Page 1
شهادة الحب والخبز !
* (الحب والخبز) - وأولهما الوطن - رواية باكورة سلسة وصادقة ومتميزة بعفويتها للكاتبة آسيا خولة عبد الهادي مشحونة فصولها بفيض من عذوبة وعذاب، ومن يأس وأمل، وانطفاء ونداء، وليل يعقبه نهار، وانكسار يقترن بالانتصار في حمى الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي ومطامع ((النازيين الصهاينة)) في الأرض المحتلة وصفحات مشرقة تبعث على الأمل الوليد من نضال وصمود أولئك الصابرين الجبابرة في تحدي عصابات إسرائيل، التي تمارس ضد السكان - أفراداً وجماعات - أبشع أنواع الأساليب الحاقدة، والقمع والإرهاب، وتدمير البيوت على رؤوس ساكنيها الآمنين؛ لتوطين ((مهاجرين)) جدد مستوردين مكان أهل البلاد الشرعيين، تحت سمع وبصر هذا العالم من أدناه إلى أقصاه! الصيغة الموضوعية التي تمازجت في رواية الأديبة آسيا (خولة) عبد الهادي تفجرت بكم هائل من المشاعر الإنسانية المضغوطة، عبر حكايات وصور دامية، ومعاناة ليس لها مدى إبان الهجرة ((والتهجير)) القمعي من فلسطين لأبنائها، وما أبدى السكان من ضروب المواجهة والتضحية والتحدي، من شيوخ ونساء وأطفال أذهلوا بني صهيون بتمسكهم بأرضهم، ودفاعهم عنها حتى الرمق الأخير وسقوط آلاف الضحايا والجرحى والمفقودين والمشردين بفعل ((الهجمة الإسرائيلية الاستعمارية الشرسة)) مما ليس له نظير في التاريخ الحديث لقد صدر كثير من الروايات والقصص عن فلسطين وقضيتها ومأساتها وصمود أبنائها، ولكن ((الحب والخبز)) بما تضمنته من سرد واقعي ومآس حقيقية وخلفية أليمة للأحداث الدامية وأبعادها، جعل هذه الرواية تتميز عن سواها بأنها الأفضل والأعمق والأصدق! لقد عاشت المؤلفة جانباً من فصول المأساة، وفصول الرواية التي يقول في تقديمها الأستاذ (أبو إيهاب - عبدالعزيز السيد) : خولة عبدالهادي قدر لطفولتها أن تنمو وسط الصبار، وأن تطالها أشواكه القاسية، وشاءت المقادير أن تعيش هذه التجربة، وأن تحملها جرحا ضمن جراح النكبة التي تعيش في فؤادها، وان تختزتها مع سنوات العمر ضمن ما تختزن من معاناة لا يهون معها الهناء الأسري ولا نعيم العيش! لقد كان أبو إيهاب محقاً في إطرائه هذا االعمل الروائي، في خصائصه الموضوعية والتقنية، وأن يدعو الأدباء والشعراء والفنانين إلى أن ((يتأثروا)) بواقعية هذه الرواية ومأساويتها، التي كانت وقائع يومية كفاحية معاشة وحين راحت الكاتبة تسجل ما يشيب له شعر الوليد من أحداث حزينة، كانت تغمس ريشتها في دم قلبها وتكتب! لقد أعرت الرواية لصديق زميل (نبيل الأسمر) فإذا به يلتهمها في ليلته الساهرة، وفي اليوم التالي يهاتفني باكياً: ماذا فعلت بي يا صديقي ؟ لقد جفت دموعيوعقبت من فوري : ودموعنا كلنا يا نبيل، لعلها تغسل أخطاءنا جميعا قبل أن تتحول الى خطايا! ويا أيها المواطن السليب، تبقى الرمز والأمل الوحيد بين الحب والخبز، والعودة سالما غير مستسلم !
عبدالله الشيتي
مدير تحرير جريدة الرأي العام ورئيس تحرير مجلة النهضة /الكويت
Page 2
الحب والخبز الشهادة المخلصة
حينما أطبق ليل الفاجعة على الشعب العربي الفلسطيني عام 1948 بهول النكبة الطامية وتشرد المواطن في الجبال والوهاد المجاورة، وهو في ذهول أليم ترى الناس سكارى وما هم بسكارى، ولكن هول الكارثة أناخ على العقل يعطله، وعلى الوجدان يسحقهكأنما هو يوم الفزع الأكبر إذ تذهل كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملهاولف ذلك القتام مناحي الوطن العربي، الذي لم يستطع أن يكون في منأى عن الإعصار وإن حاول البعض مكابرة أن يتظاهروا بذلك بيد أن الشعب العربي الفلسطيني، وفي اهابه ما فيه من عنفوان الحياة التي لا تستكين لقهر، ولا تذل لجبروت وغدر، ما لبث أن تململ من الكهوف والمغاور والخيام، يلملم جراحه، يعض أبناؤه على الألم الممض، ويمسحون عليها بؤر الأمل المختزن في اعماق الروح، التي تتحشرج بالإيمان الحتمي بالحياة، فلم تمض شهور الا وكان الليل الفلسطيني الحزين عباءة تنطلق تحت مظلتها مجموعات متناثرة من هنا وهناك صوب الغرب، تحاول بحرارة الروح وبقايا العزيمة أن تثأر من العدو، قبل أن تحكم السلطات من الجانبين السيطرة على خطوط الضياع التي رسمتها الجريمة، وأكدتها اتفاقات الهدنة حتى هذه الخطوط، بعد أن زرعت الأسلاك الشائكة من حولها نصالاً حادة في جسد فلسطين، وبذرت الألغام، لم تحل تماما بين المواطن والوطن لعشرات الشهور، ظل الارق المحفوف بالرعب يستولي خلالها على الغاصب الصهيوني تلك الايام المشرقة ببصيص السنا في ليل النكبة الداجي أغلقت كما أغلقت صحائف كثر من عمر نضالنا الوطني المجيد وشوهت ووصم أبطالها بأنهم لصوص متسللون وأي ظلم أفدح من أن يسمى المواطن الذي يتجه إلى وطنه المسروق سارقاً وفي الجانب الإبداعي قلما التفتت الاعمال التي تصدت للنكبة وذيولها إلى هذه المرحلة آسيا خولة عبدالهادي قدر لطفولتها أن تنمو وسط الصبار، وأن تطالها أشواكه القاسية، وشاءت المقادير أن تعيش في هذه التجربة وأن تحملها معها جرحا ضمن جراح النكبة، التي تعيش في فؤادها، وأن تختزنها مع سني العمر ضمن ما تختزن من معاناة لا يهون منها الهناء الأسري ولا نعيم العيش ولقد أكبرت إصرارها على أن تخرج إلى الفضاء هذه التجربة، بصخبها المضطرم في النفس، وتلاوينها المتوحشة بالضوء، وسط النسيج الداكن لقد أطلعتني - مشكورة - على النص الأول لمخطوطها، وقدمته لي بتواضع الذي يعرف قدر نفسه وهو ما اكدته فيها، إذ لم تزعم نفسها روائية، ولكنها شاهدة مخلصة، التفاصيل حية مورقة في وجدانها، والتضاريس عميقة في خيالها وأحسب أنها إذ تضع هذا العمل أمام القارىء، فإنها - وأنا معها - لا تصر على تقديمه كعمل روائي يمتلك كامل معالمه وعلائمه الفنية، ولكنني أخال أنها تقدم نصاً هو إلى ((الشهادة الحية)) أدنى وحينما ناقشت معها القراءة الأولى لهذا العمل - الشهادة، استوعبت بعمق كم هي غامراً حماستها التي لم تكن محض أمر عاطفي، لكي يعرف الناس، نعم الناس- قصة ((الحب والخبز)) هذه، حتى اني لأكاد أجزم أن في داخلها صوتاً يدعو فنانينا والروائيين والمسرحين بخاصة إلى الإفادة من الشهادة، والخروج بها في أعمال أخرى ستكون سعيدة بها سعادتها بهذه المحاولة الجريئة لقد قدمت خولة محاولة جديرة إزاء نيل الهدف،فلها التحيةوالتقدير
أبو إيهاب
عبد العزيز السيد
الكويت1989/21/30
Page 3
مدخل
منذ مدة طويلة، منذ أن تسنى لي الاطلاع على ترجمات الأدب العالمي، التي ترجمت مآسي الشعوب، المنقولة إلى العربية، وأنا أقارن بينها وبين مأساتنا نحن شعب فلسطين ولقد وجدت أن من واجبي أن أنقل من صور مأساتنا بعض ما كنت شاهدة عليه فقد مرت بنا ظروف في سني الشتات الأولى لن يستطيع أحد ممن لم يصطلي بشواظها أن يعبر عنها بشمول صادق، ويمنحها حقها من الوصف الدقيق إن الكثيرين، وبخاصة من أبناء أمتنا العربية، يتساءلون أين كان الفلسطينيين بعد نكبة 1948؟ وكيف عاشوا؟ وماذا فعلوا؟ ويعتقد معظم الناس أن المقاومة الفلسطينية اندثرت في الفترة اللاحقة لعام النكبة والحقيقة أنها لم تندثر، وأن في هذا الاعتقاد ظلما فالمقاومة الفلسطينية استمرت بشكل أو بآخر، وكلها لوحقت وأجهضت وتم وأدها بطرق شتى، وقدم الفلسطينيون أعداداً من الشهداء مضوا في صمت ولسنوات عديدة بعد النكبة وحتى لا يضيف البعض صفة الفداء على هؤلاء المناضلين، أسموهم بـالمتسللين، وطعنوا في شرعية جهادهم، وصنفوهم مجموعات من اللصوص تتسلل إلى الأرض المحتلة لتنهب وتسرق، مع أن الواقع غير ذلكإن احداث هذه الرواية تشكل جزءا كبيرا من الواقع الفلسطيني الأليم، الذي عاشته معظم الأسر الفلسطينية ما بين عامي 1948- 1967
آسيا خولة عبد الهادي
Page 4
توقفت سيارة الشحن الحمراء الصغيرة أمام دارنا، وسط صياح الرجال (عدل يمين... عدل شمال... إلى الأمام قليلاً.. هوب وقّف.. هيك كويس... الله
يعطيك العافية) نزل السائق يحمل سيجارته في فمه وطرق باب السيارة بشدة. ثم سأل : جاهزين؟
فرد عليه والدي : نعم "جاهزين"...
إنضم إلى مجموعة الرجال التي كانت تقف إلى جوار والدي، وتناول كوباً من الشاي، وأخذ يرشف منه بصوت مسموع. وقبل أن ينتهي قال :
- يا الله يا شباب ضعوا الأغراض في السيارة.
أخذ الرجال ينقلون أمتعتنا القليلة التي حزمت في ربطات بحبال رفيعة متينه داخل السيارة، وشاهدت أمي تقف في
زاوية فناء البيت ترتدي >كابها< الأسود، وقد غطت شعرها ووجها بمنديل خفيف من اللون نفسه، تتبادل الحديث القصير
السريع والبكاء مع الجارات.. نظرت إلى أختي الكبرى فرح... فوجدتها تبكي أيضاً وتساءلت في نفسي عما يجري، ولماذا البكاء، ولست أتصور أن
هناك من يبكي فرحاً....
طفلة صغيرة هادئة لا تعرف الكثير عما يدور حولها، حدود عالمها البيت الذي تسكنه أسرتها، إضافة إلى الكلب والقطة وأولادها.. لا أخرج من البيت
لألعب مع الأطفال الأخرين ولا أتكلم كثيراً. وبينما الرجال ينقلون أمتعتنا داخل السيارة، حاولت أن اعرف إلى أين سنذهب، وهل سنترك هذا البيت ؟ فمنذ
أن فتحت عيوني وأنا هنا، هو جزء مني بل كل عالمي، فهل سنتركة ونرحل؟ وكيف يرحل الإنسان ويترك بيته ؟ لم أكن أعلم أن البيت لم
يكن بيتنا، واننا مهاجرون... لاجئون... لنا وطن بعيد...
Page 5
بعد قليل فرغ الرجال من مهمتهم؛ فودعت أمي الجارات وكذلك فعل والدي مع أزواجهن، ثم أشار إلينا والدي بالتوجه إلى
السيارة قائلا >يالله يا بنات اركبوا< فاركبونا في مؤخرة السيارة حيث تركوا لنا مساحة نجلس فيها بين الأمتعة، وما زالت حيرتي على
أشدها.. وسؤالي >أين سنذهب< يجول في خاطري.. بعد أن اطمأن والدي لوجودنا جميعا، وبعد أن أغلق الباب بإحكام وأوصى فرح بنا، توجه وأمي
وأخي منذر إلى مقدمة السيارة، فجلسا إلى جواره.. دار المحرك وما زال الجمع ينتظر وبدأت السيارة تسير ببطء؛ فأخذ الجميع يلوحون بأيديهم ويتمنون لنا
التوفيق والسعادة في سكننا الجديد، ولم يفتهم أن يطلبوا من والدي تزويدهم بأخبارنا أولا بأول، وأن يرجع إلى قريتهم اذا لم يجد عملاً في المدينة. وسمعت
والدي يقول >شكرا... شكرا، الله يخلف عليكم، والله إن جيرتكم الطيبة تعز علينا كثيرا ولكن هذا ما كتبه الله لنا.. إن
شاء الله نلتقي في فلسطين يا رب<.. فردد الرجال من خلفه "إن شاء الله... إن شاء الله".
نظرت إلى الكلب والقطة وحيرني عدم مرافقتهما لنا، وخلت أنهم سيرفعونهما بعد قليل، ورأيت الكلب وقد جلس على مؤخرته رافعاً
رأسه، فاتحا فمه، محركا لسانه داخل فمه وخارجه، أما القطة فقد جلست إلى جوار صغارها في حالة ترقب.. ينتظرون مصاحبتنا وأنتظر مصاحبتهم...
بدأت السيارة تسرع أكثر.. فصرخت بلهفة..
نسينا الكلب والبساس، ولكن فرح قالت:
انت هبلة ؟ لن نأخذها.. فسقط قلبي وأحسست بغصة شديدة.. نترك كلبنا وقطتنا وصغارها، أليست بعض اسرتنا ؟ لمن نتركها ومن سيرعاها، ومن سيضع
لها الماء والطعام ؟ يا إلهي ما هذه القسوة.... لا يجوز حرام... حرام... وترقرقت دمعة من عيني وانا ارى الناس يلوحون لنا بأيديهم وأحبائي
ينظرون بلهفة... فرددت على فرح بكلمة واحدة >ليش.. ليش< ولكنها لم ترد.
تحركت السيارة أكثر فمشى الكلب وراءها والقطط خلفه، كمن تودع حبيبا ًغاليا ًمفارقاً..
Page 6
مشت السيارة أكثر فأكثر فأسرعوا وراءها؛ فانهمرت دموعي
حزناً... ورحت ألوح لها بيدي الصغيرة.
بعد أن ابتعدنا كثيرا تعب الكلب من الركض، فعاد للجلوس على مؤخرته، وعادت القطة حيث يجلس صغارها تسير مطأطأة الرأس منكسرة.. شعرت أنا
بكل ما فيها، فلم يكن حالي بأحسن من حالها.
تألمت كثيرا لفراق حيواناتي الأليفة، واستمرت الذكرى تنغص علي كثيرا فيما بعد، وتمنيت دائما لو أعرف من يقوم مقامي برعايتها...
لم يكن الناس آنذاك ينشغلون بأمر مثل هذه الحيوانات الأليفة؛ فالبطالة والكساد وسوء الأحوال وقلة المال أجبرتهم على العناية بأولادهم أو ما ينفعهم من
الدواب، كالاغنام والأبقار أو الحمير، وحيث إن الكلاب والقطط منتشرة في كل مكان، فلماذا نأخذها من بلد إلى آخر، ثم إن أصحاب البيوت لا
يرحبون بالمستأجرين الذين يصطحبونها، حفاظا على بيوتهم وبساتينهم من العبث... إضافة إلى أن الكلاب >نجسة<...
أخذت فرح تحاول تهدئتي، وتعدني بالبحث عن قطة جديدة وكلب جديد حال استقرارنا في المنزل الجديد، ولكن هذا لم يواسيني؛
فأنا اريد... كلبي وقططي اريدها ولا اريد غيرها... هي التي أحبها وأتمنى وجودها معي... هي التي أحبتني وهي التي تعرفني من بين الجميع..
لم أكن قد ركبت سيارة من قبل، فقد كنت ملازمة لأمي؛ فالنساء يلزمن بيوتهن ثم إن السفر مكلف ولم تكن لنا به حاجة.
سارت السيارة في طريق ضيق ذي اتجاه واحد، وأغصان أشجار الزيتون الوارفة تلاحقها وتلامس جنباتها فتتمايل يمينا ويسارا، بينما راحت أختي فرح
تبعد (العفش) عنا بيدها خشية سقوطه فوقنا من حركة السيارة المستمرة، ثم ربطت قطعة كبيرة من القماش على جانبي السيارة لتوفر لنا بعض الظل..
Page 7
فالجو، وإن كان ربيعياً إلا أن حرارته اشتدت عند الظهيرة >شمس الربيع تضر الرضيع<. كما يقولون.
بعد سير خيل إلي أنه طويل وأنا سارحة بأفكاري في من تركناهم خلفنا، توقفت السيارة ونزلت أمي وأخواتي، فدخلنا
أحد الحقول نستظل تحت أشجاره، ثم قامت أمي بمسح وجوهنا بالماء البارد، الذي ملأت به جالوناً قبل مغادرتنا، وأخرجت صرة بيضاء فيها
بعض الطعام، بينما أخذ والدي والسائق مكانا منعزلا بعيدا عنا، فأرسلنا لهما بعضاً منه....
جلس والدي يدخن سيجارة سارحا بفكره إلى المجهول، وكأن هموم الدنيا تجمعت في داخله وفوق رأسه.. عائلة كبيرة، أطفال صغار ووالدان شابان،
ومستقبل مجهول، ووطن ضائع... انتهينا من تناول طعامنا، فقامت أمي بجمع فتافيت الخبز وبقايا البندورة ووضعتها في ورقة وأودعتها جذع الشجرة؛ لأن
>النعمة< لا يجوز أن تبقى تحت الأرجل.. عدنا إلى السيارة من جديد؛ فأخذ كل منا مكانه. وبعد مسير ما يقرب من الساعة توقفنا قليلا..
ونزل والدي، وأخذ ينظر يمنة ويسرة، ثم أشار للسائق بأن يتوجه إلى ناحية اليمين. وقبل أن يعود إلى مكانه جاءنا وقال:
وصلنا يا بنات.. (فقد كنا في ذلك الوقت أربع بنات اضافة إلى أخي منذر)... هذه هي البلدة اجزم أن الرحلة أتعبتكن... سنستريح
بعد قليل إن شاء الله...
دخلنا البلدة من الجهة التي أشار إليها والدي، وبدأت السيارة تتسلق تلاً صغيراً بجهد ملحوظ كعجوز غادره الشباب منذ دهر وينوء ظهره بهموم السنين،
فتهتز قدماه ويترنح جسده.. كانت البلدة هادئة خضراء، اختفت منازلها بين الاشجار الكثيفة، ولم نرَ منها سوى مئذنة الجامع العالية تطل بشموخ في السماء،
Page 8
وأخذت فرح تقول:
يا سلام ما أكثر الشجر ؟ الظاهر أن البلدة جميلة جدا...
أنا مشتاقة للوصول إلى بيتنا الجديد.
أما أنا فلم أكن مشتاقة أبداً... علا صوت السيارة وتباطأت عجلاتها أكثر.
في نهاية التلة كان المنزل الجديد... توقفت السيارة ونزلنا جميعاً، وحضر صاحب البيت مرحبا بقدومنا، فوقف مع والدي والسائق وقال >الحمد لله على
السلامة.. اتفضلوا يا جماعة<.. بينما سارت أمي ونحن معها إلى سكننا، الذي تكون من غرفة فسيحة جميلة ذات نوافذ
واسعة، بجانبها غرفة صغيرة جداً، والى يمينها سلم يؤدي إلى ما فوقها، أي منزل صاحب البيت، نظرت أمي اليها بسعادة ثم قالت: إن شاء الله قدم
خير... كان حول المنزل مساحة منبسطة خضراء تمتد عدة أمتار، ثم تنحدر انحدارا شديدا إلى أن تصل الشارع العام، الذي يربط البلدة بمدينة كبيرة.
بدأت والدتي وشقيقتي فرح ونعمة بترتيب الأغراض، فخصصت الغرفة الصغيرة للطبخ والجلي والغسيل، والغرفة الواسعة للمعيشة.... أعجبني موقع
المنزل والربوة التي يقوم عليها، وكذلك الكرم الذي امتد على مساحة واسعة من الجهة الأخرى، والذي كان مليئاً بأشجار الزيتون والعنب والخوخ
والمشمش والكستناء والأسكادنيا.. وأول ما خطر ببالي فكرة طموحة سرعان ما تبخرت، عندما طلبت منا أمي عدم لمس الأشجار
أو قطف الفاكهة، لأنها ليست ملكنا ولا يجوز أن يمد الإنسان يده على الشيء الذي لا يخصه.
وقفت أنظر من أعلى الربوة؛ فرأيت أسطح المنازل التي ظهرت بين الأشجار، ومساحات خضراء لا حدود لها. في المساء حضر أصحاب
المنزل ليسلموا علينا... رجل كبير السن وزوجته، قصيرة بدينة حاسرة الرأس، بملامح طيبة للغاية، ومعها ابنتها الشابة الرائعة الجمال، ترتدي ملابس
Page 9
عصرية بدون أكمام، فشهقت عندما رأيت ساعديها مكشوفين، فوكزتني فرح بكوعها فهدأت، وعبدالله ابنهما الشاب وولد آخر أصغر منه لم ألتفت إليه، فقد
بهرني جمال الابنة عفاف كما بهرني رداؤها.. أناس طيبون أخذوا يواسون أمي عندما كانت تذرف الدموع خجلا وحيرة قائلين: المشكلة ليست مشكلتكم
وحدكم... إنها مأساة الجميع، الله يستر ماذا سيحدث بعد ذلك.. اليهود لئام لن يسكتوا عند هذا الحد، ونرجو أن يتعلم العرب وأن
يتحدوا، فردت أمي >أبعد الله عنكم كل مكروه، وإن ما حصل لنا شي فظيع<.... تناولوا الشاي وجلسوا بعض الوقت ثم
انصرفوا.. هيأت والدتي مطبخا في الغرفة الصغيرة، فوضعت فيه الطناجر ولجن الغسيل، إضافة إلى وابور الكاز النحاسي الأصفر
اللامع، وإبريق الشاي، وبعض الصحون والكاسات، ثم صفت بعض الأحجار فوق بعضها، ووضعت عليها لوحاً من الخشب، وسترت الحجارة بقطعة قديمة
من القماش النظيف؛ فأصبح لديها ما يشبه الطاولة، تحتها تضع أدوات المطبخ، وفوقها وابور الكاز وغيره ،أما زير الماء فقد وضعته في ركن المطبخ،
ووضعت تحته تنكة مفتوحة تحتها (طبلية) من الخشب.
وبما أن الغرفة فسيحة، فقد أمكن تعليق بعض الأغطية على حبل وسطها، بحيث اصبحت قسمين يمتدان من منتصف الباب إلى نهاية الغرفة.. خصص
القسم المجاور للباب والمطبخ لدخولنا وخروجنا في حالة وجود ضيف أو زوار أغراب.. أكثر ما أدهش أم عبدالله بياض أغطية اللحف
التي تغسلها أمي بيديها، إضافة إلى نظافة الملابس. وكثيرا ما اثنت عليهاك فتقول لعفاف تعلمي منها، لقد أرسلها
الله لتعرفي أشياء كثيرة عن الحياة؛ فترد أمي أبعد الله عنكم شر ما جرى لنا.. تردد هذه العبارة بانكسار وذلة وحزن، وتنهيدة يصحبها
سرحان إلى بعيد، وكأنها ترى شيئا لا يبرح ذاكرتها... أما أم عبدالله فتردد أن جارتها بنت ناس.. >غير معتادة على البهدلة ولا بد أنه مضى لها عز
Page 10
كثير<... وكنت أعجب مما تعنيه كلمة >بنت ناس<.
وفي صباح اليوم التالي قامت أمي بمساعدة أبي بنصب حبال للغسيل في فناء الدار، حيث الغسيل يتم بالأيدي يومياً لأن العائلة كبيرة..
إنقضت فترة على وجودنا في بيت أبو عبد الله، وكانت أياما جميلة لم يطرأ ما يعكر صفو الحياة فيها سوى الحديث عن ذكريات أمي الكثيرة، التي لا أعرف
عنها شيئا، ولا أعرف لماذا فقدتها ولماذا لا تعود اليها.. انتهت عطلة المدارس ولم يكن لنا بها عهد قبل ذلك، إلا أن أم عبدالله التي تحمل قلباً طيباً وعظيماً،
وجدت لنا الحل، وأخبرت أمي أنها ستلحقنا بالمدرسة التابعة للإرسالية التي استقرت في البلدة منذ مدة، وكانت فرحة أمي
كبيرة بهذا النبأ. وفي صباح اليوم التالي نهضت أمي باكرا جدا فمشطت شعورنا وجدلتها، ووضعت في نهاية كل ضفيرة شريطاً نظيفاً، وألبستنا أفضل ما
لدينا من ثياب وأحذية نظيفة ممسوحة.. مشينا مع أم عبدالله وعفاف مسافة ليست قصيرة، إلى أن وصلنا باباً كبيراً عالياً، وفي داخله باب أصغر منه.. فتحت
أم عبدالله الباب دون استئذان، ثم دخلنا وراءها إلى فناء مغطى بالحصمة الخشنة، اتقاء لتكوّن الطين في فصل الصيف، وشاهدت باباً آخر إلى اليمين،
فأشارت أم عبدالله اليه وقالت هذه كنيستنا، نظرت بدهشة لأختي فرح فغمزتني أن أسكت، مشينا بعض خطوات فوصلنا بناء المدرسة، الذي كان عبارة عن
غرفتين واسعتين، جدا، أمامهما فناء فسيح مبّلط ببلاط مربع كبير نظيف، وعلى اليمين دورة المياه، ثم الباب الخارجي الكبير جدا، وقد غص الفناء
بالأطفال في مثل عمرنا، والذين اتجهت انظارهم جميعا إلى حقل ينبسط مقابل المدرسة، واسع ومكتظ بالاشجار المثمرة.. وكم أفرحني
المنظر والنظافة التي تعم المدرسة. استقبلتنا شابة رقيقة ولطيفة ذات صوت عذب، فهتفت عفاف : ست فيروز كل عام وانتي بخير.. فعانقتها ست فيروز
وقالت : أهلا وسهلاً... تفضلوا....