eKtab
EN ع
الحجاب في التاريخ
Read free sample

الحجاب في التاريخ

by د. أيوب أبو دية

Page 1

المقدمة

تساءَلنا مراراً، ومنذ عقود بعيدة، عن أصول الحجاب في التاريخ، متى بدأ، ولماذا، وما هي الشروط الاجتماعية والسياسية والثقافية والتاريخية التي حكمت على المرأة ارتداء الحجاب؟

ومع اشتداد أهمية مسألة الحجاب في أوروبا بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر الشهيرة، أعدنا النظر في المسألة، فانطلقنا من المجتمعات البدائية صعوداً تاريخياً حتى وصلنا إلى بلاد ما بين النهرين خلال الألفية الرابعة قبل الميلاد، وبحثنا عن جذور الحجاب هناك في حضارة سومر، ثم في حضارة الأكديين في الألفية الثالثة قبل الميلاد، وما تبعها من حضارات أشورية وبابلية.

كذلك بحثنا في أصل الحجاب في حضارة مصر القديمة منذ الألفية الثالثة قبل الميلاد، وما كان يقابلها في تلك الفترة من حضارات آسيوية، وصولاً إلى الحضارة الإغريقية ابتداء من القرن الخامس قبل الميلاد ولغاية هيمنة الحضارة الرومانية عليها ودخولها في المسيحية فيما بعد في زمن الملك قسطنطين.

وهكذا نكون قد استعرضنا مواقف الحضارات المختلفة من مسألة الحجاب بأبعادها الإيديولوجية والاجتماعية والثقافية خلال مراحل تطورها التاريخي في الألفيات الخمس السابقة على ظهور الإسلام، وذلك للكشف عن جذور فكرة غطاء رأس المرأة ومنطوياته الفكرية في الحضارات التاريخية العظيمة التي سبقت ظهور الإسلام عند مطلع القرن السابع للميلاد، لأنّ من شأن ذلك أن يؤسس لقاعدة معرفية علـّها تكون مفيدة وضرورية كمقدمة لأي بحث مستقبلي عن ظاهرة الحجاب في الحضارة الإسلامية.

في الختام، لا يسعنا سوى التقدم بالشكر الجزيل من مكتبة النميات في البنك الأهلي الأردني بعمّان التي استعنا بمراجعها الثمينة قبل سنوات، كذلك أفدنا من ملاحظات مديرها الدكتور نايف القسوس وتوجيهاته فيما يتعلق بربط ظهور الحجاب تاريخياً من خلال ما ظهر من نقوش وصور على المسكوكات التي تم ضربها في تلك الفترات البعيدة من التاريخ البشري، حيث وصلت إلينا شاهداً حياً على معتقدات أهل تلك الحقب وثقافتهم.

ولابد أيضاً من شكر المهندس صفوان البخاري الذي لا ينفك عن قراءَة ما أكتب وتصحيحه لغوياً وجمالياً، إنه نعم الصديق.

الـمـؤلــف

أيّوب أبو ديّة

عمّان في 11/11/2011

Page 2

المجتمعات البدائية

يبلغ تاريخ الإنسان عدة ملايين من السنوات، شق خلالها طريقه الوعر المليء بالمخاطر والبيئة العدائية المتوحشة؛ فقد صنع الأدوات الأولى قبل أكثر من مليوني عام في إفريقيا وأستراليا، وقد بلغ به التطور مبلغ تطويع النار لغايات الدفء والطهي وردع الحيوانات المتوحشة عن الاقتراب من مسكنه، وقد استطاع الإنسان الحديث أن يجتاز عصر الحقبة الجليدية شديدة البرودة، وخرج من ذلك العصر الشديد القسوة منتصراً على الطبيعة القاسية قبل نحو نصف مليون عام.

Page 3

ربما يكون الإنسان قد ظهر في صورة مشابهة لما هو عليه شكله المعاصر مع ظهور إنسان نياندرثال (Neanderthal) قبل حوالى مئة ألف عام، ثم دخل بعدها في عصور تاريخية متتالية في سياق تطوره، وقد اصطلح على تسميتها بالعصور الحجرية، فالنحاسية، فالبرونزية، وهكذا، إلى أن فتحت الكتابة بداية التاريخ المدون حوالى الألفية الرابعة قبل الميلاد في سومر ومصر القديمتين، وقبل ذلك في أوغاريت السورية، حيث تمت صياغة الحروف العربية الأولى على الشواطئ الشرقية للبحر الأبيض المتوسط.

ويخبرنا فريدريك إنغلز في كتابه عن “أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة(1)أن مورغان (Morgan) قد قسّم تاريخ الإنسان البدائي إلى مرحلتي التوحش (Savagery) ومرحلة البرابرة (Barbarism) قبل دخول الإنسان مرحلة التحضر (Civilization)، كما اعتبر أن كل مرحلة من هذه المراحل لها مراتب ثلاث. ويتجلى عصر أشعار هومر (Homer) في الإلياذه (Iliad) بوصفه أعلى مرتبة من مرحلة البرابرة قبيل دخول الإنسان مرحلة التحضر.

ويرى إنغلز في الفصل الثاني من الكتاب أن هيمنة الرجل على العائلة كانت تتويجاً لدخول الإنسان مرحلة الحضارة. فقد عبّرت هذه المرحلة عن انتماء الأبناء إلى أب واحد، وبالتالي انتظمت مسألة الإرث، حيث حُصرت في أبناء شرعيين غير مشكوك في نسبهم، وقد تطلبت هذه المرحلة الحجر على المرأة حتى يضمن الأب أن الأبناء هم من سلالته الموثوقة.

هذا الانتقال التاريخي إلى المرحلة الجديدة يفسّر لماذا كانت آلهة الإغريق الأنثوية أكثر احتراماً وإجلالاً وأوسع نفوذاً من المرأة الإغريقية في الفترات اللاحقة (عصر سقراط وأفلاطون وأرسطو) عندما حرمت من حقوقها وأصبحت المرأة جزءَاً من الملكية الخاصة بالرجل.

ومما ساعد أيضاً في اضطهاد المرأة الإغريقية، وجود العبيد والجواري بوصفهم من الملكية الخاصة بالرجل الذي أصبح يتمتع بجواريه فيما اقتصرت علاقة الزوجة الإغريقية على رجلها فقط، وحجرت في البيت تحت الحراسة ومنعت من الخروج إلا برفقة إحدى الجواري أو بصحبة واحد من أهل بيتها من الرجال كمُحْرَم. وكان الرجال يضيقون الخناق على زوجاتهم وبناتهم بوضع كلاب لحراستهن كي يُبعدوا عنهن المتطفلين والمعجبين.

Page 4

واشتدت المنافسة بين الرجال من الإغريق على امتلاك الجواري، كما حدث مع أخيل (Achilles) وأغاممنون (Agamemnon) عندما تصارعا للاستحواذ على إحدى الجواري. وهذا يذكرنا بفترة الخلافة الأموية عندما ازداد عدد الجواري عند الأشراف من العرب وأصحاب النفوذ بحيث أخذت الجواري يخلبن لباب العرب فانصرفوا عن الاهتمام بزوجاتهم وسجنوهن داخل البيوت تحت الحراسة، وأمرن بعدم مغادرة البيت إلا محجبات وبرفقة المحرم حتى لا يطمع فيهن العامة ويُظن أنهن من الجواري.

أما في المجتمعات البدائية الأقل تطوراً، فإن الدراسات الأنثروبولوجية الحديثة تميل إلى الاعتقاد أن الأسرة في المجتمعات البدائية لم تعرف المشاعية في علاقات الذكور مع الإناث؛ فلم يكن الذكر فيها يستحوذ على ما ملكت يمناه من الإناث بالقوة والترهيب، كما يغلب الظن. فعلى سبيل المثال، يرى بعض الباحثين أن نساء رجل الكهف الأول لم يَكنّ مشاعاً لجميع الرجال2؛ بل كانت الأم لها مكانة مقدسة بسبب ولادتها الأطفال على نحو خلاق لم يتمكن أحد من تفسيره آنذاك، فحسبن في مقام الآلهة التي تهب الحياة من العدم في سر مكنون.

ومع تدرج التطور الإنساني أخذ يسود نظام الزواج الأحادي، أي الاكتفاء بزوجة واحدة3. ولكن الظروف المتغيرة كانت تكسر هذه القاعدة، ففي المجتمعات التي تئد بناتها لعاهة أو مرض أو لإقامة الطقوس، كان يسود نظام تعدد الأزواج، وربما يكون المجتمع الجاهلي قبل الإسلام مثالاً على ذلك. ومما يؤكد هذه المسألة وجود بعض المجتمعات البدائية المعاصرة في مجاهل الأمازون وإفريقيا التي اكتشفها المستعمرون من الأوروبيين وكانت لا تزال تمارس هذا النمط من السلوك في الحياة العامة.

وعلى عكس المرأة الإسبارطية التي تمتعت بهامش واسع من الحرية، لم تتحرر المرأة الإغريقية بعامة إلا عندما انتشر البغاء وارتقت في سلم الحياة الاجتماعية نساء أجنبيات من الجواري والوافدات من الشاعرات والفنانات. وهكذا أصبحت المرأة الغريبة حافزاً للمرأة الإغريقية كي تتحرر من قيودها، فانطلقت للتعبير عن حاجتها لممارسة بعض حقوقها المهضومة.

وهذا يقابل ما حدث في الفترة الإسلامية الأولى عندما انتفضت النساء المحجبات وخرجن سافرات إلى المجتمع بعد أن استحوذت الجواري الجميلات والمثقفات على عقول الرجال. كما طالبت النسوة الأحرار بالتعليم لمنافسة الجواري وطلبن من الشعراء التغزل بهن وبمفاتنهن كي يسمع عنهن الرجال ويأتوا لطلبهن من أهلهن4.

وبناءً عليه، ربما لم يمر النظام الأسري عبر مرحلة الفوضى الجنسية، كما يظن في الغالب، وذلك خلال مراحل تطوره التاريخي، حتى بلغ مرحلة النظام الأمومي وتطور إلى النظام الأبوي؛ فذلك المنحى من التطور ليس حتمياً تماماً من وجهة نظر علماء الأنثروبولوجيا المحدثين. وهذه النتيجة تقودنا إلى التساؤل عن أسباب تردي أحوال المرأة عبر التاريخ، فيما يتعلق بحريتها الشخصية وتهافت نفوذها داخل الأسرة والعشيرة؟

أغلب الظن أن المرأة، في خلال مرحلة النظام الأمومي الأولى، كانت تتمتع بهامش كبير من الحرية والنفوذ نسبة إلى المرحلة التي دخلت فيها البشرية مرحلة النظام الأبوي، حيث أصبحت المرأة ممتهنة وهـُمش أمرها.

ونحن نرى أن مدى حرية المرأة وأهميتها في إدارة شؤون الحياة الأسرية، المعرفية والاقتصادية والروحية والسياسية، لا بد أن تنعكس من خلال دورها الاجتماعي الإنتاجي وأهميته، وبالتالي لا بد أن تتمظهر هذه الأهمية من خلال الطريقة التي كانت تضع فيها المرأة الحجاب وتتزين وتتبرج وما تمخض عن هذه الممارسات من تعبيرات طبقية ونفوذ!

إنّ تحرر المرأة مرتبط بمستوى وظيفتها الإنتاجية في خضم علاقات الإنتاج في داخل العشيرة أو القرية، فقد كانت منتجة للبنين، وأيضاً كانت منتجة للغذاء، وبخاصة في طور حياة الصيد الأولى عندما شرعت، أي المرأة، في الزراعة البدائية الأولى وتربية الأطفال والحيوانات. فقد كانت ربة البيت (أي إله البيت) الولود هي سيدة المنزل التي حفـّزت ظاهرة عبادة الآلهة الأنثوية بوصفها ظاهرة خارقة5، وفي الوقت نفسه كانت المرأة على الصعيد العملي هي المنتجة للغذاء؛ فتحافظ عليه وتخزنه وتدير شؤونه وتقوم بطهيه!

وإذا ما انتقلنا إلى حياة الريف المعاصرة نجد أن المرأة ولا تزال تحظى بالاهتمام والتقدير المكافئين لقدرتها على الإنتاج وإدارته، فما فتئنا نلحظ بعض النسوة من ذوات النفوذ والرأي والمشورة، وذلك بحكم طبيعة المرأة وعملها أو بحكم وظيفتها ومستوى تعليمها ومقدار نفوذها وقيمة ملكيتها. وسوف يتبدى لنا هذا التقدير من خلال مناقشة أحوال النساء المصريات فيما بعد.

Page 5

الحضارة السومرية (الألفية الرابعة قبل الميلاد)

ازدهرت الحضارة السومرية في الألفية الرابعة قبل الميلاد حول دجلة والفرات، ربما عند حوض جمع النهرين معاً في حوض عظيم أسس لهذه الحضارة الفريدة. وإذا ما دققنا نظرنا في أسطورة أصل الكون عندهم، نجدها تقوم على أن الكون متجسد في الإلهة «نمو» التي تعطي الحياة بصورة الأنوثة والذكورة متحدة في شخص «آن» و»كي»6، فهل هذا الاتحاد في شخص واحد دليل على أنه لم يكن هناك تمييز واضح بين الجنسين في الجذور التاريخية للإنسانية؟
ويمكن أن نستدل على ذلك في الكثير من اللغات القديمة حيث لا يوجد تمييز بين الذكر والأنثى في المخاطبة. ومثال ذلك اللغة الفنلندية، حيث تشير كلمة (han) إلى الجنسين من دون تمييز، بينما يتم التمييز من سياق الجملة إذا كان المقصود ذكراً أم أنثى.

Page 6

كذلك نجد الفكرة نفسها عند الإغريق؛ ففي الميثولوجيا الإغريقية نجد أن الأرض «جايا» (Gaya)، وهي الآلهة الأوائل، التي أنتجت بدورها، في هذا المناخ من الفوضى، إلهاً جديراً بها هو «أورانوس السماء» (Uranos)، وآخر هو «بنتوس المحيط» (Pontos) (مياه المحيط) حيث غطى الأول الأرض تماماً من جميع الجهات وكذلك غمر الثاني الأرض بالمياه. وقد كانت الإلهة “جايا” مخصبة ذاتياً7.

عبد المصريون القدماء الجعلان (Scarabs) أو الخنفساء بوصفها من تجليات إله الشمس أتوم (Atum)، وأُطلق عليها كيبري (Khepri)، أي الإله الذي يُخلق من العدم ولا يحتاج إلى تزاوج، كذلك يدفع هذا الإله الشمس في مسارها عبر الأفق حتى تختفي “خلف الأرض”، على نحو مماثل لدفع الجعلان الروث ليدفنه تحت الأرض كي تبيض فيه الأنثى، ليولد نسلها من جديد على أنقاض الفضلات.

وتعيش هذه الخنفساء (Beetle) على روث الحيوانات والفضلات غير المهضومة المتبقية فيها، وهي تقوم بدفن الروث تحت الأرض لحمايته وخزنه، لذلك فإنها تحمي البشر والحيوانات والنباتات من انتشار الأمراض، أي أنها جاءَت رحمة للطبيعة الحية على تنوعها، الأمر الذي جعل مكانتها في مصاف الآلهة.

Page 7

وهذا يذكرنا بالأفكار المعاصرة التي تطرح اليوم بشأن الإنسان الأول الذي بدأ خنثى يقوم بالوظيفتين معاً، ثم في سياق تطوره التاريخي اتجه صوب التخصص في الإنجاب من خلال الأنثى والتركيز على الصيد والمهارات الأخرى من خلال تطور مهاراته وقواه الجسدية والعقلية ليتمكن من الصيد بكفاءَة أكبر والدفاع عن جنسه بقوة أعظم.

وأسطورة الإله أغديتيس (ابن زيوس) الذي ولد خنثى، ثم استأصلت الآلهة أعضاءَه الذكرية فأصبح أنثى8 تؤشر في الاتجاه السالف الذكر عن أصل الإنسان. فهذه الأساطير جميعها، بما في ذلك اللغات القديمة، تطرح السؤال عن إمكانية انبثاق الذكر والأنثى من أصل خنثى؟

كانت فكرة الكائن الثنائي الجنس معروفة لدى السومريين، ويخبرنا كاهن بابلي اسمه بيروسوس، عاش في القرن الثالث قبل الميلاد، عن مسوخ وعن كائنات بدائية هجينة ومخنثة في أزمان ما قبل التاريخ. وقد ظهرت هذه التماثيل الخناثى حول معابد بابل واليونان9. وكانت عشتار عندهم تظهر على شكل رجل ملتحٍ، له أعضاء ذكورية وأنثوية معاً10.

Page 8

كذلك كانت آلهة النيل «حابيس» تتسم بخصائص ذكوريّة وأنثوية معاً11. فهل هذه الفكرة هي أساس اعتقاد خلق المرأة من ضلع الرجل؟ وهل آدم وحواء هما رمز الانفصال إلى مزيد من التخصص البشري في علم وظائف الأعضاء؟ وهل آدم هو الإنسان الأول الذي يستحق أن يسمى أباً لأول مرة في تاريخ البشرية؟

ألا يحق لنا أن نتساءَل: هل كان الإنسان خلال الفترات التاريخية السحيقة كلها منقسماً إلى نوعين متميزين، ذكوراً وإناثاً، أم أنه بدأ خنثى، ثم انفصل إلى آدم وحواء وفاقاً للرواية الدينية التقليدية؟

نود أن نطرح نظرية جديدة ههنا مفادها أن الإنسان البدائي الأول كانت أعضاؤه التناسلية مجتمعة ومتكاملة، بمعنى أنه كان من جنس واحد مكتف ذاتياً لإتمام عملية التزاوج، أي أنه كان خنثى. ولكن، وفي سياق تطوره التاريخي عبر الملايين من السنين بدأت أعضاؤه المختلفة تتجه أكثر نحو التخصص لزيادة كفاءَتها في أداء وظائفها، وهذا النمط من التطور مثبت في علم البيولوجيا المعاصر؛ فثمة بعض الأعضاء عند الذكور اليوم لا وظيفة لها، كالحلمات في صدر الرجل مثلاً. بل ويمكن القول إن التخصص الحالي لكل من الذكر والأنثى هي نتائج طفرات جينية انبثقت عن الأصل الذي ضم الخصلتين، ويمكن القول أيضاً إن الحالات النادرة التي تولد اليوم خنثى هي الأصل وليست طفرات جينية!

لقد روت حضارة الرافدين قصص الغرام بكوكب الزهرة، عشتار، سيدة السماء، البتول12، آلهة الحب والخصب والأنوثة في الليل، وآلهة الحرب في النهار. فهذه عشتار أنثى وذكر في آن معاً. كانت عشتار تخدع عشاقها وتفتك بهم، كما فعلت بتموز (أدونيس)، حيث ظلت النسوة يبكين تموز حتى زمن النبوة، كما تذكر المراجع التاريخية. ولكن يبدو أن الأمور قد استقرت فيما بعد، أي أنها استقرت على الفصل الواضح والمحدد بين الجنسين. كان ذلك في حضارة بلاد ما بين النهرين التي عرفت تدوين التاريخ لأول مرة في تاريخ البشرية.

كان يوم عبادة الزهرة (أو العزى – آلهة الجاهلية) في التقويم البابلي هو يوم الجمعة13. وقد رحلت من بلاد الرافدين عبادة الزهرة (وهي الإلهة نينا (NINA) عند الآشوريين – آلهة الحب الجسدي)14، أو عشتار كما أطلق عليها البابليون، لتصبح «عستارت» في أرض كنعان، و«أفروديت» في بلاد اليونان15، و«فينوس» أو «ستيلا ماري» عند الرومان. والاسم مريم كان اسماً عاماً يطلق على آلهة الخصب16. كانت المرأة آنذاك لا تزال ذات قيمة وأهمية بالغة في حياة الناس الروحية والمادية.

Page 9

تظهر عشتار عارية في التماثيل الظاهرة في الصورة17. فلم تكن ظاهرة الحجاب ذات أهمية بعد‍‍! كذلك كانت تماثيل الإلهة الأم القديمة والسمينة ذات الخصوبة تظهر بالشكل العاري في أغلب الأحيان، مع التركيز بشكل خاص على الأثداء والوركين دلالة على الخصوبة. فلم تظهر فكرة «العورة» بعد!

كانت العادة تجري على أن تضحي الفتيات السومريات ببكارتهن في معبد إله المدينة، وكانت التضحية بهن تتم إكراماً للآلهة. وتمارس هذه التضحية ببكارتهن من خلال الكهنة بوصفهم ممثلي الآلهة على الأرض. أما بعد الزواج فكانت تتعرض النسوة لعقوبة الإعدام إذا هن جُرّمن زانيات18.

لقد بدأت القيود توضع في معاصم النساء بشكل واضح، ففيما كان ينجو الرجال بجرم الزنا من دون عقاب، خضعت المرأة فقط لعقوبة الإعدام إذا جرمت زانية.

في بلاد سومر، كانت كثافة الشعر عند المرأة صفة للتغزّل، كما تروي إحدى القصائد السومرية :

« يا كثيف الشعر مثل النخلة .... ».

واعتبرت زينة المرأة أمراً أساسياً كما أظهرت الكثير من النقوش السومرية19، وكان الاضطهاد لم يُمارَس بعد على المرأة!

Page 10

من السومريين إلى الأكديين

(الألفية الثالثة قبل الميلاد)

في الفترة التي تفصل بين العصر السومري الأول والعصر السومري الذهبي الثاني الذي بدأ مع نهاية الألفية الثالثة ق.م، نجد شعر النساء يبدو متموجاً ومزيناً بعمامة مدورة تشبه العصابة السميكة20. فقد بدأت العصابة تشق طريقها صوب تاريخ المرأة بارتباطها مع الحجاب، ولكن العصابة كانت تعبيراً مختلفاً عما يراد بها اليوم.