eKtab
EN ع
الغربة  والتغرب
Read free sample

الغربة والتغرب

by محمد عمر أمطوش

Page 1

توطئة

غالباً ما تـرتبط مدينة شيكاجو الأمريكية في ذهن الكثـيرين منا بالعنف الحضري ومنظمات الإجرام وأفلام المافيا والرعب وغـير ذلك من الصور الرهيبة. وطبعاً، فتاريخ المدينة وتكونها وتشكلها يفسر في كثـير من الجوانب طغيان هذه الصورة. فمدينة شيكاجو إحدى كبريات مدن الولايات المتحدة هي ملتقى عديد من خطوط شبكات نقل وهي مدينة صناعية كما أنها مدينة فلاحية (أكـبر بورصة فلاحية)؛ عرفت في تاريخها تطوراً سريعاً وتوسعاً مدهشاً وشهدت استقرار موجهات هجرة عديدة مع ما يتـرتب عن ذلك من إشكاليات التـبني والانصهار والاندماج في بوتقة حضرية جامعة، ناهيك عن قضايا المـيز والصراعات بين الساكنة الجديدة والأقدم منها؛ مدينة بتفردها أصبحت مختـبراً اجتماعياً حياً فيه تدرس على بساط الواقع التفاعلات الاجتماعية والحركات الاجتماعية بل وكيف تتكون المدينة ذاتها وتتشكل كهيلكة حضرية ومنظومة اجتماعية تتعايش فيها مختلف الفئات والأهواء والأجناس والثقافات، بتلخيص شديد البيئة الحضرية كعلم مستقل.

إذا كانت الغالبية تعرف شيكاجو بحركات المافيا فقلة قليلة في عالمنا العربي سمعت بمدرسة شيكاجو، بل الأحسن مدارس شيكاجو أو ما عرف تحت هذا المسمى. نسمع عن مدرسة شيكاجو الاقتصادية[1] أو مدرسة شيكاجو المعمارية[2] أو الجغرافية؛ وهي لا تهمنا هنا. ما يهمنا بالذات في موضوعنا هنا هو مدرسة شيكاجو الاجتماعية وهي بالأحرى تيارات ومدارس. أولاها اهتمت بدراسة العلاقات بين الفئات والأعراق والأجناس (إشكالية الهجرة) وإشكالية الغرابة والقرابة وكذا قضايا الجنوح والجريمة وإشكالية العزلة والتهمش في المدن الأمريكية الكبـيرة والـتي اعتـبرتها كمختـبر لدراسة التحولات في الوسط الحضري.

ومن أبرز ممثليها فولوريان زنانيشكي (1882-1958) Florian Znaniecki[3] وليام إسحاق توماس (1863-1947) Thomas وروبرت إزرا بارك (1864-1944) Park. وإرنيست واتسون بورجيس (1886-1966). Ernest Watson Burgess لويس وورث (1987-1952) Louis Wirth. ويمكن اعتبار صدور "كتاب الفلاح البولندي" لتوماس وزنانيشكي تاريخاً لمولد مدرسة شيكاجو الاجتماعية.

أما المدرسة الثانية وما تلاها، بعد عام 1940 تقريباً، فقد اهتمت بالمؤسسة والوسط المـهني وعرفت باستغلالها إلى جانب الطرق الكمية والنوعية للمعطيات التاريخية والحياتية للفئات موضوع الدراسات، أي ما نطلق عليه "الملاحظة/المعاينة التشاركية" الـتي استلهمتها من نهـج الأجناسية[4]. ومكنتها هذه المنهجية من فهم ما يصبغه الممثلون[5] الاجتماعيون من دلالة على الظروف الـتي يعيشونها. ومن أبرز ممثلي هذا التيار إرفين جوفمان (1922-1982) Erving Goffman وأنسليم ستـراوش Anslem Strauss (1916- 1996) وإيفريت هوجس (1897- 1983) Evrett Hughes وهوارد بيكر Howard Becker وغيرهم.

ويستحسن، بل يفضل الرجوع لمن يود الاضطلاع بتفصيل أدق على هذه المدرسة ومواضيعها المتعددة وغناها، إلى مصدر واف عنها وما أكثرها باللغات الغربية وانعدامها في لغة العرب. لأن موضوعنا ليس هذه المدرسة في شمولية تاريخها وامتداداتها فذلك موضوع كتب مستقلة.

من كل هذا الزخم يهمنا لموضوعنا اسم واحد هو "إرفين جوفمان". هو لسانيّ وعالم اجتماع كندي الأصل وإن قضى جل سنوات بحثه في جامعة شيكاجو. وكان إلى جانب هوارد بيكرمن أبرز ممثلي التجديد في مدرسة شيكاجو. كان تلميذا لراي برودويستيل[6] Ray Birwhistell وإيفريت هوجس. اعتمدت أبحاثه على معاينة ومشاركة ميدانية للفئات الـتي درسها كفلاحي جزر الشيتلاند شمال اسكتلندا حيث قضى سنة ودرس حياتهم اليومية في أطروحته[7] حول ’السلوك التواصلي وسط ساكنة جزر‘ (1953). هذا الميل نحو المعايشة الميدانية دفعه لقضاء أشهر وسط مرضى عقليين ليكتب كتابه المشهور "مصحات[8]" (1961). عارضا فيه فكرة مفهوم "المؤسسة الكلية[9]"، وفي عام (1964) نشر كتابه "وصمة[10]".

بعد ذلك ركز جوفمان أبحاثه ليس على الفرد بل على التفاعل مستعينا بالوصف المجازي ومشبها الأشخاص خلال تفاعل وكأنهم ممثلون يؤدون دورا في مسرحية. وذلك في أبحاثه:"تقديم الذات في الحياة اليومية" و"مراسيم التفاعل"[11]. واستلهاما من الفن السينمائي نشر عام 1974 كتابه "إطارات التجربة"[12] حيث وُصفت الحياة كمكوَّنة من عديد من تشكيلات الحقيقة والتأطيرات المتـرتبطة فيما بينها.

تمـيز جوفمان في وسط مدرسة شيكاجو بابتعاده عن الطرق الكمية والإحصائية مفضلا الملاحظة التشاركية[13] وهكذا قضى سنتين في معاينة وملاحظة المصحات على الميدان. واقتـرب من التيار الداعي إلى "منهج أجناسي" و"التفاعلية الرمزية" ولو أنه لا يدعي انتماءه لهذا التيار الأخـير. يصعب ربطه بتيار "التفاعلية الرمزية"[14] [15] لأن أبحاث جوفمان لا تختزل فقط إلى التحليل التفاعلي لأن، حسبه، التفاعل الاجتماعي يتحكم فيه الانشغال بعدم فقدان ماء الوجه مع أنه يعير اعتبارا كبـيراً لمركزية التفاعلات في منظومته الفكرية.

سنتوقف هنا لحظة. بالتأكيد فإن القارئ أو بالأحرى الطالب العربي المهتم بعلم الاجتماع يكون قد سمع بجوفمان وقد أحيط اسمه بهالة من الألقاب والصفات كعادة بعض كتابنا، إذ تكفي نقرة على باب الشيخ جوجل للتأكد من أن اسمه متواتـر على صفحات المنتديات العربية. نعم يشار إلى جوفمان في منشورات جامعية ويكتب عنه فهو علم لا مفر منه. ولكن ما نلاحظه هو غيبة نصوصه، يعـني أن القارئ العربي لا يعرف جوفمان إلا من خلال مصادر ثانوية ومحل المصادر الثانوية من الإعراب يختلف عن رتبة الأصلية (بلغتها أم متـرجمة تـرجمة وافية) فهي قراءة من بين القراءات قد تكون موفقة أو ناقصة ولا تمثل النص الأصلي والفكرة الأصلية. وهذا عيب المصادر الثانوية. بل أن مهزلة عالمنا العربي أننا لا نكتفي بالمصادر الثانوية بل اختلقنا مصادر ثالثة: نقلاً عن نقل عن نقل أو قل ملخصاً لمخلص لملخص. نقل وتأويل تغيب معه فكرة الكاتب الأصلية في مزايدة بلاغية ينمحي معها أي أثر للعلمية والمنهج العلـمي. لا يهم الطالب الجامعي ما قاله أستاذه عن جوفمان نقلاً عما سمع الأخـير من تأويل أستاذه الذي من حظه أنه فتح يوماً كتاباً بلغة إنجليزية عن جوفمان أو لجوفمان إذا كان مجداً ساهراً (الطالب العادي بالطبع يجهل اللغة الأصلية مثله كباقي طلاب العالم من صينيين وفرنسيين[16]).

هذه المصادر الأصلية هي الـتي تنقص الطالب الذي يبتغي علماً جامعياً. ووجودها هو مقياس جدي لمستوى البحث العلمي عندنا.

وهذا المطلب ليس سهل المنال فهو جهد جماعات وربما أجيال. إلا أنه عملاً بمقولة ’كل وطاقته‘ نقدم نتفاً من هذه المصادر في كليتها. آملين أن تتكامل الجهود لملأ هذا الفراغ الرهيب هادفين من ذلك خدمة هذه اللغة وقراءها.

ونقدم هنا ليس كتابا لجوفمان بالذات ولكن كتاباً تطبيقياً من عمل زميل وطالب لجوفمان ومتـرجم قدير لجوفمان إلى الفرنسية. وبالطبع ما جاء من مقولات في الكتاب الذي هو عبارة عن دروس تطبيقية لا يعـبر بالضرورة عن مواقف جوفمان، هي تأويل أحد أعرف الناس بكتاباته. مع الأمل أن نقدم للقارئ العربي كتاباً لجوفمان في القريب العاجل بعد أن قدمنا نصوصاً قصيرة له في أماكن أخرى[17].

نقدمه نقلَ مـعنى لا حرفاً ونقلاً محوراً ـ مع تحملنا لكامل ما يتـرتب عن التحوير- ليلائم قارئنا العربي بما يفيده ويفتح عينه على بعض ما يستجد من بحث في الضفاف البعيدة وزدنا إلى النص توضيحات وهوامش كثـيرة ليُنتفع بها،آميلين بذلك خدمته وخدمة المكتبة العربية.

Page 2

مقدمة

أجهل كيف وقف جاري فجأة ورائي حينما أوشكت على دخول داري محملاً بالمشتـريات؟ لم يكن بوسعي تأدبا أن ألجَ بيـتي والاكتفاء بواجب السلام عليه والتبسم. فلقد سبق وأن التقينا بعض المرات منذ رجوعي من العاصمة ولكن في كل مرة كنت أستغل فيها الظرف لأختفي، مثل أن أسرع الخطى نحو سيارتي. لكن هذه المرة وقعت في الفخ ومكره، على نصف ساعة حديث على عتبة الدار.

تشجعت وأخذت زمام المبادرة بالحديث:

- "يصعب خلال فتـرة العطلة أن تجد حاجياتك بسهولة في المدينة، لقد مررت بعدة حوانيت". وجلي كما يبدو أن هناك شيئاً ما يود أن يحدثني فيه، لأنه تابع الحديث مباشرة، ولم يكن للكلام على الحوانيت الـتي تغلق خلال العطلة السنوية، بل على رجال المطافئ الذين جاءوا الجمعة الماضية وأنزلوا رجال الشرطة القضائية على سطح منزلي لمعاينة مكيفات وهوائيات الدار.

سألني ما إذا كنت أعلم شيئاً؟ أصبت بدهشة. وظهرت علامات الفرح على وجهه. وأردف أنه قال لأحد مفتشي الشرطة بأنه يحرس داري خلال تغيبي ولكنه لم يستطع أن يفوز بكلمة شافية من المفتش الذي أغلق في وجهه كل فرصة لإشباع فضوله.

توقفت حركة المرور وسيارة إطفاء تـرفع سلما إلى مستوى السطح ورجال شرطة بالزي المدني ينشطون حول بعض الهوائيات والمكيفات البسيطة: بالتأكيد هناك شيء ما، يستحق الحديث فيه في حر زوال بداية هذا الشهر الصيفي في قلب منطقة أبها الهادئة.

وعاد للكلام مجدداً على صعود المحققين. أحسست بأنني تائه لا محالة فصعدت فجأة على مصطبة الباب وأخرجت المفتاح بعفوية دون أن أظهر شيئاً. غـير أن أباه خرج فجأة من عند بائع الخضروات المقابل للدار محملاً بأكياس: ـ " آه الأستاذ علي، رجعت". وعاد الحديث لنقطة البداية بزيادة عنصر جديد: لقد سمع من بعض الجـيران مع "أنه لا يجب تصديق كل ما يقال"، بأن مهرّب الطابق الثالث وأشار برأسه لدار مجاور) كان يخبئ أكياس مخدرات في هوائيات ومكيفات الجـيران. بالتأكيد لقد تغـير الحي الهادئ. أدخلت المفتاح في فتحته وتـركت يدي قابضة على المفتاح. لا يمكـنني أن أقول لهما بأن ضيوفاً ينتظرونـني ـ وهي الحقيقة ـ فهذا العذر سيبدو لهما بلا شك غـير ملائم بعد الخدمة الـتي قدما لي في السهر على داري. ووجدت عذراً آخر: أخاف من الزبدة الذي أحمل أن تذوب ... تبع ذلك توديع قصير، وما علي إلا تدارك ما قد أكون تـركته من انطباع سيء في أول فرصة قادمة.

ضيفي الذي كان يسمع فقط من الداخل نبرة الصوت العامة قال لي فيما بعد أنه تخيل أنني كنت أؤَنَّب. ربما في نهاية الأمر كانت تلك هي الرسالة الحقيقية الـتي أوصلها الجـيران إلي: " لماذا أنت دوماً غائب عنا؟".

كل برنامج أناسة[18] التواصل الذي أقتـرحه منذ سنوات هو معبأ في هذا اللقاء بين الجـيران. وطبعاً يتعلق الأمر في هذا المشهد بتواصل من الحياة اليومية العادية. ولكن ليس فقط بإيصال مقصود لرسائل شفوية. (بتخليص سريع لمـعنى التواصل)؛ تم تبادل حركات ونظرات وابتسامات. بعضها كان مقصوداً وأخرى غـير مقصودة. بعضها خيل أنها مقصودة ولكن لم تكن كذلك. جـيراني ربما فكروا؛ وفكرت بأنهم ربما فكروا بأن.... الخ.

ومر كل هذا بسرعة دون أن يتوقف سيل المحادثة. وبوضوح فإن التواصل لا يخـتزل إلى الحديث الذي تم بيننا؛ فقد احتوى التواصل على عناصر غـير شفوية ساهمت في صبغ معان على التفاعل. وهذا التفاعل لم يكن إلا لحظة في علاقة طويلة المدى، إذ أن معرفتي بالجـيران قديمة ونتبادل الحديث من حين لآخر على عتبات الأبواب ونتبادل التحية وإن بإشارة باليد أحياناً حين ندخل دُورنا ولكننا لا نتبادل الدعوات بيننا للغذاء وبعبارة أخرى علاقتنا على المدى الطويل هي مدمجة كلية في سلوكيات وثقافة الأحياء الحضرية في مدينة تجمع أناسا من مختلف الأهواء والشعب: احتـرام الجـيرة وحسن التصرف ولطف المعاملة ولكن مع ذلك كل في حرمته. فـهي ليست ثقافة مضارب الخيام أو المجمعات السكنية الشعبية في ضواحي المدن الكبرى فما يفصل من سور عال بيني وبين الجـيران لن يهدم يوماً ما وسيظل كذلك.

وثابت أن ما جرى في تفاعلي مع جـيراني في هذا الزوال هو تأكيد على علاقتنا وعلى انتمائنا لنفس الثقافة.وبكلماتنا وحركاتنا اندمجنا في نفس السيل التواصلي. وبقيت ردود فعلنا بالاثنين معا متـرقبة مستبقة وكذلك عرف كل منا متى يتكلم حين يأتي دوره وابتسمنا وضحكنا أنى تلاءم ذلك واحتفظنا بابتعادنا الجسدي المنتظر في محل عام الخ. وقمنا بتشفير الثقافة الـتي ننتمي لها وتشاركنا في تنفيذ ذلك وهو ما يثبت عضويتنا في هذه الثقافة. فكونك عضواً يعـني أن تكون تصرفاتك قابلة للتنبؤ، مرتقبة كما قال راي بوردويستيلRay Birdwhistell[19] أحد الآباء المؤسسين لأناسة التواصل وزاد على ذلك وارد جودنافWard Goudenough [20] "والثقافة هي كل ما يتوجب معرفته لتصبح عضوا"؛ وكحاصل من ذلك يغدو التواصل من زاوية أناسية تنفيذ/أَداء ثقافة. وهذا يلخص كل القضية أو تقريباً إلا أنه يجب استغلال جيد لتلك المقولات الثلاث عاليه.

ولنتابع تحليل التفاعل مع جبراني.

Page 3

بفراقي المفاجئ لهما، بذريعة ذوبان الزبدة، فقد كدت أن أفقدهم ماء الوجه باعتبارهم أناس طيبين سذج وهذا كان سيفقدني ماء وجهي بدوري لو لاحظوا علي ذلك. لكن تَساعدنا معا في تلك اللحظة، فقد تظاهرا بتصديق ذريعتي وذهبا ولكن سرعة التوديع "إلى اللقاء طاب مساؤكما" ظهر منه نوع من الإرغام. وكما يقول جوفمان Goffman وهو من كبار كتاب أناسة التواصل مراسيم التفاعل مبنية على ’استمرارية الاحتـرام‘: فنحن نتبادل التشريف وكل إساءة تستوجب إصلاحاً. وفي الحالة الراهنة أحسست أنني حِدت عن واجباتي "ككاهن صغير" يشرِّف "الأرباب الصغار" (حسب تعـبـير جوفمان دائماً)، ولكنني أحسست أنـني لن أستطيع إصلاح إساءتي على الفور وعلي أن لا أمهل ذلك طويلا. وذاك مهم لأن كل النظام الاجتماعي مـبني عليه. وهذا بلا سخرية. إذا أخذنا تحليل جوفمان بجدية فإن نظام التفاعل هو نوع من النظام الاجتماعي. الأدب وفحش الكلام ليسا بعاملين اجتماعيين سطحيين؛ فالواحد منهما يثبت البناء الاجتماعي أما الثاني فيقوضه.

وفي الواقع المحسوس فإن سفرياتي الدائمة بين العاصمة ومدينة أبها أثرت على وتيرتي والـتي أصبحت سريعة قياساً لثقافتي الحضرية الأصلية. وبزحزحة جـيراني الثرثارين ـ حسب ذوقي ـ فإنني أزعجهم بلا شك كثـيراً، علاوة على أنني لا أمتلك علامة جسدية أو زياً ممـيزاً يسمح لهم بالاحتماء (التذرع بذلك). كما يفعلون مع الشباب مثلاً. وإذا لم احتـرس مستقبلاً فإنني سأطرد من مجتمع جـيراني. فمن مصافحة بالأيدي سننتقل إلى انحناءة الرأس وبعدها إلى غض البصر. وسيضرب صمت ثقيل خيامه على تفاعلنا. التواصل كتنفيذ للثقافة هو أيضاً قدرة على الإتيان بكلمة أو بحركة للقيام بعمل في عالم اجتماعي؛ وهنا العزل والاقصاء كنوع من المنفى الداخلي. وهي حالة مخيفة تظهر مدى تزاوج منظومة التفاعل مع المنظومة الاجتماعية.

وإذا كانت كل أناسة التواصل حاضرة في هذا المشهد من الحياة العادية فلأن جمع معطيات هذه الأناسة لا تسير وفق المنهج الأجناسي التقليدي. تتسم الأناسة بطريقة جمعها المعطيات، فالباحث يلتجأ إلى الواقع الميداني ويختلط بالناس، بالمحليين ويراقب ويشارك بتفاوت ويسجل ملاحظات ويدون يومية ويستعمل كثـيراً استجوابات معمقة. الأناسة الأنجلو ساكسونية تستعمل لفظ الأجناسية لوسم هذا المنهج. وبدأ في استعمال اللفظ للتعبـير عن تلك المنهجية في الأدبيات الفرنسية وسنستعمله بهذا المـعنى هنا[21].

بالنسبة للأناسي الذي تكون في حقل غرائبي[22] فإن تشريح واقعة عايشها شخصيا وعايشها بالذات في عقر دياره على عتبة منزله لا تدخل في ما يسمى بالملاحظة التشاركية،غـير أن هذا السلوك الانعكاسي يشكل أحد كبريات سبل البحث الأناسي. وليكون الأمر مسايراً لقواعد المهنة يتوجب أن يغوص الأناسي وحيدا في مجتمع غريب أجنبي خلال سنة على الأقل. الغوص في الغرائبية ورغم انتقاده مراراً لم يغـير ذلك شيئاً، فالأناسي المحتـرم الفرنسي هو الذي تكون في حقل خارج فرنسا (ومحافظات ما وراء البحار تعتـبر غرائبية لحد كاف) وبعبارة عامة يجب أن يكون ذلك خارج أوروبا الغربية. ليس الأمر مسألة كيلومتـرات مجتازة، فجنوب حوض المتوسط يعتـبر حقلاً مشروعاً خاصة إذا كان حقل الدراسة المجال القروي... ونكتفي هنا بهذا في هذا الموضوع. يبقى أن الأناسة الأخرى تلك الـتي تشتغل في بلدها، محلياً، لا زالت تعاني من عقدة النقص.

ولذلك نتساءل لماذا يلزم الأناسي الداخلي (المحلي) نفسه بسفر إلى حقل؟ اليوم وكما في الستينات لا زال يسافر أناسيو فرنسا نحو مناطق قروية بعيدة معزولة وينزلون في الضواحي المجهولة والأحياء الحضرية البعيدة وكأنهم يبحثون عن إعادة إنتاج ظروف عمل زملائهم الغرائبيين. مع أن المسافة المطلوبة للاستكشاف ليست مكانية ولا اجتماعية لأنها منجزة ومبنية نظرياً إذ يمكننا العمل أجناسياً على عتبة الدار. هي نوعاً ما مسألة استعداد فكري و"تطبع خلقي/ خلقة"[23] علـمي. أناسة التواصل المعروضة هنا تنطلق من مبدأ أن حقل الدراسة هو ما قرر الباحث أن يسميه كذلك. الحقل سيكون له قاعدة مجالية محسوسة ولكن يحدد امتداده الباحث.

مثال حديثي مع الجـيران لا ينضوي تحت بحث أقوم به، اختـرته لأن المثال بدا لي غنياً بما يفتحه من نوافذ في هذا الكتاب ليس إلا. ولكن ما تفتحه مثل تلك الدراسة من فرص شيء مؤكد على شاكلة ما قام به إليجا أندرسونElijah Anderson حين درس حيه من 1975 إلى 1989 (من أعراض المرض أن يكون ما ورد على بالي هو مثال أمريكي)[24]. زد لذلك أنه وبشكل ملحوظ جمعتني الأقدار عند بائعة الخضر، الـتي كنت أحدثها عن الشرطة الـتي تهتم بهوائي داري، بسيدة قطنت الحي دائماً والـتي لم يسبق لي رؤيتها ولكنها كان تعرف اسمي وتعرف كل عائلتي إلى جد أبي والذي لم أر منه أنا إلا صورة غـير واضحة. فقد كانت تسكن في صغرها على مقربة من دار جدي لأبي. وفجأة بدا جدي كشخص عاش حقا وليس فحسب كخيال في صورة قديمة. كيف تستمر الذاكرة المحلية دون أن تطفو على السطح؟ كيف يمكن لمعرفة جماعية أن تنتقل في سرية؟ كيف يتم التواصل بين الأجيال؟ عدة أسئلة وردت على بالي بعد هذه الصدفة. يمكن بسهولة تخطيط برنامج بحث في أناسة التواصل عنها.

علاوة على أن اللقاءين يؤديان إلى سؤال أساسي: هل لا يسطر على أناسة التواصل حلم أن المجتمع مكون من تفاعلات وأنه يكفي معاينة بعضها عن قرب للامساك بكهن الاجتماعي؟ وقد يستنتج من قراءة متسرعة لجوفمان أنه يقتـرح هذه النظرة إلى المجتمع. وحقيقة أن بعض دارسي "التفاعلات الرمزية" (شيبوتاني T. Shibutani مثلاً) يرون في التفاعل حجر زاوية الاجتماعي. ولكن جوفمان سيتبنى بالتأكيد مقولة بيار بورديو Pierre Bourdieu:"[...] حقيقة التفاعل لا تكمن بتاتا كلها في التفاعل" (1972:184) ـ وسأفسر لاحقاً كيف ولماذا. ومصاحبة لذلك فإن أناسة التواصل ليست بغافلة، فإذا كانت معاينة التفاعلات هي نمط مفضل للوصول إلى الاجتماعي فكل الاجتماعي لا يختزل إلى التفاعلات. ولكن من منظور منهجي فإن أناسة التواصل تطرح أنه يمكن استخراج كثـير من المعطيات من تفاعل واحد كما بدأ في إبرازه المثال المقتـرح هنا. وأبقى معجباً بجملة جوتيه "الكوني يكمن في قلب الخاص". هذه المقولة الـتي يبدو أنها ذات قاعدة في اللسانيات لا يمكن يكون لها إلا قوة تحـفيز. ولـكنني أستمر في الاعتقاد بأنها يمكن أن تعلل منهجاً أجناسياً الذي يظل أساساً نبشاً في سُمك الاجتماعي.

Page 4

الـبرنامج

الكتاب الراهن هو بيان عقلاني في صالح طريقة عمل وبحث في علوم التواصل. وما زلت أظن بأن الصور المائية كانت ذات آثار سلبية بمـعنى أنه لا زال يصعب التفكـير في التواصل خارج وسائل الإعلام بما فيها التقنيات الجديدة إلا على صورة سيل رسائل تهطل على المتلقي. فكرة التواصل لا زالت صنو ورديفة النقل والبث وغالباً لا قيمة لها تحليلية إضافية. يكفي اختبار: لنأخذ نصا من علوم المعلومات والتواصل ونشطب كل كلمة "تواصل" فيه ونبدلها بالبث والنقل ولنعد قراءة النص وسنجد أن المـعنى لم يتغـير.

حين نتفحص تاريخ العلوم الإنسانية والاجتماعية في الولايات المتحدة خلال النصف الثاني من القرن العشرين نندهش من حجم نجاح منوال التواصل لكلود شانون[25] Claude Shannon ووارين وويفر [26]Warren Weaver. وأعارض هذه التصور المبراقي[27] مع ما يمكن أن نسميه تواصل ’جوقة منسقَة‘، أركستـرا، الذي طوره خلال الخمسينات والستينات باحثون مثل جريجوري باتيسان[28] Gregory Bateason وراي بوردويستيل Ray Birdwhistell[29]. وبالاعتماد على تقيمين نقديين للتصور الثاني والذين صاغهما ديل هيمس[30] Dell Hymes وإرفين جوفمان Erving Goffman وصلت لاقتـراح أنانستي للتواصل.

أناسة التواصل الـتي أدافع عنها ليست مقاربة أجناسية لظواهر اجتماعية متعلقة بالتواصل في معناه العادي، من المحادثة بين الجـيران إلى وسائل الإعلام. هي أيضاً أوسع من ذلك، هي أناسة بالتواصل أي أناسة تواصلية على شاكلة الأناسة الإدراكية والمرئية والرمزية... والـتي تقتـرح تحليل العالم الاجتماعي من منظور معين منجز نظرياً. وهنا فإن الإطار النظري هو التواصل بمعناه "تنفيذ الثقافات" "وليس نقل الرسائل".

أناسة التواصل هي إذا أناسة بلا موضوع؛ فلا تمتلك لنفسها إلا طريقة في القراءة وفي تأويل الحياة في المجتمع. وأمام خطر قراءة مختزلة للعالم الـتي قد تحملها قراءة من هذا النوع يجب التذكـير الآن ’بمحتمات الأجناسية‘ الـتي يطيع لها أناسي التواصل والـتي لا توجد إلا على الأرض وفي وضع الملاحظ المشارك. ولكن وبنفس الطريقة الـتي يرفض بها أن يِفرض عليه موضعُه التجريـبي إشكاليتَه، يحدد أناسي التواصل ويعرف بنفسه حقل بحثه في كنف مجتمعه الخاص أو في غـيره. هذا التصرف يستحق توضيحات على شكل نصائح عملية وفي نفس الوقت (الجزء الثالث) أمثلة بحوث (الجزء الرابع).

أحسن طريقة لجر طالب للعوم والـنزول إلي المعمعة، يعـني الخروج إلى "أرض البحث"، هو مرافقته في الخرجة أو على الأقل رواية كيف تصرفنا نحن أو لم نتصرف في سنه. وغالباً ما أقتـرح علاوة على ذلك على طلابي قراءة سرديات وتقارير عن بحوث ميدانية قبل قراءة النصوص النظرية الـتي تؤسسها ولو أنه من منظور إيبستيمولوجي تتم النقلة من النظرية إلى الحقل. فإذا فتحت التقارير شهيتهم فإنهم سيرتقون بسهولة الدرجات النظرية والمفهومية؛ وإذا صدتهم المعطيات فلا حاجة لقراءة النظرية.

الجزء الخامس سيكون تنبؤياً واستغواراً. فإذا ابتغينا أن يكون البحث في التواصل متجددا يجب تغيـير وجهة العلاقة بين الباحث ومواضيعه. إذ أنه في كنف علوم المعلومة والتواصل الفرنسية فإن وسائل الإعلام تُفرض من البداية على الباحثين كمواضيع دراسة "جلية". يعـني أن موضوع التجريب هو الذي يحدد العلم. وفقط بعض فرق البحث تحاول اليوم الهروب من الإطار الضيق بالتفكـير في الاتجاه المعاكس من الأرضية النظرية إلى العالَم. وهكذا فالمحاولات الحالية لإنجاز نظري لتصورات مثل الوساطة أو الاستقراء يمكن أن تتصور كمجهود للخروج من هيمنة وسائل الإعلام. ويجب التذكـير هنا بالجملة الجميلة لأدوار سابـير[31] Edward Sapir في 1927 "لا يوجد فرق بين تنفس، إذا أول التفس كتصرف اجتماعي، وديانة أو نظام سياسي" (سابـير، 1967: 37). لا يوجد موضوع تواصلي متفرد في نوعه، إذ لا توجد إلا مواضيع يقرر الباحث في التواصل دراستها حسب منظوره الخاص. وأناسة التواصل يمكن أن تساهم في تجديد هذا المنظور والمساهمة في إعادة تطوير علوم المعلومة والتواصل.

ولكن بلا دعاية وتهريج، سنحكم على أناسة التواصل من إنتاجها وعطائها. برنامج منطلقها هزيل وذلك متعمد، فالآلية النظرية الضخمة في الغالب هي الـتي تعطي نتائج ميدانية وعملية مخيبة (وبعضهم قد يستذكر بحنين الآمال الـتي علقت على العِلامية العامة في السبعينات). الكتاب الحاضر يراهن على بروز جيل جديد من الباحثين لم يعرفوا خيبة سابقيهم. ولا يجب رسم صورة براقة لمستقبل البحث في التواصل ولكن بالتأكيد لا يجب الظن بأن الصورة تحققت سلفاً أو بيع السمك في البحر.

Page 5

الجزء الأول
تصوران للتواصل

ما يتبادر إلى الذهن لما نتكلم عن التواصل هو السهم المنطلق من شخص إلى آخر. السهم يوحي بنقل مقصود لرسالة غالباً ما تكون شفوية من مرسل إلى متلق. الذي قد يتحول بدوره إلى مرسل وهكذا دواليك. التواصل يختلط إذا في اللغة العادية والمتخيل اليومي مع النقل والبث إذا لم يكن مع ما يُبَث أي المعلومة. هذه المختزلات وهذه الاختزالات نجدها في الأعمال حول التواصل الـتي تطورت في الولايات المتحدة في الخمسينات. والمثال الجدولي هو منوال التواصل الذي اقتـرحه شانون وويفر في 1949 الذي يرتكز بصريح العبارة على أبحاث تمت على عمل المبراق خلال الحرب العالمية الثانية. هذا الرؤية المبراقية للتواصل انتشرت بسرعة كبـيرة في العلوم الاجتماعية والانسانية وشكلت أرضية صلبة لعلوم التواصل الناشئة في الولايات المتحدة وكذا أوروبا. ومثلٌ يسمح بمقاربة حجم ظاهرة تقوية المـعنى المشتـرك لكلمة بتجريد علمي مبني على الرسوم (بعدة أسهم) وهو ما تقتـرحه علوم النفسيات الاجتماعية التجريبية. وقد يطول الكلام عن هذه التمثيل المبراقي الذي يغذي، وخاصة في فرنسا، أبحاثا في علوم المعلومات والتواصل. وعوض تبذير الجهد في محاولة البرهنة على اختزالية هذا المنوال من الأحسن تكريس الجهد للبحث عن منوال بديل يصف بدقة تعقد المسار التواصلي الذي يعايشه دائماً الفاعلون الاجتماعيون. هذا التصور الثاني سنسميه " جوقة منسقة" بغية التأكيد على التشارك في التواصل وقد نظر إليه كفعل اجتماعي تام.

Page 6

الفصل الأول :التصور المـــبراقي
من المنوال التقني إلى المنوال الكوني

عرفت الولايات المتحدة مباشرة بعد الحرب الكونية الثانية مرحلة لم يدرسها بعد المؤرخون جيدا. فحين بدأت إمارات حرب باردة تلوح والمكارثية في أول خطاها، شهدت الأوساط العلمية سنوات جد مثمرة. وأحد أسباب ذلك هو أن عديداً من الأعمال المهمة المطورة خلال الحرب خرجت تدريجيا من السرية العسكرية إلى النور. وصدر تواليا كتب مهمة. ففي عام 1948 أصدر نوربـير فينيرNorber Viener [32] كتابه ’السبرانية أوالتحكم والتواصل عند الحيوان والآلة‘ وفي 1949 أصدر أحد قدماء طلابه في معهد المساشوسيت كلود شانون ’نظرية رياضيات للتواصل‘. وخلف الباحثين يوجد في الواقع عشرات الأمريكيين والإنجليز وخلفهم سنوات بحث. وأن يصل المطاف بتقليد طويل في البحث إلى كتابين مبنيين على التواصل والمعلومة فذلك ذي أهمية كبـيرة لدراستنا. ولكن يجب الاحتـراس من فخ الكلمات.

فأن يكون سواء في مؤلف السبرانية (1948) أو في مؤلفه الاستعمال الإنساني للكائنات الإنسانية[33] (1954-[34]1971) وهي نسخة شعبية مبسطة من الكتاب الأول فإن ويفر لم يطور تجريداً مفهومياً جديداً للتواصل رغم أنه يقول:

"ما هو هذا التواصل الذي سمى الإنسان كإنسان؟ سأخصص جزءاً كبـيراً من الكتاب لعرض نظريات ومفاهيم تساهم في حل هذه المسألة" (1971: 30).

وفي الواقع تصوره للتواصل يبقى تصور اللغة العادية:

"عندما أتواصل مع شخص آخر فإنني أنقل إليه رسالة ولما يتواصل هذا الشخص بدوره فإنه يعيد إلي رسالة من نفس الطبيعة تحوي معلومات مفهومة له أولاً وليس لي" (1971:43).

مخطط التواصل الذي يصفه فينير هو في الواقع مخطط نقل رسالة من فرد (أ) إلى فرد (ب) وهو بالضبط ما يقتـرحه شانون في كتابه:

زيادة على أنه عند فيـنير لا يتعلق الأمر بتجريد فكرة التواصل. وارنر ويـفير يقدم أبحاث شانون وأساساً الكمية منها، بمقال شديد التعميم كثـير النفع ولكنه بالتأكيد مموِّه[35]. شانون كمهندس في مختـبرات بيل تليفون لم يفكر بلا شك إلا في صياغة نظرية رياضية للمبراق بعد أعمال نيكفيست وهارتلي[36] Nyquist & hartley. ولكن ويفر ذهب بعيدا. وافتتح مقاله بتعريف واسع للتواصل:

"كلمة التواصل ستستعمل هنا بمـعنى واسع جداً فهي تحوي هنا كل الطرق الـتي عبرها يمكن أن يؤثر عقل على آخر. وهذا بالطبع يشمل ليس فحسب اللغة المكتوبة والمنطوقة بل أيضاً الموسيقى والفنون الجميلة والمسرح"

(شانون ويفر، 1949/1975: 31).

ويطرح بعدها ثلاثة مستويات من المشاكل المتعلقة بالتواصل:

"مستوى أ: كيف يمكن أن تنقل رموز التواصل مضبوطة؟ (مشكلة تقنية)

مستوى ب: بأية دقة تنقل رموز التواصل المـعنى المطلوب؟ (مشكلة دلالية)

مستوى ج: بأية فعالية يؤثر المـعنى المحصل في سير المـعنى المرغوب؟ (مشكلة نجاعة)

ويعتـرف بأن شانون لا يفكر إلا في للمستوى أ. ولكن ويفر يقتـرح الذهاب إلى أبعد من ذلك، على الأقل إلى نقطة ما، وكذا يقتـرح نظرية للمستويات ب وج" (1949/1975:35).

وبالعودة إلى رسيم شانون بدأ ويفر في تحديد كل من مصطلحاته و التدليل على أن حالة تواصل (كما عرفها عاليه) هي نموذج لها.

"المرسل يحول هذه الرسالة إلى إشارة والـتي آنذاك تـرسل عبر قناة تواصل المرسل إلى المتلقي. في حالة الهاتف فالقناة هي خط معدني والإشارة تيار كهربائي متحول يقطع الخط؛ المرسل هو مجموعة عناصر (مرسل هاتفي...) يحول ضغط الصوت الشفوي إلى مقاطع كهربية متقطعة بطول مختلف (نقاط، أسطر وبياض). بالنسبة للغة المنطوقة مصدر المعلومة هو المخ والمرسل هو عضو شفوي فمي ينتج ضغطا متفاوتا صوتيا (الإشارة) منقول عبر الهواء (القناة). والمذياع: القناة هي ببساطة الفضاء (أو الأثير) والإشارة هي موجة كهرمنغاطيسية منقولة" (1949/1975: 36).

وأخـيراً بالعودة إلى المستويات الثلاثة يختم ويفر بأن التفريق إلى ثلاثة مستويات هو حقيقة مصطنع وغـير مرغوب فيه (1949/1975: 38). ويعطي يفر أربعة أسباب لهذه الخاتمة. أولاها يشمل البقية: "النظرية الرياضية لشانون هي أعم وأعمق لدرجة أن العلاقات الـتي تنجزها تطبق بلا تميــيز في كل حالات التواصل" (1949/1975: 78).

Page 7

شانون تحدث في البداية عن المعلومة بمـعنى جد خاص "قياس كمي لعدم يقين رسالة حسب درجة احتمال كل إشارة تشكل هذه الرسالة" أما ويفر فيتحدث بالأحرى عن التواصل. ووقع اختلاط بين المصطلحين عكسه تـردد بين نظرية المعلومة ونظرية التواصل. وشبيها بذلك فاهتماماًت ويفر تميل نحو نظرية ردود الفعل (الاستـرجاعية) والانتـروبيا (كم المعلومة). ولكن حين كتب للجمهور الواسع تحدث عن التواصل. لدرجة أن معجم روبـير الكبـير الفرنسي ثلاثين، سنة بعد ذلك، يعيد ويكرر تعريفاً لردود الفعل ويزيد عليه تعريفاً خامساً للتواصل:

" كل علاقة حركية الـتي تتدخل في تشغيل. نظرية الاتصالات والتنظيم. السبرانية والمعلومة والتواصل".

هذا التعريف (الفضفاض) يعكس جيداً الخلط السائد بين مختلف المصطلحات: حيث جاء التواصل جمعاً ومفرداً؛ والتنظيم زوج مع التواصل جمعا ومعلومة مع التواصل مفردا؛ والسبرانية تقحم لأنها بلا شك جزء من مجموعة المفاهيم المتـرابطة... هينز فون فورستيرHeinz von Forster أحد أوائل الباحثين الذين استعملوا مفاهيم السبرانية في علم الأحياء قال عن مفهوم المعلومة بأنه أسوأ الحرابي المفهومية" ذكره موران Morin1977: 290). وفعلاً فيجب الحديث عن محربة ضارة.

ولكنه في بداية الخمسينات تعايش أعضاء المحربة. وكانت ساعةَ الفتوحات العظيمة والتلخيصات البين تخصصات والنظريات الجريئة، حيث تتلاقى الرياضيات وعلم الأحياء والعلوم الاجتماعية. وفي 1944 نشر الرياضي جون فون نيومان[37] John von Neumann والاقتصادي أوسكار مورجينستيرن[38] Oscar Morgenstein كتابهما نظرية الألعاب والسلوك الاقتصادي؛ في 1947 نشر الفيزيائي الحيوي والرياضي راشيفسكي[39] N. Rashevskyكتاب نظرية رياضيات العلاقات الإنسانية. والبيولوجي لودفيج فون بـيرتالنفي[40] Ludwig von Bertalanffy اقتـرح في 1950 الخطوط العريضة لنظرية النظام العام.

وتوازياً مع هذه الابتكارات النظرية الـتي لا يعرفها إلا المتخصصون تحققت في مختلف المجالات سلسلة نجاحات تقانية مذهلة. فقد ظهرت "أول العقول الإلكتـرونية" و بدأ انتشار "الحيوانات السيبرانية[41]" وأنجز النفساني الإنجليزي وليام روس أشبي[42] W. Ross ashbey جهازاً ينتظر منه إنتاج السلوك الوظيفي للإنسان.

وهكذا يمكننا أن نفهم أحسن لماذا كان لأعمال ويفر وشانون ذلكم الصدى. فقد بيع من كتاب ويفر واحد وعشرون ألف نسخة في أقل من خمس سنوات حسب ما يقول بعضهم. وقدم ويفرر سلسلة محاضرات في الولايات المتحدة وأوروبا وفي فرنسا شارك في لقاءات حول السبرانية نشطها لويس دوبروجلي[43] Louis de Broglie ولويس بيار جوفينيال[44] Louis Pierre Couffignal. وصدرت كتب بعناوين باهرة: الآلات العاقلة (لويس جوفيجنيال،1952) التفكـير الصناعي[45] (بيار دو لاتيل Pierre de Latil 1953)..إلخ.

وشارك شانون ويفر أيضاً في ندوات "ماسي[46]" المتعددة التخصصات المشهورة حول السبرانية كل سنة في برنستاون من 1946 إلى 1953. تحت مسمى الآليات الرجعية السببية الدائرية في الأنظمة الاجتماعية والبيولوجية (فان فورستير[47] ومارجريت ميد[48] وتوبر H. Teuber، ما بين أعوام 1950 -1954) هذه الندوات المخصصة لخمسة وعشرين مشاركاً على أكـبر تقدير مختارين بعناية، شكلت نوعاً من نخبة المهنة في البحوث المتعددة التخصصات الأمريكية في بداية الخمسينات (هيمس[49]، 1991). ومن بين المشاركين نجد ليس فحسب مؤسسو السبرانية (نوربـير وينر وأرتيرو روسينبلوث[50] وجامس بيجلوف James Bigelow وجون فون نيومان ووالتـر بيتس[51]) ونظرية المعلومة (كلود شانون ودونالد ماكاي وروس أشبي) ولكن أيضاً نفسانيون واجتماعيون وأناسيون (جريجوري باتيسون Gregory Bateson وولفانج كوهلر Wolfang Köhler وأليكس بافلاس Alex Bacelas وبول لا زارفيلد Paul Lazarfield وكورت لوفين Kurt Levin ودونالد ماركيز Donald Marquis ومارجريت ميد ...إلخ) وكذا محللون نفسانيون (إريك إريكسون Erik Erikson ولورانس كوبي Laurence Kubie وهنري بروسين Henry Brosin ).

ونشرت أعمال الندوات ووزعت على الجمهور الجامعي الواسع.

إذا لقد وجدت في بداية الخمسينات أجواء ثقافية مشجعة للسبرانية والرياضيات للتواصل. ووصف هذه الأجواء[52] باحثون عدة ممن عاشوا فيها وهكذا كتب الفيلسوف والمنطقي يوشوا بار هليل[53]:

"كانت فتـرة بلغت فيها السبرانية ونظرية المعلومة قمة إشعاعهما وخلقتا عند كثـير منا شعورا بأن التـركيب التحليلي الجديد الـتي تبشران به موجه لفتح آفاق جديدة حول كل المواضيع الإنسانية وأنه سيساهم في حل عديد من المشاكل الشائعة الـتي تقلق الإنسان والإنسانية" (1964: 6).

وقد رئي حقلي البحث هذين، إذًا في فـتـرة كعلم جديد وكحقول عذراء ثورية تمتلك مفاتيح العالم الجديد العلمي. وبونوا مانديلبروت Benoît Maldelbrot الذي كان نفسه من أوائل الذي استعملوا في فرنسا نظرية المعلومة يعلق على تجربته:

"أهمية مساهمة شانون واضحة. ولكن بعد خمسة عشر سنة من الصعب ومن المزعج التفكـير في ردود فعله الخاصة، وردود فعل زملائه عندما ظهرت المقالات الأصيلة كجزء من الكم الجديد المـتـراكم خلال ثلاث سنوات 1945-1948. فالعرض والطلب على الأشياء الجديدة كانا في أوجهما، وانتشر الحماس ومدادها لم ينشف بعد ملوحا بمكافأة عاجلة لتطبيق نظرية المعلومة على كل المشاكل الـتي قد نتخيلها" (1965: 264).

وفي هذا السياق انتشر تصور التواصل في بداية الخمسينات في مختلف العلوم. وقد نعطي عدة أسباب لتفسير هذا الانتشار. أولاً نظرية المعلومة وتوابعها من بدائل ستوصل اللفظة إلى كل الأرجاء. وأصبح "التواصل" و"المعلومة" لفظين متبادلين بل بالأحرى أدغما في مجموع واحد: "إيصال المعلومة". وبلا شك ساهم ويفر في نشر هذا الخلط بتعميمه لمنوال نظام تواصل شانون على كل الحالات الثنائية القطب (بين فردين، آلتين، إنسان- آلة ). بيد أن النسخ العديدة "للمقولة" ساهمت هي أيضاً في زيادة التشويه. وتدريجياً سيطغى المـعنى العادي للمعلومة وساهم في ذلك البساطة الظاهرة لمنوال التواصل عند شانون. بداهة المنوال هذه ساهمت بلا شك كثـيراً في نجاحها وهي سبب ثان لإمكانية انتشار "التواصل". فالمنوال يقدم في نفس الوقت الضمانات والشرعية العلمية (الرياضيات قريبة) وذكريات التجربة اليومية لأي واحد منا (من لم يهاتف يوماً ما؟). فإذًا فهم المنوال وإعادة إنتاجه وتطبيقه شيء بسيط، فالمنوال لا يمكن إلا أن يُعتمد في أي مقام. وأخـيراً، في سنوات الابتكار تلك الموسومة بمحو الحدود بين العلوم وتعدد التخصصات، فكلمة تواصل الـتي تنبعث منها رائحة الانفتاح والأمل والتفاؤل لا يمكن إلا أن تنتشر في كتب ومحاضرات وندوات المرحلة. فهي تُحمل بما هب ودب، ويمكن أن تقول كل شيء ولا شيء: وتتكيف من حينها مع أي شيء وتحوز على اتفاق الجميع.

فليس غريباً بعد أقل من ثلاثين سنة فيما بعد أن يكون مفهوم التواصل الذي أشاعه في نفس الوقت استعمال مؤسسو بعض العلوم ونظرية المعلومة ونوع من كيمياء السحر الطبيعي للكلمة أن تعرف الكلمة بأزيد من مائة طريقة مختلفة (دانس Dance ولارسونLarson، 1976) وتدرس ضمن عشرين علم (سميث Smith، 1971)، من علم الوظائف إلى المكتباتية الحسابية، وأنزلت على رأس علم جديد: "التواصل" بأقسامه ومجلاته وجمعياته ومؤتمراته. وبديهي أنه ليس ممكناً تتبع خطى فكرة وتصور أصبحت مهمة جداً. وسنتكلم عن مثل وحيد هو علم النفس الاجتماعي.

Page 8

المبراق في المجموعات الصغرى

في نص تـركيبي كتب حوالي 1968-1969 سطر سيرج موسكوفيسي S. Moscovici على أربعة مواضيع كمواضيع أو كخانات تجلب أكـبر قدر من الأبحاث التجريبية أو النظرية في علم النفس الاجتماعي: تغـير السلوك؛ التواصل الاجتماعي؛ المجموعة المصغرة ومسلك التأثير؛ الإدراك (1970: 38).;في الفقرة المخصصة للتواصل الاجتماعي يعطي موسكوفيسي لهذه "مكانة عَقْدِية" في علم النفس الاجتماعي وفي نفس الوقت لأسباب تاريخية وعلمية:

" تاريخياً، لأنه بهذا المجال أصبح العلم حقلاً محدداً علمياً بفضل أعمال لازار فيلد وهوفلان Hovland ولوفين Lewin. علمياً، لأن التواصل يقود الظواهر الأساسية الـتي تتحكم في تطوير أبدية العلاقات الاجتماعية ومنتجاتها (تصرفات، وتمثيلات عقائد؛ وأداء المجموعات في التغيـير الاجتماعي ...)"(1970:42).

هذه الفقرة مهمة من زاويتي نظر. فمن جهة تظهر كيف أن علم النفس الاجتماعي[54] يرى نفسه كعلم أُسس بدراسة التواصل وفي نفس الوقت يؤسس التواصل في كل الأبعاد (بما فيها الأبعاد الاجتماعية المصغرة كوسائل الإعلام الـتي رئيت كوسائل تغيـير سلوك). ومن جهة أخرى هذه الفقرة تظهر كيف أن علم النفس الاجتماعي كنسيج علاقات اجتماعية يتحكم فيه التواصل (هنا نرى تعاليم ج.م. ميد[55]). التواصل رئي كمسار واسع حيوي يُنفس المجتمع. هذا التصور للحياة الاجتماعية له انعكاسات مباشرة على البحث: العلاقات الاجتماعية في كنف مجموعة صغيرة يمكن أن تقارب إما كإعادة إنتاج مصغرة للمجتمع عامة وإما كمقتطف من هذا المجتمع العام الذي هو على شكل خلايا نحل متشابهة. وسيكون التواصل هو المسار العام الذي بواسطته تتكون المجموعة المصغرة وتتغـير. التواصل وقد أصبح عملياتياً سيكون مجموع المبادلات الشفوية بين أعضاء المجموعة. إذاً، خطوة بعد خطوة سنصل إلى المجموعة المصغرة التجريبية. وبلا شك لم نخن الفكرة الصريحة لموسكوفيسي ولكننا رجعنا إلى الأبحاث الـتي تؤسسها.

عولجت في بداية الخمسينات كمية كبـيرة من المقالات وكتب التواصل في كنف المجموعات المصغرة. والأعمال التقنية المنجزة في المختـبرات لم تكن تهتم بالاعتبارات النظرية: واعتـبرت التواصل كعدد مبادلات الرسائل بين المشاركين المرتبطين بقنوات تشكل شبكة. والأبحاث الأكـثر أدبية المنجزة على الأرض حاولت غالباً أن تـبرز كيف أن شبكات التواصل الـتي اكتشفتها تشكل لحمة الحياة في المجتمع.

ومن بين الأبحاث التجريبية أعمال أليكس بافلاس Alex Bavelas وشركائه من معهد ماساشويت للتقنية وهي من بين أكثرها تعبـيراً عن النوع. وألهمت أبحاث كلود فلامون Calude Flamond(1965) في فرنسا. وهكذا يجمع هارولد ليفيت Harold Leavitt(1951) خمسة أفراد إلى طاولة ويفرق بينهم بحاجزين عموديين. وقد تنتقل ملاحظات مكتوبة بين الجالسين عبر فتحات في الحاجز. كل فرد يحصل على خمسة قصاصات ورقية مختومة برمز كتابي. مهمة المجموعة تتمثل في العثور على الرمز المشتـرك بين الأفراد. والمجرب قد يغـير ما يسميه شبكة التواصل بفتح أو إغلاق بعض الفتحات. ويحصل بذلك على شبكات دائرية ومتسلسلة متفرعة ونجمية أو متقاطعة. تنظيم المجموعة طرح كمتغـير مستقل والمتغـير المرتبط هو قدرة المجموعة على حل مشكلتها. لا تهمنا هنا النتائج والـتي ناقشها كثـير من علماء النفس مع تغيـير في تنظيم المجموعة وفي معنوية الرسالة ونوع المشكلة المطروحة. ما يهمنا هو تصور التواصل المضمن في هذه التجارب. وكما يقول ليفيت ومويلر Mueller (1951): "التجارب المنقولة هنا تتعلق بنقل المعلومة من شخص ألف إلى شخص باء[...] وسنختار كمواد للتواصل في هذا التجارب سلسلة أشكال هندسية" (عن هار Hare وآخرين، 1955: 414و416). التواصل المعـني في هذه التجارب هو نقل رسالة بسيطة من شخص لآخر. وكما هو في مخطط اجتماعي فإن العلاقات بين أفراد المجموعة هي مرسومة بوضوح. وهنا زيادة، تضعف هذه البنية الاجتماعية بشبكة تواصلية خلقها المجرب. وكما كان الأمر عند بارنارد Barnard فإن التواصل يرتكز على شبكة قنوات حيث تنتقل المعلومات. وهو تصور مرئي وواضح وجلي. وفي الواقع فإن ظاهرة التواصل البين أفراد بديهية وطبيعية في هذه التجارب وما يعـتـبر كإشكالية هو المجموعة وأداؤها. التواصل هو الظاهرة المفسرة والمتغـير المستقل هو الوسيلة الـتي بواسطتها قد تحصل المجموعة على تأثير (أو نتيجة) على عناصرها.

ونجد تصوراً للتواصل شبيها لهذا في أعمال أنجزت على الميدان منها أعمال ليون فيستينجر Leon Festinger(1950) وستانلي شاشتير Stanley Schachter وكورت باك Kurt Back وهي مثل مشهور.

Page 9

فحين كان النفسانيون الثلاثة لا زالوا يعملون مع كورت لوفين في معهده قام الثلاثة بدراسة ميدانية حول تكون المجموعات غـير الرسمية ومعايـير المجموعات بين الطلاب المتزوجين في المعهد والقاطنين في مجموعتين سكنيتين من الأبنية. في وستجيت، والشقق هي دور فردية شيدت على شكل نصف دائرة حول ساحة وفي ويستجيت الغربية فالدور كانت سابقا مخازن البحرية بطابقين قسمت إلى عشر غرف. وانطلاقاً من المعطيات الاجتماعية الحسابية يستنتجون علاقات بين البعد الجسدي ومجموعات الأصدقاء[56]: فالمجموعات تتكون في كنف الساحة في ويستجيت وفي حضن الجناح الكبـير في ويستجيت الغربية. ويظهرون بعد ذلك كيف تتكون معايـير المجموعات الـتي تضغط على عناصرها، وكذا مختلف ما تعكسه التصرفات إزاء مجلس القاطنين. وهنا أيضاً كما في الأبحاث التجريبية فإن المجموعة تؤثر على أفرادها بواسطة التواصل وقد رئيت كنسيج من قنوات دقيقة تنتقل فيها المعلومة ومعها المعايـير والتصرفات:

"شبكة الاختيارات الاجتماعية الحسابية تسمح لنا ليس فحسب من تحديد الطريق الذي تأخذه الاتصالات ولكن أيضاً اقتـراح قاعدة محسوسة لفهم تكون واستمرارية المعايـير وتصرفات المجموعة. ويمكن أن يقال بمعقولية بأن الأفراد الذين يتواصلون ويتفاعلون كثـيراً (كما يبرهن الاختبار الاجتماعي الإحصائي) سيكون لهم حظ أكـبر للوصول إلى تفاهم متبادل وتقاسم تصرفات مشتـركة وقيم أكـثر من العناصر الـتي لها اتصال ضعيف بينها وتواصل قليل." (فيستينجـير، شاشتـر، باك، 1958: 185-186).

وهكذا تظهر المعطيات انحرافات قياسا للسلوك العام للمجموعة المكونة في كل ساحة من ويستجيت إزاء مجلس القاطنين. هؤلاء ’المنحرفين‘ هم بالضبط المعزولون في البنية الاجتماعية الإحصائية لكل ساحة وكذا من حيث الموقع الجغرافي لدور الساحة (الـتي تطل على الشارع وليس على الساحة). ويختم الكتاب أوفياء لموقفهم حول دور التواصل في المجموعات:

"يبدو أن مجموعة الساحة يمكن بصعوبة أن تؤثر على هؤلاء القاطنين العشرة بسب موقعهم الجغرافي المعزول أو لنقص الاتصال الحاصل بينهم وبين العناصر الأخرى في الساحة. غياب الاتصال هذا يدفع للتفكـير بأن الصدفة بالأخص هي الـتي توجه التصرف والسلوك الذي أصبح معيار الساحة."

غـير أنه وعكس الأبحاث التجريبية فهذه النتائج تعتـبر كتوكيد لفرضيات حول الحياة في مجتمع عموما بمـعنى أن المجموعات الصغيرة الـتي تتعلق بها النتائج تعتـبر ككيانات وسطية بين الفرد والمجتمع. وهذه تفرض ضغوطها على الفرد بواسطة المجموعات الصغيرة (فيستينجر، شاتشير، باك، 1950: 3-4). إلا أنه إذا كان التواصل هو الوسيلة الـتي تعمل بواسطتها المجموعات فعلياً "فإنها تصبح بحكم الواقع الوسيلة الـتي عبرها يصبح وجود مسار العام اجتماعي ممكناً". (فيستينجر، ساتشير، باك، 1950: 114). التواصل مسعفاً في هذا بوضع الأشياء في شبكات تمثل نظاماً عصبياً ونظاماً جريان دم وتنفس، وبتلخيص حياة المجتمع.

ويوجد تصور شبيه في أبحاث حول التواصل الجماهيري في سنوات الخمس أربعينات لصيق بالأبحاث حول التواصل البي شخصي. من جهة الأبحاث هي يقودها دائماً نفس الأشخاص، عموما النفسانيون (مجموعة هوفلاند بجامعة يال) أو علماء النفس الاجتماعي (مجموعة لازارفيلد بكولومبيا). ومن جهة أخرى الفرق بين التواصل المواجه (وجهاً لوجه) والتواصل عبر وسائل الإعلام لم يتصور كفرق في الطبيعة ولكن كفرق في المستوى. وقوربت وسائل الإعلام كتوسع بسيط لقدرات البث والتلقي عند الإنسان. ويلبور شرام Wilbur Schramm وهو من السابقين في دراسة التواصل بوسائل الإعلام يتحدث عن فرق نوعي. وبالنسبة له "مهما كانت مباشرة أو بعيدة في الزمن والمكان فإن علاقة التواصل تشمل ثلاثة عناصر: المتواصل، الرسالة والمتلقي"(1970: 14-15). ونجد هنا الصيغة المشهورة لهارولد لاسويل H. Lasswell الـتي استغلت كإطار بحث لجيل بكامله من الباحثين والـتي يمكن أن تطبق سواء لدراسة أثر دعائي (هوفلاند، لومسدين Lumsdaine وشيفيلد Shieffield، 1949) أو لدراسة تبادل الملاحظات في حضن مجموعة أشخاص.

"قد نعطي وصفاً ملائماً لفعل تواصل بالجواب على الأسئلة التالية: من ومن يقول ماذا وعبر أية قناة، وبأي أثر؟" (لاسويل، 1949).

بالنسبة للدراسات الأولى فالسؤال الأخـير هو الذي سيدرس بالخصوص. وهكذا يبحث كارل هوفلاند وشركاؤه "تحديد تحول السلوك من خلال التواصل" (هوفلاند، جانيس Janis وكيليKelly، 1953: 9، والتأكيد من الكاتب). "الأشخاص معرضون لتواصل" لتكرار جملة تستعمل كثـيراً في هذه الدراسات، يعـني شريطاً، عرضاً، وثيقة مكتوبة ...الخ. ويحاول الباحثون تقييم فعالية هذا التواصل في إحداث تغـير سلوك بمقارنة النتائج والاختبارات (من نوع سلم سلوكيات) الـتي تجرى قبل وبعد الرسالة[57]. التواصل هو إذا وسيلة لإحداث تأثير. هذا التأثير مباشر وآني وبلا شائبة. وظهرت حدود الدراسات الـتي تمت حسب هذه المبادئ بسرعة[58]؛ وسيكون الحديث بتقسيم عن نظرية طلقات التواصل (شرام، 1971: 8) ومنوال الوخز بالإبر" ولكن إن لانت وتلطفت الأمور– إذ قد يتحول التواصل من قطرة إلى وابل – فإنها مع ذلك لم تتغـير جذرياً: ويبقى التواصل متصوراً كوسيلة بهدف تأثير. وهو "جدول التأثيرات" (بال Balle وباديولو Padioleau، 1973) سواء سميت التأثيرات تأثيرات أو وظائف أو نتائج.

’التأثير الشخصي‘، عنوان كتاب إليهو كاتز Elihu Katz و بول لازار فيلد (1955) هو بلا شك أحسن برهان على هذه الوحدة في علم الاجتماع النفسي الـتي تكون البحث في التواصل البي شخصي وتواصل بوسائل الإعلام. ونجد فيه الأسئلة الكبرى للمرحلة: كيف يتم تغـير السلوك؟ كيف تؤثر وسائل الإعلام على الأفراد؟ وكيف تنتشر الأخبار؟ دراسة تتابع نتائج تقص ميداني تم في 1940 حول آليات التصويت الـتي أنجزها لازار فيلد وبرنار بـيرلسون وهازيل جودي سميت ’اختيار الناس‘ (1948). في هذه الدراسة ينتقد الكتاب الرؤية المصغرة المجزأة للمجتمع والتصور التقريـبي للتأثيرات المباشرة والآنية للمذياع والصحافة المكتوبة الـتي نشرتها عديد من أبحاث تلك المرحلة. وأكدوا على المكانة الكبـيرة الـتي أخذتها في اتخاذ القرار ظواهر التأثير البي شخصي. ولاحظوا أيضاً بأن بعض الأشخاص يبدون أكـثر تأثيراً من الآخرين: ويسمونهم زعماء أو مؤثرين. وطرحوا بعد ذلك سؤالاً حول معرفة كيف تم التأثير في الزعماء بدورهم ووصلوا للفرضية المشهورة "التواصل بطابقين". وكما يقول كاتز ولازار فيلد في ملخصهم التحليلي ’لاختيار الناس‘:

"أساساً الاقتـراح كان التالي: سيل الأفكار يبدو أنه ينطلق من المذياع أو الصحافة نحو زعماء الرأي، ومنهم نحو أجزاء أقل نشاطا من الناس" (1955:32).

Page 10

البحث حول وسائل الإعلام يلتقي حسب كاتز ولازار فيلد مع البحث حول المجموعات الصغيرة. وبين وسائل الإعلام والجماهير تأخذ مكاناً متغـيرةٌ وسطية جديدة وهي العلاقات البي شخصية الـتي تساهم في تسهيل أو وضع عقبات أمام سيل الاتصالات.

في ’التأثير الشخصي‘ يعطي كاتز ولازار فيلد نتائج دراسة تمت في 1949 في المدينة الصغيرة ديكاتور في الإلينوا. وقد استجوب الباحثون 800 امرأة في أربعة مجالات قرار يومية: التسوق والموضة والشؤون العامة وارتياد قاعات السينما. وحاولوا معرفة لكل مجال بمن تأثرت المستجوبات وفيمن بدورهن يؤثرون. وعملاً بفكرة الكتلة الثلجية حاول الباحثون إيجاد خـبراء كل حقل ووضع صورة له (حسب السن والوضع الاجتماعي وعقلية القطيع) ورغم عيوب الاستجواب (وكاتز ولازار فيلد هم على وعي بذلك ضمن حدود المجال) فالمعطيات تكشف صورة عامة للزعيم الأفقي وليس العمودي (الوضع الاقتصادي المرتفع) ونسبياً متخصص في مجال وصورته قريبة جداً بمن يؤثر فيه.

ونرى إذاً جيداً كيف أن هذه الدراسة تنقل نفس الرؤية عن المجتمع كالباحثين في المجموعات الصغيرة: المجتمع هو نوع من التشبيك، أو قرن الوعل، تنتقل فيه وتتحرك فيه الآراء على شكل شلالات. كاتز ولازار فيلد أنفسهما يتحدثان عن مسح اجتماعي إحصائي (1959:329): المجتمع مكون من سلاسل وشبكات وقنوات على شكل نجوم كما في تجربة ليفيت. التواصل هو سيل أراء تنتقل. دوكاتير تبدو في الأخـير كمدينة هادئة بقنواتها وبطها وسدودها وأصحاب السدود.

هذه الصورة المائية جلي أنها استعملت لهدف؛ ففي الخمسينات ظهرت أيضاً كمية كبـيرة من الدراسات حول حراس البوابات يعـني الأشخاص الذين بفضل موقعهم المؤسساتي يمكنهم تدبـير اعتـراض ووقف سيل المعلومات في مجال معين. وهنا يتعلق الأمر في الواقع بدراسات حول الصحافيين الذي يمررون أولاً في صحفهم خـبراً أبرقته وكالات الأخبار. ويتعلق الأمر خصوصاً وأيضاً كما دلل على ذلك في دراسة سابقة (بون ووينكين، 1980) بأعمال منجزة حول صحف صغيرة في الميدل ويست (تنتمي لمدن تشبه كثـيراً دوكاتور) وموجهة لتكوين الصحافيين المستقبليين. المخطط النظري يتمثل ببساطة في بعض المقتطفات خارجة عن السياق مستمدة من مقال حيث يقـتـرح كورت ليفين (1947) مصطلح حراس البوابة لأول مرة. وأكمل المجاز البقية.

آلاف الدراسات التجريبية تلك حول التواصل عادت إلينا منقاة ومغربلة ومنظمة ومنتظمة في منتجات علمية جديدة خاصة (في البداية) بالنظام التعليمي الأمريكي: المطبوعات وكتب التدريس. ولنأخذ أحد أشهرها في المرحلة وهو كتاب تيودور نيوكامب ورالف تورنر وفيليب كنفيرس (1965/1970)[59]. هدفنا هو فحص دور وسمات تصور التواصل في النص الذي يحاول إدماج المعارف في كل متجانس تقريباً.

حجر العقد وجوهرة القلادة المفهومية للكتاب بلا استغراب هو التفاعل. ومن ذلك التواصل رئي "كآلية وسطية" بين الأفراد في حالة تفاعل كشكل من الرسل بين "عقلين" لا يمكنها الالتقاء مباشرة:

ولكن بسرعة سيأخذ المخطط والمصطلحات منعطفا أكـثر تقنية. وفي الواقع نلاحظ تأثير نظرية المعلومة (في نسختها النفسية الـتي عرف بها ميـليرMuller وأتنيفAttneave زملاءهم بها): يشفر المرسل، والمتلقي يفك الشفرة والمعلومة هي اختزال للشك.

التعريف الأخـير الذي يرى كتجريد هو من إلهام شانوني، يظهر جيداً مسار التشوه الذي اتخذه تصور المعلومة عند انتشاره في العلوم الاجتماعية. فعند شانون المعلومة هي قيمة مجردة بعيدة كلية عن الاعتبارات الدلالية. ويفتتح نيو كومب وتورنر وكونفيرس فقرة "المعلومة والشك" بطلب موجه إلى "المتخصصين في نظرية التواصل" (1950: 227). ولكنهم لا يستقون معلوماتهم من شانون. ويذكرون مقطعاً من الصفحة الأولى ’تطبيق لنظرية المعلومة في علم النفس‘ لعالم النفس أتنيف (1959) الذي يقول:

"المـعنى التقني لكلمة معلومة لا يختلف جذرياً عن المـعنى العام المشتـرك، فقط هو أكـثر دقة [...] وفعلاً المعلومة يمكن أن تعرف كحاذف أو مخـتزل للشك" (عن نيوكومب و تورنر وكونفيرس، 1970: 227).

هذا التعريف ليس مغلوطاً ولكنه مختلف عما يقصده غالباً شانون وأخصائيو التواصل (خـبراء الاتصالات) بالمعلومة. إن تعريف المعلومة كاختزال للشك يعود إلى القول بأن المعلومة هي العناصر الجديدة الـتي تحمل التفاعل. يمكن للفرد أن يعطي أو يتلقى المعلومة. ولكن اللفظ يفقد إذاك زخمه التجريدي الذي هو عند شانون، رديف الأنتـروبيا السلبية. ويعود لحضن المـعنى العام المشتـرك. وفي الفقرة الـتي تليها المخصصة لتعريف المعلومة كاختزال للشك، يعود فعلياً نيوكومب وتورنر وكونفيرس إلى ’معلومة‘ اللغة العادية. مثلم ما جاء في هذه الجملة: "واقعة الحصول على معلومة من فرد آخر لا يمكن أن تعـتـبر في كل الحالات كتلقي رسالة" (1970: 230).

وبمسارٍ مشابه يتغـير تصور الفعل الرجعي. فبعد أن استعين بوينير للتعريف الأول، الذي قدم "ككاتب صاحب كلمة في شاكلة هذا النوع من المسائل"، يطور الكتَّاب تصورا لرد الفعل الرجعي كمعلومة تعيد وتزود الفرد "بنوع من الأسس لتقييم مشاركته ذاتها في التفاعل". هذا التطوير ليس مغلوطاً ولكنه يرى آليات رد الفعل الرجعي كمرآة بسيطة ويبتعد عن تصور ويـنير المنتظم الذي يتحدث مثلاً عن رد فعل رجعي إيجابي (انفجار النظام بتدرج متساوق) ورد فعل رجعي سلبي (توازن النظام بتصحيحات ذاتية متتالية). ومن هذه التدقيقات لا يحتفظ نيوكومب وزملاؤه بشيء منها. المفهوم المـختزل إلى هيكل مدلوله، المعروض هنا وهناك كطلسم، لا يمكنه أن يقدم هنا شيئاً جديداً للتحليل.

وتوازياً مع المقتـرضات من نظرية المعلومة والسبرانية يدمج نيوكومب وتورنر وكونفيرس في عملهم مجموعة تصورات نفسية تقليدية. ومنها فكرة ’حوافز‘ المرسل استعملت كمعيار للتميــيز بين التعبـير البسيط الانفعالي والتواصل الحقيقي الموجه نحو هدف[60]. وكذلك أيضاً فإن التواصل، أي في آخر المطاف تبادل رسائل بين الأفراد، قد رئي إليه كعملية غالباً مشبعة تساهم في الجاذبية المتبادلة بين المتحدثين. التواصل ’الناجح‘ يغني حياة الأفراد. في البداية لا يكون إلا للرد على الحاجة إلى المعلومة؛ وخلال التجربة الاجتماعية يغدو ويتحول إلى هدف في حد ذاته لأنه يكافئ مستعمليه. ومن الغريب أن نيوكمب وتورنر وكونفيرس يبدو أنهم وجدوا في فقرتهم النهائية حول التواصل نـبرات المرح للخطاب التقليدي حول الحياة الجنسية لزوج سعيد:

"نحن لا نعيش إلا حياة باهتة ومفقرة إذا كان كل منا يعتمد فقط وكلية على علاقاته الخاصة المباشرة مع الأفراد والمواضيع والأفكار الـتي بخصوصها يكون في حاجة إلى المعلومة. ظاهرة الـتـرابط المتبادل هذه من نتائجها مكافأتنا بطريقة متكررة بالتواصل. وهكذا فإن وقائع الإرسال أو التحصل على رسائل يصبحان بالاثنين مكافأة في حد ذاتهما. فما لم يكن في البداية إلا وسيلة يصبح هدفاً في حد ذاته في عديد من الحالات رغم أن التواصل لا يفقد أبداً نفعه الوسيلي" (1970: 270).

هذا الخلط في المصطلحات التقنية المقتـرضة من نظرية المعلومة ومن التصورات النفسية العامة والمواضيع الأخلاقية الوعظية هو الذي سيكون قاعدة خطاب شبه علـمي حول التواصل ومنافعه. ويمكننا هكذا القول بأن التواصل سيبقى علمياً إشكالية، طالما اعـتـبر كحل لكل المشاكل العلاقية والتنظيمية، وأنه لن يصبح فكرياً مقبولاً إلا حين سيعتـبر كمشكل أي كمشكل اجتماعي معقد يستحق أن يدرس بذاته ولذاته.