«بديلاً عن الانتحار»
تأخذ محاولة العثور على مدخل حقيقي لشخصية أمل شكل الصعوبة حين نصطدم فيه بعالم متناقض تماماً، يعكس ثنائية حادة من كل طرفيها يدمر الآخر. ويشتت الكثير من أشكالها.. إنه الشيء ونقيضه في لحظة نفسية واحدة يصعب الإمساك بها والعثور عليه فيها:
فوضوي يحكمه المنطق، بسيط في تركيبية شديدة، صريح وخفي في آن واحد، انفعالي متطرف في جرأة ووضوح، وكتوم لاتدرك مافي داخله أبداً.
يملأ الأماكن ضجيجاً وصخباً وسخرية وضحكاً ومزاحاً.. صامت إلى حد الشرود يفكر مرتين وثلاثاً في ردود أفعاله وأفعال الآخرين، حزين حزناً لا ينتهي.
استعراضي يتيه بنفسه في كبرياء لافت للأنظار..بسيط بساطة طبيعية يخجل معها إذا أطريته وأطريت شعره، وربما يحتد على مديحك خوفاً من اكتشاف منطقة الخجل فيه.
صخري، شديد الصلابة، لايخشى شيئاً ولا يعرف الخوف أبداً.. لكن من السهل إيلام قلبه.
يكره لون الخمر في القنينة، لكنه يدمنها استشفاء.
قلق، لايحمل يقيناً.. تاريخ معتقداته حافل بالعصيان، لكنه غير ملحد.
صعيدي محافظ، عنيد لا يتزحزح عما في رأسه، وقضيته دائماً هي الحرية، ومشواره الدائم يبدأ بالخروج.
عاشق للحياة، مقاوم عنيد، يحلم بالمستقبل والغد الأجمل مع قدر كبير من العدمية يزدري فيها كل شيء. ويدمر كل شيء، ويؤمن بحتمية موته.
يحتاج الأمر إلى قدر كبير من الحب، وقدر كبير من الفهم والاستيعاب لطبيعة أمل المركبة العسيرة، حتى لايجهدنا عناء البحث عنه داخل هذا المناخ الفوضوي الغريب، فتتوقف عند أسطحه المدببة، وصخوره الجرانيتية منزعجين.
والمحاولة لاشك تأخذ شكل الصعوبة للوصول إلى طبيعة هذا التوازن المحكم الذي أحدثه أمل داخل هذا العالم المتفجر بتناقضاته الحادة:
نقتل أو نقتل
هذا الخيار الصعب
وشلّنا بالرعبْ
ترددّ العزلْ
ولعله ليس الخيار الصعب كما ظنه أمل، بل هو التوازن الأصعب الذي وحده الشعر، فكان صلب توازنه الحقيقي، وكان بديل الانتحار في هذا العالم المتواتر المرعب.. فبدون الشعر تشق النفس نفسين، والجسد جسدين، والروح روحين، ويتعجل مصيره الحتمي نحو الموت.
لكن الشعر، هذا الخلق الذي يبلغ حد التناسق، يحول هذا السعي الحتمي نحو الموت إلى مقاومة وتحد، ومن هنا يكتسب مفهوم الشعر لدى أمل ـ كبديل للانتحار ـ معنى الثورة.
وحده الشعر، هو التماسك العقلي والنفسي القوي، والاتساق الوحيد, والبناء الموضوعي الشديد الإحكام الذي حقق لأمل إعادة خلق العالم المفروض حوله من جديد لحسابه الخاص.
ولقد أدرك أمل دائماً أن قوته الحقيقية هي شعره، ولهذا لم يتخل في أي لحظة من لحظات تعامله وحياته، عن سلاحه الوحيد كتابة الشعر. إن المدخل الحقيقي إلى شخصية أمل يظل دائماً هو موهبته, فهي التوازن، والسلاح القوي المشهر.. إنها التفرد والتمايز.. الزهو والثقة والكبرياء. القوة والوضوح.. الصدق وشرف القلب الدائم.. والثورة.
كل شيء يبدو مقلوباً على رأسه، ولهذا تظل محاولة الدخول إلى عالم أمل هي محاولة لمشاركته عذابه في منع واختلال الصورة. وفي محاولة إعادتها إلى وضعها الطبيعي أو وضعها الجميل بالشعر.
***
كل شيء متناثر كأنه الفوضى.
كلمات طائشة حادة، غضب مفاجئ، أيام غير معلومة، صعلوك لايرى الشمس إلا نادراً حين يحول الليل إلى نهار، والنهار يقضيه نوماً طويلاً.
يقرأ في أي مكان شاء في استغراق تام وسط مجموعة في سهرة، أو وحده، وسط بحيرة من الأوراق، والكتب، والجرائد، والأقلام فوق سريره، يكتب في كل مكان.. في المقهى.. في الشارع، فوق مقعد، في منزل أو داخل مستشفى، ينفق كل أمواله في ليلة واحدة، ثم ينام جوعاً في الليلة التالية.
لايوجد له عنوان محدد:
مقهى ريش.. أتيليه القاهرة.. دار الأدباء
تلك كانت صناديق بريده، وأماكن العثور عليه.
يقاسم أصدقاءه غرفاتهم ونصف السرير، ونصف الرغيف، ونصف اللفافة، والكتب المستعارة.. ثم يمضي تاركاً ذكرياته، وأوراقه، وشعره وكتبه، وملابسه.. في غرف الأصدقاء بعدما حفر كل شيء في عقله بدقة متناهية وذاكرة حديدية.
إن تلك الفوضى تدخل في عالمه الداخلي، لتصبح محكومة تماماً بمنطقية صارمة، بل وتضعنا وجهاً لوجه أمام منطقية خاصة بأمل وحده، هي منطقية الفوضى.
لا يحب أمل منطقة الوسط، ولاينتمي للمناطق الرمادية، يمقت الحلول الوسط، ويحتقر الانفعالات الوسط، ويتحدى الطبقات الوسطى.
إنه يتلف الألوان جميعها ليظل الأبيض والأسود وحدهما في حياته.. يحب أو يكره، يبارك أو يلعن.. هارب دائماً من كل مناطق الحياد التي تقتله.
يحب إلى درجة أنه ينسى شجارك معه، ويعذبه توترك العصبي. (يغضب منه يحيى الطاهر عبد الله، ويلعنه غاضباً، فيترك له أمل المائدة، ويرسل إليه صديقاً يهدئ من روعه في تلك اللحظة التي يحتاج فيها يحيى إلى رفيق).
يحب إلى درجة أن يمسح دموعي في لحظات الشجار العنيف، وأنا أمزق ثيابه، وأمزقه.
ويكره إلى درجة النسيان وإلغاء الشخص تماماً.. إلى درجة قسوة القلب وعدم المغفرة..
فما الصلح إلا معاهدة بين ندين
في شرف القلب لا تنتقص
***
استعراضي يبحث عن لفت الأنظار إليه دائماً.. يهوى الملابس الغريبة والألوان الخاصة، والقداحات اللافتة.. يقف أمام المرآة زمناً طويلاً عندما يرتدي ملابسه، ثم يذهب إلى مواعيده متأخراً.
يخاصم أصدقاءه إذا دخل عليهم فلم يتهللوا واقفين جميعاً في فرحة بلقائه، يقتحم الآخرين اقتحاماً، ويبادرهم بالسؤال المباغت في أشد مناطق خصوصياتهم، وكأن الحياء لم يمر ببابه، لكنه يرفض منطق السؤال له فلا يسمح لأحد باقتحامه، وإلقاء السؤال عليه، ومحاولة التفتيش في داخله.. ثم ينتابه الصمت والخجل إلى حد العبث بالأشياء حوله، والعبث بشعر رأسه وأبعاد الكلمات، إذا أطريت شعره وأطريته.
انفعالي حاد يتشاجر في لحظات الغضب الأكبر بالأيدي والكراسي والسباب، يهوى المشاحنات الكلامية، والمداعبات الحادة في جرأة مستفزة.. وهو في ذات الوقت عقلاني يحسب دائماً ردود أفعاله تجاه الأشياء.. ويستدل بالمنطق، ويحيل هذا المزاج الشعوري المتطرف إلى بناء عقلاني متماسك متضافر، دون خطوط رجعة.
بسط لي يوماً يديه:
«قال لي صديق مقامر أن أصابعك الطويلة النحيلة أصابع مقامر محترف، لكني لا أحب المقامرة».
لم يحب أمل المقامرة، فالعقل دائم الصحوة، مزهو بحسابات الغد المحكومة بدقة، والتي لا تستطيع قبول هزيمة الغد على الإطلاق، أو حتى الرهان عليها.
لاعب شطرنج ماهر يحرك جنوده بدقة.. ولاعب طاولة عنيد ومشاكس.. كنا نتشاجر في اليوم الواحد مرات عديدة.. يهزمني لكن الأمر يصبح مأساة بانتصاري..
أهتف في وجهه (انتصرنا .. انتصرنا) فيقلب رقعة الشطرنج ويرمي زهر الطاولة. ويغضب بالفعل، ويخاصم انتصاري.. ثم يطالبني بعد قليل باللعب معه.
شديد الصلابة كالغرانيت الصخري، لايهتز سريعاً بل يصبح من الصعب إدراك طبيعة الفرح أو الحزن من ملامح وجهه ومن نظرات عينيه، فهو قادر دائماً على كتمان انفعالاته, بل وأحياناً على إظهار عكسها.
لايفصح عن مشاعره ولاتدخل قواميسه عبارات الإطراء وألفاظ الحب، إن إخفاء مشاعره، وكتمانها، سمة غالبة عليه، وعلى الآخرين وحدهم إدراكها دون إفصاح منه.
كتب يوماً عن صديقه المثال ـ عوني هيكل ـ هذه الكلمات ـ فخلته يكتب نفسه:
«دائماً الخوف من أن يكتشف الآخرون كم أنت رقيق، فيدوسونك بسنابكهم!
إن الصمت النبيل الكامن يدافع عن نفسه بصوتين متنافرين،فهو يلفت الأنظار إلى الخشونة المتعمدة ـ والتي يجب أن تبدو كأنها لا متعمدة ـ حتى يضلل الناس عن الرقة الحزينة التي لوحتها شمس الأيام.. ودارت عليها يد الفنان، فلا ترتفعان إلا إذا أمن عليها من جنون الريح!
هل هو الإحساس بالغرق: هذا الذي يجعل اليدين اللاإنسانيتين ترتفعان وتحاولان أن تضربا صفحة الموج لكي تظل النفس البسيطة المرهفة طافية (وغارقة في نفس الرقة!) على سطح الحياة».
أسماه الصديق الشاعر حسن توفيق (هرقل) وكان أمل مزهواً بالاسم:
آه لو أملك سيفاً للصراع
آه لو أملك خمسين ذراع
لتسلمت ـ بإيماني الهرقلي ـ مفاتيح المدينة.
أسماه الصديق الدكتور جابرعصفور (سبارتكوس) فهو السائر دائماً إلى انتصاره في الموت.
كانت تلك الجرانيتية الحادة تضيئه وضوحاً في نفس اللحظة التي يخبئ كتمانه الكثير في داخله، ويحول كل الصلابة، والحدة، والتطرف إلى أقنعة يتوارى خلفها قلبه النبيل الذي أرهقته مرارة الأيام.
كان من السهل تفجير قلبه، والإطاحة به، ولو بإيماءة صغيرة.. ولهذا لم يكن يستطيع أن يحب إلا من يصعب عليهم إحداث ذلك إذا أدركوا.. ولم يدرك إلا قليلون للغاية هذا القلب المرهف المحاصر عن عمد بالحراب الصلبة المدببة.
في صباه الباكر كان شديد التدين، لايترك فرضاً، يلقي خطب الجمعة في المساجد، ويحمل عهداً وطريقاً على منهاج الشيخ إبراهيم الدسوقي.
ثم ترك النشاط الديني في شبابه معجباً بالماركسية والوجودية.. لكن القلق الميتافيزيقي ظل يحمله في داخله دائماً.. رافضاً يقينية الشرائع والأفكار باحثاً دوماً عن الحقيقة والاطمئنان الكامل.
ومتى القلب في الخفقان اطمأن
إنه السؤال الذي يكسر أقوى القلوب.. ولعل طرح التساؤل بهذه الكيفية يحفل بالعصيان. والتحدي، وليس بالإنكار.. فهو لاينكر الله أساساً ولكنه يخاطبه، ويناقشه، ويبحث دائماً عن الإجابة لسؤال صعب لم يجده أبداً.
***
صعيدي حتى النخاع.. شديد الغيرة في كبرياء.. شديد النقاء.. شديد العناد.. شديد الثأر.
الدم.. أو يعود كليب حيّاً
ولعل الاختيار كان دائماً في أعماقه محسوماً بالمستحيل (أن يعود كليب حيا) وبرغم ذلك كان هدفه الأكبر ومطلبه الدائم هو الحرية.. إنها سمة وصراعاً دائماً لتحقيقها، إنها كينونته الحقيقية التي ظل يبحث عنها، ويكسر كل شيء من أجلها، وهي أيضاً الغد القادم، والغاية، والمنتهي..
إن الحرية هي المستقبل
قالها يوماً، كأنه لم يحققها بعد.
***
يتزايد التناقض، والتناثر والتشتت، والقلق الذي يحكم كل الأشياء حوله وفي داخله، ليكشف التناقض الأكبر (الحياة والموت).
فهذا العاشق أبداً للحياة، وكأنها الأبد، يحمل في كل لحظة الموت في أعماقه، مردداً دائماً (إنني ابن الموت) ومتنبئ به دائماً.
في العشرين من عمره ذكر أنه، ولابد، منتحر في الثلاثين. وفي الثلاثين أكد أن حياته ولابد وأن تنتهي في الأربعين.
في السابعة عرف فقد الأخت (1947).. وفي سن العاشرة عرف فقد الأب (1950) ثم فقد الأهل (الغرباء).. وفقد المدينة وفقد الوطن.
هذا الفقد المتواصل وضعه دائماً في مواجهة الموت، لكنه لم يفقده لحظة عشقه للحياة، لأنه لم يعرف لحظة فقدان ذاته وضياع نفسه.. إن هذا الاستمتاع بالحياة هو نتاج وعي بالموت كحقيقة، وإدراك لحتميته.
ظل الموت دائماً هو الحقيقة، وثمن الطريق. وظلت حياته دائماً هي الصراع والمقاومة المستمرة حتى النهاية فمن رآه رأى دمه.
إنها الموهبة..
وأنه الشعر.. المدخل، والتجربة وانتصارها.
«البحث عن المحارب الفرعوني»
كان مقهى ريش هو بداية الطريق إلى أمل دنقل. . إنه الملامح والمكان والهوية التي بدأت منه رحلة البحث عن شاعر، لا أعرف ملامح وجهه.
الزمان أكتوبر 1975.
عندما فكرت، في بداية عملي في جريدة الأخبار، خلال فترة التدريب الأولى، وقبل أن يتم تعييني، في كسر كل الإشارات الحمراء والخضراء والصفراء وإجراء حوار مع الشاعر أمل دنقل.
قال لي أحد المحررين السياسيين في جريدة أخبار اليوم:
ـ ستجدين صعوبة في نشر اللقاء، فأمل شاعر يساري، لن تسمح الجريدة بنشر حوار معه، لكن ربما يمكنهم نشره في طبعة أخبار اليوم العربية فمن الممكن تصدير أمل دنقل عربياً، لكنه غير مسموح باستهلاكه داخل مصر!!
أصابتني كلماته بصاعقة فجرت مساحات التحدي داخلي، وأطلقت لأفكار مثالية أبعد من سياسة الجريدة عنان الحركة، فلماذا تأخذ الجريدة موقفاً من شاعر؟ بل كيف تأخذ الجريدة موقفاً من عقل الصحفي؟!
ـ سأجري الحوار!
ضحك ساخراً:
إذن حذار منه، ستجدينه سليط اللسان، شديد القبح مثل كل الشيوعيين تشمين رائحتهم عن بعد!!
رحت أبحث عن مقهى ريش في الزمان الذي أعرفه (صباحاً).. مررت أمام مقاهي شارع طلعت حرب أسأل مقهى مقهى حتى وصلت إلى مقهى ريش.
لم يكن ريش يختلف كثيراً من حيث الشكل عن باقي مقاهي القاهرة.. بل إن شكله الخارجي لم ينم عن كونه ملتقى الأدباء.. أو حتى عنواناً أنيقاً لشاعر.
أسأل الجرسون:
ـ الشاعر أمل دنقل؟
غير موجود.
ترددت اكثر من مرة على المقهى.. وفي كل مرة كان الزمان صباحاً وفي كل مرة لا أجد أمل دنقل.
رفق بي أحد الجرسونات:
ـ الأستاذ أمل لا يأتي إلا في المساء.
ولأني أسكن منطقة مصر الجديدة البعيدة، فقد كان من الصعب علي العودة مرة اخرى مساء، فتركت له رسالة صغيرة:
الأستاذ أمل دنقل
يبدو أن العثور عليك مستحيل، يسعدني الاتصال بي في جريدة الأخبار ويشرفني أكثر حضورك.
اكتفى الشاعر بإسعادي.. متصلاً صباحاً بالجريدة ومحدداً موعداً للقاء.. الثامنة مساء في دار الأدباء بشارع القصر العيني.
فيما بعد أدركت أن اتصال أمل بي (تليفونياً)، وفي (جريدة الأخبار) (وصباحاً) يعتبر حدثاً في حياته من الصعب تكراره. ولعلها رقة سطور الرسالة التي تركتها ـ كما قال لي ـ ولعله القدر الذي كان يرسم صورة مستقبل قادم، ويحتم اللقاء بهذا المحارب الفرعوني القديم.
في الثامنة تماماً كنت في دار الأدباء، المكان شديد الازدحام بجمهور الأمسية الأدبية، فاليوم كان (الأربعاء) موعد ندوة الدار الأسبوعية.
صارت الساعة الثامنة والنصف وأنا لا اعرف ملامح وجه أمل.. أسأل فيقال لي: لم يأت بعد.
بعد قليل همس شاب: الأستاذ أمل هو ذلك الجالس في نهاية الصفوف.
اقتربت من الصف الأخير حيث جلس شخصان:
ـ الأستاذ أمل دنقل؟
تفحصني أحدهما بهدوء ثم قال: سعادتي!
لم يستفزني الرد، بقدر ما أعجبتني تلك المحاولة للغرور.. فابتسمت، طلب لي فنجاناً من القهوة، ورحت أحدثه عن سبب اللقاء، ورغبتي في إجراء حوار معه.. فوافق بسهولة عكس ما قيل لي.
قلت: كنت أظنك أكبر قليلاً!
ضحك بصوت مرتفع: يبدو أن عندك عقدة ألكترا!
ولم استفز أيضاً بل ابتسمت: إطمئن لن أحبك!
كان الانطباع الأول، الذي كونته سريعاً، أن هذا الشخص مختلف عن الآخرين، يتكلم لغة أخرى، يسلك سلوكاً آخر، بل ويحس أحاسيس أخرى، فمنذ اللحظة الأولى سقطت كل المسافات والإدعاءات والأقنعة، وبدا لي وجه صديق أعرفه من زمن.
كان موعدنا الثاني مقهى ريش.
وقد كان ريش في ذلك الوقت يسبب لي نوعاً من القلق، كان مجرد دخولي إليه يشعل وجهي بالخجل والارتباك، كل الوجوه تتطلع نحوي بفضول غريب وربما ليس نحوي أنا شخصياً، قدر ما هو تطلع نحو هذه الفتاة الخجول الباحثة عن أمل دنقل.
يبدو أن ارتباكي فضحني فسألني أمل:
ـ هل يضايقك الجلوس في ريش؟
رددت بسرعة ـ نعم.
قال: بالفعل لن تستطيعي إجراء الحوار وسط هذا الكم من البشر. يمكننا الذهاب إلى مكان آخر أكثر هدوءاً، وهو مكان مريح بالنسبة لي.
ذاك المكان المريح هو بار فندق كوزمو بوليتان!!
أرفض مقهى ريش الذي يربكني دخوله لأذهب إلى بار لإجراء حوار مع شاعر!!
كانت هذه المرة الأولى التي أدخل فيها باراً، مثلما كان ريش أول مقهى أدخله، وكان أمل أول مصدر صحفي يمنحني حواراً وهو يتناول زجاجة من البيرة!!
لا أذكر كيف بدأ السؤال، لكن الإجابة الأولى ملأت ثلاث صفحات كاملة انتهت بتمزيقي لها.. حيث راح أمل يحكي عن طفولته الأولى، وكيف عرف الشعر صغيراً، وكيف شجعه أستاذ اللغة العربية بالمدرسة على الاستمرار في كتابة الشعر.. وكان ذلك فيما أظن استطراداً طويلاً خارج إجابة السؤال.. فتوقف فجأة عن الكلام، وطلب مني تمزيق الصفحات ثم اقتصد:
بطاقتك الشخصية:
الاسم: محمد أمل فهيم محارب دنقل.
المهنة: شاعر، قانون الصدفة يحكم علاقته بالشعر ليقف على أرض الهواة لا المحترفين، لأن تعمد الشعر أو لبس العباءة الشعرية يحرم الشاعر من ميزة التلقائية والتجربة الاجتماعية.
السؤال المطروح: الحرية والحق والجمال والحرية تأخذ الأولوية لأن الحق مرتبط بتحقيقها، والجمال نتيجة لتحققها.
الموقف: غير محايد، فالشاعر المحايد شعره منه إليه، لأن حياد الإنسان يقتل في داخله الطموح، والشاعر ليس آلة كاتبة تكتب ما تدق عليها أصابع القدر، دون ان يكون لها إرادة فيما يحدث.
قلت: هل تسمح لي بالتعليق على بطاقتك؟
قال: اشربي قهوتك.. وتكلمي!
قلت: كل معارض مرفوض.. فكيف تعيش كشاعر في جو من الرفض؟
قال: أنا أعتبر أن الشعر يجب أن يكون في موقف المعارضة. حتى لو تحققت القيم التي يحلم بها الشاعر، لأن الشعر هو حلم بمستقبل أجمل. والواقع لايكون جميلاً إلا في عيون السذج!
كان ذلك جزءاً من أول حديث صحفي يجريه أمل مع جريدة الأخبار
(11/12/1975) وكان أيضاً هو آخر حديث. حيث ظل اسم أمل مدرجاً في قوائم الشخصيات الممنوع ذكرها داخل الجريدة (رغم عملي بها) بل كثيراً ما قام المشرف العام على الصفحات الأدبية بجريدة الأخبار (عبد الفتاح البارودي) بشطب اسم أمل من داخل خبر، أو حتى داخل استطلاع لآراء الكتاب والأدباء.. فإذا ذكر أحدهم اسم أمل، أو اسم كتاب له، قام المشرف العام بحذف هذه العبارات، مردداً أن أسماء الشيوعيين لاحق لها في النشر بالجريدة.. بل راح مرات عديدة يتهم أمل بكسر عمود الشعر، والإساءة للغة بما يكتبه من شعر حديث!!
كما أن نشر هذا الحوار تطلب نوعاً من التجاوز الخاص من المشرف الأدبي حينئذ (رشدي صالح) حيث قام بكتابة تقديم أعلى الموضوع:
«حتى لايظن شاعر أن الملحق الأدبي يقف له بالمرصاد فإنه يقدم هذا الحوار وللنقاد والشعراء الآخرين أن يقفوا على نفس المنصة وأن يقولوا آراءهم».
«وسادة المتعب»
صرنا أصدقاء!
قال لي في المرة الرابعة التي التقيت فيها معه، وبدون أدنى مقدمات:
ـ يجب أن تعلمي أنك لن تكوني أكثر من صديقة!
حرك هذا التحذير الاستفزازي انفعالاتي، فبدت عارية:
ـ أولاً أنا لست صديقتك، كما أنني لا أسمح لأحد بتحديد مشاعري متى تتزايد أو تتناقص، إنني وحدي صاحبة القرار في علاقاتي بأصدقائي!
سقطت حسابات أمل ـ وهو الذي لاتسقط حساباته عادة ـ أمام رد فعلي المفاجئ، فاضطر إلى التراجع، أو إلى إظهار بعض من مشاعره، عندما راح يفكر في صوت مسموع.
«إنني رجل بدأت رحلة معاناتي من سن العاشرة، وفي السابعة عشر اغتربت عن كل ما يمنح الطمأنينة حتى الآن، وأعتقد أن السهم الوحيد الذي يمكن أن يصيبني في مقتل سوف يجيء من امرأة، ولذلك اتسمت علاقاتي دائماً بالرفض، كنت استغرق في الحب، لكنني في صميمي كنت هارباً من التمسك بها..».
تحدث يومها كثيراً عن المنزل، وحياة الاستقرار التي أعيشها وعن رغباتي البرجوازية في الشعور بالقلق، وتحدث عن حياته التي لم تعرف الاستقرار أبداً. تحدث عن أشياء عديدة بشكل غير مترابط، وأنا أشعر بفرحة غامرة فرحة ميلاد عاطفة جديدة.
من المؤكد أن أمل أحبني، وأن غضبي لعبارته يعني أيضاً أنني أحمل له نفس المشاعر.
سألني وهو يمد يده مصافحاً:
ـ هل أراك غداً؟
ـ بالتأكيد، لقد أحببتك!
مد أمل رقبته إلى أعلى، حتى لايمكنني رؤية وجهه الذي ارتسمت عليه شبه ابتسامة خجول (إنها المرة الوحيدة التي رأيته فيها مرتبكاً بالخجل) ومضى دون أن يعلق بكلمة واحدة!!