eKtab
EN ع
الجيش العراقي بين خطورة السياسة وشح السلاح (1958-1921)
Read free sample

الجيش العراقي بين خطورة السياسة وشح السلاح (1958-1921)

by د. حامد محمد شبيب الجبوري

Page 1

الإهداء

إلى النبعين الصافيين محبة وحناناً والديّ رحمهما الله تعالى. وإلى أبنائي وزوجتي بالغ التقدير

وإلى اولئك الذين صنعوا أمجاد الأمة والإنسانية في العصر الحديث شهداء العراق

ووفاءاً للأحباب والأعزاء والأقارب وأبناء العمومة، أتقدم بثمرة هذا الجهد هدية متواضعة والخير للجميع إنشاء الله

المؤلف

Page 2

المقدمة

جذبت الإمبراطورية العثمانية خلال أربعة قرون من الفتوحات في شرق أوروبا ومناطق آسيا العديد من الطلاب الأجانب والعرب ومنهم العراقيون للانخراط في المدارس العسكرية التركية بغية الاستفادة منهم في مواجهة الفتن والثورات المضادة والحروب المتواصلة. ولعل ما يميز النهج العثماني في قبول الطلاب، أنها فضلت أصحاب المذاهب السنية على المذاهب الأخرى لكي تتجنب المنازعات الطائفية مرة، وتوحيد الإرادة في القتال مرة أخرى، وهي لا تخلو من كونها النقيض للمذهب الصفوي الذي أراده الشاه الفارسي "إسماعيل الصفوي" في القرن السادس عشر. وليس هناك شك أن الطرفين كانت لهما نزعة قومية، تأثر بها الضباط العرب والضباط العراقيون في طموح لاستقلال بلادهم.

لم يكن العراق ومعه سائر البلاد العربية ينعم بوحدة جغرافية لها حدود مرسومة تميزهُ عن جيرانه الأتراك والفرس. وطالما لم يكن كذلك فهو أي العراق ليس لديه جيش وطني يدافع عن البقعة الجغرافية واضحة الحدود والمعالم قبل الحرب العالمية الأولى.

كان الضباط العراقيون والسوريون في الجيش العثماني على تواصل بعضهما البعض. وهم وإن اختلفوا حول الدعم المقدم من بريطانيا لثورة الحجاز بقيادة الشريف حسين وأنجاله عام 1916، إلا أنهم متفقون في النهاية بضرورة استقلال العرب، تحت شعار أنهم قوميون عرب أولاً وأخيراً. وزاد اليقين لديهم عندما وصَل الجنرال البريطاني "مود" بغداد عام 1917 وقوله أنهُ أتى محرراً لهذه الشعوب، وسمعها الضباط العرب مرة أخرى من الرئيس الأمريكي ويلسن عام 1919 وهو يدعو إلى حق تقرير مصير الشعوب.

شكلت الغارات التي نفذها ضباط عراقيون_ بمساعدة العشائر_ على معسكرات الجيش البريطاني في دير الزور والبوكمال، وتلعفر عام 1920 إنذاراً لبريطانيا بوجوب الاستجابة لمطالب الوطنيين العراقيين إنشاء حكومة وطنية. وعززها أبناء الفرات الأوسط في ثورة العشرين، وقبلها الكرد على يد الشيخ محمود الحفيد، حتى بدا المشهد العراقي موحداً في طلبه، ولكنه في التفاصيل غير ذلك، وكل انتفاضة أو ثورة إنما عبّرت عن مدلول في أن تكون مستقلة عن الأخرى. وفهمها الإنجليز في تشكيل حكومة عراقية وطنية تدار بأصابع انجليزية من خلف الستار. وللضرورات الأمنية والاقتصادية والسياسية وجدت الدولة المحتلة بريطانيا إنشاء جيش عراقي حُدد واجبهُ في مؤتمر القاهر عام 1921 أن يكون لأغراض الأمن الداخلي. وكان هو مصدر جذب للضباط العراقيين خريجي المدارس العسكرية العثمانية وقد شهد لهم الملك فيصل الأول بذلك وهم تحت قيادته خلال ثورة العرب ضد الأتراك عام 1916.

الجنرال جعفر العسكري الذي يحظى باحترام كبير بين أقرانه هو المؤسس والأب الروحي لتأسيس الجيش العراقي في (6) كانون الثاني عام 1921. ولأجل أن ينجح في مسعاه، فقد عمد إلى استقبال الضباط العراقيين الذين قاتلوا تحت لواء الجيش العربي ضد الأتراك، وكان من أبرزهم نوري السعيد، وطه الهاشمي، وياسين الهاشمي، وناجي السويدي. غير أن بريطانيا التي تردّدت في قبول البعض منهم لنزعته القومية، وجدت بالمقابل أن تكون قوات "الليفي" على قدر من القوة لضرب النزعة القومية، إذا ما تمرد الجيش يوماً طالباً الاستقلال عن بريطانيا. وهي لذلك رفضت التجنيد الإلزامي- بحجة نقص الأموال- ووضعت الملك الذي أتت به إلى العرش مكبّل اليديّن في كيفية معالجة التمردات في الشمال والجنوب تحت بند دستوري (الخارجون عن القانون). وكان الواقع الذي لم يحسبهُ البريطانيون تماماً، هو أن كل تمهل أو تردّد بريطاني لإبقاء الجيش ضعيفاً، يقابلهُ شعور قومي متحمس رافض للوجود الأجنبي، وأن الإنجليز ليسوا أكثر شرفاً من الأتراك. بل وكثيراً ما ردّد البريطانيون أن ضباط الجيش العراقي مشبعون بنزعة قومية لأنهم تخرجوا من مدارس "الأستانة".

ولاعتبارات السياسة البريطانية العليا، فقد اجتهد ساسة لندن عقد اتفاقية مع العراق سميت بمعاهدة عام 1930 وفيها أن لا سياسة ولا دفاع للعراق بدون مشورة بريطانيا. وهو مشروع لتحجيم النزعة القومية لجيش العراق، وخاصة أصحاب التيار العروبي الجارف لطرد اليهود من فلسطين. ووجدها الكرد ليس لمعارضة سياسة بريطانيا، بقدر إنشاء حكومة كردية تحت ظل الوجود البريطاني. واعتبرها الآثوريون فرصة لإثبات الذات قبل أن يقوم الجيش العراقي بقمع تمردهم عام 1933، وهو ما أغاظ بريطانيا (المسيحية)، التي نسجت مع الكردي بكر صدقي مسرحية الانقلاب العسكري للتخلص من رموز الحكومة والجيش القوميين عام 1936. وتفتح الباب لشهية الضباط المناوئين لبكر صدقي أن يعملوا بالسياسة نيابة عن السياسيين.

استثمر ضباط الجيش القوميون أحداث الحرب العالمية الثانية بالثورة ضد بريطانيا عام 1941 لتصحيح أخطاء:- نوري السعيد الذي وقّع معاهدة عام 1930 (سيئة الصيت). والتردد البريطاني في تسليح الجيش العراقي لنوايا مبيّتة. والأهم أن الوقت بات مناسباً لتحرير العراق من قبضّة بريطانيا، وتحرير سورية من قبّضة فرنسا، وطرد اليهود من فلسطين. وبفشل حكومة الكيلاني والضباط الأربعة الذين أداروا حركة مايس 1941 ضد الجيش البريطاني تحولت السياسة البريطانية معها تجاه العراق إلى ما يشبه الحاكم والمحكوم أي أن على السياسيين العراقيين استشارة السفارة البريطانية قبل الإقدام على أي عمل. أما تسليح الجيش العراقي فبات من المحرمات، وفي قاموس السياسة البريطانية أن الكيلاني والضباط الأربعة صنيعة ألمانيا. ولكن جذوّة الوطنية والقومية التي تنامت مع الاحتلال البريطاني لا يمكن إخمادها حتى في محاولات الجنرال البريطاني "رنتون" تخفيض قوة الجيش، وطرد مناصري الكيلاني من الحكومة والجيش، وتأكد أن (3/4) جيش عام 1941 أصبحوا خارج الخدمة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية.

Page 3

وقد يكون ما رسمتهُ الإدارة البريطانية للعراق في قادم الزمن بين (1945_ 1948) وهي فترة التحضير لإعلان دولة إسرائيل، هو أن على رئاسة أركان الجيش العراقي الاعتماد على الضباط الشباب ممّن تخرج من المدارس العسكرية البريطانية، وليس على ضباط الجيش العثماني، وكان هو سر المشاحنات بين الجنرال رنتون ووزير الدفاع "تحسين علي" والجنرال صالح صائب الجبوري رئيس أركان الجيش، واتخذت مبّرراً لعدم شحن الأسلحة للجيش، رغم توريدهُ إلى الجيوش التركية والإيرانية والمصرية. وشكلت بذلك ضغطاً شعبياً على الوصي عبد الإله، ونوري السعيد في موالاتهم لبريطانيا على حساب مصالح شعبهم. وقد تيقن الاثنان أن عناصر شيوعية تروّج داخل الجيش فكرة الإطاحة بالحكم الملكي تحت واجهة عصبة مكافحة الصهيونية. أما سببها فهو حالة التسييس الذي أرادتهُ بريطانيا لجيش العراق لتفتيت وحدته.

إن سر احتفاظ بريطانيا بقاعدتي الحبانية والشعيبه من خلال عقد معاهدة "بروتسموث" مع العراق عام 1948، ونقص السلاح والذخيرة في الجيش، وفساد السياسيين العراقيين قد فسرتها أحداث ضياع دولة فلسطين عام 1948، وعدم قدرة الجيوش العربية ومعها جيش العراق على عمل شيء لإحباط ما رسمته السياسة البريطانية العليا لإعطاء وطن قومي لليهود. ذلك قبل أن تنتبه بريطانيا إلى خطر أن يقوم الجيش العراقي (العائد) من فلسطين بانقلاب عسكري ضد رموز بريطانيا في العراق، كما فعل "حسني الزعيم" في سورية عام 1949. فأقنعت مدير الشرطة السيارة "علي الحجازي" القيام بتمرد "مقنّع" هدفهُ إرضاء الضباط القوميين في الجيش، وأن البلاد ترى فيهم الخيّمة الكبرى في الدفاع عن كرامة واستقلال البلاد. ولكن السياسة في الجيش قد أخذت بعدها، وتناحر البعض تحت طائلة التحرر من الإمبريالية، والأخذ بالشيوعية لمناصرة الشعوب المغلوبة. (لبناء وطن حر وشعب سعيد!!).

لم تستوعب بريطانيا رياح التغيير القومي في سورية، ولبنان وحتى حركة محمد مصدق في إيران، على حرية الشعوب التواقة للتحرر من السطوة البريطانية ففي عام 1952 تحرك الجيش المصري وأطاح بالملك فاروق. وكان هو الدرس للتخلي عن حالة الخوف والتردد بين معظم ضباط الجيش العراقي على مواجهة النظام الحاكم وسياساته المشبوهة تجاه الشعب، عن طريق خلق بؤر تنظيمية للضباط الأحرار داخل الجيش، الأمر الذي قاد السفير البريطاني "تروتبك" إلى مفاتحه لندن بضرورة إنشاء سياج أمني يكون العراق ضمن المنظومة، ويتطلب تجهيز جيشه بالأسلحة الفعالة وليس القديمة لتأخير أي هجوم سوفيتي قادم، والمحافظة على أمن البلاد من أي تمرد قومي أو شيوعي كما فعل اللواء "نور الدين محمود" في أحداث تشرين الثاني عام 1952. وتساءل السفير مع لندن، كيف يمكن استخدام الجيش العراقي للقتال وهو دون سلاح فعال، والوصي عبد الإله يجد نفسهُ ضعيفاً أمام ضباط الجيش، والأحزاب القومية المعارضة ولأجل تخفيف الضغط الشعبي، والحديث عن ضرورة إسقاط الملكية بعد الذي حدث في مصر، فأن دول حلف بغداد عام 1955، تملك الأسلحة البريطانية ما ليس لهُ وجود في جيش العراق. إلا أن السلاح الذي استلمهُ الضباط القوميين أخيراً صار لهُ صدى في انقلاب تموز عام 1958.

إمبراطوريتان هما العثمانية والبريطانية، حكمتا شعوباً مختلفة في اللغات والعادات والديانات لزمن طويل. والإمبراطوريتان لا يجمعهما رابط، وهما مختلفان بالديانة.

تقدمت الأمبراطورية البريطانية على الأمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى، وبذلك انسلخت كل الولايات العربية من حكم الدولة العثمانية إلى حكم الدولة الإنجليزية. وأصبح الضباط العراقيون الذين تخرجوا من المدارس العسكرية العثمانية، يقاتلون في صفوف الجيش العثماني، وفي فترة لاحقة، خدموا في الجيش العربي لمقاتلة العثمانيين على أمل الحصول على استقلال بلدهم. تأثر هؤلاء الضباط بالنزعة القومية التركية، وعندما عاد هؤلاء إلى بلدهم وهو تحت الاحتلال البريطاني تضاعفت لديهم النزعة الوطنية والقومية لتأسيس حكومة وطنية وجيش وطني، وهم على استعداد لقبول الخبرة البريطانية في الإدارة والتنظيم.

وبمرور الوقت شعر الضباط العراقيون العائدون إلى بغداد، أن سلطات الدولة المحتلة لا تريد إنشاء دولة مستقلة، تدار من قبل العراقيين والجيش الذي أرادهُ وزير المستعمرات ونستون تشرشل في مؤتمر القاهرة عام 1921، حدد واجبهُ للمحافظة على الأمن الداخلي، وحماية خطوط مواصلات الإمبراطورية البريطانية. وتحت شعور النزعة القومية لضباط الجيش، وأرادت بريطانيا أن لا يكون الجيش أقوى من قوات الليفي الموالية تماماً لبريطانيا. وكلما ماطلت بريطانيا في تسليح الجيش وفق معاهدة عام 1930 تأجج الشعور القومي لدى الضباط. وتأثر بعضهم بأحزاب المعارضة القومية وليس في نيتهم ممارسة السياسية على دورهم المهني.

وتكمن أهمية الكتاب الذي بأيدينا الوصول إلى الحقائق العلمية من شتى المصادر المختلفة التي وضعت جيش العراق القومي في دائرة السياسة رغماً عنهُ، والضباط العائدون ـ خريجوا المدارس العثمانية ـ مدركون أن وجودهم هو للدفاع عن أمن البلاد وليس الدفاع عن فصيل سياسي بعينه. أو الدفاع عن المصالح البريطانية. وفي الجانب العملي، ولأسباب خفيه لم تفصح عنها بريطانيا في المراحل الأولى، أنها لا تريد تسليح الجيش العراقي بأسلحة نوعيّة ربما ترتد عليها في قادم الزمن. ولتحقيق ذلك، فقد كبلت بريطانيا يد السياسيين لتطوير العلاقات مع الدول الأخرى، وشحت على الجيش بالأسلحة عبر المماطلة والتسويف وقلة المال وفق معاهدة عام 1930.

وتكمن أهمية الكتاب، في أن الدولة المحتلة بريطانيا وبسبب النزعة القومية التي أبداها الضباط العراقيون للتخلص من الاحتلال البريطاني في الحرب العالمية الثانية ـ عام 1941 ـ تأكد لها أن الجيش المراد تسليحه بأسلحة بريطانية، هو مستعد لاستعمال تلك الأسلحة ضد مصالح بريطانيا. والسبيل لإجهاض دوره، جره إلى السياسية عبر انقلاب عسكري ترعاه هي يقود إلى تفككهُ وتناصر ضباطه القوميين وإفشال دوره في مقاتلة اليهود لاحقاً.

وهو المبرّر لأن لا يورّد السلاح له. كما هو المبرر لعدم الحاجة لجيش تعدادهُ (44.217) لا يجد الضباط الكرد فيه احترام وتقدير لكونهم من قومية أخرى.

فرضية الكتاب

الضباط العراقيون قبل ظهور الدولة عام 1921 هم من الموروث القومي العثماني عملوا على إثبات الذات العربية التي تدعو إلى الاستقلال، خصوصاً بعد أن شعروا أن بريطانيا باحتلالها العراق وكأنها أضافت أرضاً جديدة إلى مستعمراتها. النزعة القومية للضباط اعتبرتهُ بريطانيا معادياً لتوجهات السياسية البريطانية العليا في دول الشرق الأوسط، ومنها العراق ـ بلد النفط ـ ووعّدها بإسكان اليهود في فلسطين. فلا تسليح جدي للجيش العراقي ، والجدية فقد أن تنخر السياسية جسد ضباطه القوميين لأحباط وحدتهم.

اعتمد المؤلف على المنهج الوصفي التاريخي، حيث توافرت أعداد من البيانات العربية لمقارنتها مع البيانات الإنجليزية "المصنفة" التي أطلقت للدارسين بعد فترة طويلة من حجبها.

وسائل جمع المعلومات

اعتمد الباحث في جمع المعلومات على ما يلي:

أ. الدراسات والبحوث والمقالات التي كتبت من قبل كتاب مدنيين وعسكريين حول بناء ودور الجيش العراقي، وممارسات الدولة المحتلة (بريطانيا) في شحة تسليحه.

ب. مذكرات رجال السياسة الذين شاركوا في حكم العراق، والملابسات التي أوصلتهم إلى الافتراق والخلاف مع السفارة البريطانية في بغداد حول تسليح الجيش العراقي. والظروف التي أجبرت الضباط القوميين إلى ممارسة السياسة رغماً عنهم.

Page 4

الضباط العراقيون قبل ظهور الدولة 1908 - 1920

· الخلفية التاريخية

· المبحث الأول: النزعة القومية للضباط العراقيين

1. التأثر بقومية جمعية الاتحاد والترقي

ب. ثورة العرب في الحجاز 1918

· المبحث الثاني: الدعوة للاستقلال عام 1918

أ. الهجوم على مدينة تلعفر حزيران 1920

ب. ثورة العشرين في الفرات الأوسط حزيران 1920

Page 5

الخلفية التاريخية

لقرون عدة ظل العراق مركزاً للحضارة العربية الإسلامية وبغداد عاصمة الخلفاء العباسيين، حيث أنهى المغول سيادتهم في عام 1258م. ومنذ ذلك الوقت فصاعداً تعاقب على حكم العراق قوى أجنبية من البلدان المجاورة. كان العثمانيون، الذين سيطروا على العراق في ثلاثينيات القرن السادس عشر، آخر تلك القوى والأكثر استمراراً حيث أبقوا على قوة تركية قوية في بغداد حتى عام 1917.

فُرضت الإدارة العثمانية نفسها على العراق من خلال ثلاثة ولايات، بغداد والموصل والبصرة، وكل واحدة منها يحكمها والٍ مسؤول مباشرة أمام والي اسطنبول. يساعد الوالي مجلس إداري (ديوان)، يضم كبار الموظفين، والقادة العسكريين، والعلماء المحليين، وممثل عن الأعيان، والتجار، وأعضاء رابطات وجماعات الصوفيين([1]).

كانت الولايات العراقية جزءً من الحدود الحيوية مع بلاد فارس، التي يجب أن يُدافع عنها بكل التكاليف([2]). مع هذا فإن العراق عُد "سيبيريا تركيا"([3]). فالموظفون الذين يفقدون رضا والي إسطنبول كانوا يبعثون إلى هذا الجزء المنعزل من الإمبراطورية. باستثناء "مدحت باشا" (1869 – 1872)، حيث لم يكن هؤلاء الولاة مصلحين. فهدفهم الرئيس كان تجنيد الجنود للجيش العثماني وجمع الضرائب، التي معظمها ترسل إلى إسطنبول.

إن تحديث الإدارة العثمانية، المتمثلة في العراق بمحاولات مدحت باشا، أدى إلى خلق طبقة كبيرة وذات نفوذ من موظفي الحكومة، وهي طبقة الأفندية. هؤلاء الأفندية وصُفوا من قبل الكاتب (لونكريك) بأنهم "فاسدون وبعيدون عن كل روح خدمة عامة، فهم عدوا الأمة كهيئة سياسية طبقتهم الخاصة، مستحقرين القبيلة والفلاح"([4]).

كان العراق يتكون آنذاك من جماعات أثنية مختلفة. فغالبية السكان هم من العرب، مع أقليات كالكرد والتركمان والفرس والترك والأرمن. أما المسلمون فهم الغالبية مقسمين بين سنة وشيعة. والأقليات الدينية تشمل اليهود في بغداد والبصرة، والنصارى المستقرين في بغداد إلى الجيش أو المؤسسات الدينية والحكومية ضمن مستويات أدنى([5]). فالخدمة في الجيش العثماني كانت مفتوحة للجميع([6]). وفي ولاية مدحت باشا أنشأوا أول مدرسة ابتدائية عسكرية (الرشدية) في بغداد في عام 1871. كما أسست مدرسة مماثلة في السليمانية في عام 1893. كان بإمكان الطالب بعد إكماله دورة لمدة أربع سنوات التقدم إلى مدرسة ثانوية عسكرية (إعدادية). هذه المدرسة كانت قد أنشأت في بغداد في عام 1878([7]). تخرج في الدورة الأولى في عام 1881 (13) طالب جميعهم أرسلوا إلى إسطنبول للدراسة في الأكاديمية العسكرية (الحربية). تزايدت الأعداد على نحو منتظم منذ عام 1899، حيث تخرج (76) طالب التحقوا بالحربية في اسطنبول([8]). وفرت المدارس العسكرية للطلاب المنحدرين من خلفيات فقيرة أو ذات الدخل المتوسط([9]). فرصتهم الوحيدة لدخول الأكاديمية العسكرية في عاصمة الإمبراطورية. فإسطنبول كانت البوابة إلى المدن الأوروبية وإلى تحقيق آمالهم الشخصية([10]). فمهنة العسكرية لشاب عراقي لامع، كانت السبيل إلى الارتقاء الاجتماعي([11]). وإن منصب في الجيش العثماني ومنزلته الاجتماعية المصاحبة مثلت لبعضهم إمكانية تغير اجتماعي مؤثر([12]).

هناك عاملان آخران شجعا العراقيين الشبان على دخول المدرسة العسكرية. فالمدارس الثانوية العسكرية والأكاديمية العسكرية وفرت سكناً مجانياً بما فيه المبيت والمأكل والمشرب للطلاب مع دفع رواتب معقولة لهم([13]). كما أن الاقتداء بالأقارب الذين كانوا ما يزالون يتابعون مهنهم العسكرية وتأثيرهم عمل كقوة محفزة شديدة للعديد من هؤلاء الشبان. فعلى سبيل المثال، اقتدى "ياسين وطه الهاشمي" (أصبحا رئيساً وزراء في العراق) بأخيهما الأكبر داود في الدخول إلى الجيش، كذلك فعل "صلاح الدين الصباغ" مع أخيه الأكبر حسن شوقي. أما جعفر العسكري (اصبح فيما بعد رئيساً للوزراء)، وشقيقاه الأصغران، تحسين وعلى رضا، فحذوا حذو أبيهم. كذلك فهمي سعيد وصالح صائب الجبوري (أصبح فيما بعد رئيساً لأركان الجيش) اقتديا بآبائهما([14]). هذا التأثير أيضاً انطبق على أبناء الجيران في المحلة الواحدة أو بين الأصدقاء في المدرسة المتوسطة. ففي بعض الأحيان كان الدخول إلى مدرسة الرشيدية قرار جماعي.

أصبح العراقيون غالبية بين العرب في سلك ضباط الجيش العثماني([15]). وكان هؤلاء العراقيون من أهل السنة لأن سياسة التمييز العثمانية منعت الشيعة من المدارس العسكرية وسلك الضباط([16]). أما غير المسلمين (اليهود والنصارى) فاستثنوا من الخدمة العسكرية برمتها بدفع البدل النقدي (بدل الإعفاء[17]).

كانت هذه المرحلة للعراقيين الشباب الذين تمكنوا من أن يصلوا إلى إسطنبول، هي الأكثر تكويناً لحياتهم. فهم تأثروا بتنوع الآراء والأفكار. فالدراسة في الأكاديمية العسكرية ومدرسة الأركان كانت مؤثرة على نحو خاص. ربما هم احتكوا بضباط ألمان (بما فيهم فون دير كولتز). وبقادة عسكريين مثل الفريق "محمود شوكت باشا" (لاحقاً رئيس وزراء الإمبراطورية العثمانية) والفريق "هادي باشا العمري" (لاحقاً رئيس أركان الجيش العثماني)، وكلاهما عراقيان، الذين كان لهم تأثير كبير([18]).فضلاً عن ذلك بعد أن أصبح هؤلاء الشبان ضباطاً أُرسل بعضهم إلى أوربا للتدريب، بخاصة إلى ألمانيا وفرنسا، حيث دخلوا دورات لمدة ثلاث أو أربع سنوات. فتأثروا في تلقيهم التقنية الحديثة وتحفّز وعيّهم بالعقيدة السياسية الغربية([19]).

Page 6

المقدمة

تأثر الطلاب والضباط العراقيون في إسطنبول بالأفكار الغربية خلال خدمتهم في الجيش العثماني. وقد اكتسبوا شيئاً من الضبط والإحساس بمسؤولية ملازمة مسلك ضباط جيش إمبراطوري([20]). إن الزيادة في عدد العراقيين وحقيقة أنهم يعيشون في مجتمع غير عربي في إسطنبول، جمعتهم سوية وعززت إحساسهم بالهوية والتضامن.

Page 7

أ. التأثر بقومية جمعية الاتحاد والترقي التركية

في بداية القرن العشرين تأسست لجنة "الاتحاد والترقي" في الدولة العثمانية بهدف وضع نهاية لحكم السلطان عبد الحميد الثاني المطلق. كانت هذه اللجنة قد دعت إلى تحقيق الحرية والعدالة والمساواة. افتتن بهذه المثل التقدمية الضباط العراقيون وغيرهم من الضباط العرب فانضم عدد منهم إليها فتأثروا بالإحساس الوطني للمشاركة في السياسة، وهم "فعلوا ذلك كمواطنين عثمانيين وليسوا كقوميين عرب"([21]). فقبلوا باستمرار الحكم التركي على شرط أن تُحّسن أحوال العرب الإدارية والاقتصادية والثقافية وأن يخّفف عنهم الظلم([22]).

أجبرت وحدات الجيش العثماني المعسكرة في "سالونيك" عام 1908، والتي كوّن أغلب ضباطها الفئة الأقوى في الاتحاد والترقي، السلطان عبد الحميد الثاني على إعادة العمل بدستور عام 1876. وقد أعطت هذه الثورة الدستورية أملاً جديداً لشعوب الإمبراطورية العثمانية، بخاصة العرب لنيل حقوقهم في الحكم الذاتي. ونقلاً عن "انطونيوس" "ليس في مكان ربما كان الابتهاج أعظم مما هو بين القوميين العرب الذين، في حماسة الخلاص، كانوا قد اخطئوا في إنها حرية حقيقية"([23]).

استقبل إعلان دستور الاتحاد والترقي في العراق بفرح كبير، وقد أنشئت فروع للجنة في بغداد ومدن عراقية أخرى. ونشرت هذه الفروع أفكار الاتحاد والترقي، وبدأ الناس من كل العقائد ينضمون إليها، بينهم بعض الضباط العراقيين([24]). كما انضم آخرون إلى أول جمعية عربية، "الإخاء العربي العثماني"، التي تأسست رسمياً في أيلول 1908 في إسطنبول وكان هدفها الرئيس هو تشجيع استخدام العربية في التعليم في المقاطعات العثمانية العربية([25]).

حاول السلطان عبد الحميد إسقاط لجنة الاتحاد والترقي في نيسان عام 1909 فعُزل الفريق "محمود شوكت باشا" قائد الجيش في سالونيك. وأدى هذا إلى نقل السلطة من المدنيين إلى الجيش عن طريق بعض ضباط الجيش الذين رُفّعوا بسرعة إلى مناصب سياسية عليا([26]).

تطورت الأحداث بعد مدة قصيرة لتسبق تعهدات الدستور العثماني. فلجنة الاتحاد والترقي شرعت باستخدام سلطتها في "حكم الإمبراطورية على أساس التفوق العرقي للعنصر التركي"([27]). فحظرت الجمعيات التي أسستها جماعات غير تركية، كالإخاء العربي العثماني، بحجة إنهم يشجعون على انفصال العرب([28]). بدأت اللجنة تتبع سياسة التتريك مستلهمة بالطورانية، (حركة قومية تركية خالصة). فلم تحقق شيئاً غير إفزاع ومضايقة العرب من احتمال تنازلهم عن ثقافتهم ودمجها في القومية التركية من أجل الحفاظ على وحدة الإمبراطورية([29]).

في إسطنبول أُجبرت الحركة العربية على العمل السري، وبدأت بتأسيس جمعياتها الخاصة([30]). وكانت أول جمعية عربية سرية هي الجمعية "القحطانية". أسس هذه الجمعية ضباط عرب في الجيش العثماني، منهم "عزيز علي المصري"، في نهاية عام 1909 فجذبت الجمعية عدة ضباط عرب أغلبهم عراقيون. غير إنها حُلت بعد مدة وجيزة، وعلى الأكثر بسبب أن نشاطها كان قد أُفشي عنه من قبل أحد أعضائها([31]).

جمعية سرية أخرى، هي العهد، في إسطنبول في تشرين الأول عام 1913 أيضاً شكلت من قبل "عزيز على المصري" وضباط عرب آخرين. كان الضباط العراقيون يؤلفون غالبية أعضاء مجلس الجمعية ومعهم بعض السوريين. من بين الضباط الذين انضموا إلى الجمعية نوري السعيد وطه الهاشمي وعلي رضا وتحسين علي وآخرين([32]). دعا منهاج الجمعية إلى الحصول على الحكم الذاتي للبلدان العربية وبقائها متحدة مع إسطنبول ضمن إتحاد فدرالي، أو وحدة، على غرار وحدة النمسا والمجر. أما الخلافة فتبقى قائمة بحماية الإمبراطورية من دول الغرب الاستعمارية([33]).

امتد نشاط الجمعية ليشمل أيضاً الولايات العراقية من خلال الضباط العراقيين الأعضاء في الجمعية الذين نُقلوا إلى الخدمة في الجيش العثماني المرابط في العراق والولايات العربية الأخرى. فأسس هؤلاء الضباط فروعاً لجمعية العهد في بغداد والموصل. ومن الضباط الذين انضموا إلى فرع الجمعية في الموصل كان منهم "ياسين الهاشمي" و"علي جودت الأيوبي" و"مولود مخلص" و"جميع المدفعي"([34]). وبمرور الوقت زادت الشكوك بينهم وبين الأتراك، وكان هذا أكثر وضوحاً في وحدات الجيش العثماني المرابطة في العراق، وأغلب ضباطها من العراقيين. ففي نهاية شهر تشرين الأول عام 1913 بلغت هذه البغضاء الذروة عندما تشاجر ضباط عراقيون وأتراك في الفرقة (13) المعسكرة في بغداد. لقد أصبح الخلاف خطيراً وكاد يتطور إلى تصادم عنيف لولا تدخل الفريق محمد الداغستاني، قائد قوات بغداد([35]).

أدركت السلطات العثمانية خطورة تعيين ضباط عراقيين في وحدات الجيش المرابط في بلادهم. لذا، بدأت تلك السلطات بنقل بعض الضباط العراقيين من ذوي الرتب العالية إلى مواقع خارج العراق، من بين هؤلاء "رشيد الخوجه" و"ياسين الهاشمي". كما إن الحكومة العثمانية وفي محاولة لإضعاف الحركة القومية العربية في العراق، عينت الضباط العراقيين والعرب من الشباب الطموحين في مناصب قليلة الأهمية التي قدمت لهم فرصة ضئيلة لإظهار عاطفتهم القومية([36]).

قاست الحركة القومية العربية من صدمة خطيرة عندما أعتقل رئيس جمعية العهد (عزيز علي المصري) في شباط 1914. فتسببت أخبار اعتقاله بموجة من الغضب في المجتمع العربي وبين الضباط العرب، بخاصة أعضاء العهد. وعلى أثر تدخل السفارة البريطانية في إسطنبول، أُعفي عن المصري وأُخلى سبيله في 21 نيسان، حيث بعدها غادر إلى مصر([37]).

أصبحت جمعية العهد بلا قيادة وأُغرق الضباط العرب في ارتباك. فقد شنت السلطات العثمانية حملة أخرى ضدهم أدت إلى اعتقال ونقل بعضهم([38]). غير إن الأتراك لم يكونوا قادرين على وضع نهاية لنشاط العهد؛ فهي كانت تؤدي دوراً كبيراً في حركة القومية العربية ضدهم.

Page 8

ب. ثورة العرب في الحجاز في عام 1916

كانت أقاويل الضباط العراقيين حول التحرر من الأجنبي يسمعها العثماني والإنجليزي. وإن أربعة قرون من هضّم حقوق العرب على يد موظفي الدولة العثمانية، قد ارهقتهم من جهة، وعزّزت من الشعور العربي القومي للتخلص من الظلم التركي.

تزامنت الإجراءات العقابية التي اتخذتها السلطات العثمانية ضد الضباط العراقيين مع اندلاع الحرب العالمية الأولى في آب عام 1914. فأخذ هؤلاء الضباط على حين غرة لأنهم لم تكن لديهم خطة للعمل. فوضعهم يمكن أن يكون فيه غموض. وعندما بات دخول الإمبراطورية العثمانية الحرب إلى جانب ألمانيا أكيداً، أرسل عزيز علي المصري تعليمات من مصر إلى أعضاء العهد القياديين أكد فيه ضرورة الوقوف إلى جانب تركيا([39]).

دخلت الإمبراطورية العثمانية الحرب ضد بريطانيا، في تشرين الثاني عام 1914 واضعة الضباط العراقيين في وضع حرج. فظهر بينهم رأيان متناقضان: نظر بعضهم إلى الحرب على إنها فرصة للاستقلال بعيداً عن الإمبراطورية العثمانية. أما الآخرون فرغبوا في القتال مع الجيش العثماني ضد البريطانيين، معتقدين بأن الأتراك ربما يعطون الاستقلال للبلدان العربية بعد الحرب([40]). في الحقيقة إن بعض الضباط العراقيين قاتلوا البريطانيين كضباط عثمانيين، محافظين على ولائهم للإمبراطورية.

قادت الأحداث بعض قادة الحركة العربية للاعتقاد أيضاً بأن الوقت ملائم جداً لنيل الاستقلال من الإمبراطورية العثمانية. فقد اتصل قادة العربية الفتاة([41]) وضباط آخرون الذين هم قادة جمعية العهد في سورية بالشريف حسين بن علي (أمير مكة) مقترحين عليه الثورة ضد الإمبراطورية. في هذا الوقت، كانت الاتحاد والترقي تحاول إضعاف موقع الشريف([42]).

أرسل الشريف حسين ابنه فيصل للقاء قادة الحركة القومية في سورية عام 1915 حيث عقد مباحثات مع قادة بارزين في الحركة([43]). كان بينهم ياسين الهاشمي الذي عبر عن استعداد الضباط والجنود العرب، الذين كانوا يؤلفون الأكثرية في الفرق العثمانية المرابطة في سورية، إجبار الأتراك على الانسحاب من سورية([44]). بدوره كشف الأمير فيصل عن المراسلات بين والده واللورد "كشنر"، وزير الحربية في الحكومة البريطانية، حول مستقبل استقلال العرب([45]). وعند عودة الأمير فيصل من إسطنبول أعطاهُ هؤلاء القادة مسوّدة أولية (بروتوكول) أعدوه بأنفسهم والتي رتبت خطة للثورة ضد الأتراك، ورسمت خطوط التعاون مع البريطانيين. ودعت الشريف حسين إلى إرسال رسالة شخصية إلى القاهرة في (14) تموز 1915، مشيراً فيها إلى شروطه في قيادة الثورة، وبدأ مفاوضاته مع البريطانيين.

بدا أن الظروف في سورية كانت قد تغيرت عندما رجع الأمير فيصل بن الشريف حسين إلى دمشق في كانون الأول 1915 للترتيب إلى الثورة. فبعض الفرق العربية في الجيش العثماني نُقلت إلى خارج سورية. كما أحرز الجيش العثماني انتصارات في "غاليبولي" و"كوت العمارة (في العراق) عام 1916 التي أثرت في الموقف في سورية([46]). إن اضطهاد الأتراك للقوميين العرب في سورية كان قد أوصلهم إلى صدور أحكام بحق الوطنيين بالإعدام في دمشق وبيروت. وفي مواجهة مثل هذه التطورات استبعد القيام بالثورة في سورية. فهي لابد أن تندلع من الحجاز. فاتفق الأمير فيصل ووالدهُ في مراسلات سرية على إن الحجاز هي قاعدة الثورة([47]).

Page 9

ويظهر أن البريطانيين في القاهرة كانوا يؤيدون ترتيب المقاومة ضد الأتراك في العراق، بالاعتماد على الضباط العراقيين. ففي الأيام المبكرة من الحرب فوتح "عزيز علي المصري" في مصر من قبل اللورد كشنر، على أمل كسب العرب، بخاصة الضباط والجنود العراقيين على أرض العراق إلى جانب البريطانيين. فقطع المصري مفاوضاته مع البريطانيين عندما احتلت قواتهم البصرة([48]). وفي أثناء حصار الكوت في العراق عام 1916، اقترحت وزارة الخارجية البريطانية على وزارة الهند إرسال عزيز علي المصري ومحمد الفاروقي (ضابط عراقي) إلى العراق لمساعدة القوات البريطانية على إقامة مقاومة عربية([49]). رفضت وزارة الهند مؤكدة بأن "يبدو لنا بأن آراءهم وخططهم السياسية متقدمة كثيراً جداً لتكون أمينة. العراق سيكون في رأينا غير مرغوب فيه وغير مناسب"([50]). حتى الضباط العراقيون الذين عرضوا خدماتهم على الإدارة البريطانية في البصرة جوبهوا بالشك والترّدد.

مع هذا، فالبريطانيون في مصر كانوا ما يزالون مقتنعين بأن الظروف في العراق هي "مثالية لحركة عربية"([51]). على هذا الأساس، أرسل لورنس المعروف لورنس العرب إلى البصرة في آذار 1916 ليمهد السبيل إلى ثورة في العراق. ذلك من خلال "سليمان فيضي" (قومي بارز في البصرة). حاول لورنس إقناع بعض الضباط العراقيين الذين يعتبروا- حسب رأيه- الأشد في عدم ولائهم للأتراك. رفض هؤلاء الضباط الذين فوتحوا من فيضي، والذين كانوا أسرى حرب، فكرة الثورة ضد الأتراك، لذا فشلت مهمة لورنس([52]). وكان هؤلاء الضباط يعبرون عن رد فعلهم ضد السياسة البريطانية في العراق التي كانت قد رفضت كل مساعدة عرضت منهم سابقاً.

حققت المفاوضات المستمرة بين الشريف والبريطانيين في مصر للإعداد للثورة بعض التقدم. ففي (10) حزيران 1916، اندلعت الثورة في الحجاز، مع هجمات في وقت واحد على المواقع التركية في مكة والطائف وجدة والمدينة. واعتمد الدعم العسكري والدبلوماسي والمالي للثورة على الحكومة البريطانية.

شكلت مشاركة بريطانيا العامل الحاسم للقوميين والضباط. فقد أشار "وميض جمال عمر نظمي" إلى إن "أولى بذور الانقسام بين القوميين العراقيين ظهرت حول مسألة الموقف الواجب اتخاذه أزاء حركة الحجاز في ضوء علاقتها الوثيقة مع الإنكليز([53]). فلم يثق بعض الضباط العراقيين بأهداف بريطانيا في المنطقة، ومنهم ياسين الهاشمي وأخيه طه ومحمود سامي وسامي النقشلي وجميل قبطان ومحمود رامز وشاكر محمود (بغداد) وشاكر محمود (المسيب[54]). ومهما كان موقف الضباط العراقيين، فالسلطات البريطانية في مصر أدركت مبكراً الحاجة الملحة إلى خدمة ضباط جيش متدربين، وبناءاً عليه نصحت تلك السلطات الشريف حسين باستخدام الضباط العرب الذين سبق أن كانوا في الجيش العثماني([55]). فهؤلاء الضباط يمكن أن يقدموا فائدة لكل من البريطانيين والشريف، بسبب خبرتهم في الجيش العثماني. حيث بين لورنس (رجل المخابرات البريطاني) فيما بعد حول هذه النقطة: ضباطنا العرب سبق أن كانوا ضباطاً أتراكاً، وعرفوا شخصياً كل قائد في الجانب الآخر. فهم خضعوا لذات التدريب، وفكروا بذات التفكير، واتخذوا وجهة النظر ذاتها([56]).

قبل الشريف حسين استخدام الضباط العرب تحت قيادة أبنائه بعد ذلك، بمبادرة من "محمد الفاروقي"، وقدمت عروض إلى الضباط العرب الذين كانوا أسرى في معسكرات بريطانية في الهند ومصر للانضمام إلى الثورة([57]). بموجب ذلك تركوا الجيش العثماني، وتطوعوا للالتحاق بالثورة. وكان أغلبهم ضباطاً عراقيين. من بينهم نوري السعيد وعلي جودت الأيوبي ومولود مخلص. كما التحق بالثورة عزيز علي المصري.

في قتالهم إلى جانب البريطانيين، لم يصبح الضباط العراقيون موالين لبريطانيا؛ فهم كانوا عرباً قوميين أولاً. فمثلاً، عندما وصلت أخبار إعلان وعد بلفور في (2 تشرين الثاني عام 1917) إلى الحجاز، رفض الضباط العراقيون المشاركة في أي فعل عسكري ضد الأتراك حتى يوضح البريطانيون القضية([58]). وعلى الرغم من ذلك، فمثل هذه الحوادث كان لها تأثيراً هامشياً في التحالف مع البريطانيين في أثناء الثورة وقبول الضباط العراقيين بهذا التحالف هو من أجل كسب استقلال بلادهم. ويقول و"ميض جمال عمر نظمي" بأن "في التحليل النهائي، تبقى حقيقة إن الضباط العراقيين، بحكم اشتراكهم الفعلي في الحركة الهاشمية قد دخلوا عملياً في تحالف مع سياسة بريطانيا"([59]).

Page 10

المبحث الثاني : الدعوة للاستقلال عام 1918

كان الضباط العراقيون منشغلين بالقتال لتحرير الحجاز وسورية من الأتراك، لكنهم لم يتوقفوا عن العمل من أجل استقلال بلادهم. فآمالهم بهذا الشان كان قد أحياها إعلان الجنرال مود Maude في (19) آذار 1917، بعد احتلال بغداد من الجنود البريطانيين، حيث أشار بالقول "لم تأتي جيوشنا إلى مدنكم وأراضيكم كفاتحين، أو أعداء، لكن محررين([60]). ارتفعت هذه الآمال أيضاً بنشر مبادئ الرئيس الأمريكي وودرو ويلسن Woodrow Wilson الأربعة عشرة في كانون الثاني 1918 لتؤمن ضمان العيش للقوميات التي كانت تحت الحكم التركي([61]).

دخل الجيش العربي إلى دمشق في الأول من تشرين الأول عام 1918 وحرر كل سورية بعـد دفع الجنود الأتراك إلى خارج حلب في (25) تشرين الأول. وفـي (5) تشرين الثاني أسس فيصل حكومة عربية مستقلة، ترأسها بنفسه. لقد عيّن الضباط العراقيين الذين قاتلوا معه، وأولئك الـذيـن التحقوا بالجيش العربي بعد دخوله إلى سورية، في مناصب مهمة في هذه الحكومة([62]). ويبدو، جهل البريطانيين بثقافة، هـي غير ثقافتهم، وحيث كـان غالبية الضباط العراقيون بعيديـن عـن بلادهم لأكثر مـن سنتين يقاتلون مـن أجـل القضية العربية. فأستغلت الإدارة البريطانية فـي العراق ذلـك الغياب وأدعـت بـأن هـؤلاء الضباط كانـوا يجهلون طبيعة وإدارة مشاكل بلادهم الإدارية والعسكرية معاً. وتحت هذه الذريعة رفض "ويلسون" المفوض المدني البريطاني رجوعهم إلى بلادهم([63]). وهو على ما يبدو لم يفهم الدافع الذي كان قد حث هؤلاء الضباط قدماً ليتحملوا كل صعوبات حرب الصحراء والقتال في جيش لم يعرف السلام أبداً، وإنهم سيكونون قادرين على أن يفعلوا الشيء ذاته حتى إذا كان ضد بريطانيا.

جددت جمعية العهد نشاطها وانشقت إلى قسمين: قسم سوري وآخر عراقي في نهاية عام 1918. وكل قسم عمل لأجل قضية بلاده، ضمن إطار الوحدة العربية([64]). أما جمعية العهد العراقية فتألفت في الغالب من ضباط عراقيين تحت قيادة ياسين الهاشمي، وكانت الجمعية قادرة على إعادة إنشاء فروعها في الموصل والبصرة وبغداد([65]).

عدت جمعية "العهد" بريطانيا المصدر الوحيد للمساعدة في الحصول على استقلال العراق. وهو ما جعل الجمعية غير قادرة على جذب عدد كبير من الأعضاء إلى بغداد. لذا، أسس بعض القوميين العراقيين حزباً جديداً تحت اسم "حرس الاستقلال" في شباط 1919. دعا هذا الحزب إلى استقلال كامل للعراق وإلى إنشاء ملكية دستورية تحت قيادة ابن الملك الشريف حسين([66]). جذب منهاج الحزب القوميين وبعض أولئك الذين انضموا إليه كانوا أعضاء سابقين في العهد، مثل ناجي شوكت وعبد الغفور البدري. وتمكن الحزب من إنشاء فروع في الكاظمية (ضاحية في بغداد) والنجف والحلة والسليمانية.

عارض حرس الاستقلال قبول أية مساعدة بريطانية للحصول على الاستقلال، بينما لم تعتقد جمعية العهد بأن المساعدة التقنية والاقتصادية ستنتهك الاستقلال المطلق للعراق([67]). فباتت هذه المسالة السبب الرئيس للخلافات بينهما. واستناداً إلى وميض عمر نظمي، كان المعتدلون يتصورون "عراقاً مستقلاً يوجهه ويحميه الإنكليز، أما الآخرون فكانوا يدعون إلى استقلال تام أو مطلق غير مقيد بأي شكل من النفود للإنجليز". وتبنى وجهة النظر الأولى نوري السعيد وجعفر العسكري. أما الأخرى فقد تبناها ياسين الهاشمي ورمضان شلاش وعلي جودت وجميل المدفعي ومولود مخلص([68]).

مهما كانت الخلافات بين الوطنيين العراقيين، فهم جميعاً أرادوا أن تحكم بلادهم من حكومة وطنية. لقد عدوا إنشاء دولة عراقية كحق بموجب مبادئ الرئيس الأمريكي ويلسون الأربعة عشرة وخاصة المتعلق منها بحق الشعوب في تقرير مصيرها. فهم بالتالي لم يترددوا في استغلال كل مناسبة للتعبير عن مطالبهم حول بلادهم. غير إن جهودهم ذهبت سداً بسبب إن الإدارة البريطانية في العراق كانت ما تزال غير جادة بشأن إعطائهم المسؤولية عن شؤونهم الخاصة، فأججت العواطف الوطنية أوساط الشعب العراقي، التي أدت بدوّرها إلى حركة متماسكة أكثر فكانت الحركة قادرة بالتالي على كسب التأييد في كل أرجاء البلاد في معارضة الاحتلال البريطاني.