Page 1
مقدمة
في مجمع أفلاطون الفكري يقول سقراط:
إن الرجل الذي يختبر ألغاز الحب سيصبح على تواصل مع الحقيقة نفسها وليس مع انعكاسها.وحتى تتعرف على هذه النعمة الإنسانية لن تجد مساعداً أفضل من الحب.
طوال حياتي وأنا أتحدث عن الحب وذلك بالعديد من الطرق المختلفة، لكن الرسالة كانت دائماً نفسها. علينا أن نتذكر شيئاً واحداً وأساسياً: ليس الحب هذا الذي تظن أنت أنه حب، ولا ذلك الذي كان قد تكلم عنه سقراط، ولا هذا الذي أتكلم عنه أنا.
الحب الذي تعرفه ما هو إلا رغبة بيولوجية، تلك الرغبة المتعلقة بكيمياء الجسد وبالهرمونات. تلك الحالة الكيميائية يمكن أن تتغير ببساطة. إن تغيراً صغيراً في كيمياء جسدك سوف يجعل الحب الذي تعتبره أنت الحقيقة القصوى يختفي ببساطة.إنك تسمي الشهوة"الحب"، لكن الفرق بين هذين الأمرين يجب أن يبقى في الذاكرة.
يقول سقراط: " إن الإنسان الذي يختبر ألغاز الحب................."، ليس في الشهوة ألغاز، إنها ببساطة لعبة بيولوجية، موجودة في كل حيوان وكل طير وكل شجرة. من المؤكد أن الحب المحتوي على الغموض سيكون شيئاً مختلفاً تماماً عن ذلك الحب الذي كنت اعتدت على معرفته.
إن الإنسان الذي يختبر ألغاز الحب سيصبح على تواصل مع الحقيقة نفسها.
ينشأ الحب الذي يجعلك على تواصل مع الحقيقة بحد ذاتها من وعيك، وليس من جسدك، ينشأ من أعماق كيانك. إن الشهوة تنشأ من الجسد بينما ينشأ الحب من الوعي. لكن الناس لا تعرف حقيقة وعيها، وهذا ما يجعل سوء الفهم مسيطراً بحيث تُعتَبَرُ شهوتهم حباً.
الأشخاص الذين عرفوا الحب في العالم قليلون جداً. إنهم أولئك الأشخاص الذين أصبحوا صامتين مسالمين بشكل كامل... وقد تمكنوا من خلال ذلك الصمت والسلام من التواصل مع عمق كيانهم الإنساني،مع أرواحهم. عندما تصل إلى المرحلة التي تتصل فيها بروحك سيصبح حبك ليس مجرد علاقة، سيصبح الحب ببساطة مثل ظلك. فأينما تحركت ومع أي إنسان تكون، تعيش حالة الحب.
ما تسميه الآن حباً هو شيء موجّه إلى شخص ما، مقتصر على شخص ما، بينما الحب ظاهرة لا يمكن تقييدها. بإمكانك الإمساك بالحب بأيدٍ مفتوحة وليس بإمكانك الإمساك به بإيدٍ مطبقة. عندما تطبق يديك فإنك تطبقهما على فراغ، وعندما تفتح يديك يصبح كل ما في الوجود متاحاً لك.
إن سقراط على حق: من يعرف الحب يعرف الحقيقة، لأنهما تسميتان لتجربة واحدة. وعليك أن تتذكر أنه إن لم تكن الحقيقة معروفة لديك فإن الحب غير معروف لديك أيضاً.
وفي النهاية، لكي تتعرف على النعمة البشرية، لن تجد مساعداً أفضل من الحب.
Page 2
الحب
قد يفاجئك أن تعرف أن كلمة (حب) التي هي باللغة بالإنكليزية (Love) قد تم اشتقاقها من كلمة سنسكريتيه هي (lobha) وتعني (الطمع). من الممكن طبعاً أن يحدث من قبيل المصادفة أن تتطور كلمة (حب) من قلب اللغة السنسكريتيه من معناها الأصلي (الطمع) إلى معناها الحالي (حب). لكن شعوري الشخصي يقول بأنه من غير الممكن أن تكون مجرد مصادفة. لا بد من وجود شيءٍ غامضٍ خلف هذا المعنى، لا بد من وجود أسباب خيميائية. في الحقيقة، إن الخلاصة النهائية للجشع تصبح حباً. إنه الجشع lobha)) بعد أن تم هضمه للحصول على خلاصته، ذلك الذي أصبح حباً.
الحب مشاركة والجشع احتكار، الجشع يأخذ ولا يعطي بينما الحب لا يعرف إلا العطاءولا يطلب أي شيء بالمقابل، إنه مشاركة غير مشروطة. ربما كان هناك سبب خيميائي ما جعل كلمة الجشع تتحول إلى كلمة حب في اللغة الإنكليزية. إن الجشع يصبح حباً نسبة إلى الخيمياء الداخلية.
Page 3
الفصل الأول :العشّاق
ليس الحب كما كنا نفهم عادة هذه الكلمة. إن الحب الذي اعتدناه هو مجرد قناع وهناك شيء آخر خلف هذا المعنى. الحب الحقيقي ظاهرة مختلفة تماماً. إن الحب الذي اعتدناه هو حاجة تُطلَب، والحب الحقيقي مشاركة. مشاركة ليس لها أي علاقة بالحاجة التي تُطلَب، مشاركة تعي فقط الفرحة في العطاء.
في حالة الحب الاعتيادي كثيراً ما نتظاهر، بينما الحب الحقيقي لا تظاهر فيه، إنه ببساطة كما هو. الحب الاعتيادي يتحول على الأغلب إلى نوع من الحالة المُقزِزة المَرَضية، نوع من الميوعة، وما ندعوه (حالة العشق) ما هو إلا مرضاً، شيئاً يدعو إلى الغثيان. الحب الحقيقي غذاء، إنه يقوي الروح. الحب الاعتيادي يقوم فقط بتغذية الأنا، لا يغذي ذاتك الحقيقية بل يغذي ذاتك غير الحقيقية. تذكر أن ما هو غير حقيقي يغذي غيرالحقيقي بينما الحقيقي يغذي الحقيقي دوماً.
كن خادماً للحب الحقيقي، خادماً للحب بشكله الخالص النقاوة. أعطِ، شارك بكل ما لديك، شارك واستمتع بالمشاركة، لا تفعل ذلك كنوع من أداء الواجب ـ عندها سوف تنتهي كل الفرحة. لا تشعر أبداً بأنك تُلزِمُ الآخرين بالحب، أبداً، ولا حتى لدقيقة واحدة، الحب ليس فيه إلزام، بل على النقيض من ذلك. عندما يستقبل أحد ما حبك، تشعر أنك ملتزم تجاهه. يشعر الحب بالامتنان إن تم تلقيه.
لا ينتظر الحب أية مكافآت، ولا حتى أن يُشكَرَ على ما فعل. وإن أتى الشكر من المتلقي فإن ذلك مفاجأة للحب، لكنها مفاجأة ممتعه لأنه لم يكن هناك توقعات لهذا الشكر.
لا يمكنك إحباط الحب الحقيقي لعدم وجود توقعات في المقام الأول. كما ليس بإمكانك إشباع الحب غير الحقيقي لأنه قائم على التوقعات، بحيث أنك مهما فعلت فستكون مقصراً تجاهه. إن التوقعات فيه كبيرة جداً بحيث لا يمكن لأحد أن ينجزها. لذلك يكون الحب غير الحقيقي مصدراً للإحباط والحب الحقيقي مصدراً للرضى والإشباع.
عندما أقول: "كن خادماً للحب"، فهذا لا يعني أن تصبح خادماً للإنسان الذي تحبه، أبداً.
Page 4
أنا أقصد أن تكون خادماً للحب، (إن الفكرة النقية للحب يجب أن تُبَجَلَ). إن محبوبك ليس إلا صورة من صور تلك الفكرة النقية، والوجود برمته يتضمن ملايين الصور من تلك الفكرة النقية. الوردة هي صورة، مُكَونُ واحد، القمر هو صورة أخرى، ويبقى الإنسان الذي تحبه هو صورة أخرى... ابنك صورة، والدتك، والدك،جميعهم صور، كل تلك الصور هي عبارة عن أمواج في محيط الحب. لكن لا تصبح خادماً لمن تحب. تذكر دوماً أن من تحب هو مجرد عنصر صغير جداً.
كن خادماً للحب من خلال من تحب، بهذه الطريقة لن تصبح متعلقاً بمن تحب. وعندما لا تكون متعلقاً بمن تحب يصل الحب إلى أسمى نقطة له. في اللحظة التي يصبح فيها الإنسان متعلقاً يبدأ بالسقوط. فالتعلق هو نوع من الانحدار بينما عدم التعلق هو نوع من السمو. إن الحب غير الحقيقي هو نوع آخر من التعلق بينما لا يتعلق الحب الحقيقي بشيء.
في الحب الوهمي الكثير من القلق. إنه قلق دائماً. في الحب الحقيقي اهتمام ومراعاة للآخر، ولكن ليس فيه قلق. إن كنت حقيقة تحب إنساناً ما فأنت سوف تهتم بحاجاته الحقيقية، لكنك لن تبدي اهتماماً غير ضروري بتصرفاته الغبية، سوف تبذل كل ما في وسعك للاهتمام بحاجاته لكنك لن تكون مرتهناً لتحقيق رغباته الخيالية. أنت لن تحقق له أي شيء من الممكن أن يؤذيه. كمثال: أنت لن تشبع غروره رغم أن غروره سيكون مُتَطلِباً جداً، وإن كنت مفرطاً في الاهتمام والتعلق فستقوم بإشباع حالة الغرور، وهذا يعني أنك بطريقة ما تسمم محبوبك. إن المراعاة تعني أن تعرف بأن تلك الحاجات غير حقيقيةوما هي إلا حاجات (الغرور) وسوف لن تحققها.
يعرف الحب التعاطف لكنه لا يعرف القلق. أحياناً يكون قاسياً لأن الأمر يحتاج أحياناً لأن يكون قاسياً، ويحتاج أحياناً لأن يكون متحفظاً وبعيداً، إن كان مفيداً أن يكون بعيداً فسيكون بعيداً. وأحياناً يكون بارداً. أياً تكن الحاجة فالحب يهتم بها، وبتلك الحاجة ـ لكن بدون قلق. إنه لا يحقق أية حاجات غير حقيقية، عليه ألا يشبع أية أفكار سامة لدى الآخر.
ابحث في الحب، تأملْ في الحب واختره. الحب هو أعظم تجربة في الحياة، وأولئك الذين يعيشون بدون أن يختبروا طاقة الحب لن يعرفوا معنى الحياة. إنهم سيبقون على سطحها ولن يغوصوا في عمقها.
إن تعاليمي موجهة باتجاه الحب. بإمكاني أن أُسْقِطَ كلمة (القدرة) ببساطة تامة ولن يكون هناك مشكلة ـ لكن ليس باستطاعتي أن أُسْقِطَ كلمة حب. إن كان علي أن أختار ما بين كلمة حب وكلمة القدرة فسوف أختار كلمة حب،سوف أنسى كل ما يتعلق بالقدرة لأن أولئك الذين يعرفون الحب هم في طريقهم نحو معرفتها. لكن العكس غير صحيح. أولئك الذين يفكرون بالله ويتفلسفون عن الله ربما لن يعرفوا شيئاً عن الحب، وربما لن يعرفوا شيئاً عن الله أيضاً.
Page 5
الفصل الثاني :ما هوالحقيقي وما هوالزائف
الخطوة الأولى
عليك أن تحب ذاتك وتراقب ـ اليوم وغداً، دائماً.
سنبدأ بواحد من أكثر التعاليم البوذية عمقاً:
عليك أن تحب ذاتك.
لقد تعلمتَ عكس ذلك المبدأ من خلال معظم التقاليد السائدة حول العالم ومن خلال جميع الحضارات والثقافات والأديان. الجميع يقولون: عليك أن تحب الآخرين لا أن تحب ذاتك. إن هذا النوع من التعليم يتضمن استراتيجية ماكرة لعينة.
الحب هو غذاء الروح. الحب بالنسبة للروح مثل الطعام بالنسبة للجسد، بدون طعام يصبح الجسد ضعيفاً وبدون الحب تصبح الروح ضعيفة. لا يوجد على الإطلاق أي دولة أو كنيسة أو صاحب نفوذ يريد أن تكون للناس أرواحٌ قوية، فالإنسان ذو الروح القوية الثابتة يميل لأن يكون متمرداً بشكل لا يمكن السيطرة عليه.
الحب يجعلك متمرداً، ثورياً. الحب يمنحك جناحين لتُحَلِقَ عالياً، يمنحك بعد النظرة تجاه الأشياء بحيث لا يتمكن أحدٌ من خداعك أو استغلالك أو اضطهادك. بينما يعيش رجال الدين ورجال السياسة على دمك، يعيشون على استغلالك.
إن جميع رجال الكهنوت والسياسة عبارة عن طفيليات. لقد أوجدوا طريقة موثوقة بنسبة مئة بالمئة ليجعلوا منك شخصاً ضعيفاً من الناحية الروحية، وتقوم تلك الطريقة على تعليمك ألا تحب ذاتك، لأنه إن لم يحب الإنسان ذاته فلن يكون باستطاعته أيضاً أن يحب أي شخص آخر. كما أن تلك التعاليم خادعة لأنها تقول:"عليك أن تحب الآخرين". وهم يعرفون تماماً أنه إن لم تحب ذاتك فلن تستطيع أن تحب على الإطلاق. لكنهم يستمرون بالقول: "عليك أن تحب الآخرين، أن تحب الإنسانية، أن تحب الله. تحب الطبيعة، زوجتك، زوجك، أطفالك، أهلك"لكن لا تحب ذاتك. وبحسب قوانينهم فإن حب الإنسان لذاته هو نوع من الأنانية. إنهم يستنكرون حب الذات ولا يستنكرون أي شيء آخر.
لقد جعلوا تعاليمهم تبدو وكأنها منطقية جداً. هم يقولون: "إن أنت أحببت ذاتك فسوف تصبح إنساناً مغروراً، ستصبح إنساناً نرجسياً." وهذا غير صحيح.
Page 6
إن الإنسان الذي يحب ذاته يكتشف أن أناه تختفي. وعبر محاولة حب الآخرين ـ بدون حب الذات ـ فإن الأنا تظهر. إن المبشرين والمصلحين الاجتماعيين والعاملين في مجال الخدمات الاجتماعية هم الأشخاص الذين لديهم أكبر (أنا) في العالم، وهذا هو الطبيعي. هم يظنون أنفسهم أشخاصاً استثنائيين، أشخاصاً خارقين،ليسوا أشخاصاً عاديين يحبون أنفسهم. إنهم يحبون الآخرين، يحبون الأفكار العظيمة، يحبون الله.
إن كل الحب الذي لديهم هو عبارة عن زيف، لأن حبهم هو من غير أصل، حب ليس له جذور.
يخطو الإنسان الذي يحب ذاته الخطوة الأولى باتجاه الحب الحقيقي. الأمر مشابه لإلقاء حصاة صغيرة في بحيرة ماء، حيث تتشكل موجة دائرية حول مركز سقوط الحصاة، هذا طبيعي، من أين ستبدأ إلا من ذلك المكان؟ وبعدها سوف تنتشر الأمواج لتصل إلى أبعد شاطئ. إن أنت أوقفت بطريقة ما التموجات المنبعثة قريباً من مركز سقوط الحصاة فلن تتشكل أية تموجات أخرى، وحينها لن تستطيع أن تأمل بوصول التموجات إلى شاطئ أبعد، إن هذا غير ممكن.
لقد أصبح رجال الدين والسياسة مدركين لتلك الظاهرة: إن إيقاف الناس عن حب ذواتهم سوف يدمر قدرتهم على الحب. وعندها، أياً يكن ما يعتقدونه ما سيكون شيئاً زائفاً. ربما كان أداء واجب لكنه ليس حباً. إن كلمة واجب هي كلمة قذرة مؤلفة من أربعة حروف. الأهل يقومون بواجبهم تجاه الأولاد وبالمقابل يقوم الأولاد بواجبهم تجاه آبائهم، الزوجة تقوم بواجبها تجاه الزوج والزوج بدوره يقوم بواجبه تجاه الزوجة. أين الحب في كل هذا؟
الحب لا يعرف الواجب. فالواجب عبء، إنه التزام شكلي. الحب متعة، الحب مشاركة، هو شيء عام غير رسمي. لا يشعر المحب بأنه قام بما يكفي، بل يشعر بأنه كان بالإمكان القيام بأكثر من ذلك. لا يشعر المحب بأنه يُلزِم الآخرين به بل على العكس من ذلك، يتكون لديه شعور آخر بحيث يقول: "بما أن من أحبه يتلقى شعور الحب الذي لديَّ، فأنا ملتزم. إن الآخرين يلزمونني عبر تلقي ما أعطيه وعدم رفضهم له."
يعتقد الشخص الذي تأسس شعوره على القيام بالواجب أنه أرقى، أنه روحاني، خارق للمألوف. أنظروا إلي كيف أخدم الناس!؟" هؤلاء الذين يقوم شعورهم على خدمة الناس هم أكثر الناس زيفاً في العالم وأكثر الناس خبثاً وأذىً أيضاً. إن كان بإمكاننا أن نتخلص من (المتطوعين لخدمة المجتمع)(1) فستصبح البشرية بدون أعباء، ستشعر البشرية بالخفة، سوف يكون بإمكاننا الرقص مجدداً والغناء أيضاً.
Page 7
ولكن عبر القرون التي مضت تقطعت كل جذورك، تَسَمَّمتَ. جعلوك خائفاً من أن تحب نفسك يوماً مع أنها الخطوة الأولى في طريق الحب، هي التجربة الأولى. إن الإنسان الذي يحب ذاته إنسانٌ يحترم ذاته، والإنسان الذي يحب ويحترم ذاته هو إنسان يحب ويحترم الآخرين أيضاً، لأنه يقول في نفسه: "كما هو أنا، كذلك هم الآخرون. كما أستمتع أنا بالحب والاحترام والنُبل، كذلك الآخرون." لقد أصبح واعياً مدركاً أننا لسنا مختلفين من حيث الجوهر، نحن واحد. نحن نعيش تحت القانون نفسه. يقول بوذا: نحن نعيش في ظل القانون الأبدي نفسه. وفي الدخول في التفاصيل نحن ربما نختلف قليلاً بعضنا عن الآخر ـ وهذا يخلق تنوعاً، هذا جميل ـ لكن في الأساس نحن جزء من طبيعة واحدة، حياة واحدة.
يستمتع الإنسان الذي يحب نفسه بالحب كثيراً، لأنه من الممتع أن يبدأ الحب بالتدفق، أن يصل للآخرين، عليه أن يصل إلى الآخرين!! إن كنت تعيش الحب فعليك أن تشارك الآخرين به. ليس باستطاعتك أن تحب ذاتك إلى مالا نهاية، لأن هناك شيئاً سوف يصبح واضحاً بشكل لا يقبل الشك بالنسبة لك، وهو: إن كان حب شخص واحد، حبك ذاتك، أمراً مفرحاً جداً، فكم سيكون مقدار السعادة التي ننتظرها إذا بدأنا نتشارك هذا الحب مع الكثير من الآخرين!
رويداً رويداً تصل أمواج الحب إلى المنطقة الأبعد. تحب أشخاصاً آخرين، وبعدهاتبدأ بحب الحيوانات، الطيور، الأشجار، الصخور. يمكنك أن تغمر كل الكون بحبك. إن شخصاً واحداً يمكنه أن يغمر الكون كله بالحب، تماماً كما تفعل حصاة واحدة عندما نرميها في بحيرة ـ حصاة واحدة صغيرة.
بوذا فقط يستطيع أن يقول (عليك أن تحب ذاتك)، ولا يستطيع أيّ مبشِّرٍ أو سياسي أن يوافق على مقولة بوذا، لأن هذا مدمرٌ لكل صروحهم، لكل التركيبة الاستغلالية التي أنشؤوها، إن لم يُسمَح للإنسان أن يحب ذاته فإن روحه وجوهره يصبحان أضعف، ويزداد ضعفهما كل يوم، سوف ينمو الجسد بدون أي نضجٍ داخلي، سيبقى جسداً بدون روح لأنه ليس لديه ما يغذي به روحه، وبأحسن الأحوال (سيبقى الجسد مع احتماليةِ فعاليةِ الروح)، إن الروح عبارة عن بذرة وستبقى بذرة إن لم تتمكن من إيجاد التربة المناسبة لها، التربة هي الحب، وأنت لن تجد التربة المناسبة طالما أنك تتبع الفكرة الغبية القائلة "لا تحب ذاتك".
أنا أعلمك أن تحب نفسك أولاً، وليس لهذا علاقة بالأنا. في الواقع، يبدو الحب وكأنه الضوء الذي لا يمكن لعتمة الأنا أن تتواجد فيه إطلاقاً. إن أحببت الآخرين، إن كان حبك مركزاً على الآخرين فسوف تعيش في العتمة. قم بتوجيه ضوئك باتجاه نفسك أولاً، كن ضوءاً لذاتك أولاً، دع ضوئك يبدد عتمتك الداخلية، يبدد ضعفك الداخلي. دع الحب يجعل منك طاقة عظيمة، قوة روحية.
Page 8
عندما تمتلئ روحك بالقوة تدرك أنك لن تموت، أنك خالد، أنك أبدي. الحب يعطيك البصيرة الأولى باتجاه الأبدية. الحب هو التجربة الوحيدة التي تسمو فوق الزمن ـ هذا ما يجعل المحبين غير خائفين من الموت ـ الحب لا يعرف معنى الموت. إن لحظة واحدة من الحب هي أكبر من الأبدية.
لكن على الحب أن يبدأ من بداية محددة، لا بد أن يبدأ من تلك النقطة الأولى، من حبك لذاتك.
لا تعمدْ إلى إدانة ذاتك، فقد أُدنتها بما فيه الكفاية، وقَبِلتَ كل تلك الإدانات. والآن أنت مستمر بالقيام بذلك الأذى لنفسك. لا أحد يعتبر نفسه ذا قيمة بما فيه الكفاية، لا أحد يعتبر نفسه مخلوق الله الجميل، لا أحد يعتبر نفسه إنساناً مفيداً على الإطلاق. لقد تم تسميمك بتلك الأفكار. تم تسميمك بها منذ أن بدأت تتغذى على حليب الأم ـ وحدث ذلك خلال ماضيك كله.
عاشت الإنسانية تحت غيمة إدانة الذات المظلمة. إن كنت تدين نفسك فكيف يمكنك أن تنضج؟ كيف يكون باستطاعتك أن تصبح بالغاً؟ إن أدنت ذاتك فكيف لك أن تبجل الوجود؟ وإن لم تبجل الوجود من خلالك فسوف لن تكون قادراً على تقدير قيمة الوجود من خلال الآخرين. لن يكون ذلك ممكناً.
لا يمكنك أن تكون جزءاً من الكون إلا إن كان لديك احترام عظيم لله المقيم في داخلك. إنك بمثابة المُضيفْ والله بمثابة الضيف. عبر محبتك لذاتك سوف تعرف ذلك، سوف تعرف أن ذلك الإله اختارك لتكون الأداة التي تحمله. وفي اختياره لك لتكون الأداة يكون قد أحبك واحترمك. بمجرد خَلْقِكَ هو يُظهِرُ حبه لك، هو لم يخلقك بمحض الصدفة، لقد خلق لك قدراً محدداً وإمكانية معينة ومجداً معيناً عليك أن تبلغه وتصل إليه يوماً ما. نعم، إن الله قد خلق الإنسان على صورته، على الإنسان أن يصبح إلهاً، ومالم يصبح الإنسان إلهاً لن يكون لديه إشباع، ولن يكون هناك رضى.
ولكن كيف يمكن لك أن تصبح إلهاً؟ إن رجال الدين يقولون إنك آثم. يقولون إنك محكوم بالهلاك وإنك ذاهب إلى الجحيم. لقد جعلوك خائفاً جداً من محبة ذاتك، تلك هي خدعتهم، أن يقطعوا جذور الحب بحد ذاتها. إنهم أشخاص ماكرون، إن المهنة الأكثر مكراً وخداعاً في الحياة هي مهنة رجل الدين. إنهم يقولون: "عليك أن تحب الآخرين." سيكون هذا مصطنعاً ومجرد تظاهر.
Page 9
إنهم يقولون: "عليك بحب البشرية، وطنك الأم، أرضك الأم، الحياة، الوجود، الله." إنها كلمات كبيرة لكنها خالية من المعنى تماماً. هل صادفتها في حياتك البشرية؟ إنك دائماً تصادف البشر وقد أدنت أول كائن بشري صادفته، إنه أنت.
أنت لم تحترم نفسك، لم تحب ذاتك. والآن ستضيع كل حياتك في إدانة الآخرين. هذا هو السبب الذي يجعل الناس ماهرين في اكتشاف العيوب.إن كانوا يجدون العيوب في أنفسهم فكيف لهم أن يتجنبوا العثور على العيوب نفسها في الآخرين؟ سوف يجدون العيوب حقاً، وسوف يضخمونها، بل وسوف يجعلونها بأكبر شكل ممكن. يبدو لهم أن هذا هو المخرج الوحيد لحفظ ماء الوجه، ولهذاتجدهذا الكم الكبير من الانتقاد وهذا النقص في الحب.
برأيي إنها واحدة من أكثر تعاليم بوذا عمقاً. إن شخصاً واعياً فقط يستطيع أن يهبك هذا البصيرة.
إنه يقول: عليك أن تحب نفسك.... يمكن لهذاأن يصبح أساساً لتحول جذري. لا تخف من أن تحب ذاتك، عليك أن تحب بكل ما لديك وسوف تتفاجأ. في اليوم الذي تستطيع فيه أن تتخلص من كل أنواع تأنيب الذات، من عدم احترام الذات، اليوم الذي تستطيع فيه أن تتخلص من فكرة الخطيئة الأصلية، اليوم الذي تجد فيه نفسك مُستَحِقاً وأن الكون يحبك، سيكون يوم السعادة العظيمة. من ذلك اليوم فصاعداً سوف تبدأ برؤية الناس في صورتهم الحقيقية، ستراهم بعمقهم الإنساني المضيء، سيكون عندك تعاطف، ولن يكون تعاطفاً مصطنعاً بل سيكون من نوع التعاطف الطبيعي المتدفق بشكل عفوي.
يستطيع الشخص الذي يحب ذاته بسهوله أن يصبح إنساناً تأملياً، والإنسان التأملي يعني أنه شخص يستطيع أن يكون مع ذاته، إن كنت تكره ذاتك، كما تفعل، كما قيل لك أن تفعل، وإن اتبعت ذلك كنوع من التدين، إن كرهت ذاتك كيف لك أن تكون مع ذاتك؟ليس التأمل إلا أن تتمتع بروعةخلوتك مع ذاتك، أن تحتفل بنفسك. إن هذا كل ما يدور حوله التامل.
ليس التأمل علاقة بين شخصين، ليس هناك حاجة للآخر على الإطلاق، إنسان واحد يكفي ألا وهو أنت، إنسان يسبح في مجده الشخصي وفي ضوئه الشخصي. إنسان وبكل بساطة سعيد لكونه يعيش، لأنه إنسان.
Page 10
إن أعظم معجزة في العالم هي أنك موجود، هي أنني موجود. أن تكون موجوداً فتلك هي أعظم معجزة،والتأمل يفتح الأبواب على تلك المعجزة.لكن فقط الإنسان الذي يحب نفسه يمكنه أن يتامل، وإلا فإنك سلفاً تهرب من نفسك، تتجنب ذاتك. من يريد أن ينظر إلى هذا الوجه القبيح؟ من يريد أن ينفذ ببصيرته إلى مخلوق قبيح؟ من يرغب بأن يغوص عميقاً في أوحاله، في عتمته؟ من يريد الدخول في جحيم أنت تراه في نفسك؟ أنت تريد أن تترك كل هذا الأمر محجوباً ومغطى ببعض الورود الجميلة، تريد دائماً أن تهرب من نفسك.
لذلك يبحث الناس دائماً عن الرفقة، لا يستطيعون البقاء وحيدين، يريدون البقاء مع الآخرين. الناس يبحثون عن أي نوع من الرفقة، إن كان باستطاعتهم أن يتجنبوا رفقة أنفسهم فإن أي شيء سيفي بالغرض؟ إنهم يجلسون في السينما لثلاث ساعات لمشاهدة شيء غبي تماماً، أو يقرؤون رواية بوليسية لعدة ساعات لإضاعة الوقت، يقرؤون الأخبار نفسها مرة بعد مرة فقط لإطالة انشغالهم. يلعبون الورق والشطرنج لمجرد قتل الوقت،وكأن لديهم الكثير من الوقت!
ليس لدينا الكثير من الوقت. ليس لدينا الوقت الكافي لننضج، لنكون، لنبتهج.
هذه واحدة من المشاكل الرئيسية التي أوجدها سوء التربية، إنك تتجنب نفسك. الناس يجلسون أمام شاشة التلفزيون ملتصقين بكراسيهم لأربع ساعات أو خمس ساعات. إن المعدل الوسطي للإنسان الأمريكي في جلوسه أمام التلفزيون هو خمس ساعات، ويبدو أن هذا الداء في طريقه للانتشار عبر العالم كله. وما الذي تشاهده؟ ما الذي تتلقاه؟ إنه حرق لعينيك ليس إلا.
هكذا هو الوضع دائماً، حتى لو لم يكن التلفزيون موجوداً، هناك شيء آخر. المشكلة هي نفسها، لماذا يتجنب الإنسان ذاته، لأنه يشعر بأنه قبيح جداً. ومن جعلك قبيحاً بهذا الشكل؟ إنهم من تسميهم أشخاصاً متدينين، رجال دين كالبابا الذي تتبع له أو الشيخ أو غيره، هم المسؤولون عن تشويه وجهك ـ وقد نجحوا بذلك، لقد جعلوا كل إنسان بشعاً.
يولد كل طفل بشكل جميل ونبدأ نحن بتشويه جماله، نعطبه بطرق مختلفة، نشلّه و نشوه تناسقه، نجعله غير متوازن. عاجلاً أم آجلاً يصبح مشمئزاً من نفسه ويكون هو جاهزاً ليكون مع أي شخص. يستطيع ربما أن يبيع نفسه ليتجنب فقط أن يكون مع نفسه.
يقول بوذا: عليك أن تحب نفسك. وهذا يمكن أن يغير كل تركيبة العالم، أن يغير بشاعة العالم السابقة، أن يعلن ولادة عصر جديد، يمكن لهذا أن يكون بداية لإنسانية جديدة.
لهذا كان إلحاحي على الحب. لكن الحب يبدأ بمحبة الذات ثم يبدأ بالانتشار، إنه ينتشر تلقائياً وليس عليك أن تفعل أي شيء لتنشره.