eKtab
EN ع
الحدود البرية
Read free sample

الحدود البرية

by ميسلون هادي

Page 1
خالد
 
قالت الطفلة :
 
- الدنيا كلها طيور ميتة····
 
لم تنتبه الأم في البداية إلى ما قالته ابنتها فجرتها من يدها لترفعها إلى براد الماء، ولكن الطفلة تمردت على يدي أمها وأشارت بإصبعها إلى مكان مجاور للبراد· لم تنتبه الأم للمرة الثانية، لأنها كانت تنظر إلى فوق·· إلى شيء ما لفت نظرها فوق سطح قريب، فاضطرت الطفلة الى أن تمسك برأس أمها الشارد منها إلى السطح وتديره بيديها الصغيرتين إلى حيث تريدها أن تنظر :
 
- ماما·· شوفي·· الدنيا كلها طيور ميتة !
 
تقدمت الأم إلى حيث أشارت ابنتها فوجدت الباحة الخلفية لكراج العلاوي، والتي تجاور براد الماء وتنخفض عنه بارتفاع دكة صغيرة، مغطاة بمجموعة هائلة من ذيول الطيور وأجنحتها المجزورة وأرجلها المقطوعة وريشها المتطاير المبعثر في كل مكان وهو ملوث بالدم والتراب· وكان المشهد يبدو، ولشدة غرابته، كأنه جزء من مجزرة حدثت قبل قليل في هذا المكان، فقالت الأم بذهول :
 
- لابد أنه هر·
 
ثم قادت الطفلة من يدها مرة أخرى إلى امام البراد، بينما ظل خالد، الذي كان يقف خلفهما، يراقب آثار تلك المذبحة بلا مبالاة تقريباً وكأنه يريد الالتفات إلى شيء ينشغل به بدون أن يكون عابئاً بهذا الشيء الذي يلتفت إليه فعلاً· كانت الطفلة ترتدي شورتاً من الجنيز وفانيلة ملونة، ويدها مصفوفة بالأسورة، وشعرها معقوص إلى الخلف بقرّاصة على شكل قُبّعة· اقترب خالد مره أخرى من برّاد الماء ذي الحنفيتين المتباعدتين، فرأى الأم وهي تضع قنينة مياه معدنية فارغة في فم الحنفية· وعندما انتهت من ملئها دعته لشرب الماء لأنها على ما يبدو اعتقدت عندما وجدته واقفاً ينتظر، أن الحنفية الأخرى عاطلة عن العمل·
 
انحنى خالد قليلاً على حنفية الماء، ولكن الطفلة نبّت قائلة على الفور :
 
- ماما·· لازلت عطشانة·
 
قالت الأم بضيق :
 
- ألم تشربي للتو ؟
 
- لا أزال عطشانة·
 
تنحّى خالد عن البراد فرفعت الأم طفلتها مرة أخرى إلى فم الحنفية وهي تنظر إلى الرجل الواقف بقربها بابتسامة محرجة فيها طلب لتفهُّم شطط الأطفال وعبثهم· كانت الطفلة لا تزال ملتفتة إلى مكان أخر، وقبل ان تضع فمها تحت الحنفية، أدارت رأسها بزاوية قائمة نحو فتاة كانت تمر بالقرب من البراد، و ظلت ملتفتة إليها لعدة لحظات· قالت الأم :
 
- هيا يا ماما·· أخرّت الرجل·
 
قالت الصغيرة وهي تواصل التفاتها إلى الفتاة :
 
- ماما·· هاي البنية تنورتها تراري(1)·
Page 2
قالت الأم :
 
- إش إش··· عيب··· هيا اشربي·
 
ابتسم خالد وهو يلتفت إلى حيث مرت تلك الفتاة ثم سرعان ما شعر بحرارة الخجل تداهم وجهه واذنيه، و لكي يخفي تلك الالتفاتة العفوية، امتدت يده إلى أمام وراح يساعد الطفلة في شرب الماء وهو يقول :
 
- هيا اشربي·· إنك تتكلمين كثيراً·
 
شربت الطفلة بما يشبه الخوف، ثم هبطت إلى الأرض وهي ملتفتة إلى خالد، تنظر إليه بانفعال وكأنها اكتشفت وجوده للتوّ·· ثم التصقت بساقَي أمها وهي لا تزال تنظر إليه بلا تعبير معين في وجهها سوى الرغبة في أن تنظر إليه بنهم ······
 
مرت عدة لحظات وهي تفعل ذلك فاغرة الفم· وعندما شبعت من النظر إليه، تنهدت الهواء دفعة واحدة··· والتفتت تنظر فيما حولها من جديد· اكتشافها الأخير كان بائعاً عجوزاً يفترش أرض الكراج بسلة تفاح أخضر· نظرت إليه الطفلة بفرح شديد أنساها أمر الرجل الذي هبط بها على الأرض قبل قليل، ثم راحت تهز يدي أمها بانفعال وهي تقول :
 
- ماما·· أريد تفاحاً·
 
قالت لها الأم :
 
- لايزال نيئاً·
 
قالت الطفلة وهي تجرّ أمها من يدها :
 
- ما·· ما··· أريد تفاحاً·
 
قالت الأم باستسلام :
 
- أوف·· ولكنه نيء ولا يؤكل·
 
اغتنمت الطفلة نبرة الاستسلام في صوت أمها فأصرت على شراء التفاح الأخضر، ثم راحت أساورها تصلصل من جديد وهي تجر أمها باتجاه البائع· و خمّن خالد الذي كان لا يزال واقفاً قرب الماء أن تلك الطفلة مدللة للغاية، وأن الأم ستستجيب لطلبها في النهاية·· وسرعان ما ذاب صوت أساورها في ضجيج المسافرين واختفت الأم وابنتها خلف أحدى الحافلات المغادرة إلى عمّان·
 
التفت إلى المنظر الذي تلقفته الطفلة قبل قليل، ونبهت أمها إليه·· وراح يتأمل تلك الطيور القتيلة المتروكة على الأرض وقد اختفت رؤوسها وصدورها وأجنحتها ولم يكن ثمة ما تبقى منها سوى أجزاء مبعثرة مدماة وريش متطاير هنا وهناك· تنفس بعمق وامتدت أصابع يديه لتتشابك مع بعضها البعض تنشدان وضعاً مريحاً أو ملاذاً ما· ثم حرك رأسه قليلا كمن يحدث نفسه· رفع نظره من الباحة إلى أفق بعيد·· وكانت أفكاره لا تزال تسبح خارج تلك المذبحة الصامتة المسفوحة على مبعدة أمتار من قدميه·· تنهد ثانية بعمق واستدار إلى براد الماء مرة أخرى وراح يشرب من جديد·
Page 3
بيان
 
نظرت (بيان ) عبر السياج المشبك للحديقة إلى الشارع فرأت عايدة تعود وهي تحمل كيس الصمون(2) الذي ابتاعته من الفرن القريب· دخلت مباشرة من باب المرآب العريض للبيت، وكان دخولها شبيهاً بانتقاص طائر على فريسة·· وعندما وجدت بيان جالسة في الأرجوحة نظرت إليها بصمت، ثم تنهدت وقالت :
 
- مررت ببيت الدكتور خالد وأنا في طريقي إلى الفرن·· رأيت حقائب و سيارات في بابهم··· ثم صمتت مرة أخرى كمن يكبت غضبه وقالت بعد قليل :
 
- هل هو مسافر ؟
 
سقط سؤالها كالماء البارد، فشعرت بيان بأن قلبها يرتجف وأطرافها تتنمل·· قالت لها :
 
- ماذا ؟
 
قالت عايدة :
 
- خالد! هل هو مسافر ؟
 
حاولت أن لا تبدي كثيراً من الانفعال إزاء ما سمعته·· فقالت لها وهي تتظاهر باللامبالاة :
 
- يبدو كذلك·
 
قالت عايدة :
 
- وهل كنت تعرفين بأمر سفره؟
 
قالت بيان :
 
- قال شيئاً من هذا عندما اتصل يومَ أمس·· ولم أتوقع أنه كان جاداً·
 
وضعت عايدة كيس الصمون فجأة على منضدة قريبة من الأرجوحة، ثم نظرت إلى بيان نظرة استفهام·· ولوم·· و تكبر·· نظرتها قالت شيئاً فهمته بيان ولكنها تجاهلته بصمت· أصبح قلبها بلا ملاذ تقريباً وهو يرتجف من الحزن·· أصبح إحساسها بالألم ينتشر ويصيبها بالدوار· مع ذلك قالت لها :
 
- وماذا بيدي أن افعله ؟
 
قالت عايدة :
 
- لماذا لم تخبريه ؟
Page 4
صمتت بيان ولم تجبها·· فعادت عايدة تنظر إليها بتقريع أشد ثم قالت :
 
- كان يجب أن تخبريه·· وأن لا تدعيه يرحل·
 
قالت بيان لها :
 
- أخبره عن ماذا ؟ أنا نفسي لا أعرف·
 
قالت :
 
- بل تعرفين·
 
قالت بيان وهي تشعر بأن العالم من حولها يتهاوى لشدة ما شعرت به في تلك اللحظة من فوات الأوان :
 
- لا، ليس هناك ما أعرفه·· ولست متأكدة من شيء·
 
قالت عايدة وهي تسحب كيس الصمون بعصبية :
 
- ظننت أنك شفيت من وهمك·· ولكن يبدو أني كنت مخطئة·
 
ثم مضت تمشي باتجاه المطبخ تلاحقها رائحة بخار الصمون الذي كان يشبه فوح عجين مختمر· أغمضت بيان عينيها وهي تتساءل إن كان خالد حقاً سيغادر بغداد هذا الصباح مرة أخيرة وإلى الأبد ؟ كان راحلاً عني وهو في بغداد، فماذا يعني أن يتركها ؟·· أيعني أن يصبح في الدنيا اثنان منه، واحد هنا والآخر هناك·· إن عاد يتحدان وإن ابتعد يفترقان ؟ كانا اثنين دائماً·· واحد قريب كالحلم·· والآخر بعيد كالحقيقة·· والآخر البعيد هو الذي جعل الأرض تدور بي لحظة أن أحببته، فماذا يهمني من هذا القريب إن لازم بغداد أو رحل عنها··؟
 
كان قلبها لا يزال يرتجف و رأسها يدوّم في دوار متصل·· ثم سمعت عايدة تناديها من أجل تناول إفطارها، فنهضت وأخذت قدح الشاي منها وعادت به إلى الأرجوحة· كانت بيان تنقّل قدح الشاي من يد إلى أخرى دون أن تشرب منه شيئاً، ومع كل سيارة تمر كانت تشعر بأن قلبها يسقط ليصبح مدهوساً بين عجلاتها· ولكنها كانت، مع ذلك، تواصل جلوسها على الأرجوحة ترهف السمع إلى الشارع متكوره على قلبها كطفل خائف كسر آنية ثمينة وظل خائفاً لوقت طويل بعد أن كسرها، لأن أحداً لم يكتشف غلطته تلك ولم يعاقبه عليها العقاب الذي يستحقه·
Page 5
خالد
 
انعطف السائق·· فانسابت بمرونة شديدة و هي تخترق شارع (14رمضان) باتجاه الطريق السريع المؤدي إلى الرمادي ومنها إلى الحدود· مرت الحافلة بكافيتريات و محال هذا الشارع و كان اغلبها مقفلاً، و تبدو من خلف قضبانه السوداء المتشابكة ملابس ولادية ونسائية مستوردة وإكسسوارات وأحذية رياضية بألوان زاهية وبراقة· ثمة محال قليلة تمرق بين تلك البوتيكات تبيع المواد الغذائية أو بعض التجهيزات المنزلية، وتلك كانت مفتوحة· أما الرصيف المحاذي لتلك المحال فكان يشغله باعة السكائر المحلية والأجنبية من الأطفال والرجال الذين كانوا يفترشون الأرض المتراجعة وهي تجري بهم، مع مرور الحافلة، الى الوراء مانحة كلّ واحد منهم وقفته المستتبة تلك قبل ان تمضي إلى الأمام لتسلم نفسها لقدمي بائع آخر·
 
مات الحسين شاباً وعطشاناً في كربلاء فأصبحت البيوت تضع جوالق الماء أمام أبوابها تروي بها عطش سابلة الصيف الجهنمي، ثم رحل الشهداء بالآلاف فأصبحت مئات الجوالق الفخارية الباردة، تتخلل الأزقة وقد توشحت بأشرطة سوداء كتبت عليها سورة الفاتحة تارة أو آية من سورة آل عمران تارة أخرى، وتحت كلمات الله أسماء تكتب وأخرى تمحى·· ودائماً أسماء ثلاثية ودائماً تتكون وتذاع وتتلاشى·· مثل قطرات الماء الصغيرة التي تنضح من جدران تلك الجوالق، ثم تدب عليها رويداً رويداً حتى تسقط أو تتبخر·· واليوم يهج الناس من الجوع فتصبح الأرصفة ملظومة بجداريات صغيرة من عارضات السكائر يقف خلفها صبيان مشعثون واجمون كالتماثيل أو رجال انمحى من وجوههم أي تعبير واضح للأمل أو الدهشة أو الحماس، وأصبحوا يقفون خلف علاماتهم الفارقة تلك مستسلمين لقدر غامض أو غريب رمى بهم إلى تلك الأمكنة المبعثرة الصماء· جريان لم يعترضه شيء يوقفة إلاّ عندما ألقم السائق مسجلته كاسيتاً لفيروز فاستغربتُ أن يكون للسائق مثل هذا المزاج في الوسيقى·· ثم أوقف السائق صوت فيروز فجأة وقال شيئاً كان المفروض أن يقوله قبل بدء الرحلة :
 
- الطريق بين بغداد وعمان يستغرق ست عشرة ساعة· الساعة الآن هي الحادية عشرة، وسنصل عمان في الثالثة من صباح غد بإذن الله·· الحافلة مزودة بالحمام و الماء البارد·· مع ذلك أرجو الاقتصاد باستعمال الماء لأننا لن نتوقف الا بعد عشر ساعات في أطراف محافظة الأنبار·· رحلة سعيدة·
 
أغلب الركاب سمعوا تلك الملاحظة ولم يعلقوا عليها·· أما أولئك الذين كانوا يستعملون الطريق البري لأول مرة فأطلق بعضهم إشارات تعجب، وصأصأ البعض الآخر متذمراً من طول الطريق·
 
قال رجل متوسط العمر كان يجلس قرب مسافرة أردنية رمادية الشعر :
 
- كنا نصلها بساعة واحدة بالطائرة·
 
فقالت المسافرة الأردنية :
 
- أستعمل هذا الطريق ذهاباً و إياباً مرة كل ثلاثة أشهر منذ بدء الحظر الجوي على الطائرات العراقية·
 
فقال الرجل :
 
- ياه·· كيف تحتملين مشاقهٌُ كل مرة ؟
 
قالت المسافرة :
 
- من أجل لحظه الوصول·
 
قال الرجل :
 
- الوصول إلى أين ؟ إلى بغداد أم إلى عمان ؟
 
فقالت المسافرة وهي تبتسم :
 
- إلى حد ما·· إلى أي حد كان·
 
الصغيرة ذات الأساور ظلت تروح و تجيء كالقطط· تمد رأسها بين المقاعد وتتطلع إلى وجوة المسافرين، وعندما تجد احداً بسنها تتوقف قليلاً وتفتح فمها ويتبادل الاثنان حركات في الوجه تنم عن الخجل والانفعال تماماً كما تتشمم الجراء الصغيرة بعضها البعض عندما تلتقي في الطريق· قطعت الصغيرة رحلتها باتجاة براد الماء وملأت القدح البلاستيكي الأبيض الذي تحمله ثم عادت إلى مكانها وهي تمسك بالمقاعد أثناء سيرها لتفادي السقوط·
 
مست أصابعها شعر المسافرة الأردنيه فتأودت المرأة وتأففت وقالت لها بحزم مغلّف بالمرح :
Page 6
- انتبهي·
 
قلت للصغيرة:
 
- هل هذا الماء لي؟
 
ففتحت فمها بخجل ولم تجب·
 
- ما اسمك؟
 
قالت بصوت خفيض جداً:
 
- نادين·
 
قلت مستفهماً؟
 
- نادية؟
 
فقالت أمها من خلفي:
 
- نادين·
 
فقلت وأنا التفت قليلاً:
 
- يا له من اسم جميل·
 
فتحت الطفلة فمها مرة أخرى، فقلت لها :
 
- تعطشين بكثرة يا نادين·
 
فقالت أُمها :
 
- كلنا نعطش بسرعة·· الحر شديد·
 
ثم وجهت الكلام لابنتها :
 
- هيا اعط عمو قليلاً من الماء·
 
فقلت :
 
- كنت أمزح·· لست عطشاناً·
 
فقالت الأم :
Page 7
- هيا يا ماما عودي إلى مكانك·· إنك تقطعين الطريق·
 
تحركت الصغيرة ببطء شديد إلى أُمها وهي لا تزال ملتفتة إليّ وتنظر ذات النظرة المستغربة التي التهمتني بها عندما هبطت بها من حنفية الماء إلى الأرض في كراج العلاوي·
 
ذكّرني شارع (14 رمضان) بشارع اسمه الوايت ليديز كنت استعمله للذهاب و الإياب بين بيتي وجامعتي أيام كنت طالباً في برستول بإنكلترا· يومئذ كنت خالياً من الذكرى مكتظاً بالجميلات·· واليوم وحيد من كل جميلة·· مكتظ بذكراها فقط·· تمتليء حتى الشوارع والمحلات بذكراها وتتضافر على روحي لتجعل من هذا الوداع أصعب مايحدث في حياتي على الاطلاق·
 
في هذا الطريق كنت قد رافقتها إلى صيدلية بلاط الشهداء لصرف دواء دفتر الأمراض المزمنة الذي لم يكن يصرف من غير تلك الصيدلية· يومها لمستْ يدي يدها للمرة الأولى فلمست روحي تلك الحرية التي تختلج لها الأحشاء لأنها أكثر مما يجب وأطلق مما يحتمل، ثم لتترك فيها ذلك الأثر الذي لا يمحى لأنة ببساطة لا يتكرر· وعندما انطلق صوت فيروز من مطعم قريب لبثتْ صامتة·· خائفة·· تنظر إلى نقطة بعيدة في الفراغ ثم قالت فجأة وكأنها تحدث نفسها:
 
- فيروز شيء نادر وجميل·· مع ذلك لم أعد أحبها·
 
قلت لها :
 
ـ لماذا ؟
 
قالت :
 
ـ في أغانيها فقدانات كثيرة·
 
قلت :
 
ـ ربما هذا ما يجعلها جميلة·
 
قالت :
 
ـ نعم·· أجمل الأغاني هي الأغاني الحزينة·· ذلك أن الشاعر والملحن يسجلان عادة قصة حب فاشلة·· قصة حب لم يعيشاها في الواقع·· فيعيشانها على الورق·· هذة هي أجمل القصائد : أحلام لم تتحقق·· وعواطف لم تتفجر·
 
ثم ردّتْ بحياد وهي تنظر بوجوم :
 
ـ أحلام و عواطف·· هذه هي أجمل الأغاني·
 
قلت لها :
 
ـ قصّة الحب الناجحة قد تكون جميلة ايضاً·
Page 8
نظرت إليّ لوهلة، ثم غضّت نظرها إلى الأرض·· ولم تُبدِ أي مقاومة لسحب يدها من يدي·· بل أبقتها هناك، وعادت للنظر إلى الفراغ من جديد· كان نظرها أقرب إلى الذهول منة إلى الحلم·· لبثت في جلوسها لحظات ويدها لاتزال لابثة في يدي، ثم دمعت عيناها لسبب لا أعرفه· في تلك اللحظة فقط أدركت أن اللحظة المقدرة التي طالما انتظرتها قد حانت، وبدا لي أن تلك اللحظة المقدرة، التي لاتحدث في الحياة إلا مرة واحدة وقد لا تحدث، قد حدثت· شعرت بأن القدر يكافئني أخيراً على عمر بأكمله من الانتظار· كنت سأجيء بها من سهلها الوعر وأقلعها منه·· كنت سأصل إليها وآخذها لأزرعها في روحي حيثما شئت·· ولكنها أبت وغضبت وقالت :
 
- لا تمشِ و لاتصل ولا تأخذ بالكلمات·· أنا هنا واقفة كالشجرة·· إن تقتلعني من مكاني أمت·
 
عادت الصغيرة تتعكر على حافات المقاعد، والماء يتساقط من قدحها البلاستيكي الأبيض· مست يدُها شعرَ المسافرة الاردنيه مرة أخرى، فانزعجت وسحبت رأسها إلى الأمام· كانت قبل قليل تتحدث إلى جارها عن لحظة الوصول إلى حد ما، ففكرت بالذي يقف خلف الباب ويعتقد أن الآخرين أمامه·· في الوقت الذي يكون هو أمام الباب والآخرون خلفه· والآن أين أقف أنا ؟ أخلف الباب أم أمامه ؟ أأدخل إلى الجنة أم أخرج منها ؟
 
أعادت المسافرة الأردنيه مقعدها إلى الخلف، وراحت تقرأ في صحيفة أردنية· رحت أقرأ عناوين الأخبار من خلف رأسها، وكل عنوان يسلّم نفسه إلى الآخر مثل ركضة البريد في العاب الساحة والميدان··
 
إسرائيل توافق على عودة 84 من أعضاء المجلس المركزي
 
القيادة الفلسطينية تؤجل عودة العاملين في الكوادر
 
أسرى فتح يدعون لإفساد الاحتفال بعودة عرفات
 
إضراب مقترح عن الطعام للمعتقلين الفلسطينيين
 
فريق دولي يتوجه إلى بغداد لتركيب كاميرات فيديو بمواقع عراقية
 
خيارات أمريكية لإقناع العسكريين بالتخلي عن السلطة في هاييتي
 
انطباعات عائد إلى أريحا
 
نقابة الأطباء تدعو جميع الزملاء الأطباء وأصحاب المهن الطبية المساعدة للتطوع إلى اليمن
 
التطوع لهذه المهمة الإنسانية واجب قومي وديني من أجل تخفيض آلام المصابين وجرحى الاقتتال الدموي المؤلم في البلد الشقيق
 
هذا الكلام كله لم يعد ذا نفع حقيقي لأحد·· ولا أحد يعرف أو يسأل أو يأبه إن كان هذا الكلام جاداً أم هازلاً، كاذباً أم صادقاً·· منحرفاً أم شريفاً·· كل الأشياء ذابت في إناء كبير، وقطعة السكر الوحيدة ضاعت في جرة كبيرة من الشراب المر فأصبح مذاق الملاعق كلها باهتاً·
 
جاري في المقعد كان يتفرج ساهماً عبر النافذة إلى الخارج، وكانت يداه الممدودتان فوق فخذيه ثابتتين طيلة الوقت·· تكادان تكونان جامدتين من شدة السكون·
 
أصبح هواء الظهيرة ساخناً جداً، فطلبت من جاري إغلاق النافذة· غلقها و قال :
 
- حافلة قارونية و تكييفها عاطل·· ياللحظ السيء·
Page 9
بيان
 
نمت النباتات البرية والحشائش والأدغال حول شجرة النبق في حديقة المنزل ثم امتدت إلى كاشي المرآب وغطته في عدة أماكن من الحافات، ولم تعد الشروخ السود القديمة التي انتشرت بين بلاطات الكاشي تظهر للعيان·
 
الشمس تسببت في تمدد البلاطات وخلخلة نظامها، الا أن تماسكها مع الأرض رغم تلك التمددات كان يوحي بوجودها في هذا المكان منذ وقت طويل جداً·· كل شي في المنزل كان يوحي بالقدم·· البلاطات تلك·· والنباتات البريه التي دبت عليها·· وروائح البيت التي تنفثها مروحة المطبخ الكهربائية بين الحين والحين محيلة إياها إلى عذوق حيوات حدثت ثم زالت· تلك البيوت التي يشغلها ساكنوها منذ عهد عبدالكريم قاسم كانت ببالكونات وملاحق للخدم عندما استلمها الضباط الشباب في مطلع الستينات··· والآن لم يعد أولئك الضباط الآباء شباباً، بل تقاعدوا واصبحوا أجداداً ينظرون إلى زوجاتهم اللواتي كن معلمات ذات يوم بوجوم ويقولون : عبالك البارحة··· مشيرين إلى ذلك الزمان الذي استلموا فيه تلك البيوت المشيدة في ضاحية من ضواحي بغداد كانت تعد لشدة ابتعادها عن مركز العاصمة منطقة نائية تصلح لرعي الثعالب والذئاب، لا لتشييد البيوت حتى وإن كانت تلك البيوت ببلكونات وملاحق للخدم· ومع مرور السنوات توسعت عائلات أولئك الضباط وكبر أطفالهم وصاروا شباباً، فتحولت تلك الملاحق إلى مشتملات لسكن المتزوجين من الأبناء، ولم يعد يشرف من تلك البلكونات أحد وتُرك أمرها للشمس وطبقات الغبار· أما السطوح فلم يعد ينام فيها الكثيرون منذ أواخر السبعينيات عندما اندلعت حكاية السفاح الذي أباد بساطوره عوائل بأكملها وحولها إلى أشلاء مقطعة ومكومة في أحواض الحمامات، فأمضى الرجال ليالي طويلة وهم يتبادلون الخفارات لحراسة عوائهم من ذلك الرجل الذي أصبحوا يدعونه أبو طبر ثم هجر الناس تلك السطوح تماماً في مطلع الثمانينات عندما اشتعلت السماء بنيران القذائف والقذائف المضادة لتعلن اندلاع حرب حقيقية كان الناس يعتقدون أنها ستنتهي فور أن تبدأ، ولكنها بدأت ولم تنتهِ الا بعد ثماني سنوات· في الجهة المقابلة للمنزل ثمة بيت فخم يُشيَّد على أنقاض بيت قديم من بيوت الضباط تلك بيع قبل أشهر لتاجر حديث النعمة· يبدو البيت الجديد أنه سيكون واحداً من تلك البيوت الفارهة التي تشبه المسارح بضخامتها وأعمدتها الشاهقة والتي أخذت تلتهم البيوت الوادعة الصغيرة لتكتسح أحياء بغداد المختلفة وتنتشر فيها مثل انتشار العفن في وخمة الوقت الذي توقف عن تنفس الهواء الطلق وتُرك بعيداً عن الشمس لأيد خفية تلعب بمجرياتها في الظلام· الطفل الاشعث المتسخ كان لا يزال واقفاً ينظر من باب المرآب الموارب إلى الأرجوحة الفارغة التي تركها قبل قليل· لمحته بيان من نافذة المطبخ وتوقعت أن يقرع جرس الباب في أية لحظة، الا ان ذلك لم يحدث·· تراجع الطفل بعد قليل وهو يلمح امرأة تخرج من المنزل المجاور وتتجه إلى حيث يقف·· نظرت اليه المرأة باستغراب ثم قالت له :
 
- أتريد شيئاً ؟
 
رن جرس الباب داخل البيت، فهرعت إليه بيان وفتحته· قالت رحاب قبل أن تسلم عليها :
 
- لماذا تتركين باب المرآب مفتوحاً ؟
 
قالت بيان :
 
- نسيته·
 
ثم سألتها :
 
- مكتبتك مقفلة هذا اليوم·· هل أنت في إجازة ؟
 
قالت بيان :
 
- قولي صباح الخير أولاً·
 
ضحكت الاثنتان وقبّلتا بعضهما البعض، ثم تحسرت بيان بعد أن ضحكت، وتلك عادة لازمتها منذ سنوات، ولم يُنقذها من تلك العادة جريان الوقت الذي يسوق النسيان معه وهو يمضي ثم يفيض به على الجميع· نظرت رحاب إلى المرآب من نافذة الغرفة وقالت:
 
- هذا الطفل، ماذا يريد ؟
 
قالت بيان :
Page 10
- أعتقد أنه ينظر إلى الأرجوحة·
 
قالت رحاب :
 
- إنه ابن حارس تلك القلعة التي تشيد أمامك·
 
قالت بيان :
 
- أدخلته قبل قليل ليجلس فيها، ولكني شعرت بالخوف منه·· قد يكون لصاً أو ابن لص·
 
قالت رحاب :
 
- أهكذا يكون حال اللص···؟·· اللص من يبني هذة القلعة·
 
غادرت رحاب النافذة، ثم قالت وهي تستوي على الأريكة :
 
- يقولون إن الحدود البرية مغلقة·
 
جلست بيان بوجوم أمامها، وقالت :
 
- أية حدود ؟ حدودنا كلها مغلقة··
 
قالت رحاب :
 
- أقصد حدودنا مع الأردن·
 
شعرت أن قلبها يتفوه وأن نبضاتها تدق في أذنيها لتصبح مسموعة للآخرين· قالت بصوت خافت :
 
- لماذا ؟
 
قالت رحاب :
 
- لا أدري·· هكذا يقولون·
 
صمتت بيان قليلاً ثم قالت :
 
- والذين في طريقهم إلى الحدود ؟
 
قالت رحاب :
 
- لا أدري··· ربما يرجعون··· أو ينتظرون···
 
ثم نهضت من مكانها مرة أخرى وقالت :
 
- ولكن أين عايدة ؟