eKtab
EN ع
الجواسيس عشرون قضية تجسس على إسرائيل
Read free sample

الجواسيس عشرون قضية تجسس على إسرائيل

by يوسي ملمان

Page 1

تقديم:

تعودنا أن نسمع الكثير عن مغامرات وروايات أجهزة الأمن الإسرائيلية، ومخابراتها الخارجية "الموساد"، ويدها الطويلة في الوصول لكل مكان في عملياتها الاستخبارية والأمنية، ونجاحها في إحباط العديد من عمليات التجسس المضاد، فهذه الأجهزة نجحت في حياكة الفتن الطائفية والإقليمية خاصة في لبنان، وقيامها بتصفية العديد من رموز المقاومة الفلسطينية والعربية في الخارج.

لقد نشر العديد من الكتب والتقارير في إسرائيل ووسائل الإعلام التي كانت تصورها "بجيمس بوند" الإسرائيلي، لما احتوته من روايات تتجاوز حدود العقل السليم وحتى خيال الأفلام السينمائية، لكي تحظى هذه الأجهزة بالشهرة المحلية والعالمية، وإرهاب وإخافة العرب.

لكن هذه الأجهزة فشلت في السنوات الأخيرة في عدد من المهمات بينها: محاولة اغتيال قائد حماس خالد مشعل في عمان، ومحاولات التنصت على السفارة الإيرانية في قبرص، وكذلك محاولة التنصت على حزب الله في سويسرا، وقد يكون هناك إخفاقات أخرى بقيت طي الكتمان، الأمر الذي أدى إلى حملة من الانتقادات الإسرائيلية لهذه الأجهزة، لفشلها وتراجعها في آداء مهامها، وقد علل هذا الفشل للخلافات والصراعات الداخلية التي استفحلت داخل مسؤولي هذه الأجهزة، وتسريبه إلى وسائل الإعلام التي أثارت الحملات على هذه الأجهزة وانتقادها وتسليط الأضواء على إيجابياتها وسلبياتها، فقد كانت مثل هذه الحملات في الماضي على الأجهزة الأمنية خطا أحمر، ويبدو أن كل شيء قد تغير.

في ظل النقاش المحتدم بهذا الصدد، صدر في إسرائيل باللغة العبرية، أول كتاب إسرائيلي يحمل عنوان "الجواسيس" الذي يكشف فيه ولأول مرة، قضايا التجسس والاختراقات لأجهزة استخبارات عربية ودولية، لأكثر الأسرار العسكرية والأمنية الإسرائيلية حساسية وفي قمة السرية، فقد نجح المعنيون من دول مختلفة، في زرع "جواسيسهم" داخل أجهزة الأمن الإسرائيلية، وفي مكتب رئيس الحكومة ووزارة الدفاع والمنشآت النووية والعسكرية والكيماوية، وهذا الكتاب "الوثيقة" كتب على أيدي إسرائيليين مشهورين في هذا المجال، يكشفان فيه عن (20) قضية تجسس ضد إسرائيل وهذا غيض من فيض، مما سمحت الرقابة بنشره والمخفي أعظم، إنه كتاب مهم نوحي بقراءته، واستفادة المعنيين منه.

غازي السعدي

المدير العام

Page 2

مقدمة المؤلف:

هذا الكتاب يتحدث عن الجوانب غير المعروفة على نطاق واسع في عمل جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) حيث يحظى (الشاباك) في ضوء الظروف التي نعيشها في السنوات الأخيرة، بالشهرة والمديح بشكل أساسي على قيامه بإفشال عمليات إرهابية وعمليات معادية غير أنه من وجهة نظر الكثيرين من رجال (الشاباك) وخارجه، فإن اكتشاف الجواسيس والخونة هي التعبير الواضح على العمل الاستخباري المهني (للشاباك) والكتاب الذي بين أيدينا يفتح نافذة ضيقة على عالم التجسس والتجسس المضاد في إسرائيل.

منذ قيام إسرائيل اعتقل وقدم للمحاكمة وأدين بعقوبات سجن خفيفة وثقيلة بتهمة التجسس ضد إسرائيل مئات المواطنين الإسرائيليين واليهود والعرب وعشرات الأشخاص الأجانب، والكتاب الذي أمامنا يتضمن قصص حوالي عشرين عملية قام بها جهاز الأمن العام (الشاباك) ضد هؤلاء الجواسيس والخونة الذين عملوا في إسرائيل، غالبية قضايا التجسس هذه نفذت من قبل إسرائيليين والقليل منها من قبل أجانب تسللوا إلى إسرائيل، وكل فصل من هذا الكتاب مخصص لوصف حالة تجسس واحدة.

لقد نشأت في إسرائيل أجيال جديدة، غير مطلعة على عمليات التجسس لسنوات الخمسينات والستينات والسبعينات، والسبب الذي لا يقل أهمية لنشرنا هذا الكتاب هو تمكننا من الوصول إلى مصادر معلومات جديدة، ومقابلة الكثير من رجال (الشاباك) على مستويات صغيرة وكبيرة والذين اشتركوا في العمليات المختلفة، وفتحوا أمامنا فرصة نادرة للإطلاع عن قرب على العمليات وعلى أدق التفاصيل البسيطة في كل عملية، وسوف نعرض على القراء تفاصيل جديدة عن كل عملية وكيف وصلت المعلومات التي مكنت من كشف الجواسيس، وأساليب التحقيق معهم وانهيارهم وموافقتهم على التعاون في التحقيق، وما الذي أثمر عنه تعاون الجاسوس ومن قام بتسليمهم، وقد استطعنا التحدث مع عدد من الجواسيس الذين ترد أسماؤهم في الكتاب، ومحاميهم وعدد من أفراد عائلاتهم، وحقيقة أن الحديث يدور عن قضايا حدثت في الماضي البعيد والقريب منحنا بعدا تاريخيا مكننا من دراسة كل حالة وتقديرها كما يجب وبدون تحيز، وفيما إذا كان الجاسوس هذا أو ذاك قد ألحق الضرر الخطير بالمصالح الأمنية الإسرائيلية كما ادعى في وقته، أو فيما إذا كانت أضراره بسيطة وأحيانا غير هامة.

وفي الواقع فإن الجواسيس في إسرائيل تسللوا عمليا إلى كل زاوية في المجتمع الإسرائيلي ومن ضمن ذلك للمؤسسات الهامة، والأكثر سرية في إسرائيل، حيث تم اكتشاف جواسيس في (الموساد)، و(الشاباك) والجيش الإسرائيلي ووزارة الخارجية والأحزاب الكبرى والمؤسسات العلمية، ومعاهد البحوث السرية ومن ضمن ذلك المفاعل النووي في ديمونا والمعهد البيولوجي في (نس تسيونا).

ويتضمن هذا الكتاب التجسس السوفييتي والكتلة الشيوعية في (فترتين) حتى عام 1967 والأعوام التي تلته، والتجسس العربي، والخيانة وتسرب المعلومات من ثلاث مؤسسات أو مجالات غاية في الحساسية وهي الأسلحة غير التقليدية في إسرائيل، والمفاعل النووي الإسرائيلي في ديمونا والمعهد البيولوجي في (نس تسيونا).

وعلى الرغم من التعاون الذي حظينا به من قبل الكثيرين خلال إعدادنا لهذا الكتاب إلا أننا وجدنا صعوبة في إقناع رؤساء (الشاباك) بالتخلي عن طبيعتهم والتحدث عن بعض العمليات وذلك بسبب الطبيعة السرية للجهاز وصعوبة الكشف عن بعض الأسرار خوفا من المس بالجهاز.

هذا الكتاب ليس كتابا للشاباك أو صادرا من قبله، والدليل على ذلك لهجة الانتقادات التي تظهر فيه عندما كان يستوجب الأمر ذلك.

ولا بد لنا من الإشارة إلى أن هذا الكتاب قد مر بطريق قاسية لم يسبق لأي كتاب أن مر بها في إسرائيل، فطوال ثلاث سنوات بقي هذا الكتاب يتحرك ويتنقل بين الرقابة العسكرية، وجهاز الأمن العام (الشاباك)، المسؤول عن الأمن في وزارة الدفاع، و(الموساد)، والمستشار القضائي للحكومة، وإدارة دائرة الشؤون الجنائية والأمنية في الادعاء العام في الدولة، والادعاء العام في الدولة، والمحاكم المختلفة ومحكمة العدل العليا، هذا وقد قدم مردخاي فعنونو وناحوم منبر (ترد أسماؤهما في فصلين من فصول الكتاب) دعاوى لمحكمة العدل العليا ضد نشر الكتاب، ويمكننا القول أن هذا الكتاب قد سقط ضحية لصراعات القوى بين الأجهزة الاستخبارية فيما بينها وبين الرقابة العسكرية والادعاء العام، وقد اضطررنا إلى التوجه للمحاكم من أجل رفع أوامر حظر نشر صدرت من قبل الدولة ضد بعض القضايا، قبل عشرات السنين ولا تزال سارية المفعول على جزء من المعلومات، وفي إطار رحلة العذاب هذه، والتي يمكن أن نؤلف عنها كتابا آخر، ضيعت الدولة مئات وربما آلاف ساعات العمل، ومئات آلاف الشواكل في فحص كل كلمة، في حين أنه من وجهة نظرنا كان يمكن توفير هذا الوقت والجهد.

Page 3

نبذة تاريخية:

في الثامن من شباط من عام 1949، وبعد شهر من الانتخابات للكنيست الأولى في إسرائيل، وقبل أن يتم التوقيع على اتفاقيات الهدنة مع الدول العربية، استدعى رئيس الحكومة ووزير الدفاع آنذاك دافيد بن غوريون عددا من مساعديه للتشاور، وقد تقرر في تلك المشاورات إعادة هيكلة أجهزة الاستخبارات والأمن، وقد تم صياغة القرار في وثيقة طلب بموجبها من هيئة الأركان العامة في الجيش الإسرائيلي تشكيل (جهاز الأمن) الذي سيكون مسؤولا عن جميع مشاكل الأمن في إسرائيل ويعمل في إطار عسكري، وفي الثامن عشر من شباط أصدر رئيس هيئة الأركان العامة الجنرال (يعقوب دوري) أوامره لشعبة القيادة في هيئة الأركان برئاسة اللواء (موشيه تصدوك) بالعمل فورا على تشكيل جهاز الأمن العام حسب تعليمات رئيس الوزراء ووزير الدفاع دافيد بن غوريون وعين رئيس الأركان نائبه اللواء (ايسر هلفرين "هرئيل") رئيسا للجهاز الذي تم تشكيله بعد ثلاثة أسابيع من أوامر رئيس الأركان أي في التاسع من آذار من عام 1949، وقد تقرر تسمية الجهاز (جهاز الأمن العام) (والمعروف باسم الشهرة-(الشاباك)).

وحسب أوامر تشكيل الجهاز فإن مهامه كانت معالجة وإحباط جهود التجسس من قبل الدول العربية، وقد ألحقت بجهاز الأمن العام المسؤولية عن السجون أيضا، وكان المقصود من إلحاق مسؤولية السجون بجهاز الأمن العام هو تمكين هذا الجهاز من السيطرة والإشراف على المعتقلين، غير أنه بعد وقت قصير تم فصل السجون عن جهاز الأمن العام، وفي نهاية عام 1949، تم تضمينها ضمن مصلحة السجون، وباستثناء مسؤوليته عن السجون وعن إفشال التجسس العربي-لم يحدد المرسوم العسكري المتعلق بإنشاء الجهاز الصلاحيات الأخرى للجهاز الجديد، وقد تم تحديد هذه الصلاحيات على أرض الواقع فكلما ثارت مشكلة جديدة، اتخذ رئيس الوزراء أو وزير الدفاع أو رؤساء الحلبة الاستخبارية قرارات تنظيمية، شخصية أو هيكلية قولبت شكل (الشاباك) كما هو معروف اليوم.

المرسوم الذي أصدره اللواء تصدوك رئيس شعبة القيادة في هيئة الأركان العامة بتاريخ 9 آذار كان الوثيقة الأولى التي تحدثت عن تشكيل (الشاباك) وبعد مرور يومين أي في الحادي عشر من آذار، أصدرت دائرة المناصب الخاصة في هيئة الأركان العامة مرسوما حول إقامة (هيئة جهاز الأمن العام) وقد أرفق بهذا المرسوم ملحق تحدث فقط عن (جهاز الأمن) وتم حذف كلمة (العام) من الملحق، وقد تم توزيع المرسوم وملحقه رغم عدم تلاؤمهما إلى جميع شعب هيئة الأركان العامة، ولهذا السبب نشأ في السنوات الأولى عدم وضوح فيما يتعلق باسم الجهاز، وفي المراسلات الداخلية للجهاز، وكذلك في المراسلات مع العناصر الخارجية، تم استخدام حرفي (ش،ب) الأمر الذي جعل الصحافة تطلق عليه اسم (شين بيت) اعتبارا من سنوات الخمسينات، وأنه فقط في الثمانينات، وبشكل أساسي منذ قضية الحافلة (300) في عام 1986-(أربعة شبان فلسطينيون اختطفوا حافلة إسرائيلية تعمل على الخط-300 وقام جنود من (الشاباك) باقتحام الباص وقتل اثنين واعتقال اثنين، والقيام بضرب المعتقلين حتى الموت وهي القضية التي سميت (بفضيحة جهاز الأمن الإسرائيلي)-حيث تم تداول اسم الجهاز بشكل واسع بين الجمهور الإسرائيلي، وبدأت وسائل الإعلام تسميته باسمه الصحيح (جهاز الأمن العام)-(الشاباك).

Page 4

لقد تم تشكيل (الشاباك) كوحدة عسكرية في كل شيء، وكان رقم الوحدة (184)، وقد ارتدى موظفو (الشاباك) في العام الأول الملابس العسكرية وكانوا يحملون الرتب غير أن (ايسر هرئيل) آمن أن جهاز الأمن العام يجب أن يكون هيئة مدنية منفصلة عن الجيش، وعمل على فصله عن الجيش، وفي عام 1950تم فصل (الشاباك) عن الجيش الإسرائيلي وأصبح وحدة مدنية في وزارة الدفاع سميت (ك.د)، وبعد ذلك نقل الجهاز من وزارة الدفاع إلى ديوان رئيس الوزراء، ومع تأسيس (الشاباك) وفي السنوات الأولى لتشكيله، أقيمت في (الشاباك) الوحدات التي شكلت الأساس التنظيمي للجهاز كما هو مبين اليوم، وقد قام (ايسر هرئيل) رئيس (الشاباك) بتعيين نائبا له من جهاز المعلومات التابع (للهاجاناة)-(اسم عام أطلق على المنظمات اليهودية التي تأسست في عهد الانتداب البريطاني في فلسطين للدفاع عن السكان اليهود حتى حرب عام 1948)، وهو (ايزدورروت) الذي غير اسمه ليصبح (يتسحاق دوروت) وأطلق عليه لقب (دفني).

ومع إنشاء جهاز الأمن العام تم تقسيمه إلى وحدات كانت استمرارا لجهاز المعلومات التابع للهاجاناة وحملت اسم جهاز الاستخبارات، وبعد ذلك تحولت إلى هيئات، وتم تقسيم الهيئات إلى أقسام، وأعطيت لها أرقام أو أسماء، وقد عملت الهيئة الأولى في إحباط التنظيمات السرية، وإلى جانب اكتشاف تنظيمات لليمين المتطرف من متقاعدي منظمة (ليحي)-منظمة يهودية سرية حاربت الانتداب البريطاني في فلسطين-ومنظمة اتسل –وهي المنظمة العسكرية القومية اليهودية التي كانت تعمل أيضا ضد الانتداب البريطاني في فلسطين، وضد شبان يهود متدينين-عملت الهيئة الأولى بشكل عملي في التجسس السياسي على الأقل في السنوات الخمس أو الست الأولى من إنشائها، وقد عملت الهيئة على جمع معلومات حول الخصوم السياسيين لحزب (عمال أرض إسرائيل) الذي كان في السلطة، وقد كان تحت الهدف الحزب الشيوعي الإسرائيلي، وكذلك منظمات صهيونية مثل حركة (حيروت) بقيادة "مناحيم بيغن"، وحزب العمال الموحد برئاسة "مائير يعاري" و"يعقوب حزان"-حيث كانت هذه الأحزاب هدفا للمراقبة والتنصت من قبل (الشاباك)، وعمليا كانت كامل الحلبة السياسية في إسرائيل في بداية تشكيل إسرائيل تحت مراقبة (الشاباك)، كان "ايسر هرئيل" رئيس (الشاباك) وبعد ذلك رئيس "(الموساد) " والمسؤول عن الأجهزة الأمنية، يشترك بين الحين والآخر في جلسات سكرتارية حزب "عمال أرض إسرائيل"، وفي يوميات بن غوريون يتم الإشارة أكثر من مرة للتقارير السياسية لهرئيل، غير أنه بعد أن اتضحت الحلبة السياسية واستقر الحكم في إسرائيل انخفضت أهمية (الهيئة الأولى)، وانخفض عملها، وتوقف تقريبا التجسس السياسي تماما، وأمر رئيس (الشاباك) الثالث "عاموس منور" بإتلاف الأرشيف والملفات السياسية للهيئة، والتي كانت تحتوي على معلومات عن أعضاء الأحزاب.

Page 5

(الهيئة الثانية) عملت في إحباط التجسس أو التجسس المضاد، وقد كلفت الهيئة بهذه المهمة في تموز من عام 1950 في أعقاب قرار رئيس الوزراء دافيد بن غوريون سحب مهمة إحباط عمليات التجسس من الدائرة السياسية في وزارة الخارجية والتي سميت وحداتها (بيثا و داعت) وعلى أساس الدائرة السياسية تم في نيسان من عام 1951 إنشاء ((الموساد) للاستخبارات والمهام الخاصة)، ومع مرور السنوات أقيمت في الهيئة الثانية عدة دوائر مختصة: إحباط التجسس السوفييتي، وإحباط التجسس الشرقي (الشيوعي غير السوفييتي) وإحباط التجسس الأجنبي وخاصة الغربي، وقد كانت في الهيئة دائرة تسجيل، كانت تعمل في القيود الأمنية المتعلقة بالمرشحين للخدمة في أجهزة الدولة والمعامل الأمنية، وفي النصف الثاني من سنوات الستينات تم دمج الهيئة الأولى والهيئة الثانية في شعبة واحدة مشتركة (شعبة منع التنظيمات السرية وإحباط التجسس) المعروفة أيضا باسم الشعبة غير العربية أو الشعبة اليهودية، وقد ترأس هذه الشعبة (عاموس منور يوسيف هرملين ونير بروخ).

أما (الهيئة الثالثة) فقد كانت مختصة بالمواضيع العربية، وكانت تضم قسما للإشراف على عرب الـ (48) الذين كانوا يعيشون تحت الإدارة العسكرية، وكان في تلك الهيئة أيضا قسم عمل في متابعة الأجواء السياسية لدى الأقلية العربية وقسم لإحباط التجسس من قبل الدول العربية، والعمليات التخريبية المعادية، وقد نشأت من الهيئة الثالثة الشعبة العربية، وحتى (حرب حزيران عام 1967) كانت أساس المهمات في الهيئة موجهة ضد التجسس العربي، غير أنه منذ تلك الحرب وحتى اليوم تحول النضال ضد المنظمات الفلسطينية، وإفشال العمليات المعادية إلى المهمة الرئيسية للشعبة.

وقد أنشئت في (الشاباك) وحدة عملت في موضوع المهاجرين الجدد لإسرائيل وأطلق عليها اسم "عال"، حيث عملت هذه الوحدة على التركيز على المهاجرين الجدد والأجواء التي تسود بينهم وخاصة المهاجرون من اليمن وأوروبا الشرقية وبعد ذلك المهاجرون من العراق والمغرب.

عاموس منور الرئيس الثالث للشاباك، الذي تحول (الشاباك) في عهده من جهاز ذي ميول سياسية مع تضامن أكثر مع السلطة، إلى جهاز رسمي، قام سريعا بحل وحدة "عال"، غير أنه بقي يدير عن قرب وحدة أخرى سرية جدا تختلف عن باقي الهيئات والوحدات والتي عملت بين أوساط المهاجرين، ولم يكن للوحدة اسم أو رقم أو لقب، وكان هدفها الحصول من المهاجرين الجدد من أوروبا الشرقية على معلومات حول الاتحاد السوفييتي وحول دول الكتلة الشرقية، وقد كان منور يدير الوحدة عندما كان رئيسا (للهيئة الثانية) واستمر في الإشراف عليها عندما تم تعيينه رئيسا للموساد، وقد كلف (تسافي أهاروني) رئيس وحدة التحقيقات في (الشاباك) بمهمة استجواب المهاجرين الجدد، بمساعدة نائبه (دوف أفير).

Page 6

المعلومات التي كان يتم الحصول عليها، وكانت تصاغ بتقارير، نقلت إلى وكالة الاستخبارات الأمريكية الـ "سي.آي.ايه" ولعبت دورا رئيسيا في تشكيل المكانة الاستراتيجية لإسرائيل في نظر الولايات المتحدة، وكانت مسارا هاما لبناء العلاقات الاستخبارية بين الدولتين، وقد طلب جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك)من وكالة الاستخبارات الأمريكية استخدام المعلومات التي تقوم إسرائيل بنقلها لها بشكل ذكي كي لا يستطيع السوفييت النجاح في تحديد مصدر هذه المعلومات، وكانت المخاوف من أنه إذا علم السوفييت أن إسرائيل والمهاجرين من أوروبا الشرقية هم المصدر للمعلومات فإنهم قد يشوشون الهجرة من أوروبا الشرقية إلى إسرائيل.

أما "الهيئة الخامسة" فقد كانت مسؤولة عن الأمن في مصانع وزارة الدفاع، ومنذ بداية إقامتها، عين بنيامين بلومبرغ رئيسا لها، وبعد مرور حوالي عشر سنوات بدأ بلومبرغ في شغل منصبين، حيث ترأس الهيئة وكذلك أقام في وزارة الدفاع (مكتب العلاقات العلمية)، وقد كانت هذه وحدة سرية كانت مسؤولة عن إقامة المفاعلات النووية في (ناحل سوريك)-مركز البحوث النووية، وفي (ديمونا)-مدينة البحوث النووية وبعد ذلك لعب المكتب دورا في مهام جمع المعلومات العلمية والتكنولوجية، أي التجسس العلمي-الصناعي والتكنولوجي، وقد تم الكشف عن المكتب فقط بعد مرور سنوات طويلة وذلك عندما قبض في الولايات المتحدة على جونثان بولارد-وهو مواطن أمريكي كان يقوم بجمع المعلومات لمكتب العلاقات العلمية-وقد تطورت من الهيئة الخامسة شعبة الحماية والوحدة المسؤولة عن الأمن في وزارة الدفاع.

وإلى جانب الهيئات عملت أيضا (خلية العمليات)، التي سميت بعد ذلك (وحدة العمليات)، وعلى أساس (خلية العمليات) تم إقامة شعبة العمليات في جهاز الأمن العام (الشاباك) ومنذ ذلك الوقت وحتى اليوم يحافظ في الشعبة على أعلى مستوى من السرية-وهي مرتبطة مع نائب رئيس جهاز الأمن العام (الشاباك) وتدار من قبله، وقد كانت وحدة العمليات مسؤولة أيضا عن وحدة الخدمات الفنية التي زودت الوحدات والهيئات المختلفة بالمعدات (كاميرات خفية، أجهزة تسجيل، أجهزة تنصت والتقاط وغيرها من الوسائل التي كانت تستخدم في (الشاباك).

وفي وقت متأخر في السبعينات تم تحويل وحدة الخدمات إلى شعبة تسمى اليوم الشعبة التكنولوجية.

وهناك وحدة أخرى أقيمت في (الشاباك)، وهي وحدة التحقيقات والتي حولت في نهاية الستينات إلى شعبة كذلك حول من الجيش الإسرائيلي إلى (الشاباك) بعد وقت قصير من إقامته (جهاز الاستخبارات الثامن) الذي عمل في حماية المنشآت وتعيين ضباط الأمن في الوزارات المختلفة، والحفاظ على الأسرار وفحص الشخصيات.

أما "الهيئة الثامنة" فقد تحولت مع مرور السنوات إلى شعبة الحماية، وفي إطارها عملت وحدة حماية الشخصيات ودائرة حراسة الوزارات الحكومية، والطيران والإبحار وحماية الأسرار، ومنذ إقامته عملت قيادة (الشاباك) في تل أبيب، أولا بالقرب من يافا وبعد ذلك انتقلت إلى مكان آخر.

والهيئات (الشعب) الهامة لموضوع هذا الكتاب الذي أمامنا هي بشكل أساسي الهيئة الثانية (إحباط التجسس)، والثالثة إحباط التجسس العربي، مع التطرق أحيانا لباقي الشعب الأخرى.

وهذا الكتاب لا يتحدث عن ولادة جهاز الأمن العام (الشاباك)، وإنما رواية وتوثيق عمليات تجسس مختارة، وقد اخترنا عشرين حالة من بين مئات الجواسيس والخونة الذين تم اكتشافهم وتقديمهم للمحاكمة منذ إقامة إسرائيل، وحسب تقديراتنا فإن الحالات التي اخترناها هي الأكثر أهمية والأصعب والأخطر التي حدثت في إسرائيل، وسيتم من خلال طرحها تسليط الضوء والإشارة إلى أساليب العمل لأجهزة الاستخبارات الشيوعية، العربية والغربية التي عملت ضد إسرائيل ووسائل الإحباط والتجسس المضاد "للشاباك" الإسرائيلي، ويمكننا أيضا تكوين صورة من خلال هذه القضايا عن تطور (الشاباك) كتنظيم وأسلوب عمله.

Page 7

الباب الأول

• شنفط" أو "زيسمن" ولد غير شرعي كفلته عائلة ألمانية تدرب كفني سيارات ثم تجند للجيش الألماني.

• تخلى عن هويته الحقيقية واكتسب هوية يهودي ناج من المحرقة للحصول على المساعدات والأموال.

• زرع في صفوف الجيش الإسرائيلي ووصل إلى رتبة ملازم أول ثم سرح على خلفية الاشتباه به.

• المصريون حاولوا تجنيده كعميل (نائم) في إسرائيل والاقتراح لم يتلاءم وخططه فرفض بشدة.

• موريا أرسل شنفط في مهمة تجسس اقتصادية (مفبركة) إلى إسرائيل قادته إلى حتفه.

• حوكم بالسجن سبع سنوات قضى منها خمس ثم أطلق سراحه وغادر إلى ألمانيا واختفت آثاره.

Page 8

الفصل الأول
الجاسوس الذي أتى من الـ "اس.اس"
عملية حوكان-"أولريخ شنفط.."
صورة مزيفة مركبة بصورة
دقيقة، وضعــت حــدا للعبــة
التجسس التـي كــان يـقوم بـها
"جبرئيل زيسمن" في عــــــام
1956. الدائرة الفنية في جـــهاز
الأمن العام (الشاباك) توجهــــت
في تلك الأيام إلى شعبة الاستخبارات
في الجيش الإسرائيلي وطلبــــت
الحصول على عدة صور لـــضباط
في الجيش الـــعراقي، وعــندما
وصلت الصور أخــذ "شموئيل موريا"
بريه (طاقية) ضــــابط في الجيش
العراقي وتـــم تصويره وهو يرتدي
هذا (البريه) على رأسه وكأنه ضابط في الجيش العراقي، وبعد ذلك قام خبراء التزوير والتوثيق التابعين للشاباك بأخذ صورته وقاموا بتركيبها بأسلوب "المنتجة السينمائية"، التي كانت تعتبر آنذاك دقيقة ومعقدة جدا، على صورة الضابط العراقي التي أرسلت من قبل شعبة الاستخبارات العسكرية، وقد تم وضع صورة رأس "شموئيل موريا" على جسم صورة الضابط العراقي، وقد بدت عملية المنتجة تامة، وقد كانت هذه هي البداية، غير أن "موريا" كان يحتاج إلى المزيد من الحظ كي تنجح مهمته، والمهمة التي كلف بها "موريا" كانت إعادة "جبرئيل زيسمن" إلى إسرائيل من أجل تقديمه للمحاكمة.
 

Page 9

ولد "جبرئيل زيسمن" باسم "أولريخ شنفط" في مدينة (كنج سبيرغ) في ألمانيا، المدينة التي كانت في الماضي جزءا من (بروسيا الشرقية) واكتسبت شهرتها بفضل الفيلسوف "عيمنوئيل كآنت" في القرن الثامن عشر، والذي ولد وعاش بها طوال أيام حياته دون أن يخرج منها، أما "شنفط" فقد ولد في المدينة كولد مسيحي خارج إطار الزوجية، ونقل إلى دار للأيتام، وبعد ذلك تم تسليمه لعائلة ألمانية مسيحية بالتبني تسمى (ميلر)، كلين سابقا، وقد تلقى "شنفط" دراسته الأساسية في مدرسته في المدينة، وبعد ذلك انتقل إلى مدرسة مهنية، وتدرب كفني سيارات وفي عام 1941، وعندما بلغ من العمر (18)عاما، أنهى دراسته، وتجند للجيش الألماني وتطوع للخدمة في الوحدة العليا للحزب النازي الـ "اس.اس"، وفي عام تجنده للجيش كانت عملية (بربروسا) ودخول الجيش الألماني إلى روسيا في الحرب العالمية الثانية في حزيران من عام 1941 وتدميره للجيش الأحمر الروسي، وفي نفس العام أصيب "أولريخ شنفط" "ميلر كلين" بجروح طفيفة في المعارك وأعيد إلى ألمانيا للعلاج في المستشفى، وبعد أن شفي أرسل إلى الجبهة في يوغسلافيا، وبعد ذلك إلى إيطاليا وحسب يوسيف ارجمن في كتابه (هذا كان سريا للغاية والصادر عام 1990) فقد سقط "أولريخ شنفط" في أسر الجيش الأمريكي في إيطاليا في نهاية عام 1944، وبقي في الأسر لمدة ثلاث سنوات، حيث تقرر إطلاق سراحه بعد أن وجد المحققون الأمريكيون بأنه كان مجرد جندي بسيط في "اس.اس" وأن لا داعي لتقديمه للمحاكمة على جرائم الحرب، وعاد أولريخ شنفط إلى ألمانيا وأقام في ميونيخ، وهناك ساق له القدر أن يتقاسم الغرفة مع شاب يهودي، وكان وضع ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية غاية في السوء، وكان هم الجميع تأمين لقمة العيش والبقاء على قيد الحياة، وقد فهم أولريخ من زميله اليهودي في الغرفة أن منظمات إغاثة يهودية-أمريكية وعلى رأسها (الجوينت) (منظمة يهودية أمريكية مشهورة كانت تقدم المساعدة لليهود المحتاجين) تقدم المساعدات لليهود، وكان أبناء الشعب الألماني ينظرون إلى الناجين من المحرقة من اليهود بعد الحرب على أنهم محظوظون، حيث كانوا يحصلون على رزم المساعدات والأموال، وكان لديهم عنوان يتوجهون إليه بطلباتهم، وبدون تردد، قرر "أولريخ شنفط" التخلي عن هويته الحقيقية وأخذ هوية جديدة كناج يهودي، وإن التناقض بانضمام رجل "اس.اس"، إحدى الجهات التي شنقت الشعب اليهودي، فجأة إلى صفوف الملاحقين والضحايا لم يؤثر به أبدا، وكان هدفه الوحيد فقط هو البقاء والاستمرار، والحصول على رزم الغذاء والمساعدات المالية.

توجه "أولريخ شنفط" إلى الفرع المحلي لـ (الجوينت) وأبلغهم بأنه يهودي، وأن والده كان يدعى "يوليوس زيس" ولم يشك موظف (الجوينت) بالشاب الذي يقف أمامه، وبدأ "أولريخ" يحصل منذ ذلك الوقت على المساعدات، وبعد أربعة أشهر سمع عن مجموعة من الناجين من معسكرات الإبادة الجماعية الذين هم على وشك الهجرة إلى (أرض إسرائيل) وقد قرر استغلال الفرصة والانضمام إلى هذه المجموعات، وقد كان الوضع في ألمانيا غير واضح والمستقبل يحتوي على الكثير من الصعوبات في الأول من تشرين أول من عام 1947 غادر "أولريخ شنفط" مع مجموعة من اليهود في رحلة في القطار إلى مدينة (مرسي) الساحلية الفرنسية ووضع في معسكر مهاجرين تم تنظيمه من قبل ممثل مؤسسة الهجرة الثانية وهي فرع لمنظمة (الهاجاناة) التي كانت مسؤولة عن الهجرة غير القانونية إلى (فلسطين)، وبنصيحة من أحد موظفي مؤسسة الهجرة الثانية قرر "أولريخ" مرة أخرى تغيير اسمه وتحول "أولريخ شنفط" "ميلر-كلين-زيس" إلى "جبرئيل زيسمن"، وحسب كتاب "يوسي أرجمن" فقد أقام "زيسمن" لمدة شهرين في معسكر على مشارف مدينة (مرسي)، وفي كانون أول من عام 1947 هاجر مع باقي المجموعة التي كانت في المعسكر إلى إسرائيل، غير أن الأسطول البريطاني اعترض السفينة التي كان يستقلها بالقرب من سواحل (إسرائيل) وتم نفى ركابها إلى قبرص، وفي المعسكر في قبرص انضم "زيسمن" إلى منظمة (الهاجاناة) وقد كانت الصدامات بين القوات اليهودية والقوات العربية في أوجها في أعقاب قرار الأمم المتحدة تقسيم فلسطين إلى دولتين، ولا تعرف ظروف انضمام "زيسمن" إلى (الهاجاناة)، ومن المؤكد أن أحدا في (الهاجاناة) لم يكن يعرف الماضي العسكري لـ "زيسمن" في الـ "اس.اس" وقد أثارت قدراته الجميع، حيث أبدى معرفة في استخدام الأسلحة وأبدى قدرة في معالجة المواد المتفجرة، وقد تم ضم "زيسمن" إلى طاقم التدريب التابع (للهاجاناة) في المعسكر في قبرص، ودرب الكثير من الشبان على استخدام الأسلحة، وخلال تواجده في المعسكر كان "زيسمن" على علاقة بعمليتي تهريب من المعسكر (نظمتهما الهاجاناة).

وفي الخامس عشر من أيار من عام 1948 أعلن "دافيد بن غوريون" عن إقامة دولة إسرائيل في جلسة لمجلس الشعب، بعد يوم واحد من انتهاء الانتداب البريطاني، وفور إعلان الاستقلال وجدت إسرائيل نفسها في مواجهات عسكرية مع جاراتها العربيات ومع مليشيات العرب الفلسطينيين، وكان الجيش الإسرائيلي الجديد بحاجة إلى الطاقة "البشرية"، وخاصة إلى مقاتلين شبان، وقد طلبت الحكومة المؤقتة في إسرائيل من البريطانيين حل معسكرات الاعتقال للمهاجرين اليهود غير القانونيين في قبرص والسماح للمعتقلين بالهجرة إلى إسرائيل، غير أن الحكومة البريطانية برئاسة (كليمنت أطلي) كانت تخشى من أنه إذا سمحت للمعتقلين في قبرص بالهجرة فورا إلى إسرائيل، أن يتم اتهامها من قبل الدول العربية بالمساعدة بالجهود الحربية لإسرائيل، لذلك وافق البريطانيون على إطلاق سراح الكبار في السن فقط، وكذلك المرضى والنساء والسماح لهم بالوصول إلى إسرائيل، وقد استمر البريطانيون بالاحتفاظ في المعتقل في قبرص بالرجال الشبان الذين هم في سن الخدمة العسكرية، وفقط في التاسع عشر من كانون أول من عام 1949، وبعد أن بدأت في (رودوس) محادثات سلام بين ممثلي إسرائيل ومصر من أجل الاتفاق على الهدنة، أعلن وزير الخارجية البريطاني "أرنست بفيون" في البرلمان البريطاني في لندن عن موافقة حكومته السماح لجميع الموجودين في المعسكرات في قبرص بالخروج منها، وبعد مرور عدة أيام بدأت (عملية بدوت) التي تم خلالها نقل حوالي أكثر من عشرة آلاف يهودي كانوا في المعسكرات عن طريق البر إلى (إسرائيل).

وكان "جبرئيل زيسمن" أحد مئات المهاجرين من قبرص الذين وصلوا إلى ميناء حيفا، وبعد فترة معينة نقل جبرئيل زيسمن إلى كيبوتس (كريات عنبيم) وبدأ يدرس العبرية مثله مثل مئات الشبان المهاجرين الجدد، وبدأ يعمل في عدة أعمال مختلفة في السوق.

Page 10

وفي آب من عام 1949 تجند للجيش، وخلال خدمته اجتاز بنجاح دورة قادة فصائل، وبعد ذلك أرسل، حسب طلبه، إلى مستوطنة زراعية بالقرب من أشكلون، غير أن سلطات الجيش لم تكن مستعدة للسماح لشاب مثله، أظهر معرفة وقدرات عسكرية، بتضييع وقته في إطار زراعي، وقد اقترح عليه العودة والتجند للجيش، ودخول دورة ضباط في إطار الخدمة الدائمة، وقد استجاب "زيسمن" للعرض، وأنهى بامتياز دورة الضباط، ومنح رتبة ملازم ثان وعين في سلاح المدفعية، وخلال خدمته العسكرية دخل دورات إضافية في إطار السلاح ورفع لرتبة ملازم أول.

غير أن خدمته العسكرية وصلت إلى نهايتها في أواخر عام 1952، حيث وصلت لسلطات الجيش الإسرائيلي معلومات من زملائه عن تصرفات غريبة للملازم أول "زيسمن" وقد قام في إحدى المرات وهو في حالة سكر بإطلاع زملائه في الوحدة على صورة له وهو بملابس الـ "اس.اس" الألمانية، وفي إحدى المرات قال لهم بأنه يعيش بهوية مزورة، وقد قرر سلاح المدفعية عدم تمديد خدمته.

وقد انتقل "جبرئيل زيسمن" وهو مصاب بالإحباط بسبب إنهائهم لخدمته العسكرية للعيش في غرفة استأجرها في (أشكلون) لدى زوج مهاجرين من ألمانيا، وعمل في عدة أعمال مختلفة، من أجل توفير المال ومغادرة إسرائيل للإقامة في دولة أخرى، وفي تلك الأثناء تطورت بينه وبين صاحبة الغرفة علاقات غرامية وكان صاحبا المنزل الذي يقيم فيه "زيسمن" يعملان في البريد، الزوج كان موظف شباك والزوجة-التي كان الاسم المحبب عليها "مارجو"-كانت عاملة مقسم، وقد كانت "مارجو" أكبر من "زيسمن" بحوالي (20)عاما، غير أن فارق السن لم يحل دون وقوعه في غرامها وعندما اكتشف الزوج الضحية أن زوجته الأصغر منه سنا تخونه، طلب من "زيسمن" مغادرة الغرفة فورا، وردا على ذلك أبلغت الزوجة زوجها بأنها قررت تركه والانتقال مع عشيقها للعيش في حيفا، وهناك وفي شقة صغيرة ومهملة في البلدة القديمة، حلم الزوجان العاشقان بالعودة إلى ألمانيا معا.

وفي شباط من عام 1954 أبحر "زيسمن" إلى ميناء (جنوة) في إيطاليا على متن سفينة ركاب، وحسب إحدى الروايات رافقته "مارجو" على نفس السفينة، وفي رواية أخرى تبعته على سفينة أخرى، وفي جميع الأحوال التقيا في (جنوة) في إيطاليا، ولكن اتضح هناك لـ"زيسمن" أنه لا يستطيع الدخول إلى ألمانيا، وبدافع نيران الانتقام والاشمئزاز من ألمانيا، أصدرت الحكومة الإسرائيلية قانونا يحظر على مواطنيها السفر إلى ألمانيا، وقد ذكر في جواز "زيسمن" الإسرائيلي أن حامله يستطيع الدخول إلى أية دولة في العالم باستثناء ألمانيا، ورغم ذلك حاول "زيسمن" تجريب حظه، وقد توجه إلى القنصل الألماني في (جنوة) وطلب منحه تأشيرة دخول إلى ألمانيا، غير أن القنصل رفض ذلك عندما شاهد جواز سفره، وقد حاول زيسمن إقناعه بواسطة سرده لقصة حياته، وأبلغه بأن اسمه الحقيقي ليس "جبرئيل زيسمن" كما هو في جواز سفره وإنما "أولريخ شنفط"، وعرض أمامه مختارات من المغامرات الخاصة التي مر بها، غير أن ذلك لم يقنع الدبلوماسي الألماني، ورفض تصديق ما سمعه واعتقد أن الشخص الذي يقف أمامه كاذب ومحتال، وعندما رأت "مارجو" أن "جبرئيل" ممنوع من الدخول، قررت تركه وحده وسافرت وحدها إلى ألمانيا بواسطة جواز سفر ألماني كان بحوزتها، وبعد وقت معين انضم لها زوجها من إسرائيل، ولم يعلم زيسمن بعودة الزوجين لبعضهما البعض.

بدا "شنفط" محبطا وعلى حافة اليأس، وليس في جيبه سوى عشرين دولارا فقط، وقرر القيام بعمل ما، واتجه إلى القنصلية المصرية في (جنوة)، وقال للقنصل أنه خدم في الـ "اس.اس" وتنكر بهوية يهودي وتجند للجيش الإسرائيلي، وقد أعجب القنصل المصري به، وفي نفس الليلة ركب معه في القطار وتوجها إلى العاصمة روما حيث السفارة المصرية، وهناك قدمه لأحد الملحقين العسكريين، وهذا الضابط وهو رجل استخبارات خبير، قام بالتحقيق مع زيسمن بشكل مركز، وخلال التحقيق معه اقترح عليه الملحق العسكري الذهاب إلى القاهرة، من أجل التحقيق معه من جديد من قبل مختصين آخرين.