالمنا الإسلامي، وإعادة بناء التسامح وغير ذلك. ومع أنه كُتب الكثير عن العنف والإرهاب، فإن الموضوع لا يزال بحاجة إلى رصد وتحليل وفق منهجية مختلفة عن ذلك كله، منهجية مركبة تقوم على تفكيك المفهوم نفسه، وتشريحه لإظهار مكوناته جميعها، وفحصها ودرسها، ورصد مراحل تشكلها وعوامل تشكيلها، والتفاعلات التي نشأت من حولها، وكيف تمت قراءتها؟ سواء في العالم الإسلامي أم في العالم الغربي، وفي سؤال المفاهيم يكمن الكثير من المشكلات، ومن ثم فقد حظي ذلك باهتمام بارز في هذا الكتاب، بدأ بتحرير مفهومي الحرب والجهاد والفوارق القائمة بينهما، ثم الجهاد والعنف، ومشكلات الوصل والفصل بينهما، وصولاً إلى الحديث عن عبثية جهاد تنظيم القاعدة الذي تسبب في كثير من هذا الجدل.
والأمر لا يقتصر على مشكلة المفاهيم - على مركزيتها - بل يتعداه إلى موضوع الجهاد وتطبيقاته في العالم المعاصر، وتحديدًا كيفية تطبيقه في ظل الدولة الحديثة، والمشكلات التي تحيط به جراء مَوْضَعَته في بناء مفهومي وسياق يكاد يكون مختلفًا كليًّا عن البيئة التي تَشَكل فيها وشكلت رافدَ فاعليته وأحكامه، فكيف يمكن تطبيقه في ظل الدول القطرية، بعد أن كان مرتهنًا لمفهوم "دار الإسلام" الواحدة؟ وكيف يتم تنظيمه في ظل إدارة تلك الدولة العلمانية في الأعم الأغلب، والتي ترتهن لنظام دولي يديره ويهيمن عليه تلك الأطراف التي يشكّل بعضها هدفًا لموضوع الجهاد نفسه؟ بل كيف يمكن تطبيقه في ظل التحولات التي طرأت على قيادة الدولة القطرية ووظيفة الدين فيها، ومع اختلاف وسائلها وبناء تحالفاتها ورسم الحدود القطرية ومفاهيم السيادة والاستقلالية التي تمركزت حول المصالح الخاصة بتلك البقعة الجغرافية فقط على حساب ما كان يعرف قديمًا بالأمة الإسلامية على المعنى السياسي.
تلك التعقيدات دفعت إلى نشوء الجهاد ضد الداخل أولاً كمقدمة للجهاد ضد الخارج لدى فئة من تلك الجماعات العنفية، في حين انشغل بعضٌ آخر بجهاده العالمي العابر لتلك الحدود القطرية المصطنعة، والتي لا يعترف بها، ويتحرك بناء على مفهوم "الأمة الإسلامية" سياسيًّا وعقديًّا، لكن بعضًا ثالثًا ذهب إلى إجراء تعديلات على مفهوم الجهاد نفسه، فنشأ ما سُمي بالجهاد المدني والذي يبدو قولاً مبتكرًا من جنس النظام الجديد الذي يقوم على فكرة الدولة القطرية. وقد خصصنا لبحث هذا فصلاً خاصًّا.
على الجهة المقابلة لعالمنا، طُرِح العديد من الأفكار والمقولات التفسيرية لما سمي بـ"الإرهاب الإسلامي" حتى شكَّل تاريخ 11 سبتمبر 2001م علامة فارقة في سوق الكتب الغربية على وجه الخصوص، ومن ثم انشغلتُ في القسم الثاني من هذا الكتاب، بمعالجة موضوع "الإسلام والإرهاب" وتم فيه حصر الرؤى والأطروحات المتداولة في المجال الغربي، في حدود معرفتي ومتابعتي لها، مع صوغها في نماذج تفسيرية كلية، ثم ربطها بأصولها وخلفياتها الفكرية التي تشكل الأطر الحاكمة لتلك الرؤى والتفسيرات، وعلاقة تلك النماذج التفسيرية للإرهاب بالأطروحات الاستشراقية والأنثروبولوجية البارزة. وستكون تلك النماذج حاصرة للرؤى والأطروحات، وشاملة للسياسة والثقافة والدين والاستراتيجيا، بحيث يكتمل المشهد الغربي مع الحرص على إبراز التنوع في تلك الرؤى، حتى نتجنب الأحكام التبسيطية والاختزالية.
إن حصر الأطروحات الغربية في هذا المجال، من شأنه أن يتناول العديد من القضايا الحيوية ذات الصلة بموضوع الإرهاب، بدءًا بما يثيره المصطلح ذاته والمصطلحات المطوّرة عنه أو المنبنية عليه (مثل "الإرهاب الجديد"، "فرط الإرهاب")، ومحاولات إحالة الإرهاب إلى جذور دينية عقدية إسلامية، ومقولات مثل محضن الإرهاب، والطبيعة العنفية، وسؤال التفسير، والعلاقة بين الجهاد والإرهاب، فضلاً عن معالجة أسئلة مهمة لا محيد عن طرحها، نحو: لماذا يعد الإسلام مبعثًا للعنف؟ ولماذا يتغذى العنف على الإسلام؟ وما علاقة أحداث 11 سبتمبر بالحداثة والعولمة، إلى غير ذلك من القضايا والإشكالات التي يفرضها الموضوع وتفريعاته من قبيل كيفية تفسير تناقضات السياسة الأمريكية في التعامل مع ما سمته الأصولية، والآن الإرهاب، وتحديدًا تنظيم القاعدة والجهاد الأفغاني، وتفسير ذلك في ضوء أدلجة العلاقات الدولية بعد الحرب العالمية الثانية وحدود مراعاة الأيديولوجيا في السياسات الخارجية.
الإضافة الأهم التي سنقدمها في هذه الدراسة تتمثل في حصر الرؤى والأطروحات الغربية الكثيرة والمتزاحمة، وصوغها في نماذج تفسيرية كلية شاملة، ووضعها في سياق متصل يساعد على فهمها والربط فيما بينها، تمهيدًا للوصول إلى خلفياتها الفكرية والأيديولوجية التي تتحكم بها . ليتم بعد ذلك محاولة الإجابة على سؤال بالغ الأهمية، يتمثل في أسباب استعصاء الفهم الغربي للظاهرة الإسلامية بشكل عام، وللممانعة الإسلامية بشكل خاص ، والتي يتم وسمها بأسماء شتى، كالأصولية والإسلام السياسي، والإرهاب الإسلامي، إلى آخر القاموس الذي لا ينتهي. بل إن "جميع الكلمات المشوشة مثل الإحيائية أو الإصلاحية أو الأصولية هي مصطلحات استُحضرت بشكل استبدادي من اللغة الإنجليزية؛ فهذه الكلمات لا تصف - ولا يمكن لها أن تصف - الدرجات المتفاوتة للاجتماع والاحتجاج الإسلاميين"[2]، وهذا ما يفرض التركيز على تنوع الإسلام وتعقيده في نقد التفسيرات التي تجعل منه كلاً متجانسًا بسيطًا، أو أن المسلمين بمنزلة رجل واحد أصولي إرهابي عنفي!.
بقي أن تسمية "الغضب الإسلامي" اختيرت بعد تأمل، لتعبر بوضوح عن عدم تكوينية العنف في المجال الإسلامي، وأنها "حالة" عابرة، أثارتها عوامل عدة، ويمكن لها أن تهدأ بتهيئة أسباب الرضا، وإزالة عوامل الاستفزاز، فالكتاب يبين بوضوح أن تفسير الظاهرة يكمن في تحليل مركب، على مستوى الفكر الإسلامي، وفي سياق تفاعله مع التحولات العالمية، ومن التبسيط المخل قصرها على مجرد فئة ضالة انحرفت، أو ظاهرة إسلامية أيديولوجية مع تجاهل حركة العالم، والنظام السياسي الداخلي وتفاعلاته أيضًا ، بمعنى أن العنف المسلح هذا إنما ظهر في ظل "الدولة" القطرية، وعلاقتها بالداخل المجتمعي وبالخارج الغربي، وموقفها من الدين وحركته ودوره في حياة المجتمع وسلوكياتها تجاه أهدافه العليا. وهكذا تتم قراءة نشوء مفهوم الجهاد ضد الداخل أولاً، ثم تحول الاستراتيجية إلى الجهاد ضد العالم تحت عنوان "الجهاد ضد الصليبيين واليهود" لاحقًا.
آمل أن تقدم هذه الدراسة مساهمة ذات بال، في موضوعها ومجالها، وأن تشكل إضافة للمكتبة العربية، والله ولي التوفيق.
معتز الخطيب
الدوحة-2006
تمهيد : الجهاد والحرب .. المفهوم والممارسة
هل يمكن مقاربة أزمة الحضارة من زاوية المفاهيم وتطبيقاتها والمفارقات الكامنة بينها ؟ سؤال جدير بالبحث والتمحيص؛ ونحن هنا سنتخذ من مصطلحي "الجهاد" و "الحرب" حقلاً لاختبار السؤال المطروح من جهة، ومدخلاً للإشارة إلى أن متواليات الخضوع للقيم الغربية، والانهزامية أمام الحضارة التي أفرزتها بدأت من مقولة "فصل الدين عن الدولة"، والاعتراف بمرجعية ما سمي بـ "الشرعية الدولية" وما يتصل بها من مفردات العلاقات الدولية والنظام السياسي الذي قام - بعد فصل الدين عن الدولة - على منطق القوة والبرجماتية / النفعية في مقابل "المبدأ" الذي كان يضبطه الدين الحاكم للإطار السياسي العام في الدولة الإسلامية فتحول الوضع من هيمنة المبادئ إلى هيمنة القوة التي تفرض الوضوح الأخلاقي وتتحكم بالآخرين. وبين المبدأ والمصلحة تكمن مفارقة جسيمة بين الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية، في خصوص الموقف من الآخر على الأقل، وهل هو موقف تصالحي رسالي، أو موقف صدام وهيمنة واستغلال؟
ومن جهة ثالثة، يصبح في وقت الأزمات من الملحّ إعادة تثبيت وتنقية المفاهيم التي تعبث بها "حرب المصالح" التي صارت تبدأ بالأفكار والمصطلحات، وتسويق الصور والرؤى التي تسعى إلى تهيئة الرأي العام لتَقَبّل أكثر الممارسات تطرفًا من خلال الاستثمار السياسي والأيديولوجي لأفكار ومفاهيم تحظى بالجاذبية بتحويلها إلى شعارات لتلك الممارسات التي هي أبعد ما تكون عنها؛ لأن الآلة الإعلامية تفعل فعلها في إعادة تشكيل المفاهيم لحساباتٍ خاصة.
ومفهوما "الجهاد" و"الحرب" من أبرز المفاهيم التي تفرض الأحداث القريبة الماضية والحالية إعادة تثبيتها وتنقيتها في سياق المبادئ والمصالح، مع بيان إلى أي مدى تتحكم المفاهيم في السلوكيات والممارسات.