eKtab
EN ع
الحداثة ومصطلحات النهضة العربية في القرن التاسع عشر
Read free sample

الحداثة ومصطلحات النهضة العربية في القرن التاسع عشر

by محمد سواعي

Page 1
كلمةُ شُكرٍ وتَقدير
 
لِجَمعِ ألفاظِ أحمد فارس الشِّدياق المُسْتَنْبَطةِ في جَريدةِ الجوائب، مادَّةِ هذه الدِّراسةِ، اِرْتَحْلتُ إلى تونس العاصِمةِ أربعَ مَرّاتٍ ما بَيْنَ 2001 و2005 من أجْلِ قِراءةِ مُجَلَّداتِ النُّسخةِ الوَرَقِيَّةِ لهذِهِ الجَريدةِ المَحفوظةِ في قِسْمِ الدَّوْريّاتِ في المَكتبَةِ الوَطنيَّةِ التونسيَّة· وفي كلِّ مَرَّةٍ لم ألقَ من إدارةِ تلك المَكتبةِ والعاملين في قِسْمِ الدَّورياتِ هُناكَ إلاّ العَوْنَ والمُساعدةَ· فَلَهُم جَميعاً جَزيلُ الشُّكْرِ والثَّناءِ· وأشْكُرُ كذلك رياض السَّعداوي من مَرْكزِ الدِّراسات المَغاربية بتونس CEMAT على التَّسهيلاتِ التي قَدَّمها لي كُلَّ زِيارةٍ في الحُصولِ على المُوافَقَة للقِيام بهذا البَحْث في المَكتبةِ الوطنيةِ في تونس· كما أُقدِّم شُكري كذلك لعَمادةِ كُلِّيَّةِ الآدابِ والعُلومِ بجامعةِ فرجينيا للدَّعْمِ المادّي الذي ساعَدَني على السَّفَرِ إلى تونس لأغراضِ الدِّراسةِ والبَحْثِ· ومُنذُ جَمْعِ المادَّةِ بِشَكْلٍ أَوَّليٍّ، أمْضيْتُ أوْقاتٍ مُتفاوِتةَ الطولِ على مَدى زياراتٍ عديدةٍ في مَكتبةِ المَعْهد الفِرنسيّ للدِّراساتِ العربيَّةِ بدمشق المُسمَّى حاليَّاً المعهد الفرنسي لدراسات الشرق الأدنى IFPO، وذلك بِغَرَضِ تَصنيفِ المُفرداتِ في هذه الدِّراسة والكتابةِ في مَراحِلِها الأولى· فلمُوظفّي مَكتبةِ ذلك المَعْهدِ والعاملين فيه جَميعاً أُقَدِّمُ أجْزلَ الشُّكْرِ لتَعاوُنِهم الدّائم، وللصَّداقاتِ التي خَلَّفتْها تلك الزياراتُ·
 
وفي شَهْرِ آذار (مارس)2012 اِرْتَحْلتُ إلى بيروت لإِنجازِ كتابةِ ما تَبَقّى من مادَّة هذا الكتابِ بِدَعْمٍ من مَكتبِ مُساعِدِ نائبِ رئيسِ جامعةِ فرجينيا للشُّؤونِ الدُّوَلية، وكذلك من قِسْمِ الشَّرقِ الأوْسطِ وجنوبِ آسيا للُّغاتِ وحَضاراتِها· وأفَدْتُ جُلَّ الاِستفادةِ من الإقامةِ في المَعْهد الألماني للأبْحاثِ الشَّرقيةِ في بيروت Orient-Institut Beirut والوُصولِ إلى المَوادِّ اللازِمَةِ لهذه الدِّراسةِ والمَحفوظةِ في مَكتبةِ هذا المَعْهَد الغَنِيَّةِ بِمُحتَوياتِها· فللعامِلينَ في مَكتبةِ هذا المَعْهدِ جَميعاً أُقدِّمُ شُكري الخالِصَ لِمَدِّ يَدِ العَوْنِ لي بلا حُدودٍ· وأَخُصِّ بالشُّكْرِ والامْتِنانِ مُديرَ المَكتبةِ مارسِل بيرِنْز Marcel Behrens للُطفِهِ، وتَعاوُنِهِ، وتَوْفير ما احتجتُه بِصَدْرٍ مَفتوحٍ وتَفَهُّمٍ كاملٍ لضَروراتِ البَحْثِ وبلا تَذَمُّرٍ من طَلباتي المُتَكَرِّرةِ· وأشكرُ كذلك مكتبةَ الجامعةِ الأمريكيةِ في بيروت وخاصَّةً السيَّدة فاطمة شرف الدين· وأثناءَ هذه الإقامَةِ في بيروت، تَكَشَّفَ لي مَدى الاهتمامِ بالشِّدياق إذ تَعَرَّفَ أرْبعةُ منّا بعضَهم البعضَ من جامعاتٍ في أرْبعةِ بُلدانٍ أوروبيَّةٍ وعَربيَّةٍ من خِلالِ الاِهتِمامِ في دِراسةِ جَوانِبَ مُختلفةٍ من هذا الكاتِبِ الفَذّ الذي يبدو أنَّه عَصِيٌّ على النِّسيانِ·
 
كما أشكرُ مِدحَت كريدي لقراءةِ الجُزْءِ الخاصِّ بألفاظِ الشدياق في هذا الكِتابِ خِلالَ شَهْرَيْ صْيَفِ 2009طيلَةَ تَواجُدِنا في حَرَمِ جامعةِ اليرموك، إذْ جَنَّبَتني قِراءَتُهُ المُمَحِّصَةُ بعضَ الأَخطاءِ· فلَهُ خالِصُ الشُّكْرِ·
 
وإنْ فاتَني ذِكْرُ أشخاصٍ آخَرينَ أسْهموا في هذا الكتابِ بِشَكْلٍ أوْ بآخَر وإِخراجِهِ إلى حَيَّزِ النّورِ، فأَسْتَميحُ الجَميعَ المَعْذِرةَ الصّادقةَ وأرجو منهم الصَّفحَ عَن هذهِ الزَّلَّةِ غيرِ المَقْصودةِ·
 
 
 
محمد سواعي
 
بيروت، أواخِر شهر آذار (مارس) 2012
 
شارلوتسفيل، نيسان (أبريل) 2012
Page 2
تَوْطِئَة تاريخيَّة
 
 
 
واجَهَت اللُّغَةُ العَربِيَّةُ في القَرْنِ التّاسِعَ عَشَرَ صُعوباتٍ لُغَوِيَّةً شَتَّى، ولا سِيَّما فيما يَتَعَلَّقُ بإيجادِ الـمُفْرَدَةِ الـمُناسِبَةِ للمُؤَسَّساتِ الحَضارِيَّة، والعُلومِ الحَديِثَةِ التي بَدأَت تَفِدَ مِن الغَرْبِ نَتيجةَ الاحتكاكِ الحَثيثِ الذي بَدَأَ يَرمي بِظِلِّهِ عَلى الـمِنْطَقَةِ العَربِيَّةِ، وبِخاصَّةٍ بَعدَ غَزْوِ الفِرَنْسِيّين لِـمِصْر 1798-1801م· وتَضاعَفَت صُعوباتُ إيجادِ الـمُفرداتِ العربيَّةِ القادِرةِ على التَّعبيرِ عن العُلومِ الحَديثةِ الوارِدَةِ من الغَرْبِ، والـمُؤَسَّساتِ الحَضاريَّةِ الطارِئَةِ على الـمُجْتَمَع العربيِِّ بِكافَّةٍ إِثْرَ الصَّحْوَةِ التي حَمَلَ رايَتَها محمَّد علي، والي مِصْر، بَدْءاً بِـمُنْتَصَفِ العِقْدِ الأَوَّلِ مِن القَرْنِ التّاسِعَ عَشَرَ بإيفادِهِ العَديدَ مِنَ الـمَبْعوثينَ إِلى الـمَعاهِدِ الأُوروبيَّةِ العِلمِيَّةِ والتَّقَنِيَّةِ لِاكْتسابِ العُلومِ، والـمَعْرِفةِ بـِصِناعاتٍ اِرْتَأَى أنَّها ضَروريَّةٌ لِبِناءِ دَوْلتِهِ الحَديثةِ التي كان يَهدِفُ إِلى تَأسيسِها كالعُلومِ العَسْكريَّةِ، والهَنْدَسَةِ، والطِّباعَةِ، وسَبْكِ حُروفِ الـمَطبَعَةِ، عَلى سَبيلِ الـمِثالِ(1)· وهناكَ اِختلافٌ حَوْلَ السَّنَةِ التي أَوْفَدَ بِها محمَّد علي مَبعوثينَ للدِّراسَةِ في الـمَعاهِدِ الأُوروبيَّةِ· كذلك يَذكرُ الشيّال أنَّ ثاني البِعثاتِ كانت عام 1813م إلى مُدن إيطاليا الـمخلتفة لدراسة سبك الحروف والطباعة وبعض الفنون العسكرية وبناء السُّفن ونظام الحُكم(2)· يَتَطابَقُ هذا التّاريخُ مع ما ذَكرَهُ طوسون(3) في أنَّ البِعثات بَدَأَت في 1813م· وتَفاقَمَت هذِهِ الصُّعوباتُ اللُّغويَّةُ، خاصَّةً من ناحِيَةِ الـمُفرداتِ والـمُصْطلحاتِ العِلميَّةِ إِثْرَ عَوْدةِ هؤُلاءِ الـمَبْعوثينَ إِلى مِصْر، وانْخِراطِِهم في تَدْريسِ العُلومِ الغَربيَّةِ في الـمَعاهِدِ العُليا التي أَسَّسَها محمَّد علي في العِقْدِ الثّالثِ مِن القَرْنِ التّاسِعَ عشَرَ، كَمَدْرسةِ الطِّبِّ، والهَندسةِ، والزِّراعةِ، والعُلومِ العَسْكرِيَّةِ والتي كان يَتِمُّ تَعليمُ العُلومِ الغَربيَّةِ فيها باللُّغةِ الفرنسيَّةِ عَن طَريقِ مُتَرْجمينَ يَقومونَ بِتَرْجمةِ مَوادِّ هذِهِ العُلومِ إِلى اللُّغةِ العَربيَّةِ للتَّسهيلِ عَلى الطلاّبِ الـمِصْريّين الذين لم يكونوا يَعْرفونَ لُغَةَ الـمُحاضِرينَ الفِرنسِيَّةَ(4)· ويـُمكِنُنا أنْ نَتَصوَّرَ مَدَى الصُّعُوباتِ التي واجَهَها الـمُتَرجِمونَ والطلاّبُ، عَلى حَدٍّ سَواءٍ، في العُثُورِ عَلى الـمُفرداتِ الـمُناسِبةِ للتَّعبيرِ عن الـمُصْطَلحاتِ العِلميَّةِ، والاِكتشافاتِ الجَديدةِ غَيْرِ الـمَألوفةِ في البِلادِ العربيَّةِ آنذاك في مَيادينِ الطِّبِّ، وَالهَندَسَةِ، وَالزِّراعةِ، وَالصَّيْدلَةِ، وَالتَّمريضِ، وَوَسائِلِ الاِتِّصالِ، وَما إِلى ذلك مِن أَصْنافِ العُلومِ الغربيَّةِ الـمُسْتَحْدَثَةِ في الـمَدارِسِ الـمُتَخَصِّصَةِ التي حَرِصَ محمَّد علي على إِنشائِها· أَضِفْ إِلى ذلك، أَنَّ اِتِّصالَ الغَرْبِ مَعَ الشَّرْقِ عن طَريقِ البِعْثاتِ التَّبْشيريَّةِ (الإرساليّات الدّينيَّة) التي أَنشَأَت مُؤَسَّساتٍ، ومَعاهِدَ عِلمِيَّةً كالكُلِّيةِ السُّوريَّةِ الإنجيليَّةِ التي أُسِّسَت عامَ 1866م، والتي أصْبَح اِسْمُها فيما بَعدُ الجامِعَةَ الأمريكيَّةَ في بَيْروت The American University of Beirut تَدَرَّبَ فيها العَديدُ مِن أبناءِ الـمِنْطَقَةِ، واكتَسَبوا عُلوماً لـم يـَكُن يَعْهَدُها النّاسُ مِن قَبلُ· وجَعَلَ هذا الحالُ الكُتّابَ خاصَّةً يُدْرِكونَ صُعوباتِ إِيجادِ المُفرداتِ والمُصْطَلحاتِ المُناسِبَةِ للتَّعبير عَمّا كانَ يَجِدُّ في البِلادِ العربيَّةِ من مَوادَّ حَضارِيَّةٍ مُسْتَوْرَدَةٍ، وعُلومٍ وما إلى ذلك· ويُعَدُّ إنشاءُ الـمَطابِعِ، ونَشْرُ الكُتُبِ، وتَأسيسُ الصُّحُفِ مِن مَعالِم هذِِِهِ الفَتْرَةِ التي لم تُساعِدْ في نَشْرِ الأفكارِ والـمَعلوماتِ فَحَسْب، بَلْ أَيْضاً في تَنْبيهِ العاملينَ في الصُّحُفِ بِخاصَّةٍ، والكُتّابِ بِعامَّةٍ إِلى قُصُورِ اللغةِ العَربيَّةِ على مُسْتَوَى الـمُفرداتِ في التَّعبيرِ عَن كَثيرٍ مِن الـمَظاهِرِ الحَضارِيَّةِ الغَربيَّةِ التي بَدَأَت تَظْهَرُ مَلامِحُها - وأحياناً قَسْراً- في مُجْتَمعاتِ النّاطقينَ بالعربيَّةِ· فَنَجِدُ أنَّ بَعْضَ كُتّابِ العَربيَّةِ أَخَذَ يَسْتَعْمِلُ بَعْضَ الألفاظِ الغَربيَّةِ بِلَفظِها الفِرَنْسيِّ مُحَرَّفاً قَليلاً· فَرِفاعَة رافِع الطَّهطاوي (1801-1873م )، الأزهرِيُّ الـمُتَعَمِّقُ لُغَوِيّاً يَسْتَعْمِلُ في كِتاباتِهِ، عَلى سَبيلِ الـمِثالِ، ألفاظاً مِثلالكومسيون commission، والكونستيتوسون constitution، والقونفرانس (conference(5)، مِـمّا أَثارَ حَفيظَةَ دُعاةِ نَقاءِ اللُّغَةِ مِنَ الشَّوائِبِ الدَّخيلَةِ - وَلَوْ مِن النّاحيَةِ النَّظَرِيَّةِ فَقَط· وَكَرَدِّ فِعْلٍ على ذلك، نَرى أحْمَد فارِس الشِّدياق يَهيبُ بِالطَّهْطاوي أَنْ يَتَجَنَّبَ اِسْتِعمالَ مِثلِ هذِهِ الألفاظِ الأوروبِيَّةِ حِفاظاً عَلى سَلامَةِ العربيَّةِ وَصَفائِها مِن شَوائِبِ الـمُفرَداتِ الدَّخيلةِ· وفي مَقالةٍ للشِّدياق، نَراهُ يَحُثُّ بِها الطَّهطاوي وكُتّابَ روضة الـمدارس على اِسْتِعمالِ الألفاظِ العَربيَّةِ الـمُسْتَنبَطةِ مِن باب النحت بَدَلاً مِن الألفاظِ الأجنبيَّةِ الـمُعَرَّبةِ· ويُؤَكِّدُ الشِّدياق للطَّهْطاوي أنَّ العَربيَّةَ قادِرَةٌ على التَّعبيرِ عن نَفسِها بأَلفاظٍ تُستَنْبَطُ مِن ذاتِها(6)· وإِزاءَ هذا الحالِ، ظَهَرَ فَريقٌ مِن الكُتّابِ يَنْعي حالَ العربِيَّةِ، ويَتَحَسَّرُ عَلى قُصُورِها، وعلى عَدَمِ مَقْدِرَتهِا في التَّعبيرِ عَن مَظاهِرِ الحَضارةِ هاتِهِ· فها هُو إبراهيم اليازجي يُعلِنُ أنَّ كُتّابَ العَربِيَّةِ غَيرُ قادِرينَ عَلى وَصْفِ غُرفَةِ النَّوْمِ في البَيْتِ العربيِّ لِعَدَم تَوافُرِ الـمُفرَداتِ اللازِمَةِ لِهذا الغَرَضِ، نتيجَةَ التَّحَوُّلِ مِن النَّمَطِ الشَّرقيِّ إِلى الطّابَعِ الغَربِيِّ في أَثاثِ الـمَنازِلِ، ناهيكَ عَنْ وَصْفِ قُصورِ الكُبَراءِ وبُـيوتِ الأَغنياءِ، وشَوارِعِ الـمُدُنِ، والـمَلابِسِ وأَدَواتِ الزِّينَةِ، إلخ· فما بالُكَ - يُضيفُ اليازجي مُهيباً بِعُلَماءِ العَرَبِيَّةِ- إذا أَرَدْنا وَصْفَ الآلاتِ، والأَدَواتِ، والـمَصْنوعاتِ الَحديثَةِ، وأَجْزائِها، والـمُخْتَرَعاتِ العِلْمِيَّةِ، والصِّناعِيَّةِ، والـمُكتَشَفاتِ الطَّبيعِيَّةِ، والكيماوِيَّةِ، الـمُسْتديمَةِ الحُدوثِ بِتَواتُرٍ مُطَّرِدٍ دَوْماً؟(7)·
Page 3
ونِداءُ الشِّدياق الـمُوَجَّهُ إلى رِفاعة الطَّهطاوي الذي أَشَرْنا إِلَيّهِ في السُّطورِ السّابقَةِ، وكتاباتُهُ العَديدَةُ حَوْلَ هذا الـمَوْضوعِ قادَنا لِسَبْرِ غَوْرِ جَريدتِهِ الجَوائب للاِطّلاعِ عَلى الـمُفْرداتِ التي اِستَنْبطَها ذلك الكاتِبُ للتَّعبيرِ عن مَناحي الحياةِ الَجديدةِ التي بَدأت تَتَشكَّلُ نَتيجةَ اِتِّصالِ الـمُجْتَمعاتِ العَربيةِ مع الغْربِ· وَسَنُحاولُ في هذِهِ الدِّراسةِ تِبْيان مَدَى التِزامِهِ باسْتِعمالِ كَلِماتٍ عَربيَّةٍ لِـمَظاهِرَ حَضارِيَّةٍ اِزْدادَ إِلحاحُها عَلى هذِه الـمُجْتَمَعاتِ الـمُسْتَيْقِظَةِ مِن سُباتِها آنَئِذٍ· وسَنَتَتَبَّعُ في الصَّفحاتِ التّاليةِ مَدَى نَـجاحِ الشِّدياق، أوْ فَشَلِهِ، في التَّقَيُّدِ بالدَّعْوَةِ التي أهابَ بِها رِفاعة رافِع الطَّهطاوي للالتِزامِ باسْتِعمالِ مُصْطَلَحاتٍ عَربيَّةٍ، ولِتَجَنُّبِ اِسْتِعمالِ ألفاظٍ غَربيِّةٍ دَخيلَةٍ· وعليْنا التَّذكيرُ أنَّ الحَماسَ للعَربيَّةِ كان دافِعَهُ الرَّئيسَ لَدى المُدافعينَ عن العربيَّةِ كإبراهيم اليازجي وأحمد فارس الشدياق وغيرِهِما هو حُبُّ اللُّغةِ من بابِ مَقولةِ أبي منصور عبدالملك الثّعالبي من أحبَّ العربيَّةَ عُنِيَ بها وثابَرَ عليها وصرف همَّته إليها···(8)·
 
وبَرَزَ عِنْدَ الشِّدياق بُروزاً واضِحاً هاجِسُ اللغةِ والـمُفرداتِ اللازمةِ للتَّعبيرِ عن مُسَمَّياتِها في الأَعْدادِ الأُولى مِن جَريدتِه الجوائب الصّادِرةِ في إسْتَنبول في الحادي والثلاثين مِن شَهْرِ أيّار (مايو) سنة 1681م· ففي حَديثِهِ عن مُعاهدَةِالصُّلحِ في باريس بعد حَرْبِ القَرِم 1851م القريم، على حَدِّ ما نَصَّ الشِّدياق، وتَرْجَمةِ نَصِّ الـمُعاهَدَةِ للمَرَّةِ الأُولى مِن الفرنسيَّةِ إِلى العَربيةِ تـَحَدَّثَ عن صُعُوباتِ التَّرْجمةِ، وقارَنَ بين قَواعِدِ اللُغةِ العَربيَّةِ وقَواعِدِ اللُغاتِ الإفْرَنجيَّةِ، والفُروقِ بينها· وَتَمنَّى التّالي: ان تتكون جماعة من الادباء لاختراع كلمات ناقصة لخُرْمٍ في العَمودِ الذي كُتِبَت بِهِ هذِهِ الـمادَّة الالفاظ العلمية والاصطلاحية التى نجدها فى كتب الافرنج نحو التلغراف والغاز وما اشبه ذلك ···(9)· ويَعْتقِدُ الشِّدياق أنَّ بابَ النَّحْتِ في اللغةِ هو البابُ الـمُفضَّلُ لَدَيْهِ لاِخْتراعِ مِثْلِ هذِهِ الألفاظِ· ويَتَمَنَّى ما يَلي: ويا ليت اهل زماننا يتخذون منه اسماء ناصة على ما حدث من الاشياء مما لم يره اسلافهم اذا لاغناهم عن التعريب وكفاهم اختلاف التسمية··· فان اسلافنا هم الذين نهجوا لنا هذا الـمنهاج فاذا قفوناهم نحن واكثرنا منه فلا تثريب علينا فاما اذا جعلنا لها اسماء من باب الاضافة او النحت كما يقولون مثلا سفينة النار وميزان الهواء والنظارة الـمكبرة فانها تاتي مستطيلة ونحن الان فى زمن يقضى بالتخلق ويحض على الترقى والتحلق ويامر بالشارة وينهى عن الاستعارة فعلينا ان نفيد ونستفيد ونتتفع (كذا) ننتفع بكل من الحديث والعهيد ···(10)·
 
وسَوْفَ نَتَتَبَّعُ في هذِهِ الدِّراسةِ الألفاظَ التي اِسْتَعْمَلها الشِّدياق لِتَسْمِيَةِ بَعْضِ الـمُؤَسَّساتِ الحَديثةِ التي أخَذَت في الظُّهورِ في مُدُنِ الدَّوْلةِ العُثمانِيَّة والبِلادِ الخاضِعَةِ لها والتي تَشْملُ مَناطِقَ شاسِعةً مِن الأراضي العربيَّةِ، والـمُؤَسَّساتِ التي عَرَفَها الشِّدياق أَثْناءَ عَيْشِهِ في أوروبّا، أوْ مِن اِطّلاعِهِ عليها مِن خِلالِ الصَّحافةِ وعَمَلِهِ فيها· وسَوْفَ نُورِدُ هَذِه الألفاظَ كما وَرَدَت في كِتاباتِ الشِّدياق في جَريدةِ الجوائب التي تُبَيـِّنُ اسْتِعْمالَهُ لِكُلٍّ مِن هَذِه الألفاظِ· كما سَنَتَتَبَّعُ مُحاوَلاتِ الشِّدياق الجادَّةَ لِاسْتِنْباطِ اللفْظَةِ الـمُناسِبَةِ للتَّعبيرِ عن مُسْتَحدَثاتٍ حَضارِيَّةٍ أصبَحَت رَمْزاً مِن رُموزِ الحَداثَةِ في الدَّوْلَةِ، وأمْراً ضَروريّاً في حَياةِ العَديدِ مِن مُواطني الـمَناطِقِ النّاطِقَةِ بالعربيَّةِ، وخاصَّةً في الـمُدُنِ التي كان لَها عَلاقاتٌ تِجارِيَّةٌ، أوْ كانَ بِها مَراكِزُ إِدارِيَّةٌ لَها اِتِّصالاتٌ مُباشِرَةٌ مَعَ الدَّوْلَةِ العُثمانِيَّةِ ومُؤَسَّساتِها الـمُخْتَلِفَةِ في الحِقْبَةِ الزَّمَنيَّةِ التي اِسْتَمرَّت فيها الجوائب بالنَّشْرِ (1861-1887)· ولا يَخْفى أنَّ الجوائب كانت تَتَسَقَّطُ الأَخبارَ من الـمُدُنِ في الـمَناطِقِ التي كانَت خاضِعَةً للإدارَةِ العُثْمانيَّة وبِها جالياتٌ أَجنَبِيَّةٌ تُمارِسُ التِّجارَةَ بيْـنَ أوروبّا والشَّرْقِ، أوْ مِهَناً أُخْرَى كالـمُؤَسَّساتِ العِلْمِيَّةِ والتَّرْبَوِيِّةِ التي أَنشَأَتْها الإِرْسالِيّاتُ الدينِيَّةُ التي بَدَأَت نَشاطاتِها التَّـبْشيريَّةَ في الأَراضي العَربيَّةِ في العُقُودِ الأُولى مِن القَرْنِ التّاسِعَ عَشَرَ· ولَفهَمِ مُحاوَلاتِ هذا الكاتِبِ في اِسْتنباطِ مُفرداتٍ حَداثِيَّةٍ أصْبَحَ بَعضُها مُصْطَلحاتٍ مُتداوَلَةً في العربيَّةِ الـمُعاصِرةِ، وسَقَطَ الكثيرُ منها على مَرِّ السِّنين يَلزَمُنا الحَديثُ عن ما الـمَقْصودُ بِلَفظةِ مُصْطَلَح وجَمْعُها مُصْطَلَحات، والذي سَيَكونُ مَدارَ بَحْثِنا في الفَصْلِ التّالي·
Page 4
هوامش الفصل الأول
 
 
 
(1) يَذْكُرُ يعقوب أرتين باشا صInstruction Publique en Egypte 1890 أَنَّ بِدايَةَ البِعْثاتِ إِلى إِيطاليا كانت في سَنةِ 1816م؛ بَيْنَما يَذكُرُ الشَّيّال (1951)، تاريخ الترجمة والحركة الثقافية: 21 و43 أنَّ أُولى البِعْثات إِلى إِيطاليا كانت في 1809·
 
(2) الشيّال، جمال الدين· 1951· تاريخ الترجمة والحركة الثقافية: 21·
 
(3) طوسون 1934· البعثات العلمية:10، لـِلـمزيد مِن تَفاصيلِ هذِهِ الاِختلافاتِ في تاريخ البِعثاتِ، انظر سواعي، 1999 أزمة المصطلح اللغوي: 78، حاشية 10·
 
(4) يُخَصِّصُ الشيّال 1951· تاريخ الترجمة والحركة الثقافية، الفَصْلَ الثّالثَ للـمُتَرْجِمين السُّوريّين في الـمَراحِلِ الأُولى والـمُـتَرْجِمين خِرّيجي الـمَدارِس والبِعثاتِ في مَراحِلَ تاليةٍ· ويُورِدُ أسْماءَ هؤلاءِ ومَعلوماتٍ عن حَيواتِهِم وخِبراتِهِم· كما أعدَّ جاك تاجِر كتاباً عن حَرَكةِ التَّرْجمةِ في مِصْر في القَرْنِ التاسِعَ عَشَرَ أوْرَدَ فيهِ أسماءَ بعضِ الـمُتَرْجِمين في مَراحِل النَّقلِ من اللغاتِ الأوروبيَّةِ زَمَنَ محمّد علي·
 
(5) اِستعمَلَ الطَّهْطاوي كَثيراً مِن الألفاظِ الـمُعرَّبةِ مِن الفرنسيَّة في كِتابِهِ تخليص الإبريز في تلخيص تاريخ باريز، وكذلك في مَجَلَّةِ رَوْضة الـمَدارس التي أسَّسَها الطَّهْطاوي عامَ 1870م ودامَت ما يَقْربُ مِن ثَمانيةِ أعوامٍ·
 
(6) الجوائب 1، تاريخ 13 ماي 1861م· ومن الجَديرِ بالذِّكْرِ أنَّ هذِهِ الـمقالة ضُمَْت إلى محتويات الجزء الأول من كنز الرغائب في منتخبات الجوائب، الصفحات 200-206· استنبول: مطبعة الجوائب 1288هـ· اُنظر كذلك دراسةَ محمّد سواعي حَوْل هذا الـمَوْضوع بِعُنوان (أحمد) فارس الشدياق: رأْيُه في النَّحت والـمصطلح اللغوي الـمنشورةَ في مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، مجلّد 73، الجُزء الأول: 98-100·
 
(7) إبراهيم اليازجي، 1897 اللغة والعصر مجلة البيان، السنَّة الأولى، ج4: 145-150·
 
(8) أبو منصور الثعالبي، فقه اللغة وسرّ العربية: 2·
 
(9) الجوائب 1، تاريخ 13 ماي 1861·
 
(10) الجوائب 1، تاريخ 13 ماي 1861·
Page 5
مَدخَل لُغوِيّ
 
 
 
لَعلَّنا نُثْبِتُ شَيْئاً واضِحاً للقارِئ بِذِكْرِنا أَنَّ لفظَةَ مُصطلَح مُشْتَقَّةٌ من الفِعلِ الـمَزيدِ اِصطَلَحَ، العائِدِ للجَذْرِ الثُّلاثيِّ صلح ويَتَّفِقُ واضِعو الـمَعاجِمِ العَربيَّةِ على أنَّ مِنَ الـمَعاني الأَساسيَّةِ لِلفِعْلِ صلح السِّلْمَ، وعَكْسَ الفَساد، وزَوالَ الخِلافِ بين طَرَفَيْـنِ مُتنافِرَيْن، على الرَّغْمِ مِن اِخْتلافِ الرَّأيِ بينَهُم في لفظِهِ(1) ويَنْطبِقُ الـمَعنى الـمُتَعَلِّقُ بالسِّلْمِ وعَكْسِ الفَسادِ وزَوالِ الخِلافِ بين الأطراف، على الأفعالِ الـمَزيدةِ الأُخْرى من هذا الجَذْرِ· نَرى أنَّ ابنَ منظور في لسان العرب يُثبِتُ الفِعْلَ اِصطلحوا مُرادِفاً لـِ صالحوا وأصلحوا وتَصالحوا واِصّالحوا وكلها مُتَعَلِّقةٌ بـِمَعنى السِّلمِ وزَوالِ الخِلافِ· وفي ذاتِ الـمَعنى يَذْكرُ الأزْهري في تهذيب اللغة الأفعالَ تصالح واصّالَح واصطلح والغَريبُ في الأمْرِ أنَّ هذِهِ الـمَعاجِمَ لم تُورِدْ مَصْدَر اِصطَلَح ويُعْزى السَّببُ في ذلك إلى أنَّ الـمَعاجِمَ التُّراثيَّةَ كانت تَتَحاشى إيرادَ الأبْنيةِ القِياسيَّةِ الـمُتَواتِرَةِ كاسْمَيْ الفاعِلِ والـمَفعولِ، والـمَصْدَرِ، واسَمَيْ الزَّمانِ والـمَكانِ التي يُمْكِنُ اِشتقاقُها حَسْبَ القواعِدِ الصَّرْفيَّةِ الـمَعروفةِ لهذِهِ الأبْنيةِ· ولكنّا نَجِدُ اِسْتِثْناءً لهذا القَوْلِ، إذْ اِستَدْرَكَ مُرتضى الزَّبيدي في تاج العروس الـمَصْدَرَ اِصْطِلاح وعَرَّفَهُ كالتّالي: والاصطلاح اتفاق طائفة مخصوصة على أمر مخصوص قاله الخفاجي···(2)· وأوْرَدَ أحمد بن فارِس (920/918؟-1004م) في الصاحبي في فقه اللغة لَفْظَةَ اصطلاح بِهذا الـمَعنى في بابٍ سَمّاهُ باب القول على لغة العرب أتوقيف أم اصطلاح؟(3)· نَجتزئُ نَصّاً قَصيراً لابن فارس لِبَيانِ مَعنى هذِهِ اللفظةِ: لمْ يبلغنا أنَّ قوماً من العَرَب في زمانٍ يُقاربُ زماننا أجْمعوا على تَسْمِيَة شيْئٍ من الأشياءِ مُصُطَلِحين عليه، فكُنّا نستدلّ بذلك وعلى اصْطلاحٍ قد كانَ قَبْلهم · والرأيُ أنَّ اللغةَ وَحْيٌ أمْ اِصْطلاحٌ وَرَدَ في الخصائص لابن جنّي (ت· 392هـ/1001م)· ويَنُصُّ التّالي فيالإجابةِ على السُّؤالِ: هذا موضع محوج الى فضل تأمل غير أن أكثر أهل النظر على أن أصل اللغة إنما هو تواضع واصطلاح لا وحي (وتوقيف)···(4)· ولفْظُ اِصطلاح شائِعُ الاِسِتْعمالِ في الكِتاباتِ العَربيَّةِ التُّراثيَّةِ· يَلْزَمُنا أنْ نَذْكُرَ في هذا السِّياقِ أنَّ مُفرداتٍ كثيرةً اُسْتُعمِلَت في الكتاباتِ العربيَّةِ التُّراثيَّةِ للتَّعبيرِ عن الدَّلالةِ التي يَحْمِلُها لفظُ اصطلاح، نُورِدُ مِنها على سَبيلِ التَّمثيلِ لا الحَصْرِ الألفاظَ التّالِيةَ: كلمة وجَمْعَها كلمات كما في كتابِ الزينة في الكلمات الإسلامية لأحمد بن حمدان الرازي (ت· 322هـ/933م)؛ ولفظة وجَمعَها ألفاظ كما في ألفاظ الكُفر لمحمّد بن اسماعيل بن محمود بن بدر الرشيد (ت· 768هـ/1366م)؛ ومفردة، وجَمعَها مفردات كما في مفردات ألفاظ القرآن لراغب الإصبهاني (ت· 502هـ/1108م)؛ واصطلاح وجمعَها اصطلاحات كما في كشاف اصطلاحات الفنون للتَّهانوي (ت· بعد 1745م)؛ ومفتاح وجمعَها مفاتيح كما في كتابِ مفاتيح العلوم محمد بن أحمد بن يوسف الخوارزمي الكاتب (ت· 387هـ/ 997م)، إلخ · ويُزَوِّدنا بِدَلالةِ هاتيْنِ الـمُفْرَدتيْنِ كالتّالي: · دعتني نفسي الى تصنيف كتاب باسمه النابه مفاتيح العلوم أعلاه الله يكون جامعاً لـمفاتيح العلوم واوئل الصناعات: متضمناً ما بين كل طبقة من العلماء من الـمواضعاتوالاصطلاحات: التي خلت منها أو من جلِّها الكتب الحاصرة لعلم اللغة···(5)· ويُضيفُ أنَّه قد يَعْجَزُ عن فَهْمِ مُفرداتِ الكُتُبِ في العُلومِ والحِكْمةِ الفلسفة حتّى اللغوي الـمبرز في الأدب إن لم يكن مُمارِساً لتلك العُلومِ· ويُقدِّمُ مِثالاً على المواضعات بإيرادِهِ لفظةِ الرَّجْعَة التي تَعني أشياءً مختلفةً لعُلماءِ اللُّغَةِ، والفُقَهاءِ في الدِّينِ، والـمُتكلّمينَ من بعض الشيعة، على حَدِّ قَوْلِهِ، وكُتّابِ الدَّواوين، والمُنَجِّمين·
Page 6
ولا يَخْفى على القارِئ فإنَّ الفِعلَ اِصطلح يَتَعدَّى بِحَرْفِ الجَرِّ على، كما نَرى ذلك من نَصِّ ابن فارِس في البابِ الـمُشارِ إِليْهِ في السُّطورِ السّابِقة نُثْبِتُهُ هُنا فائِدةً للقارئ وما عَلمناهم إشارة إلى الصحابة اصطلحوا على اختراع لغةٍ أو إحداث لفظةٍ لم تتقدمهم···(6)· وإذا اِشْتَقَقْنا اِسْمَ الـمَفعولِ من هذا الفِعْلِ الـمُتَعدّي بـِ على يَنْتُجُ اللفظُ الـمُوَلَّدُ مُصْطَلَحٌ على أيْ على شيئٍ من الأشياءِ يُعَيِّنُهُ الكاتِبُ أوْ الـمُتَكَلِّمُ· ولمْ يَرِدْ مُصطَلَح على (س) بِـمَعنى اِصطلاح في الـمَعاجِمِ التُّراثيَّةِ العَربيَّةِ بَدْءأً بِمُعْجَمِ الخَليل العيْـن في القَرْنِ التّاسِعِ وانْتِهاءً بِـ تاج العروس في القَرْنِ الثامِنَ عَشَرَ· ولكن حتّى نكونَ مُنْصِفينَ للـمُسْتَشْرِقِ الهولَنْدي راينْهارت دوزي Reinhart Dozy حَقَّةُ فقد اِسْتَدْرَكَ هذا الباحِثُ مُفردةَ مُصطَلَح في مُلْحَقِهِ على الـمَعاجِمِ العَربيَّةِ، إذْ أشارَ إلى وُرودِها في مُقدِّمةِ ابن خلدون التي حَرَّرَها كاتْرمير Quatremere في ثَلاثةِ مُجلَّداتٍ في باريس عامَ 1838م، وفي ترْجمةِ هذِهِ الطبعةِ التي قامَ بها دو سلين de Slane عامَ 1863م، التي يَصِفُها دوزي بِأنَّها تَرْجمَةٌ رَديئَةٌ· كما أشارَ دوزي إلى وُرودِ مصطلح في النَّصِّ التّالي الذي اِقْتَبَسَهُ من قاموس لويس الويس بُقْطر Dictionnaire français-arabe (de langue usuelle): سبيلي من هذه العهدة التي لم أطقحملها ولا عرفتُ كما زعموا مصطلحها(7)· وعلى الرَّغْمِ مِن إشارةِ دوزي لِلَفْظِ مُصْطَلَح في مُعْجَمِهِ الصّادِرِ في نِهايةِ القرْنِ الثامِنَ عَشَرَ، فإنَّ الـمَعاجِمَ اللُّغَوِيَّةَ في القرْنِ التّاسِعَ عَشَرَ كقاموسِ محيط الـمُحيط لِبُطرس البُستاني (1819-1883م) الصّادرِ عامَ 1867م و1870م، وفي القَرّنِ العِشرين كَقاموس الـمُنجد في اللغة والأعلام الذي صَدَرَ عامَ 1908م لِلأب لويس الـمعلوف اليَسوعي (1967-1946م) أَهْمَلَت إيرادَ مصطلح بِـمَعنى اِصطلاح وقد يَعودُ السَّبَبُ إلى عَدَمِ اِطِّلاعِ واضعي هذِهِ الـمَعاجِمِ على كتاباتِ الغَرْبيّينَ في مَيْدانِ اللُّغَةِ العَربيَّةِ من أمثالِ دوزي، أوْ لِقِلَّةِ الاِتِّصالِ العِلمِيِّ الـمَعْروفِ بين الـمُتَخَصِّصينَ في أيّامِنا هذِهِ، ورُبَّما كذلك لِعَدَمِ تَوافُرِ الـمُؤَسَّساتِ العِلميَّةِ كالجامعاتِ ومَعاهِد الدِّراساتِ العُليا في الشَّرْقِ العربيِّ في تِلك الفَتْرةِ التي من طبيعَةِ وَظيفتِها مُتابَعةُ الحُقولِ الـمَعْرفيَّةِ والاِتِّصالِ بين الباحثينَ·
 
ومن الـمُمْكِنِ تَفسيرُ عَدَمِ إيرادِ مُفْردةِ مصطلح في الـمَعاجِمِ العربيَّةِ بالتَّقليدِ الـمُتَّبَعِ في تَنظيمِها وذلك أَنَّها كانت تُغْفِلُ ذِكْرَ الـمُشْتَقّاتِ الـمُطَّرِدَةِ والـمُفرداتِ الـمُوَلَّدةِ بالقِياسِ والقَواعِدِ الصَّرفيَّةِ التَّوليديَّةِ الـمَعروفةِ كاسْمَيْ الفاعِلِ والـمَفْعولِ، واسْمَيْ الزَّمانِ والـمَكانِ، والمَصْدَرِ، إلخ · ويُلفِتُ الودغيري، وكذلك أحمد شَفيق الخَطيب، نَظَرَنا إلى أَنَّ لفظَ مصطلح مُرادِفاً لـِ اِصطلاح لم يَدْخُل القواميسَ العربيَّةَ إلّا في مُنتَصَفِ القَرْنِ العِشْرينِ في قاموسِ الـمُعجم الوجيز(8)· ويَجِبُ أَنْ نَأْخذَ في الاِعتِبارِ أنَّ هذا المُعجَمَ كانَ قَد صَدَرَ من مَجْمعِ اللغةِ العربيةِ بالقاهرة عامَ 1980م، عِلْماً أنَّ الـمَجْمعَ نَفسَهُ كان قد أصْدَرَ قاموسَ الـمُعجَم الوسيط عامَ 1960م· ولمْ يُثْبِت هذا القاموسُ، أيْ الـمُعجم الوسيط، لفظةَ مُصطلح من ضِمْنِ اِشْتقاقاتِ الفِعل اصطلح، إذا أَثْبَتَ لفظةَ اِصطلاح فَقَط· وتَبِعَ الـمُعجَم العربي الأساسي الذي أصْدَرتْهُ الـمُنَظَّمةُ العربيَّةُ للتَّربيةِ والثَّقافة والعلوم (اليكسو) عامَ 1989م في تَقليدِ الـمُعْجَم الوَجيز، أيْ في إثباتِ لفظةِ مصطلح فيثَنايا الاِشْتِقاقاتِ من الفِعْلِ صلح(9)· وَرَدَ تَعريفُ مصطلح في المعجم العربي الأساسي كالتّالي: مُصْطَلَحٌ ح -ات : ما تم الاتّفاق عليه مُعْجَمُ مُصْطَلَحات الفِيزيَاء، توحيد المصطلحات العِلْميَّة هذا الأمر مُصْطَلَحٌ عَليْه أي مُتَّفَقٌ عَلَيهِ
Page 7
على الرَّغْمِ من أنَّ لفظَ مصطلح مُرادِفاً لـ اصطلاح باتَ مَعْروفاً ومَقْبولاً للكثيرينَ في أَوْساطِ أبناءِ العربيَّةِ الـمُعاصِرَةِ والنّاشطينَ في التأليفِ فيها، إلّا أنَّ بَعْضَ الباحِثينَ ما زالَ يُصِرِّ على أنَّ اللفظَ الصَّحيحَ للاِسْتِعمالِ هو اصطلاح فَقَط· ففي مَقالٍ يَنْقُصُهُ التَّروّي في إطلاقِ الأحكامِ والتَّثَبُّت مِن صِحَّةِ الكَلامِ كَتَبَهُ يحيى عبدالرؤوف جبر في اللسان العربي اِسْتَنكَرَ فيه صِحَّةَ اِستعمالِ الـمُفردةِ مصطلح من النّاحيةِ اللُّغويَّةِ، وأَصَرَّ هذا الكاتِبُ على أنَّ اِستعمالَ هذا اللفظِ خَطأٌ شائِعٌ في كِتاباتِ الباحِثين الـمُعاصِرينَ، زَعْماً منه لِعَدَمِ وُرودِ لفْظِ مصطلح في الـمَعاجِمِ العربيَّةِ، ولِعَدَمِ صِحَّةِ هذِهِ اللفظةِ من النّاحيةِ اللُّغويَّةِ لأنَّها مُشْتَقَّةٌ مِن الفِعْلِ اِصطَلَحَ الذي يَتَعدَّى باِسْتِعْمالِ حَرْفِ الجَرِّ على ولأَنَّ مصطلَح اِسْمُ مَفعولٍ، لا بُدَّ مِن القَوْلِ، حَسْبما يَرى يحيى جَبْر، مُصطَلَحٌ علَيْهِ أيْ لا يَجوزُ أنْ نَكتفيَ باِسْتِعْمال اِسْمِ الـمَفْعولِ دونَ حَرْف الجَرِّ على وبَدَلاً من هذِه الـمُفْرَدةِ دَعا إلى اِسْتِعْمالِ اصطلاح وذَهَبَ في مقالتِهِ لِتَحديد مَعنى اصطلاح، وأزْمَتِهِ في عَربيَّةِ اليوْمِ، وشُروطِهِ، ومُواصَفاتِهِ، ومَصادِرِهِ، وطُرُقِ تَوْليدِهِ، إلخ(10)·
 
وتَصَدَّى للرَّدِ على هذا الرَّأيِ عبدالعلي الودغيري في مَقالٍ مُدَعَّمٍ بالتَّوثيقِ نُشِرَ كذلك في اللسان العربي(11) أكَّدَ فيهِ أنَّ لفظَ اصطلاح في التُّراثِ العَربيِّ أقدمُ مِن مصطلح وذلك لوُرُودِهِ في أَسْماءِ مُؤَلَّفاتٍ أوْ كتاباتٍ كثيرةٍ في مَيادينَ عَديدةٍ كالكتاباتِ الصُّوفيَّةِ كما نَرَى في عُنْوانِ كتابِ اصطلاحات الصوفية(12)، على سَبيل الـمِثالِ لا الحَصْر، والكتاباتِ التّاريخيَّةِ، والدِّيوانيَّةِ الإِنشائيَّةِ، والعُلومِ اللُّغويَّةِ، وعُلومِ القِراءاتِ، إلخ · ومَع سَبْقِ اِسْتعمالِ هذِهِ الـمُفردَةِ، أيْ اصطلاح، وشُيوعِها إلاّ أنَّ لفظَ مصطلح اُسْتُعْمِلَ في مُؤَلَّفِ الكاشاني الوارِدِ ذِكْرُهُ، حَيْثُ وَرَدَ التّالي في فاتِحَةِ الكتابِ: ذلك سألوني ان اشرحها اصطلاحات الصوفية لهم وقد اشرت في ذلك الشرح الى ان الاصول الـمذكورة في الكتاب من مقامات القوم يتفرّع الى الف مقام · وزدت على ذلك ترويحا لقبولهم بيان ما اُجْمِلَ من ذلك وتفصيل ما اُهْمِلَ هنالك فكسّرت هذه الرسالة على قسمين قسم في بيان الـمصطلحات ما عدا الـمقامات فانها مذكورة في متن الكتاب ·(13)·
 
وبالإضافةِ إلى اِسْتِعْمالِ الكاشاني لفْظِ مصطلحات التي واحِدُها مصطلح، نَرى أنَّ هذا اللفظَ وَرَدَ في كِتاباتِ آخَرينَ في القرْنِ الثّامِنِ الهِجْريِّ· فابن خلدون عَنْوَنَ الفَصْلَ الحادي والخَمسين من بابِ العلوم واصنافها والتعليم وطرقه وسائر وجوهه من كتاب الـمُقدِّمَة كالتّالي: في تفسير لفظة الذوق في مصطلح أهل البيان وتحقيق معناه وبيان أَنّها لا تحصل غالباً للـمُستعربين من العجم، أيْ بِاسْتِعمالِ لفْظِ مصطلح(14)· وكذلك يَسْتَعْمِلُ ابن خلدون لفظَ اصطلاح كما نَرى في النَّصِّ التّالي: اعلم أَن اللغةَ في المتعارَفِ هي عبارةُ المتكلِّمِ عن مقصودِهِ· وتلك العبارةُ فعلٌ لسانيٌّ··· وهو في كل أُمَّة بحسبِ اصطلاحاتهم···(15)· ويُكَرِّرُ ابن خلدون الجَمْعَ اصطلاحات في مَواقِعَ كثيرةٍ في حَديثِهِ عن اللغةِ العربيَّة، وعِلْمِ الأدَبِ، كما نَقرأُ في المِثالِ التّالي: ثم رأوا العرب تغيُّرَ الدَّلالَةِ بتغيُّرِ حرَكاتِ هذه الكلماتِ، فاصطلحوا على تسميتِهِ إِعراباً··· وصارت كلُّها اصطلاحاتٍ خاصةً بهم فقيَّدوها بالكتاب وجعلوها صناعة لهم مخصوصة واصطلحوا على تسميتها بعلم النحو···(16)· وكذلك وَرَدَ اللفظُ نَفْسُهُ في كِتابِ ابن فضل الله العمري (ت 749هـ/1348م) التعريف بالـمصطلح الشريف، وكتابِ ابن حَجَر العسقلاني (ت· 852هـ/1448م) نخبة الفِكَر في مصطلح أهل الأثر، ومصطلح الإشارات في القِراءات لِنورالدّين علي بن عثمان العُذري (ت· 801هـ/1398م)، ومصطلحات الطِّبّ لأبي منصور بن نوح القُمري (ت · 380 أوْ 390هـ/990 أو 999م) وغير هذا كثير· 
Page 8
 وللحَماسِ الذي أبداهُ الودغيري في دَعْمِ رَأْيِهِ بِوُرودِ لفظِ مصطلح في أسْماءِ كُتُبٍ في التُّراثِ العربيِّ زَعَمَ أنَّ بروكلمان قد أوْرَدَ في كِتابِهِ تاريخ الأدب العربي ثَلاثةً وعِشرينَ شَرْحاً لكتابِ ابن حَجَر العَسقلاني نخبة الِفَكَر في مصطلح أهل الأثر تَحْمِلُ في عَناوينِها لفظَ مصطلح، وجَمعَهُ مصطلحات(17)· واعْتَمَدَ الودغيري في هذا القَوْلِ على النُّسخةِ العَربيَّةِ لِكتابِ بروكلمان تاريخ الأدب العربي التي قامَ بِتَرْجَمَتِها عبدالحليم النجار· وعِندَ مُراجَعَتِنا كِتابَ بروكلمان المَذْكورَ في اللُّغةِ الألمانيةِ التي صَدَرَ بها الكتابُ، وَجَدْنا مادَّةً واحِدةً فَقَط تَتَحَلّى بِلَفظِ مصطلح في عُنْوانِها، ألا وهي مصطلح الإشارات في القراءات، وثلاثَ مَوادٍّ تَحْمِلُ عُنوانَ مصطلحات، نُورِدُها كالتّالي: مصطلحات أهل الأثر، ومصطلحات الصوفية، ومصطلحات الطِّبّ ولم نَجِد ثَلاثَةً وعِشْرين عُنواناً تَحْمِلُ مصطلح أَوْ مصطلحات، الرَّقَمَ الذي ذَكَرَهُ الودغيري، مع أسَفِنا الشَّديدِ، دونَ تَحَقُّقٍ(18)·
 
ويُقِرُّ الودغيري أنَّ لَفظَ اصطلاح بُدِءَ اِسْتِعْمالُهُ مُنذُ القَرْنِ الثّالِث الهِجْريِّ كما رَأيْنا في الـمُقْتَضَب للمُبَرِّد (ت· 286هـ/899م)، وكتابِ الصاحبي لابن فارس (ت· حوالي 395هـ/1004م)، والخصائص لابن جِنّي (ت· 392هـ/ 1001م)، ومَفاتيح العُلوم للخَوارِزمي (ت· 387هـ/997م)· ويُضيفُ أنَّ لَفظَيْ مصطلح واصطلاح اُسْتُعمِلا في كُتُبِ الصُّوفيَّةِ، والتّاريخِ، والكتُبِ الدّيوانيةِ/الإِنشائِيَّةِ في القَرْنيْـنِ الثّامِنِ والتّاسِعِ، وكذلك في عُلومِ القِراءاتِ والجَدَلِواللُّغةِ(19)·
 
وللرَدِّ على قَوْلِ يحيى عبدالرؤوف جَبْر أنَّه لا يَجوزُ اِسْتعمالُ لفظِ مصطلح دونَ حَرْف الجرّ على، ذَكَرَ الودغيري آراءَ ابن يَعيش في شَرْحِ الـمُفَصَّل والبناني في الحاشيَةِ على شرح الـمحلّي على جمع الجوامع لابن السّبكي بأنَّ حَذْفَ حَرْفِ الجَرِّ على في اِشْتقاقِ اِسْمِ الـمَفْعولِ مُصْطَلَحٌ عليهِ يكونُ من بابِ التَّخفيفِ لكَثْرَةِ الاِسْتِعْمالِ، وكذلك لاِسْتِعمالِ هذِهِ اللفظةِ في التَّسْمِيةِ، أيْ أنَّ اِستعمالَ مصطلح أصْبَحَ اِسمَ عَيْـن، أوْ لَقَب· وهذا التَّخْريجُ في اِسْتِعْمالِ لفظِ مصطلح دون حَرْفِ الجَرِّ يكونُ على غِرارِ اِسْتِعمالِ الألفاظِ الكثيرةِ في كُتُبِ اللُّغةِ، وأُصولِ الفِقهِ كلفظِ مشترَك، على سَبيلِ الـمِثالِ، الـمُشْتَقٍّ من الفعلِ الـذي يتَعدَّى باِسْتِعمالِ حَرْفِ الجرِّ في وبَدَلاً مِن مُشترَكٌ فيهِ، اِسْتَعْمَلَ العُلَماءُ والفُقَهاءُ لفْظَ مشترك الذي أُسْقِطَ منه حَرْفُ الجَرّ فيه للتَّخفيفِ، وكذلك مُعتقَد، ومَدخل، ومَرسى، إلخ ···
 
والتَّخْريجُ الآخَرُ الذي قَدَّمَهُ الودغيري لِقَبولِ صِحَّةِ اِسْتِعمالِ لفْظِ مصطلح دونَ حَرْفِ الَجرِّ على هو الرَّأْيُ الذي طَرَحَهُ محمود فهمي حجازي وتَبَنّاهُ الودغيري لاِعْتِبارِ هذِهِ اللفْظةِ مَصْدراً ميميّاً يُعامَلُ مُعامَلةَ الـمَصْدرِ دونَ الحاجةِ ِلاسْتِعْمالِ حَرْفِ جَرٍّ· إذْ يُـمكِنُ في هذِهِ الحالةِ أنْ يكونَ لفظُ مصطلح مُرادِفاً لـِ اِصطلاح كما يُـمْكنُنا القَوْلُ مثلاً هذا مُصطلَحُ فُقَهاءِ العربيَّةِ مُرادِفاً لـِ هذا اِصطلاحُ فُقهاءِ العربيِّة ويَدْعَمُ هذا الرأيَ وُرودُ ألفاظٍ كثيرةٍ وَرَدَت دونَ الحاجةِ لاِسْتِعمالِ حُروفِ جَرٍّ تَتَطَلَّبُها الأفعالُ التي اُشْتُقَّت منها مَصادِرُ، أوْ مَصادِرُ ميمِيَّةٌ مثل مُُجتَمَع ومُنتَصَف، ومُنتَهى، ومُلتقى، إلخ(20)·
Page 9
ومِنَ الغَرابةِ أنْ نَذكُرَ أنَّ لفظَ مصطلح كان مُسْتَعْمَلاً، كما بَيَّنا في كتاباتِ ابن خلدون، في الوَقْتِ الذي وُضِعَ بهِ لسان العرب لابن مَنظور الذي فارَقَ الحياةَ في القَرْنِ الثّامِنِ الهِجريِّ (711هـ/1311م)، وكذلك القاموس الـمُحيط للفيرزآبادي في القَرْنِ الثّامِنِ الهِجْريّ الذي تَلى وَضْعَ لسان العرب مع ذلك فإنَّ هذَيْـنِ الـمُعجَمَيْـنِ لم يُثْبِتا هذِهِ اللفظةَ في قائِمةِ المُفرداتِ الوارِدَةِ في مُعْجَمَيْهِما· ولعَلَّ السَّبَبَ - كما ذَكَرْنا في مَوْقِعٍ آخَرـ هو أنَّ الـمَعاجِمَ التُّراثيّةَ لم تُورِدْ في ثَناياها الـمُشْتَقّاتِ مِن الأفْعالِ على الأبْنِيَةِ الصَّرْفيَّةِ القِياسِيَّةِ·
 
يَتَّضِحُ مِمّا سَبَقَ قَوْلُهُ فإِنَّ لفْظَ مصطلح كانَ مَأْلوفَ الاِسْتِعْمالِ مُنذُ القَرْنِ الثّامِنِ الهِجْريِّ، مُرادِفاً لـِ اصطلاح، على الرَّغْمِ مِن شُيوعِ اللفظِ الأخيرِ بِنِسَبٍ أكثرَ من الأوَّلِ· ولَيْسَ غَريباً أنْ يَسْتَعْمِلَها الكُتّابُ في كِتاباتِهِم في العُصورِ التّاليَةِ· وإذا أرَدْنا تَأريخَ اِسْتعمالِ مصطلح، وجَمْعِهِ مصطلحات، في الكتاباتِ العربيَّةِ الحديثَةِ، لَزِمَنا أنْ نَنظُرَ في كتاباتِ القَرْنِ التاسِعَ عَشَرَ، وخاصَّةً بعد إدْخالِ مَطبعةِ بولاق إلى مِصر في 1828م، وطَبْعِ الكُتُبِ الكثيرةِ التي بَدَأت في الظُّهورِبعد ذلك· أمّا في القَرْنِ العِشْرين، فَنَسْتَطيعُ القَوْلَ إنَّ اِسْتِعمالَ لَفظَةِ مصطلحات (ومُفردها مصطلح) وَرَدَ في أَوائِلِ العِقْدِ الرّابِعِ مِن القَرْنِ العِشْرين(21)· ويَدْعَمُ هذا الرأيَ وُرودُ هذِهِ اللفظةِ في مُقَدَّمةِ كتابِ الاعتبار لأُسامة بن مُنقِذ الذي حَرَّرَهُ فيليب حِتّي وطبَعَهُ بِـمَطبعةِ جامعة پرِنْستون في وِلاية نيوجيرزي بالوِلاياتِ الأمريكيةِ الـمُتَّحدَةِ عامَ 1930، كما نَرى في النَّصِّ التّالي: ليس في مصطلحات العربية علامات للاقتباس تضمّن الجمل الـمحكية···(22)· واسْتِعمالُ فيليب حِتّي تلكَ اللفظةَ في أوائِلِ العِقْدِ الرّابِعِ من القَرْنِ العِشرين يَقودُنا إلى القَوْلِ إنَّها رُبَّما كانت مَألوفةً، ولوْ في نِطاقٍ ضَيِّقٍ، إنْ لم تكُن مُسْتَعْمَلَةً على نِطاقٍ أَوْسَع· ولا نَستطيعُ التأَكُّدَ إنْ كانَ حِتّي قد نَفَضَ الغُبارَ عَن هذِهِ الـمُفردةِ بعد هَجْرٍ طَويلٍ، على الرَّغْمِ من بُعْدِهِ عَن مُحيطِ اللغةِ الأُمِّ لإقامَتِهِ الطويلةِ والـمُسْتَديمةِ في بِلادِ الـمَهْجَرِ (الوِلاياتِ الأمريكيةِ الـمُتَّحِدَة)، أوْ أنَّهُ سَمِعَها قَبْلَ هِجْرَتِهِ من لُبنان، أوْ قَرَأَها في كِتاباتِ آخَرينَ سَبقوهُ· وليْسَ مِن المُسْتَبْعَدِ أنْ يكونَ اِسْتِعمالُ لفظةِ مصطلحات ومُفرَدِها قَد تَواتَرَ في الكتاباتِ العربيةِ بعد ذلك، كما نَرى في عَناوينِ الـمَقالاتِ الكثيرةِ كـَمَقالةٍ بِقَلَمِ محمد كامل حسين بِعُنوان القواعد العامة لوضع الـمصطلحات العلمية(23)، وغَيْرِها الكثير الذي يَحْمِلُ لفظَ مصطلحات في عَناوينِها وخاصَّةً في مجلة مجمع اللغة العربية، وكذلك في عَناوينِ بعضِ الكُتُبِ كَكتابِ مصطفى الشِّهابي عن المُصطلحاتِ العِلمِيَّةِ، على سَبيلِ الـمِثالِ لا الحَصْر(24)·
Page 10
واجَهَت اللُّغةُ العَربيَّةُ وعلى مَرِّ عُصورِها، وخاصَّةً بَعْدَ ظُهورِ الإسلامِ وبَعْدَ اِزْدِهارِ الحَضارةِ في العُصورِ الإسلاميَّةِ الأُولى بَعْدَ الفُتوحاتِ الـمُثيرةِ والتَّوَسُّعِ خارِجَ الجَزيرةِ العَربيّةِ، مَسْألَةَ اِسْتِنْباطِ مُفْرداتٍ للتَّعبيرِ عن الـمَناحي العَديدةِ لِلحَياةِ الجَديدَةِ التي سَبَّبَها الدّينُ الجَديدُ، وخاصَّةً نتيجةَ اِتِّصالِ العَرَبِ بالأُمَـمِ التي تَغَلَّبوا علَيْها بالفَتْحِ العَسْكَريِّ، كالفُرْسِ والبيزنطيّين، وتأَثَّروا بِحَضاراتِها الـمُتَطَوِّرةِ بالنِّسْبَةِ لِـما كانَ عِنْدَ العَرَبِ في الجَزيرةِ العَربيَّةِ، وكذلكَ نَتيجَةَ الاِتّصالِ غيْرِ الـمُباشَرِ كَنَقْلِ العُلومِ اليونانيّةِ والهِنْدِيَّةِ عَن طَريقِ التّرْجَمَةِ في القُرونِ التّاليةِ للفُتوحاتِ العربيَّةِ وتأسيسِهِم دوْلةً شاسِعَةَ الحُدودِ· والسُّؤالُ الذي نُريدُ الإِجابَةَ عنهُ هُوَ: كَيفَ تُسْتَنْبَطُ الألفاظُ في اللغةِ للتَّعبيرِ عَمّا يَسْتَجِدُّ في مُجْتَمَعِ مُتَكَلِّميها مِن مَظاهِرَ حَياتِيةٍ؟ وهذا السُّؤالُ واجَهَهُ كثيرونَ غَيرُنا في الـماضي، وقَدَّموا لَهُ على مَرِّ العُصورِ أجْوِبَةً عَديدَةً ومُفيدَةً للباحثينَ في هذا الـمَيْدانِ· فَنَرى مَثَلاً أحمد بن محمد بن الحسن بن المَرزوقي (ت· 421هـ/1030م) يقولُ التّالي:ومنها أن الألفاظ انما كانت توضع بحسب الحاجة اليها، فقد علمنا ان الواحد منا كما يقصد الى الاخبار عن الأعيان المحسوسة، كذلك يقصد الى الاخبار عن الاجناس المعلومة، ويعلق المقصود بها كما يعلقها بالمفردات···(25)· ومَعَ ذلك، وكما هُوَ مَعروفٌ، لا يَزالُ السُّؤالُ يَطْرَحُ نَفْسَهُ على الـمَجامِعِ اللُّغويَّةِ في البِلاد العَربيَّة حَتَّى هذا اليَوْم، وكذلك على العاملينَ في مَجالاتِ التَّعليمِ، والتَّصنيعِ، وخاصَّةً على أساتِذةِ العُلومِ الحَديثَةِ في الجامعاتِ كَعُلومِ الاِتّصالاتِ، والعُلومِ الكيمائيَّةِ والحَيويَّةِ، والطِبِّ وفُروعِهِ الـعَديدةِ والمُتَطَوِّرةِ دائِماً، وعلى الصُّحفيينَ الذين يُواجِهونَ نَقْلَ الأخْبارِ بالسُّرعةِ الـمُتَوَقَّعةِ مِنْهُم من النّاحيةِ الـمِهَنِيَّةِ لِلحِفاظِ على مُواكَبَةِ ما يَدورُ عالَمِيّاً على مَدى السّاعةِ، وكذلك عَلى الـمُهْتَمّينَ بِالشَّأْنِ اللُغويِّ عُموماً· ولا يَزالُ الباحِثونَ والعُلَماءُ يُواجِهونَ هذا السُّؤالَ ويُحاوِلونَ جادّينَ إيجادَ الأجْوِبَةِ النّاجِعَةِ لَهُ· ولَعَلَّ في ذِكْرِ طُرُقِ الإجابةِ على مِثْلِ هذا السُّؤالِ في الـماضي فائِدَةً للتَّعَرُّفِ على آلِيّاتِ تَوْليدِ الـمُصْطَلَحاتِ· ويَجِبُ ألّا نَنْسى أنَّ اِهْتِمامَنا في هذهِ الدِّراسةِ هوَ كَيْفَ أجابَ أحمد فارس الشِّدياق على مِثلِ هذا السُّوالِ في مُحاولاتِهِ اِسْتِنباطَ مُصْطلحاتٍ تُعَبِّرُ عن مُسَمَّياتٍ من خِلالِ تَرْجماتِهِ من اللُّغاتِ الأجْنَبِيَّةِ التي تَناوَلَت مَواضيعَ مُتباينةً في الحَضارةِ، وأصنافِ العُلومِ، والاِخْتِراعاتِ الحَديثةِ في زَمَنِهِ، وفي السِّياسةِ والتاريخِ· وسَطَّرَ الشِّدياق مثلَ هذِهِ المُصْطَلَحاتِ في الجوائب على مَدى سَنواتِ صُدورِ هذِهِ الجَريدةِ التي تُعَدُّ في رأْيِنا مَناجِمَ زاخِرةٌ بأصنافِ الموادِّ الإخباريِّة الثَّمينةِ، وكذلك على مُسْتَوى المُفرداتِ المُسْتَنْبَطَةِ· وسَنُحاوِلُ بَيانَ جُهودِ الشِّدياق في هذا المِضْمارِ في القِسْمِ التّالي لهذا الجُزْءِ مِِن هذِهِ الدِّراسةِ·
 
لَعَلَّ الاِشْتِثقاقَ أسْهَلُ وأَسْرَعُ الطُّرُقِ في تَوليدِ مُفرداتٍ في اللُّغةِ· وباِختصارٍ شَديدٍ ولِتَجَنُّبِ التِّكرارَ، اُسْتُعْمِلت هذِهِ الآلِيَّةُ، ولا تَزالُ تُستعمَلُ، في تَوْليد ألفاظٍ من ألفاظٍ عربيةٍ أُخرى باِسْتِعمالِ أوْزانٍ مَعروفةٍ في الصَّرْفِ العربيِّ كأوزانِ اِسمَيْ الفاعِلِ والـمَفعولِ، واسْمَيْ الزَّمانِ والـمَكانِ، واسْمَيْ الآلةِ والوِحْدَة، والـمَصادِرِ، والصِّفاتِ الـمَنْسوبةِ والـمُشْتَقَّةِ (اِسمَيْ الفاعِل والـمَفعول)، والجُموعِ، إلخ · ودونَ شَكٍّ، اُسْتُغِلَّت هذِهِ الآليةُ اِسْتِغلالاً وافِراً في اِسْتنباطِ مُفرداتٍ كانت غيرَ مألوفةٍ في اللغةِ العربيَّةِ· ولا تَزالُ تُسْتَغَلُّ حتَّى اليومَ في تَكوينِ مُفرداتٍ للتَّعبيرِ عَمّا يَستَجِدُّ في الحياةِ العربيَّةِ على الـمَدارِ اليوْميِّ· وكُتِبَ في هذِهِ الآليةِ الكثيرُ في القُرونِ الأولى من اِزْدِهارِ التُّراثِ اللُّغويِّ العربيِّ، بَعضُهُ مَفقودٌ أوْ لمْ يُعْثَرْ عليهِ، والبَعضُ الآخَرُ مَعروفٌ وفي مُتناوَلِ القُرّاءِ والباحثين كـَ الاِشتقاق لابن دُرَيْد محمد بن الحسن (ت· 321هـ/933م)، والعَلم الخَفّاق في عِلْم الاشتقاق لِـمُحمّد صدّيق خان (1296هـ)· والبعضُ ما زالَ مَخْطوطاً باِنتظارِ مَن يُخْرِجُهُ إلى النُّورِ كَكِتابِ اشتقاق أسماء الله تعالى وصفاته للزُّجاجي أبو القاسم يوسف بن عبدالله الجرجاني (ت· 415هـ/1024م)· وصَنَّفَ اللغويونَ العربُ القُدامى هذِهِ الآليةَ التَّوْليديَّةَ على الاِشتقاقِ الكبيرِ والاِشتقاقِ الصَّغيرِ والاِشتقاقِالأكبر· ومَن يَوَدُّ التَّزَوَّدَ في هذا الـمَبْحَثِ، عليْهِ الرُّجوعُ إلى هذهِ الـمُؤَلَّفاتِ أوْ غيرِها(26)· وكذلك كُتِبَت أبوابٌ في هذا الـمَوْضوعِ في كُتُبِ فِقْهِ اللغةِ إذْ نَـجِدُ مثلاً باباً في الصاحبي لأحمد بن فارس (ت· 395هـ/1004م)بِعُنوان باب القول في لغة العرب: هل لها قياس وهل يُشتَقّ بعض الكلام من بعض(27)، وباباً آخَر في كتابِ الخصائص لِـعُثمان بن جِنّي (ت· 1002/392م) بِعُنوان باب في الاشتقاق الأكبر(28)· ووَفَّر لنا عبدالقادر الـمَغْرِبي (ت· 1375هـ/1956م) في الفَتْراتِ الحديثةِ كِتابَ الاشتقاق والتعريب ومِن الجَديرِ أنْ نَذكُرَ أنَّ الاِشتقاقَ لا يَنحَصِرُ فقط في الأفعالِ أوْ الـمَصادِرِ حَسْبَ الأوْزانِ الـمَعروفةِ؛ بَل يَتِمُّ كذلك من حُروفِ الـمَعاني كـَ كَيْفَ، ونَعَم، ومِنأَسْماءِ الأعيانِ وخاصَّة ً للضَّرورةِ في لُغةِ العُلومِ، والأسماءِ الجامِدةِ الـمُعَرِّبةِ حَسْبما أقَرَّ بذلك مَجْمعُ اللغةِ العربيَّة بالقاهرة (عام 1935)، أَيْ في السَّنواتِ الـمُبَكِّرةِ مِن تاريخِ تأسيسِهِ(29)·