كلمة الناشر
هذه الطبعة الثانية لكتاب ((الحكم العطائية:شرح وتحليل)),قد استقر بها هذا السفر على وضعه النهائي بعد مراجعة المؤلف له المراجعة الأخيرة,وبعد متابعة دار الفكر,ليخرج في حلًة بهيًة تليق بالمضمون أصله وشرحه الرائع للكتاب.
على أن جهود الدار لم تقتصر على الإخراج والعناية بالطباعة والورق فحسب,وإنما كان لها مع هذا الكتاب خطوات, بدأت وئيدة منذ كان مشروعاً,واستمرت حتى انتهت إلى الغاية التي يرضى عنها الجميع.
بدأ المؤلف حفظه الله تعالى بشرح الحكم في حلقاته التي عقدها في المساجد, فأقبل عليها جمهرة الشباب وطلاب العلم والمثقفون, ظهر فيها نفس جديد في الشرح الحي للحكم المختزلة اختزالاً على النحو لا تتأتى فيه معانيها لكل أحد,فأبدى المؤلف محاسنها, وتوقف عند مغاليقها, وسلًط النور على زواياها,وقرأ ما وراءها, حتى تجلت للناس كالشمس في رابعة النهار الربيعي الصاحي.
وشايعت دار الفكر هاتيك الحلقات التي لقيت قبولاً, فسجلتها في أشرطة سماعية وأخرى مرئية, ذلك لأن الموضوع يهمها, وهو موضوع تزكية النفوس والرقي بها لبناء المجتمع المنشود, المجتمع المتحضر الذي صنعته تلك النفوس المتزكية بأخلاقها الرائعة وإيمانها الراسخ وإرادتها القوية. فكان مجتمع هداية للعالم كله..
ثم إنً الدار مع استمرار الحلقات حرصت مع المؤلف على إصدارها في كتاب ينتفع الناس به, يرجعون إليه كل حين, يقرؤونه كلما اضطربت بهم الحياة, والتوى بين أنظارهم الطريق المحيًر..
فأفرغت لهم شرائطه, وحوًلتها إلى صفحات مسدًدة, أعمل فيها المؤلف سلًمه الله قلم المراجعة والتعديل الذي يقتضيه كل عمل شفوي تسجله الاقلام.. وانتهى إلى الشكل الذي رضي عنه واطمأن إليه.
وإيماناً من الدار وتطوير العمل وتحسينه دوماً وخدمه الكتاب على الوجه المنهي الراقي فقد اقترحت على المؤلف أن يعيد النظر في عباراته, لإخراجه في طبعة ثانية, ففعل مأجوراً إن شاء الله مشكوراً
لتكون هذه الطبعة في مجلداتها الأربعة بدل الطبعة الأولى بأجزائها الخمسة.
وليكون معها في هذه المرة قرص مدمج (c.d) هدية من الدار, مسجلً بصوت المؤلف بارك الله بمساعيه, يتضمن فقرات هامة من دروسه في الكتاب, من أجل أن تضع القارئ الذي فاتته الحلقات في جو الموضوع وموارده الأولى.. ولمن يحب أن يستمع إليه في السيارة أو في المنزل أو المكتب.
ومضت الدار في خطوة أبعد من هذا فأخذت تهيئ بعض الحلقات المشار إليها لإخراجها وعرضها في بعض القنوات الفضائية, ليعم نفعها جمهور المتابعين الحريصين على الفائدة.
وإذن ففي الكتاب بطبعته الثانية مستجدات في والإخراج وفي الأسلوب وفي الطباعة وفي تقسيم الأجزاء ترجو من وراء ذلك دار الفكر أن تكون قدمت النافع في المضمون أولاً, وفي الشكل ثانياً.
نسأل الله عز وجل أن ينفع بالكتاب..
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربً العالمين
دار الفكر
* * *
الإهـداء
إلى كل تائه عن الله، لم تجذبه عنه عصبية لذات أو مذهب، وإلى كل جاحد بالحق لم يحجبه عنه استكبار أو عناد، أقدم هذا الكتاب الجامع بين موازين العقل ونفحات الروح، عسى أن يجدوا فيه من شعاع النور والهداية ما لم يجدوه في المجادلات المنطقية والصراعات الفلسفية.
والله ولي كل هداية وتوفيق.
مقدمة الطبعة الأولى
الحمد لله الذي تفضل عليّ فسخر لساني وقلمي للتعريف بدينه، وأنهضني بواجب الدعوة إلى شرعه، أسأله عز وجل أن يقدرني على الشكر الذي يرضيه على نعمته الجليلة هذه، وأن يتوجها بأجلّ نعم الدنيا بعد الإيمان، ألا وهي نعمة الإخلاص لوجهه، وأن يقصيني من حظوظ نفسي التائهة الأمارة.
وأصلي وأسلّم على عبده ونبيه محمد خاتم المرسلين وسيد ولد آدم يوم الدين، وعلى آله وصحبه والتابعين وتابعيهم بإحسان.
وبعد، فقد شرفني الله عز وجل، على ضعفي وعجزي وعدم أهليتي، بقراءة حكم ابن عطاء الله رحمه الله تعالى، والتعليق عليها بما فتح الله به عليّ، خلال سلسلة الدروس التي بدأت إلقاءها عام 1974 في مسجد السنجقدار بدمشق، ثم في مسجد تنكز، ثم في مسجد الإيمان في البلدة ذاتها.
ومنذ ذلك العهد، والناس الذين سمعوا بتعليقاتي هذه، أو استمعوا إلى بعض من تسجيلاتها، يقترحون ويلحّون عليّ أن أفرغ حصيلتها في كتاب.
ولا أشك أن هذا الإلحاح الشديد الذي تطاول أمده إلى هذا اليوم، والذي كان ولا يزال يتجه إليّ من سائر البلدان والبقاع، يعود إلى الحب الساري إلى أفئدة الناس لهذه الحكم الربانية العجيبة، وهو حب قديم متجدد.. ويرحم الله من بالغ فقال: «لو جازت الصلاة بشيء غير القرآن، لجازت بحكم ابن عطاء الله»!..
وليس بِدْعاً أن أكون واحداً ممن عشق هذه الحكم، وأن أكون واحداً ممن أدلى بدلوه في شرحها والتعليق عليها، وإن كنت على يقين بأني لست أهلاً لبلوغ المعاني السامية والأسرار القدسية الكامنة في تضاعيفها.
واليوم، وقد بدأ إخوة كرام من موظفي دار الفكر بدمشق بتفريغ التسجيلات التي حوت سلسلة تلك الدروس، دروس الحكم العطائية، مع استمرار إلحاح الملحّين بتفريغها في كتاب، لا يسعني إلا أن أعكف على صقلها وإعادة صياغتها، والتوسع فيها، وتحويلها من نسق دروس تلقى على مسامع الناس إلى نظام كتاب يبقى للقراءة والتدبر.
وهذا التحويل يحتاج إلى تغيير في الأسلوب، وحذف للمكررات، وصقل للعبارات، والله المستعان أن يبارك لي في الوقت، وأن يكرمني بمزيد من التوفيق، حتى أنهي هذا العمل، الذي طال تسويفي له، بعد عزمي القديم عليه، في أقصر وقت ممكن. إنه البَرُّ الرحيم والسميع المجيب.
* * *
كلمة عن كتاب (الحكم) وصاحبه:
هو الإمام الملقب بتاج الدين، أحمد بن محمد بن عبد الكريم.. ابن عطاء الله السكندري المالكي، المتوفى عام 709 من الهجرة. فهو من أعيان القرن السابع الهجري. وقد بدأ فتفقه ودرس التفسير والحديث واللغة والأدب على شيوخ له في مصر، ثم توج حياته العلمية بالسلوك التربوي والسعي إلى تزكية النفس على يد عالمين جليلين جمع كل منهما بين ضوابط العلوم الشرعية وأصول تزكية النفس من أمراضها التي سماها الله «باطن الإثم» أما أحدهما فهو الشيخ أبو العباس المرسي أحمد بن عمر الذي اشتهر إلى جانب غزارة العلم بالصلاح والتقوى. وأمّا الآخر فهو الشيخ أبو الحسن الشاذلي علي ابن عبد الله، وهو المرجع الأول في الطريقة الشاذلية. وقد توفي الأول منهما عام 686هـ، أما الثاني فقد توفي عام 656 هـ.
لمع اسم ابن عطاء الله عالماً من أجلّ علماء الشريعة، مصطبغاً بحقائقها ولبابها التي تُحَرِّرُ الإنسان من حظوظ النفس والهوى، وترقى به إلى سدة الصدق مع الله، وتمام الرضا عنه، وكمال الثقة به، والتوكل عليه. ودرّس علوم الشريعة في الأزهر، وتخرج على يديه كثير من مشاهير العلماء، من أمثال الإمام تقي الدين السبكي، والإمام القرافي..
وكان إذا جلس للنصح والوعظ والتوجيه، أخذ حديثه بمجامع القلوب، وسرى من كلامه تأثير شديد إلى النفوس. شهد له بذلك أقرانه الذين كانوا في عصره، والعلماء الذين جاؤوا من بعدهم، على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم.
أما كتابه (الحكم) فلا أعلم كتيّباً صغيراً في حجمه انتشر في الأوساط المختلفة كانتشاره، وتقبلته العقول والنفوس كتقبلها له!..
هو مجموعة مقاطع من الكلام البليغ الجامع لأوسع المعاني بأقلّ العبارات.. كلها مستخلص من كتاب الله أو من سنة رسول الله علية الصلاة والسلام.
وهي تنقسم إلى ثلاثة أقسام: أما القسم الأول منها فيدور على محور التوحيد وحماية المسلم من أن يتسرب إليه شيء من المعاني الخفية الكثيرة للشرك، وأما القسم الثاني فيدور على محور الأخلاق وإلى تزكية النفس وأما القسم الثالث فيدور على محور السلوك وأحكامه المختلفة.
وقد تسابق كثير من العلماء في عصور مختلفة إلى كتابة شروح لهذا الكتيّب الصغير في حجمه والكبير في آثاره ونفعه، ويبدو أن أكثرهم إنما اندفعوا إلى ذلك ابتغاء التبرك به وأملاً في أن ينالهم شيء من نفحاته، لا سيما بعد أن تأكد لهم أن كثيرين من طلاب العلم في الأزهر فتح الله عليهم ورفع لهم من حياتهم شأناً بنفحاته وبركاته.
* * *
حِكَم ابن عطاء الله والتصوف:
سيقول بعض الناس: إن العكوف على دراسة هذه الحكم إنما هو انصراف إلى (التصوف). والتصوف شيء طارئ على الإسلام متسرب إليه، فهو من البدع التي حذر منها رسول الله علية الصلاة والسلام إذ قال: «.. وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة»[1].
وأقول في الجواب: أما الأسماء والمصطلحات فلا شأن لنا بها ولا نتعامل معها. وها أنا منذ الآن سأبعد كلمة (التصوف) هذه، من قاموس تعابيري وكلماتي، مع العلم بأن الأسماء والكلمات ليست هي التي توصف بأنها الإسلام أو هي البدع الطارئة عليه، وإنما الذي يوصف بهذا أو ذاك، مسميات الأسماء ومضامينها والمعاني التي جاءت الأسماء والمصطلحات معبراً عنها وخادماً لها.. فالمصطلحات والأسماء ليست هي المعنيّ بقول رسول الله علية الصلاة والسلام: «محدثات الأمور» وإنما المعنيّ بها المعاني والمسميات التي تتمثل في معتقدات زائغة أو سلوكات باطلة.
ولكني، على الرغم من هذا، لن أتعامل مع الأسماء والمصطلحات الحديثة التي تثير حساسية بعض الناس الذين يتعاملون مع الأسماء والمصطلحات والشعارات أكثر مما يقفون على جوهر المعاني والمسميات. ولذا فلسوف أحاول أن أشطب كلمة (التصوف) هذه من ذاكرتي، فإن لم أستطع إلى ذلك سبيلاً، فلا أقل من أن أبعدها عن قاموس تعابيري وكلماتي خلال رحلتي هذه كلها في خدمة حكم ابن عطاء الله وتجلية معانيها.
على أن ابن عطاء الله أيضاً لم يدن إلى هذه الكلمة في شيء من حكمه هذه قط. بل إني لم أجده يعرّج على هذه الكلمة في أي من كتابيه (لطائف المنن) و(التنوير في إسقاط التدبير) وهما الكتابان اللذان أتيح لي أن أقرأهما وأستفيد منهما بالإضافة إلى الحكم.
إذن فلننظر فيما سنصغي إليه من هذه الحكم إلى اللباب والمعاني، ثم لنضع هذه المعاني كلها في ميزان كتاب الله وسنة رسوله. فما وافق من ذلك هذا الميزان قبلناه، وما خرج عليه وشرد عنه رددناه.
الإحسان وموقعه من الإسلام والإيمان:
ولرسول الله علية الصلاة والسلام كلام عن الإحسان وأهميته والتعريف به في الحديث الذي يرويه مسلم في صحيحه من حديث عمر بن الخطاب، يقول فيه جواباً عن سؤال جبريل له: « الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ».
فهل سَاءَل أحدنا نفسه عن وجه الحاجة إلى الإحسان، بعد أن وضعنا رسول الله علية الصلاة والسلام أمام حقيقة كل من الإيمان والإسلام؟
وهل تساءلنا عن موقع الإحسان وعن وظيفته بعد وجود كل من الإسلام والإيمان؟
إن سيرة رسول الله علية الصلاة والسلام وسيرة أصحابه البررة الكرام، يبرز كل منهما وجه الحاجة إلى الإحسان، ويبرز الموقع الذي يشغله الإحسان بين قطبي كل من الإسلام والإيمان، لا سيما لدى المقارنة بين حياة رسول الله علية الصلاة والسلام وحياة أصحابه من جانب، وحياتنا نحن المسلمين والمؤمنين أيضاً من جانب آخر.
من المعلوم أن أركان الإيمان إنما تغرس يقيناً في تربة العقل، في حين أن أركان الإسلام سلوك يصطبغ به الكيان والأعضاء.
ولكن فما هو السلك الذي ينقل شحنة اليقين العقلي قوة دافعة إلى الأعضاء والكيان الجسدي؟..
لعلك تقول: لا حاجة إلى هذا السلك؛ فيقين العقل بأمر ما، يكفي وحده حافزاً إلى السلوك المناسب له.
غير أن هذا التصور باطل من الناحية العلمية، وهو باطل على صعيد الواقع الدائم المرئي!!..
كثيرون هم الذين آمنت عقولهم بالله، ولكن سلوكهم ناقض مقتضيات هذا الإيمان وخاصمه.. جمع كبير من هؤلاء كانوا على عهد رسول الله علية الصلاة والسلام، وجموع أكثر من هؤلاء أنفسهم، يملؤون اليوم رحب العالم، وهم الذين قال الله تعالى عنهم: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل: 27/14] .
والسبب العلمي في ذلك أن العقل ليس هو الحافز الوحيد في كيان الإنسان إلى السلوك، بل يزاحم العقلَ وينافسه في ذلك العصبياتُ والأهواء والأغراض، والعواطف بأنواعها، لا سيما «الدافعة»[2] وإذا لم يمتدّ بين العقل وكيان الإنسان هذا السلك الذي نتحدث عنه، فإن العقل لا بدّ أن يصبح هو المغلوب والمهزوم في هذا العراك. وعندئذ يصبح زمام السلوك بيد هذه العوامل الأخرى المتمثلة في العصبية والأغراض والأهواء ورياح العواطف المضادّة.
وانظر إلى واقع أكثر الناس، تجده مصداقاً لما أقول.
إذن، فلكي يمتدّ شريان (الإحسان) في عبادات المسلم وقرباته، بحيث يعبد الله كأنه يراه، لا بدّ أن يسري من العقل الذي آمن إلى الأعضاء التي استسلمت وأسلمت، سِلْكٌ من التأثير والفاعلية، بحيث يغدو المسلم يقظاً لحقائق إيمانه متفاعلاً بشعوره معها أثناء النهوض بطاعاته وعباداته.
فما هو هذا السلك؟ ومن أي شيء يتكون؟
إنه الإكثار من ذكر الله وتذكره، والإكثار من مراقبة الله والتنبه الدائم إلى مراقبة الله للعبد.. وخير سبيل إلى هذا التذكر الدائم، والوقوف المستمر تحت مظلة المراقبة الإلهية، ربط النعم بالمنعم، بحيث كلما وفدت إليه نعمة تذكر الإله الذي تفضل بها عليه، وهيهات لسلسلة النعم الإلهية أن تنقطع في لحظة من اللحظات عن العبد؛ إن هذا الإنسان الكريم على الله عز وجل، محاط من الأرض التي يعيش فوقها بآلاف النعم، ومستظل من السماء التي تعلوه بآلاف النعم، ومحشوّ من فرقه إلى قدمه بآلاف النعم، هذا كله بالإضافة إلى النعم الوافدة المتجددة التي لا حصر لأنواعها فضلاً عن عدّها وإحصائها.
فإذا عوّد العبد نفسه وأيقظ ذاكرته لتذكر الإله المنعم المتفضل، كلما أقبلت إليه نعمة منها، أو كلما تعامل مع واحدة منها، واستمر على هذا المنوال، اهتاجت بين جوانحه محبة عارمة لإلهه المنعم المتفضل، إذ إن النفوس مجبولة على حبّ من قد أحسن إليها. وكلما ازداد هذا العبد المغمور بنعم الله ذكراً وتذكراً لربه ازدادت محبته له رسوخاً وازداد تعظيماً ومهابة له.
ثم إن هذه المحبة الراسخة تلعب دوراً كبيراً في طرد محبة الأغيار من القلب، أو في تحجيمها وحصرها في زاوية ضيقة من الفؤاد الذي غدا جلّه ساحة لمحبة الله عز وجل وتجلياته. فتذوب في ضرام هذا الحب عصبيته للذات والمذهب ويتراجع سلطان أهوائه التي كانت مهيمنة على نفسه، وتذبل مشاعره الغريزية التي تتحكم بكيانه وتصرفاته. ويغدو عندئذ هذا الإنسان مظهراً للمؤمنين الذين وصفهم الله في قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [البقرة: 2/165] .
فهل تتصور أن يقبل هذا المحب إلى صلاته دون أن يكون محسناً في أدائها، أي دون أن يشعر بأن الله يراه إذ يناجيه وإذ يركع ويسجد بين يديه؟ أم هل تتصور أن تأتي مشاغله الدنيوية وأهواؤه الغريزية فتحجبه عن تذكر الله ومراقبته وتنسيه نجواه لله في صلاته؟
لا تتصور أن يكون شأن هذا العبد المحب على هذا المنوال، ما دام أن هذا السلك الذي حدثتك عنه قد امتدّ نابضاً بذكر الله عز وجل ما بين مركز الإيمان في العقل ومركز الإسلام في الأعضاء والكيان.
* * *
والآن، من ذا الذي يجهل أن هذا الإحسان الذي دعا إليه رسول الله علية الصلاة والسلام هو لباب الإسلام، بل هو الجامع المشترك بين الإيمان والإسلام؟!.. وهل الإسلام بدون هذا الإحسان إلا كجسد لا روح فيه، أو كتمثال لا حراك فيه؟ وهل يتعايش الازدواج بين شكل الإسلام وألفاظه، والاستغراق في حمأة الشهوات والأهواء، والخضوع للأغراض والعصبيات، في الواقع المعيشي والمرئي في حياة كثير من الناس، إلاّ لأن صلة ما بين العقل المؤمن والكيان المسلم أو المستسلم غائبة أو مقطّعة، لم يمتدّ بينهما سلك الإحسان الذي لا سبيل إليه إلا عن طريق الإكثار من ذكر الله وتذكره بالنهج الذي حدثتك عنه؟!..
وإذا ثبت أن السبيل إلى ذلك هو أن يأخذ المسلم نفسه بالإكثار من ذكر الله الذي هو سلّم
الوصول إلى محبة الله، والذي هو المدخل الذي لا بدّ منه إلى تزكية النفس، فهل في المسلمين من يُهَوِّنُ من شأن هذا العلاج، فضلاً عن أن ينكره ويدفع به إلى قائمة البدع والمستحدَثات.
وكيف يتأتّى للمسلم الصادق في إسلامه أن ينكره، والقرآن مليء بالآيات الآمرة بالإكثار من ذكر الله والمحذرة من الاستسلام للغفلات، وبالآيات الآمرة بالسعي إلى تزكية النفس وتطهيرها من أوضارها التي سماها الله «باطن الإثم».
فإذا جاء من يرشد تلامذته ومريديه إلى اتباع هذا السبيل، ينبههم إلى أهمية السعي إلى تزكية النفس عن طريق نقل الإيمان بالله من مجرد قناعة أو يقين مغروس في العقل إلى عاطفة من الحب والخوف والتعظيم تهيمن على القلب، ونظّم لهم إلى ذلك منهاجاً من الأوراد والمأثورات، يأخذون بها أنفسهم، ليخرجوا بذلك من تيه الغفلة إلى صعيد الذكر؛ فالمشاهدة بعين البصيرة، وليتحققوا عندئذ بالإحسان الذي يجعلهم أثناء قرباتهم وعباداتهم كأنهم يرون الله.. أقول: إذا جاء من يرشد تلامذته ومريديه وإخوانه إلى هذا النهج، أفيكون قد أساء صنعاً من حيث إنه نفذ أوامر الله وتعاليم رسول الله في حق نفسه أولاً، وفي حق إخوانه وأصحابه ثانياً؟!..
ومن هم الذين عناهم بيان الله بقوله عز وجل: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 41/33] ، والذين عناهم رسول الله علية الصلاة والسلام بقوله: «لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمْر النعم» إن لم يكن هؤلاء المرشدون الناصحون في مقدمتهم؟
ثم إذا جاء من يطلق على الالتزام بهذا النهج الرامي إلى هذا الهدف التربوي القدسي، اسم (التصوف) أو (علم السلوك) أو (فنّ التزكية) أفتكون هذه التسمية مزهقة لشرعية المضمون، موجبة لإبطال الحق، وإحقاق الباطل؟!.. على أن بوسعك أن تلتقط المنهج والمضمون وتلقي الاسم والمصطلح وراء ظهرك، أو حتى إن -شئت- تحت قدمك، وبذلك تصلح ما ترى أنه خطأ، وتقوّم ما تعتقد أنه معوج، المهم ألاّ تأخذ الجار بظلم الجار، وتعاقب المسمى البريء بجريرة الاسم.
* * *
فإن جاء من يقول: ولكن هذا النهج الإرشادي تسرب إليه مع الزمن كثير من البدع التي لا يقرها قرآن ولا سنة، قلنا له: أنت مشكور على غيرتك على شرع الله ألاّ يتسرب إليه دخيل وألاّ يختلط به ما ليس منه.
ولكن الغيرة على الحق لا تتمثل في أن تعود فتأخذ الجار بظلم الجار، وفي أن تزهق الحق من أجل الباطل الذي تسرب إليه.
إن استنكار المشروع من سبل تزكية النفس وبلوغ درجة الإحسان، من أجل البدع التي تسربت
إليه، هو دعوة غير مباشرة إلى هذه البدع، وإغراء خفي بقبولها وبالتعامل معها. ولعل من أهم أسباب انتشار هذه البدع وعكوف فئات من الناس عليها باسم التصوف ونحوه، هذا اللون من الاستنكار الذي يهدف إلى هدم الدار كلها، من أجل أرائك غير مريحة فيها!!..
حدّد البدعة التي عثرت عليها ضمن كلٍّ من الطاعة المشروعة، ثم ركز إنكارك عليها، مدافعاً عن بقية الكل، داعياً إليه، منبهاً إلى أهميته، يذوي عندئذ العشب الدخيل، والغصن الطفيلي الضار، ويزهو النبات الأصيل صافياً عن الأوضار والشوائب.
إن المسلمين اليوم في ظمأ شديد إلى العاطفة الدينية التي حرمتهم منها قسوة المتطلبات الدنيوية وفتنة المغريات المستشرية.. فإن أتيح لهم من يهديهم إلى مواردها الشرعية الصافية عن شوائب البدع، فلسوف يركنون إليها ويسعدون بها، ويصلون منها إلى ريٍّ لا غصص فيه. وإن لم يجدوا أمامهم إلا من يصدّهم ويردّهم ويحذرهم من هذه الموارد العاطفية التي داخلتها البدع، دون أن يرشدوهم إلى أي بديل، فلسوف يستجيبون لنداء ضروراتهم الملحة، ويعرضون عن التحذيرات التي لا بديل عنها إلا الظمأ القتّال.
ولا شك أن توجيه هؤلاء الظمأى إلى حِكَم ابن عطاء الله وأمثالها، إنما هو توجيه إلى مورد لعاطفة إسلامية صافية عن الشوائب، بعيدة عن عكر البدع والمنكرات، ولسوف توصلهم إن هم أخذوا أنفسهم بنصائحها إلى صعيد باسق من محبة الله وتعظيمه والمخافة منه والرضا عنه والثقة به والتوكل عليه. وهل يصلح إيمان بالله بدون هذا كله؟
والواقع المرئي أمامي خير شاهد على ذلك.. عندما استخرت الله في تدريس حكم ابن عطاء الله في لقاء عام في المسجد، ظننت أن الجمع الكثيف والكثير الذين تعودوا على حضور دروسي سيتفرقون ويعرضون.. زهداً منهم في هذه البحوث التي تنعت على ألسن كثير من الناس بالتصوف، ولكني فوجئت بنقيض ذلك، لقد ازداد الجمع المواظب تعلقاً وثباتاً، وأقبلت من ورائهم فئات شتى من سائر المشارب والاتجاهات والطبقات، وفيهم من لم يكن ملتزماً بسلوك إسلامي قط.. ساقهم جميعاً الظمأ العاطفي الذي أشعرتهم به الفطرة الإيمانية التي لم يحرم الله منها أحداً من عباده. وكان من حسن الحظ أن المورد الذي اجتمعوا عليه مورد شرعي سلفي سليم خال من الشوائب، وحسبك أنه المورد الذي تمثل في حكم ابن عطاء الله.
فليتق الله أولئك الذين ينتقمون من البناء كله من أجل خطأ في تصميم إحدى نوافذه، أو يحرّمون الطعام الطاهر الطيب من أجل استنكارهم لاسمه!!..
وأعود في نهاية هذه المقدمة، لأذكّر بالعهد الذي قطعته على نفسي، ألاّ أتعامل فيما قد فتح الله عليّ من شرح (الحكم) إلا مع المضامين والمسميات، وألاّ أعرِّج على اسم التصوف في قليل أو كثير.
والله المسؤول أن يهبنا من جذوة الإخلاص لوجهه، ومن صدق التوجه إلى معالجة أمراضنا النفسية الوبيلة المهلكة، ما يبصّرنا بضرورة سلوك النهج الذي ذكرته في هذه المقدمة، والذي ستتجلى تفاصيله في الصفحات التالية، بفضل الله وتوفيقه.
الحكمة الأولى
«من علامة الاعتماد على العمل
نقصان الرجاء عند وجود الزلل»
الاعتماد على العمل أهو في الشريعة أمر محمود أم مذموم؟
يقول لنا ابن عطاء الله: إياك أن تعتمد في رضا الله عنك وفي الجزاء الذي وعدك به على عمل قد فعلته ووفقت له، كالصلاة، كالصوم، كالصدقات، كالمبرات المختلفة، بل اعتمد في ذلك على لطف الله وفضله وكرمه.
هل هنالك من دليل على هذا؟ نعم، إنه حديث رسول الله علية الصلاة والسلام الذي رواه البخاري وغيره: «لن يُدْخِلَ أحَدَكُم الجنةَ عملُه» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته».
إذن فالعمل ليس ثمناً لدخول الجنة، وإذا كان الأمر كذلك فالمطلوب إذا وفقت لأداء الطاعات أن تطمع برضا الله وثوابه، أملاً منك بفضله وعفوه وكرمه، لا أجراً على ذات العمل الذي وفقت إليه.
وهنا يقول: ومن أبرز الدلائل على اعتمادك على العمل لا على فضل الله، نقصان رجائك بعفوه تعالى عند تلبسك بالزلل أي عندما تتورط في المعاصي والموبقات.
إن هذا يعني أنك عندما كنت ترجو كرم الله وعطاءه إنما كنت تعتمد في ذلك على عملك فلما قلَّ العمل وكثرت الذنوب غاب الرجاء!.. فهذا هو المقياس الدال على أنك إنما تعتمد في رجائك على عملك لا على فضل الله سبحانه وتعالى وكرمه.. هذا هو باختصار معنى حكمة ابن عطاء الله رحمه الله.
ثم إن هذه الحكمة لها بُعْدٌ هام في العقيدة، وبعد هام يتجلى في السنة.. في كلام سيدنا رسول الله علية الصلاة والسلام، ولها بعد ذلك بُعد أخلاقي تربوي، وسنأتي على بيان ذلك كله إن شاء الله.
* * *
ولنعلم بهذه المناسبة أن حكم ابن عطاء الله مقسمة إلى ثلاثة أقسام :
القسم الأول منها يدور على محور التوحيد.
القسم الثاني يدور على محور الأخلاق.
والقسم الثالث يتعلق بالسلوك وتطهير النفس من الأدران.
ولنبدأ ببيان البعد الاعتقادي وتحليله في هذه الحكمة الأولى:
يقول صاحب جوهرة التوحيد:
فإن يُثِبْنا فَبِمَحْضِ الفَضْلِ
وإن يعذِّبْ فبمحضِ العَدْلِ
هذه هي العقيدة التي ينبغي أن يصطبغ بها كل إنسان مسلم.. وعلى هذا درج السلف الصالح رضوان الله عليهم.
قد يقول قائل: بل الظاهر أن الثواب الذي نستحقه إنما هو على العمل الصالح الذي عملناه.
ولكننا لو تأملنا، وأمعنا النظر، في علاقة ما بين العبد وربه، لأدركنا أن الأمر ليس كذلك.
ما معنى قولك: إن الله إنما يثيبني بعملي.. وإنما يدخلني الجنة بعملي..؟ معنى هذا الكلام أن الله عز وجل رصد قيمة للجنة، لا تتمثل في دراهم أو في سيولة مالية، وإنما تتمثل في العبادات والطاعات والابتعاد عن المحرمات. فإن فعلت الطاعات واجتنبت النواهي، فقد بذلت الثمن، ومن ثم فقد أصبحت مستحقاً للبضاعة التي اشتريتها!.. عندما تقول: إنما أثاب بالعمل الذي قدمتُه، فهذا هو معنى كلامك.. فهل الأمر هكذا في حقيقته؟.. أي هل إنك عندما تؤدي الأوامر التي طلبها الله عز وجل منك تصبح مستحقاً للجنة ومالكاً لها بعرق جبينك، تماماً كما يستحق الذي اشترى بضع دونمات من أرض، بقيمة محددة دفعها لصاحبها الذي عرضها للبيع؟!.. لو تأملت لرأيت أن الأمر يختلف اختلافاً كبيراً.. أنا عندما أدفع قيمة هذا البستان نقداً كما طلب البائع فأنا أمتلك بذلك هذا البستان بدون أي مِنَّةٍ له عليّ، وبطريقة آليّة يقضي بها القانون. ومن حقي أن أقول له: اخرج من أرضي فقد دفعت لك قيمتها كاملة غير منقوصة.
ذلك هو شأن علاقة العبد مع العبد.. أما عندما يأمرك الله سبحانه وتعالى بالطاعات التي ألزمك بها، وينهاك عن المحرمات التي حذرك منها، ويوفقك الله فتؤدي الواجبات وتبتعد عن المحرمات، فإن الأمر مختلف هنا بشكل كلي.. من الذي أقدرك على الصلاة التي أديتها؟ من الذي أقدرك على الصوم الذي أديته؟.. من الذي شرح صدرك للإيمان؟ أليس هو الله عز وجل؟ وصدق الله القائل: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لاَ تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ} [الحجرات: 49/17] .
إذن هنالك فرق كبير بين الصورتين. من الذي حبّب إليك الإيمان وكرّه إليك الكفر والفسوق والعصيان؟ من؟ هو الله سبحانه وتعالى.. من الذي شرح صدرك وأقدرك على أن تأتي إلى بيت من بيوت الله فتحضر صلاة الجماعة ثم تجلس فتستمع إلى ما يقربك إلى الله سبحانه وتعالى؟ من؟ هو الله سبحانه وتعالى.. إذن فما يخيل إليك، من أن الطاعة ثمن دفعته من ملكك مقابل امتلاكك لجنة الله تعالى قياساً على الذي دفع أقساط الثمن من ماله الحر لكي يمتلك البستان، قياس مع الفارق الكبير.
إذن فلا يجوز أن تتصور أنك تستحق (تأملوا التعبير الدقيق الذي أستعمله: لا يجوز لك أن تتصور أنك تستحق) جنة الله سبحانه وتعالى وثوابه، لأنك قد قدمت له ما قد طلب، ولأنك قد فعلت ما قد أوجب، وابتعدت عما حرم، لا يجوز لك أن تعتقد هذا. ولو اعتقدت ذلك لكان نوعاً من أخطر أنواع الشرك.
ذلك لأن هذا الاعتقاد يعني أنك تؤمن بأن صلاتك بقدرة ذاتية منك، وأنك تفضلت بها على الله، وأن طاعتك التي أمرك الله عز وجل بها بحركة من كيانك، وكيانك ملك ذاتك، وقدرتك ملك ذاتك، فعملك أنت المالك له، وقدراتك أنت مبدعها وموجدها، والباري لا علاقة له بها. إذن فكأنك فيما تتخيل قدمت له هذه الطاعات على طبق، وقلت: ها هي ذي أوامرك قد أنجزتها كما تريد، بقدرة وطاقة ذاتية مني فأعطني الجنة التي وعدتني بها.
وهكذا تصبح العملية عملية بيع وشراء.. أعطيتك القيمة ومن حقي إذن أن أطالبك بالثمن!.. هل هذا هو منطق ما بين العبد وربه؟ أين أنت إذن من واقع عبوديتك لله؟.. أين أنت من الكلمة القدسية التي كان يعلمها رسول الله علية الصلاة والسلام أصحابه: «لا حول ولا قوة إلا بالله»؟. أين أنت من اليقين الإيماني الذي لا ريب فيه بأن الله سبحانه وتعالى هو الخالق لأفعال العباد؟.. من الذي يخلق أفعالنا نحن العباد؟ أظن أن العهد لم يطل بنا، في بيان الحق الذي هو عقيدة السلف الصالح، وهم أهل السنة والجماعة الذين يمثلهم الأشاعرة والماتريديون.. إذن فأنا عندما أحمد الله سبحانه وتعالى بلساني؛ ينبغي أن أشكر الله على أن حرك لساني بهذا الحمد.. وإذا قمت من جوف الليل لأصلي، ينبغي أن أثني على الله أنه وفقني للقيام بين يديه.. لولا حبه لي، لولا عنايته بي، لولا لطفه بي، لغرقت في الرقاد، ولما أكرمني بهذا الوقوف بين يديه. ولقد حدثتكم مرة بقصة فتاة صالحة كان تخدم في أسرة، وذات ليلة قام رب الأسرة من جوف الليل فرأى الفتاة تصلي في زاوية من البيت، وسمعها تقول وهي ساجدة: اللهم إني أسألك بحبك لي أن تسعدني.. أن تعافيني أن تكرمني.. إلى آخر ما كانت تدعو به. استعظم الرجل صاحب البيت كلامها هذا، وانتظرها حتى إذا سلَّمت من صلاتها، أقبل فقال لها: ما هذا الدلال على الله؟!.. قولي: اللهم إني أسألك بحبي لك أن تسعدني وأن تكرمني وأن... قالت له: ياسيدي لولا حبه لي لما أيقظني في هذه الساعة، ولولا حبه لي لما أوقفني بين يديه، ولولا حبه لي لما أنطقني بهذه النجوى..
لاحظوا أيها الإخوة: هذا هو التوحيد الذي ينبغي أن يصطبغ به كل منا، كيف تَـمْتَنُّ على الله بصلاتك وهو الذي وفقك إليها؟!..
فهذا هو المبدأ الذي عناه صاحب جوهرة التوحيد وكل علماء العقيدة عندما قالوا: «فإن يثبنا فبمحض الفضل» ثم قالوا: «وإن يعذب فبمحض العدل».
قد يخطر هنا في البال السؤال التالي: إذا كان الأمر كذلك، فما معنى قول الله عز وجل: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 16/32] ، ولقد كرر الله تعالى هذا الكلام كثيراً في بيانه القديم؟ وأقول لكم في الجواب ما يزيدكم حباً لله، ويزيدكم انغماساً في مشاعر العبودية له:
إن هذا الكلام قرار من طرف واحد هو الله عز وجل، لا من طرفين متعاقدين.. يوفقك الله للعمل، ويلهمك السداد، وتجأر على بابه بالدعاء: تقول: اللهم لا حول ولا قوة لي إلا بك، ناصيتي بيدك، تصرفها كما تشاء، فخذ بها إلى طريق السعادة والرشاد. فيستجيب الله دعاءك، ويشرح صدرك للخير، ويوفقك للعمل الصالح، ثم يقول لك يوم القيامة: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 16/32] ، فهل هذا الكلام منه عز وجل يعني تنفيذاً لعقد رضائي جرى بينك وبينه، كالعقد الذي يكون بين البائع والمشتري؟!..
لا، معاذ الله. إنه عز وجل عندما جعل عملك سبباً لدخول الجنة إنما فعل ذلك تفضُّلاً منه وإحساناً.
ولو أنك أبيت إلا أن تتصور أن المسألة بين الله وعباده معاوضة حق بحقٍ، وحملت هذه الدعوى معك إلى يوم القيامة، قائلاً لله تعالى: إنني أستحق الجنة والخلود فيها بأعمالي المطلوبة التي أنجزتها، وشاء الله عز وجل - بناء على دعواك هذه - أن يجرّك إلى الحساب الدقيق، لن يبقى لك عندئذ أي حق مما تدعيه. ولسوف يضمحلّ ذلك كله تحت سلطان عبوديتك لله وافتقارك إلى عونه وتوفيقه.
ولعل أقرب مثال إلى ما أقول ما ينهجه الوالد مع ابنه عندما يشجعه على الكرم وعمل الخير، يقول لابنه: إن أعطيت ذلك الفقير مبلغاً من المال فلسوف أكرمك بهدية، ويأتي الأب بالمال فيضعه خفية في جيب الطفل، ويستجيب الولد لطلب أبيه متأملاً ما وعده به من الإكرام، فيعطي الفقير مبلغاً من المال الذي دسه والده في جيبه. فيستبشر والده بذلك، ويعبر عن إعجابه بالكرم الذي اتصف ابنه به، قائلاً: لقد قمت بعمل إنساني عظيم، ولا شك أنك تستحق بذلك أجراً كبيراً ومثوبة عظمى.
من الواضح أن هذا عمل تربوي لبق يأخذ به الوالد ابنه. ولا ريب أن الولد سيعلم فيما بعد، أن المال الذي كان في جيبه إنما هو مال أبيه، وأن الإكرام الذي تلقاه منه باسم المكافأة والمجازاة على عمله الطيب، إنما هو لون من التحبب إليه ابتغاء دفعه إلى مزيد من هذا العمل الإنساني الجميل. فقول الله عز وجل: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 16/32] ليس إلا من هذا القبيل.
ورد في أكثر من خبر أن أحد عباد الله تعالى يقول يوم القيامة: يا رب حاسبني بعدلك وبما أستحق، فأنا عشت حياتي الدنيا كلها لم أعصك يوماً قط. فيذكّره الله بنعمة عينيه الباصرتين اللتين متعه الله بهما، هل أدّيت شكر هذه العين؟ ويوضع فضل الله عليه في ذلك في كفة، وتوضع كافة طاعاته وقرباته في الكفة الأخرى، فترجح كفة الفضل الإلهي على كفة الطاعات والقربات التي أقدره الله عليها.
لو أنك نظرت إلى نعم الله التي عشت حياتك الدنيوية تتقلب فيها لرأيت أن لحظة واحدة من لحظات تمتعك بهذه النعم أكثر وأطم من كل طاعاتك التي قمت بها.. أنت عبد لله سبحانه وتعالى، بقدرته تطيعه، برحمته تسير إليه، برحمته بك تتقرب إليه، إنني لأقول كما كان يقول والدي رحمه الله تعالى في بعض أدعيته: يا رب إني أشكرك ولكنك أنت الذي تلهمني شكري لك، فشكري لك يحتاج إلى أن أشكرك على أن وفقتني لهذا الشكر، وعندئذ يتسلسل الأمر، فأنت الخالق لكل شيء وأنت اللطيف بي في كل الأحوال.
إذن فقول الله تعالى: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 16/32] قرار من طرف واحد. أما نحن فينبغي أن نعلم أننا ندخل الجنة بمحض التفضل منه عز وجل.. تؤدي ما قد كلفك به بشعور الحق المترتب عليك، حتى إذا فعلت ما قد أمرك الله عز وجل به وأنجزته على النحو المطلوب، ينبغي أن تعلم أنك تسعى إلى كرم الله عز وجل مجرداً من أي استحقاق لذلك، ليس معك إلا الطمع برحمته وصفحه. رأى بعض الصالحين في منامه رجلاً من الربانيين بعد وفاته، فقال له - وقد علم أنه متوفى -: ما فعل الله بك؟ قال: أوقفني بين يديه وقال: بِمَ جئتني؟ فقلت: يا رب أنا عبد، والعبد لا يملك شيئاً يأتي به إلى سيده، جئتك بالطمع بعفوك والأمل في كرمك.
أرأيت إلى منطـق العبـودية؟.. هكذا يكون القدوم غداً على الله عز وجل. من لم يدرك ذلك اليوم، فلسوف يدركه غداً.
وهذا ما قد قرره رسول الله علية الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه البخاري من حديث أبي هريرة ومن حديث السيدة عائشة وحديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله قال: «لن يُدْخِلَ أحدَكم الجنةَ عملُه، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته». ولنلاحظ هنا دقة كلام رسول الله في التعبير عن المعنى الذي بسطناه وأوضحناه. فهو r لم يقل (لن يَدْخُلَ أحدُكم الجنةَ بعمله) لو قال ذلك، إذن لجاء كلامه مناقضاً للقرآن الذي يقرر أن الله يدخل الصالحين من عباده في الجنة بأعمالهم، وذلك في مثل قوله عز وجل: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 16/32] ، وإنما قال: «لن يُدْخِلَ أحَدَكم الجنةَ عملُه» أي إن اعتمادك على العمل مستقلاً عن عفو الله وصفحه، وعن مسامحته وكرمه، سيخيِّب آمالك ولن يحقق لك شيئاً من أحلامك. ذلك لأن الله هو الذي جعل عملك البخس، طريقاً إلى مغفرته وجنته. والباء في قوله تعالى: {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} إنما ساقتها فربطتها بالعمل، رحمة الله، كرم الله، سعة عفو الله، لا استحقاقك أنت أيها العبد أياً كنت وأياً كان شأنك ومستواك.
وانظر إلى مثال تَصَدُّقِ أحدنا بشيء من المال على فقير، وتأمل كيف يتجلى سائق الرحمة الإلهية والمغفرة الربانية للباء التي دخلت دخول السببية على العمل: من المعلوم أن المال مال الله، وليس له من مالك حقيقي إلاّ هو. ألم يقل {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور: 24/33] . ثم إنه يخاطبنا قائلاً: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} [البقرة: 2/245] . يعطيك من ماله، ثم يفترض أنك أنت المالك الحقيقي له، ويقيم ذاته العلية مقام المقترض منك، قائلاً: أتقرضني شيئاً من مالك هذا، إذن أعدك أنني سأعيده إليك أضعافاً مضاعفة!..
فهل تصدق يا هذا أنك أنت المالك حقاً، وأن الله ليس إلا محتاجاً إليك ومقترضاً منك؟!.. أفيمكن أن يبلغ منك السكر بهذا الأسلوب الرباني المتفضل الودود، أن تذهل عن الحقيقة وأن تصدق أنك أنت المالك وأن الله هو المقترض، ثم أن تزعم بأن لك أن تطالب الله بما أقرضته إياه، مضافاً إليه الفوائد التي تعاقدت معه عليها؟!..
إن كنت تتصور هذا، وتنسى أن باء السببية هنا إنما ساقها اللطف الإلهي، فأنت مجنون بكل جدارة!....
إذن فقد أدركنا وتذوقنا معنى كلام سيدنا رسول الله علية الصلاة والسلام: «لن يُدخِلَ أحدَكم الجنةَ عملُه..» إلى آخر الحديث.
ولكن فلنتساءل: هل من تعارض بين أن يعدك الله دخول الجنة برحمته وبين أن يأمرك في الوقت ذاته بعبادته؟
لا تعارض، لأن العبادة حق لله عليك بوصف كونك عبداً له، والجنة منحة وعطية من الله لك، بوصف كونه رحيماً بك وغفوراً لك. وقد قضى بسابق حكمه أن يكون أولى الناس برحمته أكثرهم أداء لحقوقه. وقد أعلن عن ذلك بقوله: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} [الأعراف: 7/156] .
ولا يقولنَّ قائل: ما حاجتي إلى رحمة الله وصفحه إن كنت مؤمناً متقياً؟ لأن الإيمان والتقوى ليس شيء منهما قيمة لعطاء تناله، وإنما هو حق مترتب لله عليك. فإذا أديت الحق الذي له في عنقك، فليس لك عنده بمقابل ذلك شيء، وكل ما ينالك منه تفضل ورحمة وصفح.
والآن، نعود إلى كلام ابن عطاء الله، لنقف على نقطة هامة يحذرنا منها: «من علامة الاعتماد على العمل نقصان الرجاء عند وجود الزلل».
أي إن من أخطر نتائج اعتمادك في مثوبة الله على العمل، نقصان رجائك بعفوه عندما تتورط في الزلل والآثام؛ فبين الأمرين تلازم مطرد. والسبيل الوحيد إلى ألاّ يقل رجاؤك برحمة الله وصفحه عند التقصير، هو ألاّ تعتمد على عملك عندما يحالفك التوفيق. وعندئذ تكون في كلا الحالين متطلعاً إلى جود الله وكرمه، بقدر ما تكون خائفاً من غضبه ومقته.
إذن فالخوف من غضب الله وعقابه يجب أن يكون موجوداً مع الرجاء الدائم برحمته وفضله، لأن الإنسان أياً كان، لن ينفك عن التقصير في أداء حقوق الربوبية عليه، في سائر التقلبات والأحوال.
ومن ثم فإن الذي يرى أنه من الضعف والتقصير بحيث لا يستطيع أن يؤدي شيئاً من حقوق الله عليه، يتجاذبه شعوران متساويان في كل الأحوال: أحدهما شعوره بالأمل بفضل الله وعفوه، ثانيهما شعوره بالخجل والخوف من تقصيره في جنب الله عز وجل، لا يعلو ويشتدّ الشعور الأول إن رأى نفسه موفقاً للطاعات، ولا يهتاج به الشعور الثاني إن رأى نفسه مقصراً في أدائها متهاوناً في حقوق الله عز وجل، لأنه في كل الأحوال لا يقيم لطاعاته وزناً، ولا يعتمد عليها في الأمل برحمة الله وعفوه. فهو إذن في كل الأحوال بين الخوف والرجاء.
ولعلّ الشيطان يوسوس إليك بأن الطاعات والقربات ليس لها إذن أي دور في تفضل الله على العبد، وإذن فلا فرق بين إقبال العبد إليها وإعراضه عنها!..
ولكن فلتعلم أن هذا الوسواس الشيطاني ليس نتيجة لهذا الذي نشرحه من كلام ابن عطاء الله، ولا لكلام علماء التوحيد في هذا الصدد.. لقد قال الله تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} أفقال بعد ذلك: سأكتبها للناس جميعاً، أم قال: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} [الأعراف: 7/156] ؟..
هما أمران لا ينفك واقع عبودية الإنسان لله عنهما: أحدهما أن عليه أن يسلك مسالك الهدى والالتزام بأوامر الله والابتعاد عن نواهيه، ثانيهما أن يعلم أنه برحمة الله وعفوه، لا بجهوده وأعماله ينال المثوبة والأجر.
وهذا هو المعنى الجامع الذي يتضمنه قول الله تعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} [طه: 20/82] أي الإيمان والعمل الصالح واجبان، والمثوبة تأتي عن طريق المغفرة والصفح لا عن طريق الأجر والاستحقاق.
إنني بحكم عبوديتي لله أنفذ أوامره، تلك ضريبة العبودية لله في عنقي. ثم أبسط كفّيَ إلى السماء قائلاً: يا رب، أنا عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك ماض فيَّ حكمك عدل فيَّ قضاؤك أسألك رحمتك، لا تعاملني بما أنا له أهل، بل عاملني بما أنت له أهل، إنك أنت القائل: {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ} [الإسراء: 17/84] وشاكلتك الرحمة فارحمني، شاكلتك المغفرة فاغفر لي.
أقول مثل هذا الكلام دون أن أطالبه بأجر على عمل أرى أني قد بذلته. بل أسترحمه بمقتضى ضعفي وشدة احتياجي، وأستجديه العطاء كما يفعل الشحاذ إذ يستجدي احتياجاته من مال أو طعام ممن يأمل منهم الجود والإحسان. هكذا تكون العبودية لله سبحانه وتعالى.
لعلك تقول: ولكن الله يحذر العاصين والمذنبين من مقته وعقابه، فكيف لا ينقص رجائي بعفوه وإحسانه إن أنا ارتكبت موجبات هذا النقصان؟.. كيف وقد شرط الله لنيل رحمته الإيمان والتقوى، عندما قال: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} [الأعراف: 7/156] .
والجواب أن العاصي الذي يُطْلَبُ منه أن يظل راجياً كرم الله وصفحه، لا يمكن أن يُقبل على الله بالرجاء إلا إن دخل رحابه من باب التوبة.
أرأيت إلى العاصي الذي جاء يطرق باب الله متأملاً صفحه ومغفرته، أيعقل أن يفعل ذلك وهو مصرّ على معصيته مستريح إلى شروده وآثامه؟!.. لا.. من الواضح في مقاييس الأخلاق والمشاعر الإنسانية، فضلاً عن مشاعر العبودية لله، أن هذا العاصي بمقدار ما يزدهر في نفسه الأمل بصفح الله ومغفرته، تزداد لديه حوافز التوبة ومشاعر الندم وعزيمة الإقلاع عما كان عاكفاً عليه.. فإذا تاب هذه التوبة الصادقة، فلا بدّ أن يتنامى الرجاء لديه بصفح الله ولا ينقص. إذ المفروض أنه يقرأ كتاب الله تعالى ويقف فيه على مثل قوله: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [التوبة: 9/104] .
والمفروض أنه وقف على مثل هذا الحديث القدسي المتفق عليه، والذي يرويه رسول الله علية الصلاة والسلام عن ربه: «أذنب عبد ذنباً فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال الله تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنباً فعلم أنه له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب. ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، قد غفرت لعبدي فليفعل ما شاء».
إذن فالتوبة لا بدّ منها، وهي السبيل إلى بقاء الرجاء مزدهراً في نفس العاصي. أما المستمر في عكوفه على الآثام والذي لا تخطر منه التوبة على بال، فالرجاء بصفح الله أيضاً لا يمكن أن يخطر منه على بال.
ثم إنه يتبيّن لك مما ذكرته وأوضحته أن التلبس بعكس ما ذكره ابن عطاء الله، هو الآخر دليل على الاعتماد على العمل. أي فمن ازداد رجاؤه بفضل الله ومثوبته كلما ازداد إقبالاً على الله بالعمل الصالح، فذلك دليل منه على أنه إنما يعتمد على أعماله الصالحة، لا على صفح الله ومغفرته.
وتتجلى خطورة هذا الربط بين تنامي الرجاء، وتنامي العمل الصالح، إذا تصورنا إنساناً يزداد عمله مع الزمن صلاحاً وتزداد طاعاته كثرة، وكلما ازداد ذلك منه ازداد ثقة بمثوبة الله ووعده، ذلك لأن النتيجة التي سينتهي إليها هذا الإنسان، بموجب هذا الربط، أنه في مرحلة معينة سيجزم بأنه قد أصبح من أهل الجنة ومن المكرمين بالنعيم الذي وعد الله به. إذ هو بمقتضى ذلك الربط بين العمل والأجر، لا بدّ أن يعتقد - إذا بلغ تلك المرحلة في أعماله الصالحة - أن عمله كله مبرور وأن حياته مليئة بالطاعات، إذن فهو من أهل الجنة قطعاً!. وهذا هو التألّي على الله، وكم وكم حذر منه رسول الله علية الصلاة والسلام.
وإنما سبيل الابتعاد عن هذا المنزلق، العلم بأن حقوق الله على العباد لا تؤدَّى بطاعاته مهما كثرت وعظمت، بل إن هذه الحقوق ستظل باقية. ولو أديت حقوقه عز وجل بالطاعات، لكان أولى الناس بذلك الرسل والأنبياء، ومع ذلك فما وجدنا واحداً منهم عقد رجاءه بمثوبة الله بطاعاته وقرباته، بل كانوا جميعاً يتطلعون إلى مغفرة الله وصفحه.