eKtab
EN ع
الحكايات الشعبية في البلاد الشامية (الجزء الاول)
Read free sample

الحكايات الشعبية في البلاد الشامية (الجزء الاول)

by مصطفى الصوفي

Page 1

الحكاية في الأدب الشعبي

الأدب الشعبي هو أحد أهم جوانب التراث الذي يصور بدقة واقع حياة الشعب من عادات وأعراف وعقائد وفنون. ذلك الموروث التراثي الذي نتعرف من خلاله على طباع ونفسية وصفات حياة أفراد المجتمع وأخلاقهم ومعاناتهم، فهو يمثل كل المأثورات والخصائص، فالموروثات الشعبية تصور جوانب حياة الناس اليومية الثقافية، والسلوكية من حكايات، وأمثال، وتقاليد الأفراح والأحزان، والأعياد وأغاني، وأهازيج، وعدّاويات، ودبكات، والزي الشعبي، والمسكن والمأكولات، وغيرها ممّا ورثته الأجيال بعضها عن بعض على مر التاريخ حتى وصلتنا كما نعرفها حالياً فكونت الشخصية القومية الوطنية للإنسان العربي في حقبة ما من تاريخ الأمة،.

ونستطيع أن نتبين أصول الموروثات الشعبية وجذورها الموغلة في التاريخ والتي تعرضت للتغيير، والتبديل والحذف والإضافات لتتناسب مع التطورات الاجتماعية، والثقافية والبيئية، فحافظ الناس على ما يناسبهم وتركوا ما لا يلائمهم، وأضافوا من ثقافتهم المعاصرة ما يريدون .

معظم الصور والمظاهر التراثية في الوقت الحاضر بدأت تتلاشى، وتندثر مع تقدم الزمن وتوقف العمل بها منذ أكثر من ربع قرن بسبب التطور الاجتماعي والثقافي والتقني الهائل، وظهور وسائل الإعلام الحديثة من تلفاز وإذاعة وصحف وكتب واتصالات التي عملت جميعها بقوة على إزاحة الموروثات الشعبية، والمظاهر التراثية القديمة عن مكانتها، فأهملها الناس وتخلوا عنها ولم يعودوا يشعرون بالحاجة لممارستها .

الأولاد لم يعودوا يتحلقون حول الجدّة لتروي لهم حكاياتها الجميلة الساحرة بعد أن حلّت ( الشاشة الصغيرة ) محل الجدّة, كجدّة حديثة متطورة بالإضافة إلى كتب ومجلات الأطفال الأدبية التي أصبحت أكثر ملائمة لعقلية الطفل وثقافته ونفسيته وطموحه. كما أن عادات وتقاليد الأعراس والمناسبات لم يعد بالإمكان ممارستها و العمل بها بعد التطورات الاجتماعية، والاقتصادية، من زحمة العمل، وضيق الوقت والمسكن والساحات، وانصراف اهتمام الناس إلى أشياء أخرى، كل هذا أدّى إلى إلغاء مظاهر الأعراس الشعبية، والاحتفالات العامة للناس، وحلّ محلّها الحفلات في الصالات المغلقة المزدحمة بالناس والألحان الصاخبة والرقص الفردي لعدّة ساعات، ثم تنتهي الحفلة بأن تسير قافلة العرس إلى الفندق أو بيت العروســين وانتهى الأمر.

Page 2

أما أطفال " الحارة " فلم يعدّ بإمكانهم ممارسة ألعابهم الشعبية القديمة التي تحتاج إلى ساحة واسعة وبيئة طبيعية مناسبة، فحلّت محلهّا الألعاب الرياضية والملاعب والأندية. ومهما كنا متفائلين فالحقيقة أن عصر التراث الشعبي قد احتُضر وانتهى، ولم يعدّ يهتم به أحد سوى الدارسين والباحثين الذين يعملون على جمعه من ذاكرة الجيل القديم، أو ما بقي عالقاً منه في أذهانهم، ويقومون بتسجيله وتوثيقه وتحليله. وربع قرن آخر من الزمن كاف لأن يتلاشى نهائياً من الذاكرة، إمّا بالموت أو الخرف أو ضعف الذاكرة .

وكما توقف عصر العمل بالتراث الشعبي وممارسته، توقف أيضاً عصر ابتداع الفلكلور الشعبي، لأن الإبداع مرتبط بالخيال الشعبي الذي يستمد مادته من الأساطير والصور الغريبة والشخصيات الخرافية، والشعور بالعجز عن الفهم، وتحقيق الطموح والغايات الحياتية الصعبة، فالخيال الشعبي كبلّته القيود الهائلة من الإنجازات العلمية والحقائق الكونية والاكتشافات الطبيعية والأدوات التقنية المتطورة. فلم يعدّ الإنسان الحالي بحاجة للتفكير والحلم ببساط الريح والفانوس السحري وطاقية الإخفاء وغيرها، وهو يرى أمام عينه الطائرة والسيارة والتلفزيون، والمراكب الفضائية، والطب الحديث الذي كشف معظم الحقائق المستورة، وهتك ستر العتمة، وكشف عجز القوى الخرافية أمام الأسلحة المتطورة والقنابل الذرية. وبعد أن فضح كذبة حورية البحر وجمال ست الحسن وشاعرية القمر، فسحب من تحت الخيال الشعبي بساط التحليق والانفعالات والعواطف وسلاح الرومانسية والإثارة والرغبة والحب.

كتب ماسبيرو في كتابه ( أغاني شعبية مصرية ) يقول:( إن مصر تطورت بسرعة وأن كثيراً مما رآه في زيارته الأولى وما سمعه قد اختفى وانقرض أو في طريقه إلى الانقراض فلا بد من الإسراع في جمعها وتسجيلها ...). وهذه الدعوة تكتسب أهميتها القصوى من اعتبارات قومية أساسية يتحمل مسئوليتها مفكري ومثقفي الأمة لجمع وتسجيل الأدب الشعبي الشفاهي الذي مازال متداولاً بمستواه الأدنى والمحدود، من أجل الحفاظ على تراث الأمة وهويتها الأصيلة ...

Page 3

منشأ الحكاية ( انتشارها وتطورها )

و يبدو أن الشرق كان منبعاً للحكايات الشعبية، بسحره وعراقته وشاعريته، كما تشير معظم الدراسات والأبحاث في مجال تاريخ نشوء الحكاية الشعبية، فوادي النيل منذ عهد الفراعنة القدماء غني بالأساطير والخرافات التي تعتبر أساساً لمعظم أفكار الحكايات الشعبية المتداولة، والتي انتشر بعضها في بلاد الرافدين والهند ثم أوروبا، فأسطورة ( أوزيريس وايزيس ) نجد عناصرها الأساسية في كثير من الحكايات الشعبية كالبطل المتعلقة روحه بسيفه، أو خاتمه، أو شعره، أو القطة التي تلد فتاة فيتزوجها الأمير أو الإوزة والدجاجة " والزاغة " التي تتحول إلى امرأة يتزوجها ابن الملك " والزاغة " أنثى الغراب. ومنها قصص وحكايات ألف ليلة وليلة التي نجد لها أثراً وأصولاً في الأدب المصري القديم، كما في قصة على الزيبق التي أشار( نولدكيه) إلى أصولها في أسطورة مصرية قديمة( كنز رامبسينت)، وقصة القرد الكاتب في الحمال والثلاث بنات أشار( سبيجلبرج ) إلى أصول لها في قصة ( توت ) المصرية، وقصة البحار الغريق والثعلب، تشبه حكاية الكلبين المسحورين وقصة ( الأخوين ) المصرية التي تتحدث عن قلب ( باتا ) الذي تطير منه شظية، تدخل بطن زوجة الفرعون فتحمل ولداً يصبح فرعون مصر فيحكم أمه ويقتلها، تشبه إلى حد كبير حكاية الصياد والسمكة وقاتل التسعة والتسعين، وتفاح الجبل للحبل من الحكايات الشعبية المصرية والسورية.

وفي الأدب الجاهلي نجد بعضاً من أفكار الحكايات الشعبية منها قصة الشاعر تأبط شراً الذي يقتل سعلاية بضربة سيف واحدة فتقول له ( ثنّ ) فيجيبها ( رويداً إنني ثبت الجنان ) كالبطل في الحكاية الشعبية الذي يقتل بضربة واحدة فيقول ( تنيّ ) فيرد عليه ( أمي لم تعلمني التني ). والفكرة أن الضربة الثانية تعيد الحياة للغول مرّة ثانية. ونجد في الأدب الجاهلي حكايات كثيرة عن الغيلان التي يصارعها الإنسان، وتظهر له بأشكال مختلفة، فيتبعها وتضّلله عن الطريق، فيتيه في البراري أو الغابات. وهناك قصة ( عمرو بن يربوع ) الذي تزوج من الجنية وولدت له أولاداً ثم غفل عنها مرة عندما لمع البرق ولم يستر وجهها، فطارت إلى موطنها، وهناك قصص الخواتم أو الأساور التي تضيق على اليد عندما يقع صاحبها في ضيق فيخفّ لنجدته. وهناك الكثير الكثير من أصول الحكايات الشعبية في الأدب المصري وبلاد ما بين النهرين والأدب الجاهلي لا مجال لذكره الآن، فهو يحتاج إلى دراسة مقارنة موسعة.

وتتداخل الحكايات الشعبية بين الشرق والغرب والجنوب والشمال، إما بالانتقال أو التأثر أو المصادفة في التشابه فليس غريباً أن تبتدع الذاكرة الشعبية حكايات متماثلة إلى حدّ ما في أكثر من بيئة متباعدة، فالنماذج البشرية متشابهة الانفعالات والعواطف، وتعيش ذات الأجواء الطبيعية والنفسية والمعاناة. لذلك نجد حكاية ليلى والذئب الفرنسية مشابهة لحكاية العنزة العنوزية، وأسطورة ( تانتال ) في الأودية التي يقابلها( أوليس ) في مملكة الموتى، فيذبح ( تانتال ) ابنه ويقدمه للآلهة، كما في حكاية الطير الأخضر تقوم زوجة الأب بذبح الابن وتقدمه طعاماً لأبيه....

هذه المقارنات البسيطة للحكايات الشعبية التراثية مع الأساطير القديمة، تعطينا فكرة عن تاريخ نشوء الحكاية الشعبية الذي يمتد آلاف السنين، دون أن نستطيع أن نحدد التاريخ تماماً كما قال ( ليمتان ): " نستطيع أن ندل على أصل الحكاية، لكن لا نستطيع أن نعين تاريخ هذا الأصل "، وإعادة أصول الحكايات إلى حوالي ألفي سنة يعني هذا أن حوالي خمسين رجلاً توارثها جيلاً بعد جيل، مع الأخذ بعين الاعتبار ما يطرأ عليها من تغيير وتبديل وتطوير، نتيجة تغير وتطور الأوضاع الاقتصادية والثقافية والدينية والأخلاقية في حياة الإنسان، وهذه ضرورة لابد منها لتصبح أفكار وأحداث الحكاية أكثر ملائمة لأعراف المجتمع وقيمه وعقائده.

Page 4

المضامين الإنسانية ( البعد الإنساني ) للحكاية

والحكاية الشعبية من تراث هذه الأمة وموروثاتها الشعبية انعكست فيها أصداء واقع الشعب وحياته ومعاناته وقيمه وطموحاته بكل ما فيها من أساطير وخرافات وأوهام، تعبّر عن مدى اتساع مدارك الخيال الشعبي وإبداعاته ومخاوفه وأحلامه، فالإنسان منذ القديم عانى كثيراً من الشقاء والقهر في سبيل الحصول على لقمة العيش والحياة الكريمة، وتعرّض للأخطار والرعب في صراعه مع قوى الطبيعة القاهرة ( البرق – الرعد- العواصف – الرياح – الطوفان ...) كما تعرّض لخطر الحيوانات المفترسة. ولم يكتف الإنسان من المعاناة اليومية من تلك القوى القاهرة الجبارة التي جعلت حياته كلها قلقاً وخوفاً مستمراً، بل صاغ خياله أيضاً قوى شريرة أخرى أسطورية تساوي تماماً مخاوفه وتطلعه إلى المستقبل المجهول فكانت( الغيلان – والعفاريت – والسحرة – وأبو فريوة – وأبو قرن وقرنين وسحّال ديلو ...وغيرها) لذلك اختلط قلق الإنسان ومعاناته من واقعه بخوفه الدائم من المستقبل المجهول وتحوّل إلى طموح وأحلام مشروعة في العيش المريح والسعادة والعدل والسلام، فصاغ الإنسان منذ القديم معاناته وأحلامه بقالب قصصي جميل أضفى عليها الخيال كثيراً من السحر والجاذبية والتشويق فكانت أحداث الحكاية تجري دائماً على صورة صراع بين القوى الخيرة الصالحة، والقوى الشريرة، بينما تأتي خاتمة القصة معبرة عن تطلعات الإنسان في انتصار الخير، وتحقيق العدل، وامتلاك الثروة، أو السلطان أو الزواج من الحبيبة وتخليف الصبيان والبنات فيتزوج الأمير من الفتاة الفقيرة والأميرة من الحطاب. كان لابد للإنسان أن ينتصر أخيراً على كل القوى( الطبيعية والخرافية ) بمختلف الطرق والأساليب: ( القوة الخارقة – السحر – الحيلة ....الخ ), لتأتي الحكاية تعويضاً بسيطاً عن حالة العجز والفقر والظلم الذي يعيشه الإنسان .

الاعتبارات والأسس في عملية الجمع :

توخيت في عملية جمع الحكايات الشعبية الاعتبارات التالية :

أ ولا : الاقتصار فقط على الحكاية الشعبية الأصيلة، وحذف الإضافات المستحدثة والطارئة على الحكاية بفعل الوعي الثقافي والمعرفي المعاصر للفئات الشعبية .

ثانيا : استبعدت أية حكاية مستمدّة من التراث الشعبي المكتوب، خاصة من ألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة ، والقصص الدينية التي لها أصل في السيرة النبوية وكتب التاريخ والأخبار الإسرائيلية القديمة التي تأثر بها الفكر الشعبي، وتحتوي على الكثير من الغرائب أو المخالفات للعقيدة الإسلامية، وهي تعد دخيلة على الحكاية الشعبية الأصلية .

ثالثاً: كتبت الحكايات بلغة فصيحة مبسطة قدر الإمكان، أو بلغة قريبة إلى العامية، للحفاظ على روح الحكاية، وبيئتها وجوّها النفسي، لذلك أبقيت على بعض الكلمات والجمل والألفاظ كما روتها الجدّة تماماً .

رابعاً: حذفت بعض الكلمات البذيئة التي وردت في بعض الحكايات، لأنها تخدش الذوق العام وتسيء إلى الأخلاق، وهي غير صالحة للنشر، ولا يفيد إيرادها نص الحكاية لا شكلاً ولا مضموناً، وربما استبد لتها بكلمات ارفع مستوىً قليلاً، كما حذفت بعض الأحداث والأفكار التي تتعارض مع أخلاق مجتمعنا العربي المسلم وقيمه الدينية وأعرافه وتقاليده الأصيلة .

خامساً: اتبعت في التبويب وترتيب الحكايات على أساس المضمون، فمنها ما يناسب الأطفال وهي بسيطة سهلة، شخصيات أبطالها غالباً من الحيوانات، وتحمل قيماً تربوية وأخلاقية مفيدة وصالحة. والفئة الأخرى تتميز بأحداثها القوية والمثيرة والمخيفة والعنف، وتعتمد أساليب السحر والخرافات والغرائب وهي تناسب الكبار من الشباب والأولاد .

سادسا: أكثر الحكايات ليس لها اسم أو عنوان، فاخترت لها اسما يناسب أحداثها، أو شخصياتها، لتمييزها عن باقي الحكايات .

سابعا: بدأت بجمع الحكايات الشعبية من مدينة حمص وريفها منذ عام 1997، وما أقدمه في هذا الكتاب هو جهد أعوام متواصلة ومضنية، لكن المشروع يستحق هذا العناء من أجل إنجاز هذه المهمة القومية للحفاظ على تراث الأمة وهويتها ووجهها الأصيل ...

Page 5

الفرشة أو استهلال الحكاية الشعبية

لكل حكاية مقدمة أو فرشة كما يقولون تهدف إلى لفت الانتباه وإثارة المستمع وتهيئته لتلقي الحكاية وهذا يعود إلى مهارة الراوي ومقدرته على تدبيج الفرشة لتكون مقدمة ناجحة تحقق غاياتها.

تختلف مقدمة الحكاية الشعبية من بلد إلى آخر ومن فئة إلى أخرى ....

تبدأ المقدمة الحمصية أو استهلال الحكاية غالباً بالعبارة التالية: " كان يا مكان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان. نحكي وإلاّ ننام وإلاّ نصلي على النبي العدنان. . . "

هكذا تستهل العجوز الحكاية والعبارات تحمل معان كثيرة، يتم إيصالها إلى ذهن المستمع، فأحداث الحكاية الشعبية حدثت في الماضي القديم في زمان ومكان ما دون تحديد لأننا لا نعرف تاريخ البداية بالتحديد. وإذا كان هذا وقت الاختيار بين الحكي والنوم فإن المستمع يقرّر، أو قد قرّر سلفاً أن الوقت هو وقت القص، وبداية السهرة الممتعة، وأن النوم لم يحن وقته بعد، فيهيئ نفسه وتتشكّل جلسة السمر كالعادة بالتحلّق حول العجوز، وتستنفر الحواس جميعها لمتابعة الحكاية المثيرة، وأحداثها الغريبة.

بعد أن تصل العجوز إلى هذه النقطة من المقدمة تتوقف، وتصمت قليلاً، لتفسح للأولاد فرصة كي يقرّروا بأنفسهم ماذا يريدون، الحكي أم النوم، فيصرخون بصوت واحد: نحكي يا ستي ... نحكي.

تبتسم الجدة ابتسامةً حلوة، و تشعر بالزهو والخيلاء وهي تشهد عزيمة الأطفال وإصرارهم على أن يسمعوا منها الحكاية، فتبدأ السرد الجميل بصوت جهوري، وثقة بالنفس: ( كان في بزمانو ..) وهذا استهلال ثان للحكاية والدخول في صلب الموضوع، وبعضهم يختصر المقدمة الأولى ويبدأ مباشرةً بالاستهلال الثاني المباشر، وهذا غالباً أسلوب الرجال وليس النساء. فالرجال لا يحبذون المقدمات الطويلة، ويدخلون في موضوع الحكاية مباشرة. ومنهم يبدأ بمقدمة أقصر مثل: ( كان يا ما كان يا سادة يا كرام. كان في ...). أو( كان في قديم الزمان...).

وهذه أيضاً يتميز بها الرجال عن النساء ثم يبدأ السرد.

لابد للحكاية الشعبية من مقدمة، واستهلال كبيرة كانت أم صغيرة، ونادراً ما نسمع حكاية دون مقدمة، لأن القاص يشعر بأن الحكاية ناقصة دون مقدمة.

أمّا فرشة الحكاية، فهي مقدمة طويلة للحكاية أو حكاية من نوع آخر، لها تقنياتها وعباراتها ومعانيها المتميزة والغريبة لا يتقنها سوى القليل من الجدّات العجائز. والفرشة التي تختص بها العجائز، هي عبارة عن أهزوجة شعبية، أو زجل، أو أقصوصة، أو حكمة، أو حزورة غايتها الإثارة، وشدّ الانتباه، وتلطيف الأجواء، أو إضفاء المرح والنكتة والفكاهة على السهرة وجلسة السمر.

أشهر فرشة شائعة للحكاية تقول: بعد أن يطلب الأولاد من الجدّة حكاية ويصرون على طلبهم بقولهم: ( احكيلنا ياستي حكاية ...)، " الله يخليكي احكيلنا حكاية "

فتبتسم الجدّة وتقول: احكيلكم على المقص ؟

فيجيب الأطفال فرحين : نعم.

فتقول: " كلمتين وبس". وتسكت

يحتجّ الأطفال ويسود جو من المرح والزعل وعدم الرضى بين الأطفال الذين يصرون على الجدّة أن تحكي لهم حكاية أطول.

ومن الفرشة الزجلية الطويلة أذكر :

احكيلك حكايــي إيدك رايحة وجاي

بتحمل حطب وحمايي والحمايي بدها تنور

والتنور بدو مجرود والمجرود عند الحداد

والحداد بدو بيضـة والبيضة بالجاجــي

والجاجي بالعليــي والعليي مســـكرة

فيها ميي معكرة هون مقص وهون مقص

وبالنص في عروس بترقص رقص

Page 6

ومن أجمل الفرشات التي سمعناها من العجائز أيضاً تلك التي تعتمد على المفارقات، وعكس الأمور مما يعطيها نكهة مميزة. تقول :

(عن شقارق عن بقارق، عن حدّادين العبي، عن خياطين المعالق، الكذب عمري ما عرفته، والصدق ملح الرجال...

طلعت مشوار، لقيت بطريقي برغوت قد الأرنبو، مسكته، شدّيت عليه الجلال وركبتو، خضت فيه البحر، طلع لعند ركبتو.

قعدت قبل الصبح، والدنيا نهار، دخلت الإسطبل، لحط الجحش للتبن، سمعت صوت، طلعت عليه، لقيت المزابل عما تنبح على الكلاب، وشفت حيط راكب على حرامي، لحقتو حتى مسكتو، لاحني ولحتو، من كتر عزمي إجيت تحتو، شوفوا رقبتي صارت حمرا من كتر ماضربتو ) .

Page 7

نماذج أخرى من فرشات الحكاية

ـ (قرش وفرنك وليرة، رحنا على السوق واشترينا، رحنا على الحمّام، طلعت لنا صبية، حمرة وبياضية، والرقبة طويلة، واللولو غرقان، في جرن مية، كاس سادة، وكاس مزوّق، روح ...روح، لا تتعوّق، وعليك الأمان )

ـ يا ستي عرجا .. عرجا، يا مفتاح الطبنجة، حطيته بالصندوق، إجا أخي سرقو، لبسني من حلقو، حلقو شقلي بقلة، حلقو طيرلي عقلي، يا بنت الملوكي، أجو يخطبوكي، على كعك الشامي، كعك الشامي غالي، حقه بدقن خالي، خالي بالعلية، عم يقلي تمرية، قلت له طعميني، ضربني بالشبرية. )

ـ ومنها قصة قصيرة حكاية ( كت كتيتان ). تقول :

( إجا كت كتيتان، نط وبال بالدكان، مسّح بكبكوبة خيطان.راح لعند أم عباس، قال لها: خيطيلي الباس،قالت له: ما بخيط لك حتى تشبّ الفارة على الرف، وتجيب لي بكرة خيطان. راح لعند الفارة، قال لها: يا فارة مشببك ... مشببك ؟. قالت له: ما بقدر القط بياكلني. راح لعند القط قال له: ياقط، مأكلك ...ما أكلك ؟. قال لها: ما بدّي بخاف العصاي تضربني. راح لعند العصاي، قال لها: يا عصاي مضربك ...مضربك ؟. قالت له: مابدي بخاف من النار تحرقني. راح لعند النار، قال لها: يا نار محرقك ... محرقك ؟. قالت له: ما بدي بخاف من المي تطفيني. راح لعند المي قال لها: يا مي مطفاك ... مطفاك ؟. قالت له: ما بدي بيجي الجاموس بيحرني. راح لعند الجاموس قال له: يا جاموس محررك...محررك ؟. قال له: ما بدي بخاف من السكين تدبحني. راح لعند السكين، قال لها: يا سكين مدبحك ... مدبحك ؟. قالت له: ما بدي بخاف من الحدّاد يطرقني. ذهب لعند الحدّاد قال له: يا حدّاد، مطرقك ... مطرقك ؟. فرد عليه الحدّاد: هذا عملي، الله خلقني وخلقك).

ـ ومنها حكاية ( أبو عدوس وأم عدوس) :

كان في أبو عدوس وأم عدوس، أبو عدوس ذهب إلى البرية للفلاحة، جاء بياع الخواتم والأساور لعند أم عدوس، اشترت منه خواتم وأساور وأعطته حقهم البرغلات والمونة، عاد أبو عدوس من الفلاحة، طلب منها الطعام. ردت عليه أم عدوس: ويلي ما في غير خش خش خش. أبو عدوس ضرب أم عدوس. أم عدوس تركت البيت وقعدت زعلانة على المزبلة. أتى لعندها قطة وصارت تنوء، قالت لها أم عدوس: بعتك أبو عدوس والله ما بدوس. جاءت دجاجة إلى المزبلة وصارت تبحش وتقاقي، قالت أم عدوس بعتك أبو عدوس والله ما بدوس. بعد قليل جاء جمل عليه حمل تين وحمل زبيب، فقالت أم عدوس: بعتك أبو عدوس والله هلّق بدوس. جرّت الجمل وعادت لعند أبو عدوس. قالت له: أبو عدوس هيك برضى وبدوس. قام أبو عدوس نزل حمل التين وحمل الزبيب وذبح الجمل وعمل منه كبّة، صار عندهم كبّة كتير أخذ أبو عدوس الكبة وطلع على السطح وصار يرميها على الشارع. أتى صاحب الجمل وسأل أم عدوس إن رأت الجمل عليه حمل تين وحمل زبيب ؟ قالت له نعم لقاه أبو عدوس وذبحه. فسألها الرجل متى كان ذلك ؟ قالت أم عدوس عندما صارت السماء تشتي كبّة. صاح صاحب الجمل: ياهو اللة علّقني بعجوز خرفانة , امتى الدنيا بتشتي كبة ؟.

Page 8

ومنها القطة البيضاء والكلب الأسود

كان في قطة بيضاء صغيرة ، تمشي في الطريق بغندرة . وجدت أمامها درخوش في ليلة مقمرة. مدت يدها فيه طلعت محنّاية. نظرت إلى السماء رجعت مكحلة. مرّت على بيت السلطان، لبسوها بدلة كتّان.

مرت على بيت الوزير, لبسوها ثوب حرير. مرّت على بيت القاضي، لبسوها قلادة. رجعت إلى البيت متل العروس. لاقاها في الطريق كلب أسود رذيل، أراد أن يشلّحها ثيابها وقلادتها. قالت له: افعل مثل ما فعلت، تنال مثل ما نلت .

طمع الكلب وذهب إلى الدرخوش، مدْ يده طلعت مقطوعة. نظر إلى السماء، رجع أعمى. مر على بيت السلطان، ضربوه بالقضبان. مر على بيت الوزير، ضربوه بالجنازير. مر على بيت القاضي، مسكوه ورموه بالوادي .

ومنها المرأة القصيرة

كانت امرأة قصيرة، عندها دار صغيرة. كنّستها، نظفتها، رشّتها كويّس. وجدت فيها فليس، اشترت فيه دبيّس، وضعته على الرف. هدّت عليه دبانة، قالت لها كش، ردت عليها: ما بكش. قالت: كش. ردت: ما بكش. قالت: كش. ردّت ما بكش. راحت اشتكت عليها للقاضي. فكّر القاضي وقال: وين ما شفتي دبانة، اضربيها بالشحّاط. ما خلّص القاضي كلامه حتى وقفت دبانة على ذقنه. شلحت الشحّاط وضربتها.

صرخ القاضي: أخ لم فعلت ذلك ؟ . ردّت عليه: أنت قلت ذلك.

وقد رصدت من هذه المقدمات والفرشات عدداً قليلاً، بسبب موت الجدّات أصحاب الحكاية الأصلية ،ونسيان أغلبها من قبل حفظة الحكايات من الجيل الثاني.

هذه نماذج من المقدمات والفرشات التي تستهل الجدّة بها حكايتها الجميلة التي تعبّر عن وعي الذاكرة الشعبية لضرورتها والتي تدل على الإبداع في الأدب الشعبي المميز وطبيعة الثقافة السائدة والنفسية الخاصة لعامة الشعب.

وكما تختلف مقدمة الحكاية من الرجل إلى المرأة فإن اللغة والألفاظ المرافقة للقص أيضاً تختلف بينهما. فالمرأة تستخدم ألفاظ:(يا عيني - يا بعد روحي – تقبرني – يا ويلي – يا خطيتو ـ المعتّر.. . الخ ) من الألفاظ التي لا يستعملها الرجال. لذلك إذا كُتبت الحكاية الشعبية بألفاظها الأصلية وروحها وبيئتها الخاصة، يستطيع المستمع أو الدارس أن يميزّ بين الراوي المرأة والراوي الرجل.

Page 9

ما بقي في الميدان غير حديدان

كان يوجد ثلاثة أخوة الأول اسمه حديدان والثاني يسمى منيخلان والثالث اسمه قزيزان .

أرادوا أن يسكنوا على أطراف الغابة ...فبنى قزيزان بيتاً من القزاز . وبنى منيخلان بيتاً من ورق النخيل .وبنى حديدان بيتاً من الحديد . وعاشوا فترة من الزمن فرحين مبسوطين كل يعمل بعمله الذي منه بيته .

في ليلة الليالي أتت ضبعة شرسة تبحث عن صيد لها في أطراف الغابة فصادفت أولاً بيت قزيزان، فحطّمت الزجاج ودخلت عليه وأكلته ...في الليلة الثانية جاءت إلى بيت منيخلان، فقطّعت النخيل ودخلت عليه وأكلته ...في الليلة الثالثة أتت فوجدت أمامها بيت حديدان فقط ، فحاولت تحطيمه ونطحته مرتين فلم تؤثر فيه في المرة الثالثة نطحته فتحطّم رأسها وماتت في الحال ...وبقي البيت صامداً كما كان. فنجى حديدان وبقي وحده في الميدان ...

Page 10

سنيسل ورباب

كان في عنزة اسمها ( العنزة العنوزية ) وعندها ولدان واحد اسمه سنيسل، والثاني اسمها رباب، ربتهما واعتنت بهما، وكانت كل يوم تذهب إلى الحقل لترعى، وتجمع بعض الحشيش الطري، وتعود في المساء فيأكل الولدان وينامان في أحضانها بسرور وأمان. وكانت توصيهما كلّما خرجت ألاّ يفتحا لأحد الباب مهما كان، إلاّ بعد أن يتأكدا منها ويسمعا صوتها وهي تنادي عليهما وتقول :

يا سنيسل يا رباب، افتحو لأمكم الباب

حشيشاتا بقروناتا، حليباتا ببزيزاتا

مرّت الأيام والوضع على هذا الحال وهم عايشين مبسوطين، إلى أن مرّت الضبعة من جهة بيت العنزة وكانت تتجول وتفتش عن طعام لها، فرأت العنزة تخرج من البيت تاركة الأولاد وحيدين، فاستغلّت الفرصة لتأكلهما فطرقت الباب فلم يفتح لها أحد، فقالت أنا أمكم يا أولاد فلم يردّ عليها أحد، وقد عرف الأولاد أنها الضبعة وليست أمهم، وبقيت على هذا الحال حتى حان وقت عودة العنزة، فاختبأت وراء الجدار تراقب العنزة، فرأت وسمعت ما تقول العنزة حتى فتح لها الأولاد الباب .

في اليوم التالي جاءت الضبعة بعد خروج العنزة، وقد ركبت قروناً من عجين على رأسها، ووضعت عليهما بعض الحشيش وطرقت الباب، وقالت مقلّدة صوت العنزة :

يا سنيسل يارباب، افتحو لأمكم الباب

حشيشاتا بقروناتا، حليباتا ببزيزاتا

سمع الولدان الصوت فشكّا بها، ونظرا من ثقب الباب فشاهدا الحشيش على القرون كالعادة فانخدعا وفتحا الباب، فدخلت الضبعة وأمسكت بهما، وحملتهما إلى مغارتها وابتلعتهما ونامت .

عادت العنزة في المساء فوجدت الباب مفتوحاً والولدان مختفيان، ورأت آثار الضبعة وقرون العجين على الأرض، فعرفت ما حصل وغضبت منها أشد الغضب، وتجهّزت ولبست عدّة القتال، وسنّت قرونها وحوافرها وتبعت آثار الضبعة حتى المغارة، فصعدت على ظهر المغارة وصارت تدبّك عليها، فسمعت الضبعة الدربكة فصرخت الضبعة: ( مين عمّا يدبّك على سطوحنا ) .

فردّت عليها العنزة بصوت قوي وهي تقول:

أنا العنزة العنّوزية أم قرون الذهبية

يا للي أكل سنيسل ورباب يلاقيني في البرية

خافت الضبعة وتردّدت بالخروج، لكن العنزة تابعت التدبيك والتحدّي، حتى اضطرت أخيراً لقبول التحدّي والنزال، فصنعت قروناً من العجين وشوتها وسنّتها جيداً، ثم ركبتها على رأسها وخرجت للنزال وهي تقول:

أنا الضبعة الضبّوعة أم قرون معيوقة

أنا أكلت سنيسل ورباب وراح آكل أمهم المعجوقة

هجمت الضبعة على العنزة ونطحتها بقوة بقرونها، فتكسرت القرون وتفتّت نتفاً على الأرض ولم تؤثر على العنزة.

ثم تهيأت العنزة وهجمت عليها بكل قوتها، ونطحتها بقرونها المسنونة فارتمت ميتة على الأرض، فشقّت بطنها وخرج منه سنيسل ورباب وهم يبكون، فحملتهما على ظهرها وعادت بهما إلى البيت، واعتنت بهما وداوتهما حتى شفيا، ووضعت لهما الحشيش الأخضر الطري فأكلا حتى شبعا وناما مرتاحين ومسرورين.

في الصباح خرجت العنزة إلى المرعى، وأوصتهما أن لا يفتحا الباب لأحد إلاّ بعد أن يتأكدا منها، وألاّ ينخدعا بالمظاهر مرة أخرى وعاشوا جميعاً بأمان وسلام .