الإهداء
إلى كلِّ
من سيجازف بقراءة هذا النصِّ
المجنون جدَّاً، الواقعيِّ جدَّاً،
وكأَنَّه لعبة كلمات متقاطعة
(1)
هي الَّتي ابتدأت، فأورثتني ثورة البحث والهذيان، أَبدأُ من حيث انتهت، وأَنتهي حيث ابتدأت: دوَّامة للشكِّ، دائرة للغثيان.
مَنْ يريد أن يعودَ إلى مَنْ، وكلَّما مشيتُ خلفها وخلف عيسى قاداني من فراغ إلى فراغ؟
أُريد من الحياة ما أُريد أنا لا ما تريد هي، وأُريد من الموت ما أُريد أَنا لا ما يريد عيسى.
كلَّما أطبقتُ عليه كفَّاً وجدتُهُ يتسرَّبُ من بين أصابعي كالماء، وكأنَّه خواءٌ، كأنَّه كذبةٌ أبديَّة صدَّقتُها وتهت فيها، وكلَّما أوغلتُ في متاهاتها أكثر لم أجد فيها إلاّ طريقاً يقود إلى طريق.
عيسى مات!
هي التي ابتدأت، فأورثتني ثورة الشَكِّ والهذيان.
أما كان يمكن للقلب يوماً أن يستقرَّ؟ أما كان يمكن له أن يعود ويرمي بقميصه المسكون برائحته على وجهها ليرتدَّ إليها البصر الذي فقدته وهي تبكيه؟ أما كان للفضيحة أن تظلَّ طيَّ الكتمان؟ أما كان لنا أن نطوي حياتنا كالآخرين بصمت، ونموت دون أن نمتصَّ الخديعة حتَّى آخر قطرة فيها؟
كلُّ شيء تلوَّث بدم ك... ذ... ب، واغتسل بدمع ك.... ذ... ب.
منذ عام الموت ما انفكَّت تبكيه، دارت من باب إلى باب، من شارع إلى شارع، من بلد إلى بلد، كانت تبكيه حين تنام، وحين تصحو، وحين تجوع، وحين تأكل، وحين تصلِّي، وحين تقوم اللَّيل بطوله باحثةً عنه بين يدَيِ الله، وكفَّاها مرفوعتان إلى السَّماء، كانت تبكي لأنَّها لم تجد سبيلاً إليه سوى البكاء، انتظرت عاماً بطوله بعد أن خرجت الثَّورةُ من عمَّان إلى لبنان، وغابَ الَّذي غاب، وعادَ الَّذي عاد، قالت: سيعودُ مع الَّذين يعودون، لكنَّه لم يعد... قالت: سيرسل رسالةً مثل الآخرين، لكنَّه لم يرسل خبراً واحداً يطفئُ نار قلبها الَّتي كانت تزداد لهيباً كلَّما عاد رجلٌ من بيروت، كانت كلَّما قُرعَ البابُ تقفز من مكانها وتركض صارخةً: هذا عيسى.... ثم تعود ووجهها يفضح خيبتها.
في كلِّ زاوية كان، في كلَّ ركنٍ، وعلى كلِّ جدار، ورائحته تملأُ البيت، وأشياؤه ظلَّت مبعثرةً كما كانت يوم غاب، وثيابه معلَّقةٌ على الجدران، واسمه يتردَّد طوال النَّهار وكأنَّه كان وحده هناك وكنَّا نحن الغائبين، نسيت نفسها ونسيتنا، ولم تكن تتذكَّرُ غير عيسى، كُنَّا صغاراً آنذاك، لا نعي ما يدور حولنا، وكانت هي تحترف الكتمان، كان عيسى أَكبرنا، ثمَّة من قال إنَّه سيعود، وثمَّة من قال إنَّه لن يعود، لكنَّها لم تكفف يوما عن رواية حلمها الطَّويل في كلِّ المناسبات: كفُّه المعلَّقة بكفِّها وهو مدلَّى في الهواء، وعيناه مليئتان بالتوسُّل والدُّموع.
مَنْ كان يتشبَّث بكفِّ مَنْ؟
هل كانت هي الَّتي تمسك بكفِّه أم كان هو الَّذي يتشبَّث بكفِّها كي لا يسقطَ ويموت؟
لم تترك شيخاً أو عرَّافاً أو دجَّالاً إلا وذهبت إليه، بحثت عنه في الأردنِّ، وسوريا، ومصر، ولبنان، والعراق، وفلسطين، زارت كلَّ المعتقلات والسُّجون، وكلَّ المنظَّمات الإنسانيَّة، وكلَّ مكاتب منظَّمة التَّحرير، كانت تغيب طويلا ثمَّ تعودُ مكسورةً كأنَّها شاخت ألف عام، ما كان يثير فينا القلق والحيرة والسُّؤال.
كأنَّ عيسى هو الأوَّل والأخير، صرنا نعرف عنه أكثر ممَّا نعرف عن أنفسنا، كانت مخلصة لغيابه أكثر من إخلاصها لحضور الجميع.
أبـي جاء بنا فارَّاً من الخليل إلى عمَّان يوم سقطت المدينة في يد "إسرائيل"، كان يخبِّئُ ما لم نكن ندركه آنذاك، قال إنَّه فرَّ مع الآخرين من سطوة الموت، وسطوة "جيش الدِّفاع" وسطوة لسان أمِّهِ الَّتي كانت تكره أمِّي ولا تترك مناسبة إلاّ وتعلنُ فيها عن عداوتها لها دون أن يعرفَ أحدٌ السَّبب.
اشترى لها بيتاً وسط عمَّان لكنَّها رفضت أن تسكنَ فيه، كانت تريد أن تندسَّ بين النَّاس وتختفي، وكأنَّ يداً ما تطاردُها، وتبحثُ عنها، بحثت عن بيتٍ متهالكٍ في الوحدات، وسكنت فيه، وكانت كلَّما سُئلت عن أصلها أجابت أنَّها من رام الله، ولم تُضِفْ شيئاً آخر.
لم أكن قد تجاوزت عامي السَّادس حين مات أبـي، وتركها مع حملها الثَّقيل، وسرِّها الَّذي حملته على كتفيها كلَّ تلك السِّنين، وماتت دون أن تبوح به لأحد.
أيُّ لعنة كانت تطاردها؟
ثمَّة ما دار بينهما في الخفاء، ثمَّة ما كانا يعرفانه ولا نعرفه نحنُ الصِّغار، انفجر يومئذ في وجهها كالمجنون، بكى، وحطَّم كلَّ ما وقعت عليه يداه، طردتنا هي إلى الشَّارع، وحين عُدنا كان ذابلاً، شاحباً، مهدَّماً، وفي الصَّباح الباكر مات.
عند الظُّهر جاء عيسى، كان يومئذ لا يزالُ في قواعد الأغوار، سارت الجنازة ببطء، وكان جسده أَوَّلَ جسدٍ أراه يوارى التُّراب، قبل أن تنفجر عمَّان.
عبثاً حاولت أن أعرف بعدها ما جرى يومئذ بالضَّبط، كنت أسألها فلا تجيب، كانت تكتفي بهزِّ رأسها بأسى، وتبكي حتَّى أتمنَّى لو أنَّني لم أسألها قط.
كانت تحترفُ البحث والصَّمت والانتظار.
أصابتها الحُمَّى وراحت تهذي بعد أن نبشت قبور الشُّهداء في جرش بالسرِّ، وعلى عكس ما توقَّعَتْ من أنَّها ستجدُ الجثث ما زالت غارقةً بدمائها، وَجَدَتْ أكواماً من العظام في قبورٍ لم تتَّسِعْ لساكنيها....
الدُّود كان قد التهم لحمَ الجميع، ولم يبق إلا بقايا الملابس، وقطع السِّلاح الَّتي أكلها الصَّدأ، وأحذية الكتَّان الخضراء، والعظام.
لم تستطع أن تتخيَّلَ هولَ المشهد المجنون، ركضنا بها إلى المشفى، ثم درنا بها بين طبيب وآخر، وأخيراً عدنا بها عمياءَ على كرسيٍّ متحرِّك.
ما عاد بوسعها أن تُسافرَ إلى أيِّ مكان!
أسدلنا السِّتار على عيسى، وظننَّا أنَّه غاب إلى الأبد، وكان عليَّ أنا الَّذي أنهيت دراستي الثانويَّة عامذاك أن ألتحقَ بجامعة اليرموك، لولا ظهور رجلٍ مصادفة أكَّد جازما أنَّ عيسى خرج معه من جرش إلى دمشق، ومن دمشقَ إلى بيروت، وأنَّهما خدما معاً في صفوف الثَّورة في الجنوب، ثمَّ اختفى عيسى فجأةً بلا أثر، ولم يعد الرَّجل يعرف شيئاً عنه بعد ذلك، حزمتُ أمتعتي تاركاً شقيقي سامي الَّذي يصغرني بعام، وشقيقتي الصَّغيرةَ خلود وحدهما مع أُمِّي، وركبت الحافلة في اليوم التَّالي إلى دمشق، قاصداً بيروت الَّتي كانت تئنُّ تحت الحصارِ في ذلك الصَّيف المشتعل الطَّويل.
كان عيسى قد التحق بالثَّورة منذ انطلاقها، غادر البيت ذات مرَّة ولم يعد إلاّ بعد شهور طويلة، ثمَّ عاد ليغادر من جديد، كانت أُمِّي كثيراً ما تذهب لزيارته في الأَغوار، كان يأتي يوماً أو يومين ثمَّ يعود ليغيب شهوراً من جديد.
كنت كثيراً ما أَسأل نفسي وأَنا أَدور بين المدن باحثاً عنه: هل سأعرفه حين أراه؟ هل تغيَّرت ملامحه المرسومة في رأسي؟ هل يشبه تلك الملامح أَكثر أَم يشبه الصُّورة الَّتي كنت أحتفظ بها في جيبـي؟ لست أَدري كيف تداخلت ملامحه، وتغيَّرت، وانمحت، فلم أَعد أجد قواسم مشتركة كثيرة بين صورته في رأسي، وصورته المرسومة باللَّونين الأبيض والأَسود، الَّتي احتفظت بها في جيبـي لسنوات طويلة.
كان في الصُّورة يبدو وسيماً، صغير السنِّ، يلبس طاقيَّة الفدائيِّين الخضراء، ويبتسم، وعيناه تضجَّان بالحياة.
التحقت بجامعة دمشق، بكليَّة التَّاريخ.
لست أَدري ما الَّذي جمعني بالتَّاريخ على الرُّغم من اعتراض كلِّ من هم حولي، خُصوصاً أُمِّي الَّتي كانت تتمنَّى أَن أكون ذات يوم طبيباً...
ما عاد الآن بوسعها الاعتراض على شيء.
انقلب فجأة كلُّ شيء بعد أيَّام قليلة فقط من التحاقي بالجامعة، أَفقنا في الصَّباح الباكر على دويٍّ هائلٍ وكأَنَّ السَّماء سقطت من علوِّها الشَّاهق، أفقت على بكاء النِّسوة، وثياب الحداد، ورائحة الموت.
سقط صبرا، وسقط شاتيلا!
من أين أبدأُ؟ صرت أسأل، كنت أحلم، كنت أهوي.....
كم رصيفٍ يا دمشق سرقتِ منِّي!
كم بلادٍ، كم عذابٍ، يا دمشق، وكم كتابٍ والهزيمة كيف صارت يا دمشق بعري عريي!
كلَّما نكَّست روحاً رحت أبحث خلف أسرار المجازِ عن المجاز، ولعبة العربيِّ، والكلمات في الزَّمن الحزينْ.
أدمنتُ أوجاع الغناء، وكلَّما شذَّبت معنى للهزيمةِ رحتُ أسألُ: كيف نمشي في اليقينِ؟ وكيف تسرقنا السِّنينُ؟ وكم علينا أن ندور على الهزيمة كي نُسمِّيها خروجاً أو هروباً من زنازين العواصمِ، من رغيف الخبزِ، من لحم الخسارة، واحتضار الياسمينْ؟
فتَّشت في حزن الرِّجال العائدين من الهزيمةِ والفراغِ فلم أجد غير انكسارِ الضَّوءِ في غبش الطُّفولة...
وحدها بيروتُ كانت تحتسي نخب الرُّجولة، والرِّجالُ السَّاقطون من الهزيمة يملؤون اللَّيل خمراً وانتحاباً وانتظاراً وارتحالاً في الجنونْ.
سقط الحصار وأشرعت بيروت في ليل الهزيمة وجهها، فتَّشت عن آثار عيسى في الوجوه فلم أجدْ غيرَ انعكاس الظلِّ، لا معنى، ولا تاريخَ يسند جوعنا الأبديَّ للمعنى....
بقايا الموت في صبرا، وشاتيلا، مرايا حكمة العربيِّ.
صبرا.... العوااااااااءْ..... صبرا البكاااااااااءْ...... صبرا الَّتي رفعت مناديلَ الوداع مخيَّماً غابت وراء البحر.
لم يكن ثمَّة متَّسعٌ في رأسي لغيرِ الحَرب والبُكاء....
كنتُ أبحثُ في كلِّ الوجوه السَّاقطة من بيروت عن وجه عيسى.... وعيسى لم يكن قد مرَّ منها، لا عاصمَ اليومَ من النَّار، لا ظلَّ يحمي من حريق الشَّمس، أريد أن أتقن الاحتماء من الصَّبر والخوف، أحسست بالعبث والجنون، تركتُ الجامعة وركبت الحافلة إلى درعا دون أيِّ شعور بالنَّدم، أو الذَّنب، كنت مكسوراً، حزيناً، مهزوماً، تركت العنان لدموعي في الحافلة وانهرت دفعة واحدة ما أثار دهشة النَّاس، وشهيَّة رجال الأمن الَّذين ظلُّوا يواسونني ويستجوبونني طوال الطَّريق.
كانت رائحة الجثث المتحلِّلَةِ في صبرا وشاتيلا تعمي العيون، وتزكم الأنوف وهي تطوف كلَّ أرجاء الأرض.
تنفَّست الصُّعداء حين ترجَّلت من الحافلة قبالة المعسكر، ثمَّ سرت صاعداً الدَّرب الترابيَّ الـمُقفر وأنا ألهثُ حتَّى وصلتُ الباب، اقتادني الحرَّاس إلى مبنى القيادة، سلَّمتُ الرِّسالة الَّتي أعطوها لي في مخيَّمِ اليرموك لأبـي ناصر - قائد المعسكر- الَّذي قدَّمني بدوره إلى وحيد، بعد أن سقاني شاياً، ورحَّبَ بـي، وتبادل معي بعض الحديث.
كان المعسكر أشبه بواحةٍ خضراءَ وسط صحراءَ جرداء، يمتدُّ على رُقعة واسعة من الأرض المحاطة بسياجٍ من الأشجار يليه سياج معدنيٌّ مرتفع.
عند المدخل ثمَّة غرفة صغيرة إلى اليمين، هي غرفة الحارس الَّتي يستطيع من خلال نافذتها أن يكشف الطَّريق التُّرابيَّ الممتدَّ حتَّى الإسفلت الَّذي يصل بين درعا ودمشق، وإلى اليسار غرفة واسعة، عرفت فيما بعد أنَّها غرفة قائد الحرس أبـي ستَّة، وبعد بضع مئات من الأمتار مبنيان متقابلان: مبنى القيادة المؤلَّف من أربع غرف يقابله مبنى المطبخ، وصالة الطَّعام الَّتي تتَّسع لأكثر من ألف شخص، وحولهما تتناثر الخيام بطريقة بدت لي عشوائيَّة للوهلة الأولى، لكنَّني أدركت فيما بعد أنَّها مرتَّبة بعناية وذكاء.
قادني وحيد إلى مبنى قصيٍّ عند أطراف المعسكر يُطلُّ على ميدان الرِّماية، وسلَّمني عَتادي: بدلة الكاكي.... وحذاء الكتَّان الأخضر ذا العنق الطَّويل.... وبندقيَّة الكلاشنكوف وجعبة، وثلاثين رصاصة.
كم حلمت بالحذاء الأخضر!
ظللت طوال عمري أشعر بالرَّهبة حين أرى صورة الفدائيِّ بالكاكي، وحذاء الكتَّان الأخضر ذي العنق الطَّويل.
رحلت بعيداً وأنا أمرِّر كفِّي على التَّفاصيل الدَّقيقة التي لم أكن أعرف عنها الكثير آنذاك.... تفاصيل الحديد...
لا دخانَ لاحتراق الماء، لا رماد يخلِّفه الزَّمن، والحقيقةُ هي أن تتقنَ الموتَ بالفطرة مثلما تتقن الحياة، وأن تتجاوز الخطَّ الفاصل بين الجسد والضَّوء.
عطشى والبحر ينهض من جحيم التِّيه جسراً في الضَّباب.
- "أضواء حيفا.... ربَّما..." قال الدَّليل.... "وربَّما أضواء صور...."
تحسَّستُ الفوَّهة الباردة في الظَّلام وشددت البندقيَّة إلى صدري فأحسست بدفءٍ غريب، وتساءلت: ماذا لو عادت الزَّوارق الآن؟....
تذكَّرتُ ليلى التي تركتها ورائي للموت، وسامياً، وخلود، وأُمِّي، وحليماً، وعيسى، تذكَّرت نضالاً، وميشيل، والجميع، والزَّورق الَّذي انفجر بالأمس فوق الماء وتشظَّى، والرِّفاق الَّذين تطايروا في الهواء.
دوَّامة القلق، والدَّليل الضَّائع يدور في ذات المكان، والبوصلة معطَّلة، وليس ثمَّة إلا القلب بوصلة ودليلاً.
أمسك وحيد بكفِّي اليسرى الَّتي تسند البندقيَّة من الأمام، كان يقف خلفي تماما وأنفاسه تلفح عنقي، فتزيدني لهيباً فوق الَّلهيب، همس في أذني:
- شهيق سريع، احبس أنفاسك لثانية واحدة فقط، واضغط الزِّناد.
سدَّدت وأخطأت....
- إن حبست أنفاسك طويلاً ضاع الهدف منك.
سدَّدت وأخطأت....
أمسك وحيد بكعب البندقيَّةِ وشدَّه إلى عُمقِ التَّجويف الفاصلِ بين الكتف والصَّدر...
- لا بدَّ أن يستقرَّ الكعبُ هنا... حتى يمتصَّ التَّجويفُ ردَّةَ فعلِ البندقيَّة...
سدَّدت وأخطأت...
- هل لديك مشكلة في النَّظر؟
رحلت بنظري إلى ما هو أبعد من الأفق الَّذي يتَّكئُ على حافَّةِ البَحر، إلى السَّماءِ البَعيدة والنَّوارس الَّتي تزيِّن حافَّة الماء.
- أتخافُ الموت؟
سألني ونحن مستلقيان بعد ظهر يوم شاقٍّ طويلٍ على سريرين متقابلين في الخيمة.
- بقدر ما أخاف الحياة.
ابتسم...
- لا بدَّ أنَّك تعلَّمت فلسفة الخائبين.
- بل هزيمة الشُّعراء.
- لم تقل إنَّك تكتب الشِّعر.
- مجرَّد محاولات بائسة لا تستحق الحديث.
أرخيت كفِّي فوقَ الماء، شعرت ببرودته تخترق أطراف أصابعي، حدَّقت إلى جُثَّة سارة الملقاة على أرض الزَّورق، الملفوفة ببطانيَّة الصُّوف، مضى اليومُ الأوَّلُ وليس ثمَّة إلاّ الماء.
مسحتُ الدُّموعَ الَّتي سالت على خديَّ رغماً عنِّي، الشَّمسُ بدأت تستسلم لكآبة الغروب، رفعت رأسي إلى الدَّليل متسائلاً:
- كم تحتاج الجُثَّة من الوقت لكي تتفسَّخ؟
وكأنَّني ألقيت بالسُّؤال الَّذي ظلَّ طوال النَّهار يدور في رؤوس الجميع.
تواطأت النَّظراتُ بصمت مكبوت، ثمَّ ألقينا بالجثَّة إلى البحر، واحتفظنا بالبطانيَّة الَّتي كانت غارقة بالدِّماء....
ماذا سيفعلُ مالك الحزين حين يعلم أنَّ جثَّة زوجته ألقيت في الماء طعاما للسَّمك ودود البحر؟
كانت سمراءَ أقرب إلى الرِّجال منها إلى النِّساء.... لكنَّها كانت الأنثى الوحيدة وسط حشد الرِّجال المنعزلين عن العالم على خطوط التَّماس.
اختارت مالكاً من بين الجميع، ولو قدِّر لهُ أن يختارَ في ظروف أخرى لما اختارها أبداً.
تزوَّجا بهدوء، وبقيا طوال عامٍ متَّفقينِ على ألاّ يُنجبا أطفالاً، وحين قرَّرا ذلك أخيراً، اكتشفا أنَّهما غيرُ قادرين على الإنجاب، فاستسلما للقدر، وتركا دفَّة السَّفينة للرِّياح توجِّهها كيفما تشاء....
عشر دقائق أخرى قبيل الموت....
كنت أعتقد أنَّ فلسطين ستبتلعني مثلما ابتلعت ملايين الرِّجال قبلي، وأنَّني لن أعود من رحلتي تلك أبداً، ولن تلتقي عيناي بعينيْ مالك كي تخبراه بذلٍّ وانكسارٍ عمَّا جرى لسارة في البحر، شددت على ماسورة البندقيَّةِ وفكَّرت:
"منذ أن خلق الله الأرض وما عليها وهذه الأرض لا تشبع دماً".
هبط الظَّلام وأشعلت المدينة المجهولة أنوارها في البعيد.
"الموت أكثر رحمة من الأسر...." فكَّرت: "الموت يعني أن تغمض عينيك لحظة، وتموت، أمّا الأسرُ فهو أن تبعث من الموت كلَّ لحظة لكي تموت....".
تحسَّست السِّلسلة الذهبيَّة في عنقي وخريطة فلسطين وتذكَّرت حليماً، لا أدري لماذا كنت أشعر بالأمان كلَّما أمسكت بها بين كفيَّ، وكلَّما تذكَّرت حليماً.
كان لا بدَّ من محاولة استعادة اللفافات بأيِّ ثمن مهما كان باهظاً، وتمنَّيت في سرِّي لو كان حليم يومئذ معنا، كنت أدرك تماماً كم كان يمكن أن يكون مهمَّاً في مثل هذا الوقت بالذَّات، على الأقلِّ بالنسبة لي.
رفعت رأسي إلى وحيد وأنا أشعر بالذلِّ والأسى:
- أخطأت؟
هزَّ وحيد رأسه وابتسم....
كان طويلَ القامةِ مثلي أو أطول منِّي بقليل، وأوَّل ما يلفت الانتباه فيه هدوؤه وصفاء عينيه، شعره ناعم قصير قد وَخَطَه شيب خفيف، وجهه حنطيٌّ، وأَنفه مدبَّبٌ صغير، وأَسنانه بيضاء متراصَّة، يمشي بهدوءٍ كأنَّه يتهادى فوق الماء، يُخرج بين الحين والآخر من جيبه قلماً ودفتراً صغيراً يدوِّن فيه بعض الكلمات القليلة ثمَّ يعيده إلى جيبه دون أَن يعرف أَحد ماذا كان يكتب بالضَّبط.
عشرة أعوام ظلَّ خلالها يخرِّجُ أفواج المقاتلين بلا توقُّف، زرع رجالاً في كلِّ أنحاء الأرض، وحصد شهداءَ أكثر مما ينبغي لرجلٍ مثله بالكاد تجاوز الثَّلاثين.
منذ أسابيع قليلة لم يكن المقاتل يحظى بأكثر من ثلاثة أيَّام للتَّدريب:
يوم لفكِّ البندقيَّة وتركيبها....
ويوم للرِّماية...
ويوم لمهارة الميدان....
وفي اليوم الرَّابع كانت الحافلات تقلُّ المقاتلين إلى لبنان.....
الوقت كان أضيق من التَّدريب، والمتطوِّعون جاؤوا بالآلاف من كلِّ أنحاء الأرض، وبيروت كانت تنـزف دماً.... ومقاتلين....
لم أكن قد أصبتُ الهدفَ بغير ثلاث رصاصات من ثلاثين. انسحبت إلى خيمتي وأنا أشعر بالذلِّ والانكسارِ، وبكيت بالسرِّ وأنا أفكِّر بعيسى...
في أَعماقي، ربَّما كنت أَشعر بالغيرة منه، لكنِّي كنت أَطرد تلك الأَفكار من رأسي لأَنَّ حبِّي له كان يطغى عليها، كنت أُحاول أَن أُقلِّده في كلِّ شيء، كيف يأكل، وكيف يمشي، وكيف يجلس، وكيف ينام، كيف إذن يمكن أَن أُخطئ التَّصويب؟ هل يمكن أن أُصبح موجِّهاً سياسيَّاً في القواعد العسكريَّة لأَنَّني لم أحسن التَّصويب ذات لحظة؟ ما الَّذي يمنعني من دقَّة التَّصويب؟ شعرت بالرُّعب وأنا أَتخيَّل أَنَّهم لن يقبلوا بـي كمقاتل، لكنِّي بعد ذلك بزمن طويل، حين قرأتُ ما كتب وحيد في دفتره الصَّغير، أدركتُ أنَّه قد بدَّل الحقيقة ليلتها في تقريره اليوميِّ الذي كان عليه أن يرفعه كلَّ صباحٍ لقيادة المعسكر، وكتب فيه أَنّني قد أَصبت الهدف بخمس وعشرين رصاصة دون أن يعرف لماذا سمح لنفسه بذلك، كتب في دفتره: "الآن ربَّما أدركت أكثر من أيِّ وقت مضى أنَّ الحياة لا تسير على قدمين، وأنَّ الوقت كرويٌّ مثل الأرض، وأنَّ الماركسيَّة أخطأت في تفسير العلاقة بين الشَّكل والمضمون....".
ثمَّ كتب أسفل الصَّفحة بخطٍّ صغير:
"كيف يمكن لرجلٍ مثل سعيد الدُّوري أن يتعلَّق بالبندقيَّة مثلما يتعلَّق بفتاة عذراء!".
كان المعسكر عامذاك هادئاً بعد صيف الهزيمة القائظ الطَّويل.
الَّذين جاؤوا من كلِّ أصقاع الأرض ماتوا... أو عادوا إلى ديارهم.
وحدهم الَّذين كانوا يظنُّون أنَّ المعركة ما زالت في بدايتها ظلُّوا، وكنت أنا أحدهم، أحد الَّذين استيقظوا في زمن السُّبات، والدَّرس كان جاهزاً منذ اليوم الأوَّل:
يُمنعُ السُّؤال عن الاسم الحقيقيِّ، أو البلد، أو الأصل، أو الفصل، أو الكنية، أو التَّاريخ، إذ كلَّما ازدادت معلوماتك أصْبَحْتَ أكثر فائدة للعدوِّ.
لكنَّ اللَّهجة كانت تفضح الجميع....