Page 1
هذا الكتاب
زخر العصر اليوناني بعدد من الفلاسفة الذين أثروا الفلسفة بأفكار جديدة، وأطروحات رائجة، كسقراط وأفلاطون وأرسطو، وممن نال شهرة كبيرة أفلاطون: أنبغ نوابغ الفكر، وأشهر الحكماء؛ فكانت أكاديميته واحدة من أربع مدارس تركت أعظم الأثر في الحضارة القديمة، ثم استمرت الأفلاطونية مؤثرة في الفكر حتى الوقت الحاضر.
وجمهورية أفلاطون المثالية - هذا الكتاب الذي بين أيدينا - والذي مرَّ على تأليفه أكثر من 2300 سنة، ما يزال يدرَّس إلى اليوم في أرقى جامعات الدنيا، مع أن هناك الملايين من المؤلفات التي صدرت منذ عهد أفلاطون إلى اليوم، أصبحت نسياً منسياً.
ولعل الإجماع منعقد على أن الحضارة الغربية إنما هي ثمرة أفلاطونية، فقد تسربت إلى المسيحية وصبغتها بالمثالية، مثلما مأسست الحضارة الإسلامية، فبدت في كتابات الكندي والفارابي الذي كتب في المدينة الفاضلة مقتفياً أثر أفلاطون.
مدينة أفلاطون الفاضلة أو جمهوريته المثالية - سمها كما شئت - كتاب جدير ليس بالقراءة فقط وإنما بالدراسة والتعمق الممزوج بالمتعة العقلية والتي تنقل القارئ إلى عالم من الأفكار الغنية بالمعرفة والنضوج وسعة الأفق.
Page 2
من هو أفلاطون؟
ولد أفلاطون في أثينا سنة 430 ق. م، وكانت وفاته فيها سنة 348 ق.م. وهو من عائلة ارستقراطية كانت تشارك في حكم أثينا، واسمه الحقيقي ارستكليس، غيّره إلى أفلاطون وأصله في اللغة اليونانية (بلاتيس)؛ ومعناه: عريض. قيل: إنه لقب بذلك لعرض جبهته أو منكبيه، ومنهم من قال لسعة علمه.
تعلم كغيره من الصبيان القراءة والكتابة والحساب والهندسة والموسيقى في صغره، ويقال إنه هوى الفنون الجميلة ومارسها في صباه كالنقش والتصوير والنحت وقَرْضَ الشعر، وليس غريباً أن يكون شاعراً؛ لأن الصورة الفنية للمحاورات لا يمكن أن تصدر إلا عن فنان مطبوع وشاعر أصيل، وفي شبابه اشتغل بالخدمة العسكرية وتعلم الفروسية وفنون القتال(1).
عندما بلغ العشرين من عمره سمع بسقراط، وكان مولعاً بالفلسفة فانضم إلى المتتلمذين عليه وصاحبه ثماني سنوات يأخذ عنه ويتعلم منه. رغب أفلاطون في إصلاح الفساد المنتشر في بلده، وسعى لتحقيق الحريات العامة بدل الاستبداد المتحكم بأثينا، وسعياً لهذا الغرض انخرط في سلك العمل السياسي، لكنه ما لبث أن اكتشف عجزه عن إصلاح الأوضاع المضطربة فاعتزل السياسة، ومال إلى الاشتغال بالفلسفة والتربية. وكان قد أثر فيه موضوع إعدام أستاذه سقراط ظلماً بعد محاكمته، فرحل إلى ميغاري حيث التقى رائد الهندسة التقليدية إقليدس، واطّلع منه على نظرياته الهندسية.
بعد زيارة ميغاري قام أفلاطون برحلة شملت بعض مدن إيطاليا، ومن ثمّ القيروان، فمصر حيث تعلّم على كهنتها، وبعدها انتقل إلى صقلية، وحاول هناك تغيير الأمر القائم في الحكم مما أغضب عليه حاكمها (دنيس) الذي قبض على أفلاطون وسلّمه لزواره على أنه عبد ليبيعوه.
والطريف أن أفلاطون قد عرض للبيع في سوق النخاسة، وصادف مرور فيلسوف هو (أنيفرس) أثناء عرض أفلاطون للبيع، وكان أنيفرس قد تعرف عليه في القيروان، فاشتراه وحرّره من عارضيه للبيع كعبد.
بعد هذه الرحلة الطويلة عاد أفلاطون إلى أثينا وأسس في ضواحيها مدرسة تطلّ على بستان يسمى (أوكاديموس)، وسميت مدرسته نسبة إليه (أكاديمية)، وبقي يدرّس فيها حتى وفاته. كان من أبرز تلامذته في الأكاديمية الفيلسوف المشهور أرسطو طاليس.
Page 3
كانت كتب أفلاطون هي وحدها - من بين كتب الفلاسفة القدماء - التي بقيت كلها(2) وكانت مؤلفاته تتمثل في محاورات كـ «مينون» و «الجمهورية» و «المأدبة»، وتجري - في الغالب - على لسان سقراط؛ وذلك بسبب الظروف التاريخية التي كان يعيش فيها أفلاطون في ذلك الوقت من موت سقراط وسطوة السفسطة على الفلسفة، فحمل أفلاطون لواء الثورة على الثقافة السائدة بعد سقراط، وهاجم السفسطائيين في أشخاص أولئك الذين عاصروا سقراط، فكانت المحاورات تهدف إلى الدفاع عن سقراط وتبرير معارضته لأهل زمانه كالسفسطائيين، والرد على المدارس الفكرية المخالفة(3).
وكانت هذه المحاورات تعتمد على الحوار في مكان معين وزمان معين، وتدور بين سقراط وبين شخصيات معروفة يرسمها أفلاطون في صورة حية، وقد اعتمد على طريقة الحوار لأنه يرى - كما يرى أستاذه - أن الحوار والمنهج الجدلي هو طريق اكتشاف الحقيقة(4)، وكانت هذه المحاورات تُقرأ بصوت عالٍ ولا يتم تمثيلها، وكان السامعون يجدون فيها لذة؛ ذلك لأنها ضربٌ من المأساة الفكرية تجسد فيها الصراع بين الشخصيات وبين الأفكار؛ لذلك هي تحتاج إلى حكام عدول يفصلون في القضايا الفكرية.
وترجع براعة أفلاطون إلى أنه أشرك القارئ أو السامع معه في هذه المحاورات، فالجمهور ركنٌ هامٌ فيها؛ لأنه يفكر مع كاتبها الذي ترك الأفكار - في معظم المحاورات - تجري دون أن تصل إلى نتيجة؛ حتى يتيح للقارئ أن يُفكر بنفسه ويخرج بنتيجة يرتضيها ويطمئن إليها(5).
أثر أفلاطون في الفكر العربي الإسلامي
لقد أثرت فكرة «الجمهورية» أو «المدينة الفاضلة» في الفكر العربي الإسلامي، وأول من كتب في هذا الموضوع أبو نصر الفارابي، إلا أنه وظف المفهوم الأفلاطوني في سياق إسلامي بحت، قدم له في كتابه «آراء أهل المدينة الفاضلة» بمقدمات كلامية مستفيضة، وميز المدينة الفاضلة عن المدينة الفاسقة والمدينة الضالة والمدينة الجاهلة والمدينة المعتزلة متأثراً بالتوجهات الإسلامية، وتبعه في النهج نفسه ابن باجة الأندلسي في كتابه «تدبير المتوحد»، وظلت المؤلفات السياسية الفلسفية بمنأىً عن التأثير المباشر في المجتمعات الإسلامية التي أفرزت دولاً قائمة على العصبية القبلية والدين كما فصلها ابن خلدون فيما بعد(6).
ولم يقتصر تأثير أفلاطون في الفكر الإنساني على الفلسفة، بل تجاوزها إلى مجال الأدب والفن، فالمعروف أن أفلاطون بدأ حياته شاعراً ثم تخلى عن كتابة الشعر، ورأى أن الفن عامة هو محاكاة وتقليد، يبتعد عن المُثُل مرتين، مرة حين يقلد الأشياء المادية ومرة حين يعرف أن هذه الأشياء ليست سوى أشباح زائلة للمثال الأصلي.
Page 4
وقد تأثر العرب قديماً بفكرة أفلاطون من أن الشعر إلهام، وكان اليونانيون يذكرون في أساطيرهم، أنّ هناك قوة إلهية تلهم المبدعين في الشعر وسائر الفنون، فتأثر العرب بذلك وربطوا بين الشعر وبين الشياطين، وأنها هي من تُلهم الشعراءَ الشعر(7). ويذهب الدكتور محمد مندور، إلى أن الرمزية تستند بعض الشيء إلى «مثالية» أفلاطون، ومن مذهب المثالية الأفلاطونية هذه إنكار الحقائق المحسوسة للأشياء، وأنها ليست - في حقيقتها - إلا رموزاً للحقائق المثالية البعيدة عن عالمنا المحسوس(8).
يعتبر أفلاطون مخترع الفلسفة الحقيقي، لأنه هو الذي ابتكر موضوع الفلسفة كما نعرفه حالياً. وهو أول فيلسوف تصلنا أعماله الكاملة كلها، كما أنه أول من خاض في جميع المشاكل الفلسفية تقريبا، فقد كتب عن المعرفة، والإدراك، والسياسة، والأخلاق، والفن، واللغة وعلاقتها بالعالم، أو بالواقع الخارجي. كما كتب عن الموت، والخلود بعد الموت وطبيعة العقل.. الخ. لم يبق موضوع إلا كتب عنه تقريباً.
وقد وصل الأمر بالفيلسوف الإنجليزي المعاصر «وايتهيد» إلى حد القول بأن الفلسفة منذ 2500 سنة ليست إلا تعليقا على مؤلفات أفلاطون!
ولكن ربما كانت هناك بعض المبالغة في هذا الكلام، إلا أن مما لا شك فيه أن المسائل التي ناقشها أفلاطون كالسياسة والأخلاق والجمهورية.. الخ لا تزال تشغلنا حتى الآن، ولكن مضامينها تغيرت، وطريقة طرحها ومعالجتها أيضاً.
يضاف إلى ذلك أننا أصبحنا أكثر وعياً لتاريخية الفلسفة، هذا في حين أن أفلاطون كان ينظر إليها بصفتها أبدية سرمدية لا تتغير ولا تتحول.
أفلاطون هو الذي بلور نظرية شهيرة تقسّم العالم إلى قسمين: عالم المثل العليا، والعالم الأرضي وبالتالي فقد بلور فكرة التعالي الذي يتجاوز الإنسان والواقع المحسوس، كما أنه ركز على فكرة روحانية النفس وخلودها بعد الموت.
ولكن فلاسفة الحداثة في القرن التاسع عشر انقلبوا عليه واتهموه بالمثالية الوهمية التي ليس لها أساس من الصحة، وكان صاحب الانقلاب الكبير عليه هو «نيتشه» الذي يرفض تقسيم العالم إلى قسمين عالم سماوي وعالم أرضي ولا يعترف إلا بالعالم الأرضي المحسوس ويعتبر الآخر مجرد وهم ليس إلا، ولذلك يقول بعضهم بأن فلسفة «نيتشه» ما هي إلا قلب كامل لفلسفة أفلاطون.
أفلاطون هو الفيلسوف اليوناني العظيم الذي يمثل نقطة الانطلاق بالنسبة للفلسفة السياسية الغربية بالإضافة إلى الفكر الأخلاقي الميتافيزيقي.
Page 5
هوامش
(1) انظر: نوابغ الفكر الغربي: أفلاطون: 12-13، وانظر: في سبيل موسوعة فلسفية: أفلاطون: 13.
(2) انظر: خلاصة الفكر الأوربي: أفلاطون، لعبد الرحمن بدوي، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة/ ط3: 81.
(3) انظر: نوابغ الفكر الغربي: أفلاطون: 24-28.
(4) انظر: خلاصة الفكر الأوربي: أفلاطون: 84.
(5) انظر: نوابغ الفكر الغربي: أفلاطون: 23-24.
(6) موقع الموسوعة العربية، المجلد الثاني، العلوم الإنسانية، الفلسفة وعلم الاجتماع والعقائد، أفلاطون.
(7) موقع مركز حمد الجاسر الثقافي، مقال: الإبداع الخرافي عند العرب.
(8) انظر: الأدب ومذاهبه، لمحمد مندور، دار نهضة مصر، القاهرة: 108.
Page 6
مؤلفات أفلاطون
كتب أفلاطون ستاً وثلاثين كتاباً معظمها حول قضايا سياسية وأخلاقية وميتافيزيقية ولاهوتية، وأبرز كتبه «الجمهورية» الذي يمثل آراءه حول المجتمع المثالي ويقترح فيه أفلاطون أن أحسن شكل من أشكال الدولة هو الدولة الأرستقراطية - ولا يعني الأرستقراطية الوراثية أو الملكية - ولكن أرستقراطية الجدارة والأهلية أي الحكم على يد أحكم وأفضل أشخاص في الدولة، وكان يعتقد أن جميع الناس يجب أن يعطوا الفرصة المناسبة لإظهار جدارتهم واستحقاقهم. ولتأمين تساوي الفرص اقترح أن تقوم الدولة بتربية الأطفال وعدم إهمال الموسيقي والرياضيات، والطلاب الذي يكونون أكثر نجاحاً يستمرون في الدراسة الإضافية وأن العضوية في طبقة الأوصياء ومكافآتهم لا تكون مادية بل تكون معنوية وهي الرضا النفسي الناتج عن خدمة المجتمع.
كان لفلسفة أفلاطون تأثير خلال العصور فقد أثر أفلاطون في أخلاقياته وسياساته على كثير من الفلاسفة المتأخرين، لقد كانت فلسفة أفلاطون مؤثرة على العالم فقد استمرت أكثر من ثلاثة وعشرين قرناً.
وجميع أعمال أفلاطون المكتوبة، لحسن الحظ، حفظت ووصلت إلينا، وهي تتألف من 36 عملا على شكل حوارات درامية حول الفلسفة وما يتعلق بها من أفكار. وقد سميت بالحوارات لأنها تأتي على شكل حوار أو مناقشة بين شخصين كما هو الحوار المتبع في القصص والمسرحيات كما في المثال التالي من كتابه (السفسطائي):
(ثيودورس: هانحن هنا الآن يا سقراط كما اتفقنا بالأمس، ومعنا هذا الغريب من إيليا وهو فيلسوف حقيقي من تلامذة بارميندس وزينو.
سقراط: أرجو ألا يكون إلها يا ثيودورس أتى إلينا متنكرا في هيئة غريب، وكما قال هوميروس فإن جميع الآلهة، وخصوصا آلهة الغرباء هم رفاق في الحلم والعدل، ويزورون الأخيار والأشرار من البشر، وعسى ألا يكون رفيقك هذا أحد أولئك المتسلطين الذي أتى لاختبارنا وتقييم مدى ضعفنا في الجدال.
ثيودورس: أبدا يا سقراط، إنه ليس من ذاك النوع، بل هو أنبل من أن يكون منهم، وهو ليس إلها على الإطلاق، ولكنه إنسان مقدس، وهذه هي الصفة التي سوف أطلقها على جميع الفلاسفة).
Page 7
وشخصية سقراط هي الشخصية الرئيسية في جميع تلك الحوارات ما عدا القليل منها. ويجمع النقاد على أن حوارات أفلاطون هي من الروائع الأدبية التي تضع أفلاطون في مرتبة سيد الأدباء الإغريق.
ومن الصعب وضع ترتيب زمني لحوارات أفلاطون، ولكن اختلاف الأسلوب والأفكار فيها جعل من الممكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام هي: الحوارات المتقدمة، والحوارات الوسطى، والحوارات المتأخرة.
1- الحوارات المتقدمة: وهي باكورة إنتاجه وقد وضعها بعد عام 399 قبل الميلاد، وهي عبارة عن ملاحظاته التي سجلها عن حياة وتعاليم أستاذه سقراط. ففي الحوارات الثلاثة الأولى يصف أفلاطون محنة سقراط مباشرة قبل وأثناء وبعد المحاكمة. وفي حوارات أخرى قصيرة من هذه الفترة هناك سلسلة من المسائل لا تنتهي بحلول قاطعة. وتتميز تلك الحوارات بأسئلة يطرحها سقراط مثل: ما هو المجهول «س» ويصر على ألا يكون الجواب مثالا وإنما تحديد ماهية المجهول «س» وشكله وجوهره. فلو كان السؤال مثلا (ما هي الحمرة؟) فإن كان الجواب بأنها لون من الألوان، لن يكون مقبولا، لأن (الزرقة) أيضا لون من الألوان، فهل الحمرة تساوي الزرقة؟ ولو كان الجواب بأن الحمرة هي لون الدم، فهذا أيضا ليس جوابا مقبولا لأن الحمرة أيضا هي لون الوردة، فهل الدم والوردة شيء واحد؟ كما طرح أيضا أسئلة أخرى مثل: (ما هي الشجاعة؟) (ما هي الحرارة؟) (ما هي القداسة؟). أما السؤال الأهم الذي طرحه والذي أسس عليه كتابه الذي نحن بصدده (الجمهورية) فكان (ما هي العدالة؟).
وعلى الرغم من أن الحوارات تنتهي دون التوصل إلى إجابة قاطعة على تلك الأسئلة، إلا أن الأسلوب الجدلي الذي اعتمد في الإجابات يبين الفكرة المقصودة بشكل شديد الوضوح.
2- الحوارات المتوسطة: وهي التي بدأت مع تأسيس أفلاطون لأكاديميته، وفيها نرى ظهور أفكار ايجابية في الأحاديث الواردة على لسان سقراط. وتتضمن حوارات هذه الفترة ما يمكن اعتباره أعظم أعمال أفلاطون وهي (الجمهورية). وتبدأ (الجمهورية) بمناقشة عامة حول طبيعة العدالة، وبوضع صيغة للمجتمع السياسي المثالي، والتعليم المناسب لحكام هذا المجتمع. والعدالة عند أفلاطون هي مبدأ لكل شيء يؤدي العمل المناسب لطبيعته، وهي مبدأ الحكم الأنسب لكل التصرفات. وبالمعنى السياسي، فإن هذا المبدأ يجب أن يحتضن من قبل المجتمع الذي يؤدي فيه المواطنون الأعمال المهيئين لأدائها، ففي نفس كل فرد من هذا المجتمع يكمن هذا المبدأ ولا يمكن اكتشافه إلا إذا أدى كل فرد الوظيفة التي تتناسب مع طبيعته. وفي المجتمع، وعند كل فرد يجب أن يكون الحكم للعقل بشرط أن يكون مقرونا بالعدالة التي ستحقق الانسجام بين الأفعال والأحكام. وإن حكم العقل ليس طغيانا ولكنه انسجام بين أفراد المجتمع السعداء والمجتمع نفسه.
Page 8
في حوارات هذه الفترة طور أفلاطون نظرية (الشكل) أو (الهيئة) المتعلقة بالأمور الطبيعية. ويفسر أفلاطون الشكل بأنه المبدأ الذي يشرح كون الشيء شيئا، وكيف يكون الشيء شيئا، وما هي المتطلبات التي يجب أن تتوفر لكي تتضح معالم الأشياء. والشكل الخير أو الصحيح يتمتع بميزة فريدة تجعل منه مسؤولا عن الوجود وعن فهم العالم بشكل واضح. كما تتناول أعمال هذه الفترة تفسير (الفهم) نفسه بأنه الحكم على وجود الشيء بشكل حقيقي وواقعي وليس بأخذ فكرة عابرة عنه. وتتناول هذه الأعمال أيضا الحب والموت، فالحب هو انجذابٌ خلاقٌ نحو الجمال والخير، والموت هو انفصال الروح عن الجسد.
3- الحوارات المتأخرة: وهي التي كتبها بعد عودته من (صقلية) ونرى فيها شخصية سقراط تتراجع إلى الخلف، لتظهر شخصيات أخرى جديدة كما في كتاب (السفسطائي والسياسي) حيث تظهر شخصية زائر مجهول الاسم من مدينة (إيليا). ويبين السفسطائي، أي المنظر، كيف أن الفهم المناسب لمظهر الشيء يعتمد على كون الشيء موجودا أو غير موجود، وعلى العلاقة بين الجزئيات والأشكال الكاملة. وتتضمن حوارات هذه الفترة أيضا كتابا عن أصل وطبيعة الكون، وكتابا عن موقع المتعة في الحياة السعيدة، كما تتضمن أيضا كتاب (الشرائع) الذي يعتبر أطول وآخر أعمال أفلاطون، وفيه يضع أسس إنشاء المدينة الفاضلة.
وتتركز عقيدة أفلاطون بشكل عام حول فكرة (العقل) بأنه القوة القادرة على كشف المفهوم والنظام اللذين يحكمان العالم المتغير المظاهر، وعلى خلق الحياة المنسجمة السعيدة بين الحكومة والشعب. وبينما كانت نظرة سقراط بأن الفضيلة هي شكل من أشكال الفهم، وأن المعرفة هي السبيل إلى الحياة السعيدة، فإن نظرة أفلاطون هي أن التعليم الفلسفي يجب أن يهدف إلى خلق الانسجام بين العقل والعاطفة، وان الحياة السعيدة هي التي يكون فيها الإنسان سيد نفسه والتي يحكم العقل فيها إرادته لا كشيء دخيل عليها وإنما كدليل ومصدر طبيعي يهدي ويغذي تلك الإرادة.
يجدر بنا أن نشير هنا إلى أن أفلاطون كتب كتبه بطريقة فنية رائعة، فهي أشبه ما تكون بالمسرحيات، ولذا عرفت في تاريخ الفكر الفلسفي بالمحاورات، أو محاورات أفلاطون - كما قدمنا - وكل محاورة يتحدث فيها شخصان أو أكثر ليدخلوا في موضوع فكري عميق، يكون سقراط هو بطل المحاورة، فهو الناطق بفكر أفلاطون، أو أن أفلاطون هو الذي يجعل من سقراط راوية لأفكاره، وهو يسجل تلك الآراء.
شخصية أفلاطون إذن تختفي وراء فكر سقراط، مع أننا نعلم علم اليقين أن سقراط لم يكتب شيئا من آرائه الفلسفية، سقراط وأفلاطون إذن شخصان كأستاذ وتلميذ، ولكن الفكر واحد، إننا لا نستطيع أن نقرر بالضبط فيما إذا كان أفلاطون قد دون كل أفكار سقراط، وكأنه سجلها تسجيلا، أم أن أفلاطون قد تشبع بآراء أستاذه سقراط وكتبها على هيئة محاورات.
من ناحية أخرى يمكننا أن نتساءل: هل إن الفلسفة الواردة في كتابات أفلاطون هي فلسفة سقراط، أم أن أفلاطون قد جعل من سقراط شخصية مسرحية كي يروي على لسانه أفكاره الفلسفية؟ الحقيقة أن هذا التساؤل ينتهي بنا إلى القول إن سقراط وأفلاطون شخصان في فكر فلسفي واحد يكتبه أفلاطون السقراطي، ويرويه سقراط الأفلاطوني.
Page 9
فلسفة أفلاطون
في فترة البؤس التي تلت حروب البلوبونيز وفي السنة التي مات فيها بركليس (429 ق.م) ولد أفلاطون في أسرة نبيلة وقد تربى تربية أمثاله من أبناء النبلاء، ومن الغريب أنه لم ينهج نهج أقرانه الشرفاء في الحياة، فلم تجذبه الحياة السياسية بسلطانها وجبروتها ولم تخدعه ظواهر الأرستقراطية والألقاب وغيرها مما يتطلع إليها الشبان عموما وأبناء الطبقة العالية خاصة، فلقد احتقر كل ذلك واطمأن إلى العزلة الفلسفية، ولما بلغ العشرين صحب سقراط وتولد بينهما ما يتولد عادة بين الفتى المجتهد والمعلم العظيم، وقد تأثر أفلاطون بسقراط ليس فقط في آرائه ومعتقداته وإنما في حياته وأخلاقه، ولا يخفى أن سقراط كان مثالا طيبا للرجل القوي الإرادة القادر على كبح أهوائه، المتبع في الحياة آراءً وقواعد لا يحيد عنها ولو تجرع كأس السم القاتل.
وبعد موت سقراط قام أفلاطون بعدة رحلات طويلة زار فيها ميغاريا ومصر وغيرهما وقد أفادته هذه الرحلات فائدة جمة، ففضلا عن أنها أكسبته خبرة بالناس والأخلاق وعادت على نفسه بالمتعة واللذة فإنها هيأت له فرصة التعرف إلى الفلسفات القديمة والحديثة كالفيثاغورية والميغارية وغيرهما مما كان له أكبر الأثر في حياته الفلسفية، وعاد أخيرًا إلى أثينا وهو في الأربعين حيث التف حوله طلبته وأخذ يلقي دروسه في الأكاديمية، وخيم السكون والتفكير على حياته زمنًا طويلا، ثم قام برحلتين أخريين قطعتا عليه حبل التفكير والسكون إلا أنه عاد إلى أكاديميته يستأنف حياة التفكير والتعليم، ولم يكدر صفوه في أخريات أيامه إلا الانقسام الذي نشأ في مدرسته والذي يعد أرسطو مسؤولا عنه، وبينما كان منهمكا في الكتابة - أو في حفلة عرس على قول آخرين - صعدت روحه في رفق وهدوء كأنما أخذه بالعين إغفاء.
ونستطيع أن نقسم فلسفة أفلاطون إلى ثلاثة أقسام تبعا لأطوار حياته المختلفة: أولها طور تعلمه، وثانيها طور رحلاته، وثالثها طور تدريسه.
فلسفة الطور الأول
تتأثر فلسفته هنا بفلسفة سقراط تأثرًا ظاهريًا ، فهو يحاول أن ينشئ أصولا عامة مطلقة للأخلاق ناهجًا نهج معلمه في معارضة السفسطائيين، ويعترضنا في منطق البحث كتابه (فيدروس) لأنه إن صح أن أفلاطون وضع ذلك الكتاب في ذلك العهد لحق القول بأنه توصل لمعرفة صفوة آرائه - كاعتقاده بسابق وجود الروح مثلا - وهو لا يزال شابًا، أما إذا أسقطنا (فيدروس) من بحثنا فيظهر لنا من تطور عقليته:
Page 10
أولاً: المحاورات التي ناقش فيها آراء سقراط مستعيرًا لهجته في البحث والمنطق، فالجزء الذي من إنشائه هو أول ما كتب، وفيه يتكلم عن بعض المسائل الأخلاقية كالصداقة وقوة الاحتمال، ويعتور تلك المقالات من عدم التناسق والضعف ما يدل دلالة واضحة على أنها كتبت في أول عهد الفيلسوف بالكتابة،
ثانيًا: ردوده المختلفة على السفسطائيين بنقد ظاهر آرائهم فيما يتعلق بتأثيرهم فيمن حولهم أو بمناقضة سقراط لهم، ثم يناقش رأي سقراط في الفضيلة القائل بأنها معرفة تعلم كبقية المعارف.
ثالثًا: معارضته فكرة الفضيلة عند السفسطائيين المبنية في الشعور الذاتي الذي يتطلع إلى السرور لأن الفضيلة - في رأيه - ليس لها غاية خارجة عن ذاتها فينبغي أن يحل الخير محل السرور كقاعدة أخلاقية.
فلسفة الطور الثاني
درس الفيلسوف في ذلك العهد فلسفة الآليين والفيثاغوريين مما أنضج فلسفته الخاصة وأوحى إليه بأعظم الأسئلة الفلسفية وأهّله لتحرير الفلسفة السقراطية من قيود الحياة العملية، ولم يقصر بحثه في الأخلاق بل ترك العنان لفكره يحلق في أجواء المعرفة باحثا عن جذورها الأولى الموضوعية، متأثرًا في ذلك بطريقة سقراط التي تجعل من أجزاء البحث نظامًا عامًا، معارضًا فكرة بروتاجوراس السفسطائي الذي يبني قوانينه الأخلاقية وغيرها على أساس ذاتي، وكان من نتيجة بحثه أن توصل إلى معرفة نظرية الأفكار لأنه فهم أن الأفعال نتيجة المعرفة التي هي نتيجة بدورها للأفكار.
فلسفة الطور الثالث
وفيه تتمة فلسفة الطور الأول الأخلاقية مضافا إليها بحث عميق لمسائل الطور الثاني، وانتهى من ذلك بأن كون نظامًا فلسفيًا عامًا كان الأول من نوعه في تاريخ الفكر الإنساني، وبحث فيه أبحاثا اجتماعية تصور فيها الأمثلة العليا للحكومة والمجتمع.
ومجمل القول إن فلسفته تتضمن علومًا عملية وأخرى نظرية. ولعل تقسيم أرسطو لفلسفته إلى فلسفة طبيعية ومنطقية وأخلاقية أصدق التقسيمات لأنها حصرت آفاق أبحاثه في هذه الفروع الثلاثة، ويلاحظ أنها في كتبه ممتزجة لا تمايز بينها، غير أن الجمهورية يغلب عليها البحث الأخلاقي، وتيموس تنطبع بطابع البحث الطبيعي.