Page 1
تقديم
قرأت مؤخراً رواية "الحقيبة" La Mallette للدكتورة عزّة آغا ملك، بعد أن قام بترجمتها إلى العربية الدكتور لويس عطوي، ابن الشاعر المغدوشي المعروف الياس عطوي.
روايات هذه الكاتبة الموهوبة تشدّ انتباهك منذ البداية، فما هي إلا صفحةً أو أكثر حتى ترى نفسك وقد جرفك تيار الأحداث في دوامته، فإذا بك تقبل على الكتاب بكل ما لديك من رغبةٍ وحماسٍ، وقد نسيت العالم الخارجي، وانقطعت عن محيطك، وانصرفت إلى متابعة القراءة لعلك تستطيع أن تحدس كيف ستكون النهاية.
هي قصة حب جارفٍ دام عشر سنوات، ثم ما لبث ان خفّت حدته، وانطفأت جذوته منذ زمان بعيدٍ. كان هذا على الأقل بالنسبة إلى البطلة أما في ما يختص بالبطل فقد ظل وفياً على العهد، يودّ صادقاً لو تعود العلاقات إلى ما كانت عليه، ويحاول أن يكسب ودّها بكل الطرق، من غير ان يريق ماء الوجه أو يخدش تواضع وحياء بطلة القصة.
ولكن هيهات! إنه لم يكن يريد أن يتقبّل ما حصل، كما لم يكن ليفهم أنّ الحب كأي شيء آخر في الحياة، يمكن أن يتقلّص ويطير ذات يوم إلى غير رجعةٍ، فيتلاشى كسحابة صيف عابرةٍ.
لا، لم يكن ليهضم الهزيمة بمثل هذه السهولة، هو المحامي المرموق، والرجل المكتمل الوسيم، الذي ما وقعت عيناه على امرأةٍ إلا وسحرها، تاركاً إياها مشلولة الإرادة، عاجزة عن كل مقاومة شريفة وفاعلة...
***
من هنا، من هذا الحب الذي خمد، وسكنت ثورته، تبدأ الحبكة، ويسثار التشويق والانتظار!... حتى لتحسب نفسك في جوّ قصص آغاتا كريستي. فتتمنى عندئذٍ لو تقف على الخاتمة بأسرع ما يكون، وتودّ في الوقت نفسه لو تطول الحبكة إلى ما لا نهاية حتى تدوم المتعة، وتشبع الرغبة الملحة.
فقدرة عزّة ملك في هذا المجال لا تكاد تحدّ ولا تقاوم... إنها قد درجت في كل أعمالها على ألا تدع قارئها يسترد أنفاسه ولو للحظةٍ واحدة. فهي في غير عجلةٍ من أمرها، تتنقّل بك من حادثةٍ إلى حادثة، ومن مفاجأة إلى أخرى، وكل ذلك على سبيل التمويه وكسب الوقت وتصعيد الإثارة، للوصول إلى مزيد من التوتّر والفضول.
فبدايةً، نرى بطلة القصة الدكتورة عايدة، وهي أستاذة مادة القانون في إحدى الجامعات الطرابلسية، وقد استبدّ بها خوف شديد، واعتراها القلق حيال الخطر الذي يتهدّدها. وذلك عندما عثرت على حقيبةٍ سوداء في المقعد الخلفي من سيارتها، ذات صباح مفاجىء...
الحقيبة ثقيلة، ولم تفلح في فتحها لا هي ولا ناطور البناية ولا أحد من الجيران. فنصحها البعض بأن تعلم السلطات المختصّة بالأمر. وبعد، فقد تكون فيها قنبلة على وشك الانفجار.
وهكذا اتصلت بابن عمّ لها يعمل في الجيش برتبة ملازم أول، فما كان منه إلا أن جاء وحمل الحقيبة معه إلى مركز الشرطة. ولم يعتّم أن اتصل بها ليعلمها أن الحقيبة ليس فيها شيء مهم: فقط صورة بالأسود والأبيض التقطت لها عندما كانت في الرابعة والعشرين، أي قبل ترمّلها، مع نسخةٍ كبيرةٍ مزخرفةٍ من القرآن الكريم.
***
المسألة لم تتوقف عند هذه الحادثة. فما مضى طويل وقتٍ حتى فوجئت بكيسٍ أسود في سيارتها. راحت تتساءل من يكون ذلك المتخفّي الذي أخذ يقلق عليها راحتها بهذا الشكل المزعج؟...
ولكن تساؤلاتها ما أفادتها شيئاً.
إذ أخذت المفاجآت تترى كل يوم، من دون أن يستطيع أي كان من أن يوقف المعتدي عند حدٍّ ويردعه عن هذه الأعمال المشينة.
فمرّةً كانت "الهدية" ساعة يدٍ عتيقة مجهولة الصنع وقطعاً قديمةً من النقود المعدنية من فئة الخمسة دولارات. وفي مرة أخرى أسفرت "الهدية" عن كيسين سوداوين مليئين بالنفايات. ثم جاءها "مايّو" نسائي مع طردٍ من الحلويات والعسل تبعها كاسيت لأغنيات أمّ كلثوم وآلة تصوير "Konica" تقادم عهدها مع خمس صورٍ باسبور لها.
وبكلمةٍ، لم يترك لها ذلك الغريب فترة للراحة والاستجمام، إذ كان يجدّد محاولاته ويباغتها كل يوم بمفاجأةٍ لم تكن في الحسبان!...
****
إلى أن أتى يوم نصحتها جارتها "بيبا" بألّا تبقى في البيت وحيدةً ساعةً واحدةً. كذلك ارتاع أهلها مما يجري. فجاءت أمها وأخوها وأخواتها ليأخذوها إلى بيوتهم...
كانت أم إيدا في هلعٍ بالغ. حين أخبرتها عن الجريمة التي وقعت قرب بيتها، وكيف اغتصب مجهولون عانساً في الستين ثم طعنوها بالسكاكين ورموا جثتها في أحد المستنقعات.
لقد قبلت عايدة أن ترافقهم، ولكنها لم تشأ أن تبيت عند والدتها، فعادت إلى المنزل. عادت لتسمع حديث، "بيبا" جارتها، الذي أطار ما بقي من صوابها، إذ قالت: إن زوجها المتوفى لربما هو الذي أرسل الحقيقة مع أحد الأرواح المتجولة في جوّ الأرض!...
***
قرأت مؤخراً رواية "الحقيبة" La Mallette للدكتورة عزّة آغا ملك، بعد أن قام بترجمتها إلى العربية الدكتور لويس عطوي، ابن الشاعر المغدوشي المعروف الياس عطوي.
روايات هذه الكاتبة الموهوبة تشدّ انتباهك منذ البداية، فما هي إلا صفحةً أو أكثر حتى ترى نفسك وقد جرفك تيار الأحداث في دوامته، فإذا بك تقبل على الكتاب بكل ما لديك من رغبةٍ وحماسٍ، وقد نسيت العالم الخارجي، وانقطعت عن محيطك، وانصرفت إلى متابعة القراءة لعلك تستطيع أن تحدس كيف ستكون النهاية.
هي قصة حب جارفٍ دام عشر سنوات، ثم ما لبث ان خفّت حدته، وانطفأت جذوته منذ زمان بعيدٍ. كان هذا على الأقل بالنسبة إلى البطلة أما في ما يختص بالبطل فقد ظل وفياً على العهد، يودّ صادقاً لو تعود العلاقات إلى ما كانت عليه، ويحاول أن يكسب ودّها بكل الطرق، من غير ان يريق ماء الوجه أو يخدش تواضع وحياء بطلة القصة.
ولكن هيهات! إنه لم يكن يريد أن يتقبّل ما حصل، كما لم يكن ليفهم أنّ الحب كأي شيء آخر في الحياة، يمكن أن يتقلّص ويطير ذات يوم إلى غير رجعةٍ، فيتلاشى كسحابة صيف عابرةٍ.
لا، لم يكن ليهضم الهزيمة بمثل هذه السهولة، هو المحامي المرموق، والرجل المكتمل الوسيم، الذي ما وقعت عيناه على امرأةٍ إلا وسحرها، تاركاً إياها مشلولة الإرادة، عاجزة عن كل مقاومة شريفة وفاعلة...
***
من هنا، من هذا الحب الذي خمد، وسكنت ثورته، تبدأ الحبكة، ويسثار التشويق والانتظار!... حتى لتحسب نفسك في جوّ قصص آغاتا كريستي. فتتمنى عندئذٍ لو تقف على الخاتمة بأسرع ما يكون، وتودّ في الوقت نفسه لو تطول الحبكة إلى ما لا نهاية حتى تدوم المتعة، وتشبع الرغبة الملحة.
فقدرة عزّة ملك في هذا المجال لا تكاد تحدّ ولا تقاوم... إنها قد درجت في كل أعمالها على ألا تدع قارئها يسترد أنفاسه ولو للحظةٍ واحدة. فهي في غير عجلةٍ من أمرها، تتنقّل بك من حادثةٍ إلى حادثة، ومن مفاجأة إلى أخرى، وكل ذلك على سبيل التمويه وكسب الوقت وتصعيد الإثارة، للوصول إلى مزيد من التوتّر والفضول.
فبدايةً، نرى بطلة القصة الدكتورة عايدة، وهي أستاذة مادة القانون في إحدى الجامعات الطرابلسية، وقد استبدّ بها خوف شديد، واعتراها القلق حيال الخطر الذي يتهدّدها. وذلك عندما عثرت على حقيبةٍ سوداء في المقعد الخلفي من سيارتها، ذات صباح مفاجىء...
الحقيبة ثقيلة، ولم تفلح في فتحها لا هي ولا ناطور البناية ولا أحد من الجيران. فنصحها البعض بأن تعلم السلطات المختصّة بالأمر. وبعد، فقد تكون فيها قنبلة على وشك الانفجار.
وهكذا اتصلت بابن عمّ لها يعمل في الجيش برتبة ملازم أول، فما كان منه إلا أن جاء وحمل الحقيبة معه إلى مركز الشرطة. ولم يعتّم أن اتصل بها ليعلمها أن الحقيبة ليس فيها شيء مهم: فقط صورة بالأسود والأبيض التقطت لها عندما كانت في الرابعة والعشرين، أي قبل ترمّلها، مع نسخةٍ كبيرةٍ مزخرفةٍ من القرآن الكريم.
***
المسألة لم تتوقف عند هذه الحادثة. فما مضى طويل وقتٍ حتى فوجئت بكيسٍ أسود في سيارتها. راحت تتساءل من يكون ذلك المتخفّي الذي أخذ يقلق عليها راحتها بهذا الشكل المزعج؟...
ولكن تساؤلاتها ما أفادتها شيئاً.
إذ أخذت المفاجآت تترى كل يوم، من دون أن يستطيع أي كان من أن يوقف المعتدي عند حدٍّ ويردعه عن هذه الأعمال المشينة.
فمرّةً كانت "الهدية" ساعة يدٍ عتيقة مجهولة الصنع وقطعاً قديمةً من النقود المعدنية من فئة الخمسة دولارات. وفي مرة أخرى أسفرت "الهدية" عن كيسين سوداوين مليئين بالنفايات. ثم جاءها "مايّو" نسائي مع طردٍ من الحلويات والعسل تبعها كاسيت لأغنيات أمّ كلثوم وآلة تصوير "Konica" تقادم عهدها مع خمس صورٍ باسبور لها.
وبكلمةٍ، لم يترك لها ذلك الغريب فترة للراحة والاستجمام، إذ كان يجدّد محاولاته ويباغتها كل يوم بمفاجأةٍ لم تكن في الحسبان!...
****
إلى أن أتى يوم نصحتها جارتها "بيبا" بألّا تبقى في البيت وحيدةً ساعةً واحدةً. كذلك ارتاع أهلها مما يجري. فجاءت أمها وأخوها وأخواتها ليأخذوها إلى بيوتهم...
كانت أم إيدا في هلعٍ بالغ. حين أخبرتها عن الجريمة التي وقعت قرب بيتها، وكيف اغتصب مجهولون عانساً في الستين ثم طعنوها بالسكاكين ورموا جثتها في أحد المستنقعات.
لقد قبلت عايدة أن ترافقهم، ولكنها لم تشأ أن تبيت عند والدتها، فعادت إلى المنزل. عادت لتسمع حديث، "بيبا" جارتها، الذي أطار ما بقي من صوابها، إذ قالت: إن زوجها المتوفى لربما هو الذي أرسل الحقيقة مع أحد الأرواح المتجولة في جوّ الأرض!...
***
Page 2
على هذه الوتيرة المتشنّجة تجري القصة فصلاً بعد فصلٍ، وببطءٍ شديدٍ لتزيد من ارتفاع ضغطك وتوتّر أعصابك وقد مزّقتها مفاجآت غريبة!...
القصة هي أيضاً قصة مدينة طرابلس ـ إبّان الحرب اللبنانية (1990) التي عصفت بتلك المدينة المنكودة الحظ!...
فعمّها الظلام والفوضى وانقطعت الاتصالات الهاتفية وعطش الناس وروّعوا فيها طويلاً...
وعلى وقع الانفجارات والاعتداءات التي كانت تطال أبناء البلد الواحد فتلقي الرعب والهلع في قلوب المواطنين، كانت هناك اعتداءات من نوعٍ آخر.
فأحياناً تضرب هذه الكنيسة أو ذاك الجامع، وساعةً تمطر المتفجرات على هذا المحل أو ذاك، وفي وضح النهار، فتسقط الضحايا بالعشرات، ولا من يسأل أو يحاسب، وكأنّ المدينة في عصر شريعة الغاب.
***
كانت الظنون تحوم أحياناً حول صديقها المحامي الذي هجرته بسبب بخله المفرط وقد أطلقت عليه لقب "أمير البخلاء".
إنما لم يكن هناك أية قرينةٍ تدينه اللهم إلا الظنون والشبهات التي كان يدحضها صديق المحامي جان، إذ كان يراه مثالاً للاستقامة والسلوك الحميد وكرامة الشرف الرفيع!...
وتنتهي القصة عندما يصاب المحامي بالذبحة القلبية ويدخل المستشفى. فتزوره صديقته وقد حملت معها الحقيبة لترى ردّة فعله. ولكنه لم يرفّ له جفن، بل سألها بلا مبالاة ظاهرة:
ــــــ عجباً! كيف تحملين مثل هذه الحقيبة رغم أنك لم تحبي أبداً الحقائب الكبيرة!
***
من يعرف الدكتورة ملك يعرف جيداً أن كل رواياتها مستوحاة من حياتها هي بالذات، ولم تغير فيها شيئاً، اللهم إلا أسماء الأشخاص وأسماء بعض الأمكنة. أما الباقي فهو سيرة ذاتية من محض وصميم الواقع.
وبالرغم من أن رواية "الحقيبة" هدفها الأول هو الإثارة والتشويق، فإن أديبتنا المدققة لم تشأ أبداً أن تطرح على بساط البحث بعض القضايا المهمة والشائكة كالإرث وحقوق المرأة المتزوجة وحضانة الأولاد، وتنتقدها بشدةٍ لترفع من قيمتها في مجتمعٍ ضاغطٍ وظالمٍ!...
لا نعرف إذا كانت رواية "الحقيبة" هي قصة "دكتور جيكل آند مسترهايد"، ولكن صديقها المحامي ذا الغمازتين الساحرتين، هكذا يبدو لنا بتصرفاته وغموضه المثير الشّكوك...
وأخيراً هل كلمة الإهداء التي تقول فيها: "إلى صاحب الحقيبة الذي سيظل متخفياً أبداً وأبداً مجهولاً"، هل هذا يعني أننا لن نعثر على حلٍّ ولن تكون للرواية نهاية مقنعة؟ فمن يدري؟ أعتقد أنّ هذا هو ما ستطالعك به قصة عزةّ آغا ملك.
فإلى مطالعتها...
وعسانا نعرف ما تخبّىء لنا بين السور...
جان سالمه
11/12/2008
القصة هي أيضاً قصة مدينة طرابلس ـ إبّان الحرب اللبنانية (1990) التي عصفت بتلك المدينة المنكودة الحظ!...
فعمّها الظلام والفوضى وانقطعت الاتصالات الهاتفية وعطش الناس وروّعوا فيها طويلاً...
وعلى وقع الانفجارات والاعتداءات التي كانت تطال أبناء البلد الواحد فتلقي الرعب والهلع في قلوب المواطنين، كانت هناك اعتداءات من نوعٍ آخر.
فأحياناً تضرب هذه الكنيسة أو ذاك الجامع، وساعةً تمطر المتفجرات على هذا المحل أو ذاك، وفي وضح النهار، فتسقط الضحايا بالعشرات، ولا من يسأل أو يحاسب، وكأنّ المدينة في عصر شريعة الغاب.
***
كانت الظنون تحوم أحياناً حول صديقها المحامي الذي هجرته بسبب بخله المفرط وقد أطلقت عليه لقب "أمير البخلاء".
إنما لم يكن هناك أية قرينةٍ تدينه اللهم إلا الظنون والشبهات التي كان يدحضها صديق المحامي جان، إذ كان يراه مثالاً للاستقامة والسلوك الحميد وكرامة الشرف الرفيع!...
وتنتهي القصة عندما يصاب المحامي بالذبحة القلبية ويدخل المستشفى. فتزوره صديقته وقد حملت معها الحقيبة لترى ردّة فعله. ولكنه لم يرفّ له جفن، بل سألها بلا مبالاة ظاهرة:
ــــــ عجباً! كيف تحملين مثل هذه الحقيبة رغم أنك لم تحبي أبداً الحقائب الكبيرة!
***
من يعرف الدكتورة ملك يعرف جيداً أن كل رواياتها مستوحاة من حياتها هي بالذات، ولم تغير فيها شيئاً، اللهم إلا أسماء الأشخاص وأسماء بعض الأمكنة. أما الباقي فهو سيرة ذاتية من محض وصميم الواقع.
وبالرغم من أن رواية "الحقيبة" هدفها الأول هو الإثارة والتشويق، فإن أديبتنا المدققة لم تشأ أبداً أن تطرح على بساط البحث بعض القضايا المهمة والشائكة كالإرث وحقوق المرأة المتزوجة وحضانة الأولاد، وتنتقدها بشدةٍ لترفع من قيمتها في مجتمعٍ ضاغطٍ وظالمٍ!...
لا نعرف إذا كانت رواية "الحقيبة" هي قصة "دكتور جيكل آند مسترهايد"، ولكن صديقها المحامي ذا الغمازتين الساحرتين، هكذا يبدو لنا بتصرفاته وغموضه المثير الشّكوك...
وأخيراً هل كلمة الإهداء التي تقول فيها: "إلى صاحب الحقيبة الذي سيظل متخفياً أبداً وأبداً مجهولاً"، هل هذا يعني أننا لن نعثر على حلٍّ ولن تكون للرواية نهاية مقنعة؟ فمن يدري؟ أعتقد أنّ هذا هو ما ستطالعك به قصة عزةّ آغا ملك.
فإلى مطالعتها...
وعسانا نعرف ما تخبّىء لنا بين السور...
جان سالمه
11/12/2008
Page 3
إلى المتخفي خلف ستار الليل الـذي تـرك لـي حـقـيـبـتــه وبـقـي سـرّه مجـهــولاً
القسـم الأوّل
1
كان المطر ينهمر على المدينة ذلك الصّبـاح، أكثر من أيّ وقت مضى، في الأسبوع الأخير من خريف طويل وبارد. لقد مضى أكثر من ربع قرن وطقس أواخر الخريف يعيد نفسه من دون تغيّر يذكر: النسمات (الروائح) المنعشة ذاتها تتردّد مشبعة بأريج الزهر العـابق من بساتين الليمون أو من البيوت (الأنابيق) المواظبة على تقـطيره بنشاط وفق طقوس لها أسرارهـا وعارفوها. هـذه السّنة اختلفت عن سابقاتها من حيث غلوّ تقلّبات الطّقس، ففي العشيّة كان الأولاد يجمعون حبّات البرد المتساقطة على سطـوح البيـوت والسّـيارات وهـذا حـدث غير مألوف بالنسبة إليهـم سابقـاً. حتى بساتين الليمون (البرتقال) المنتشرة بين الأبنية التي كانت تكتسي بحلّة ناصعة من الزهر في مثل هذه الأيام، لم تتفتّـح براعمها بعد وما زالت تحبس أنفاسها المعطّرة للجوّ.
كان بعضهم يعزو قسوة المناخ والتغيّرات غير المعتادة في البيئة إلى التجارب النووية التي تسمّم الهـواء وتفسد الجوّ، أو إلى عمليّات استكشاف الفضاء وإطـلاق الصواريـخ والمركبات الفضائيـّة الـتي تصدم العـناصر الكونيـّة حولنـا، والتي برأيهـم يجـب ألّا تـُمسّ لأنّـها تحمـي كوكبنا. ورأى آخرون أقلّ تمسّكاً بمنطق ديكارت العقلاني وأكثر تصديقاً للخرافات، أنّ في الأمر عقاباً للبشر لتماديهم في غـيّهم: عـناصر الطبيعة تنتقـم، يؤكـّّد هؤلاء وهم يقـرعون صدورهـم. لا شكّ أنّ هذا الخلل الفجائي في مناخ بلادنا ذات الفصول الأربعـة المنتظمة تعبـير عن غضب إلهي بعد أن فقد البشر إيمانهم وضربوا بالشرائع والأديان عرض الحائط. لذلك لا يستغرب هؤلاء "الغيارى" هذه الاضطرابات في الطبيعـة. بالعكس هم يرون ضرورة تدخّـل الغضب الإلهي لتأديب البشر ووضع حدّ لفسادهم وعنفهم وشرورهم.
أغرقت الأمطار الشوارع بسرعة تلك الليلة فغمرت الطرق مكوّنة سيولاً هنا وهناك، وجرفت في ما جرفت أكوام النفايات الفـائضة عن المستوعبـات الموزّعة في بعـض الأرصفـة. كذلـك المجارير المكشوفة بعد فقدان أو سرقة أغطيتها المعدنية بد ت فاغرة أفواهها تتقيّأ المياه المبتذلة مثل مريض في حالة غثيان. كما تعطّل العديد من السيـّارات بصورة فجـائية بتأثير السيول التي أطفأت محرّكاتها. كانت دواليب السيارات تجرجر أكياس النفايات البلاستيكية وعبوات المشروب الفارغة المرميّة هنا وهناك، خصوصاً "البيبسي" و"السفن أب".
جـافى النّوم عيني إيـدا تلك الليلة؛ ليس بسبب شدّ ة العـاصفة والبرق والرّعد الذي كان يهـزّ غرفتهـا ويمزّق السكون الذي تنشده فحسب، بل بسبب نقيق الضفادع المتواصل. تحيّرت إيـدا في أمرهذه المخلوقات الغريبة: كيف تجمّعت في فترة وجيزة قبل سقوط المطر وبفعل أي قانون وراثي تكاثرت وتعايشت بانسجام في هذه البقعة الهامشيّة؟.
كانت فسحة منخفضة من الأرض تقع بين بنايتين بمحاذاة الشارع، لم يغـيّر العمران والتنظيم المدني معالمها بعد. قبل أيام قليلة كانت هذه "البورة" المواجهة لمسكن إيدا جافـّة معشوشبة مزنـّرة بنباتات مستقيمة طويلة الجذوع، معظمها من القصب، تشكل سياجاً طبيعياً. وقد اعتاد أولاد الحـيّ استخدام هذه الأرض كملعب لكـرة القدم في الأيام المشمسة، كمـا شكـّلت ملجـأً للعصافيـر ومقصداً للنحل ومرعى للأبقـار. لكن ما إن يبدأ المطر بالتساقط، تتحوّل إلى مستنقع ويختفي روّادها من مشاة وماشية وذوات الأجنحة خوفاً من الغوص في وحولها. وسرعان ما تزدحم البركة المتكوّنة حديثاً بأعداد كبيرة من الضفادع فتراها في كل مكان؛ فوق الماء وتحته وعلى الضفاف، تقفز وتسبح بخفة مع أفواج "البلاعيط" فتملأ المكان نقيقاً، منفرداً حيناً وجماعياً متناغماً أحيانـاً أخرى؛ لكن لا يحلو لها النقيق إلّا في هدأة الليل.
هذا النقيق المتواصل منع إيدا من النوم. كان يتردّد رتيباً منتظمـاً يملأ الجـوّ الرطب كأنّـه نشيد جوقة يقودها مايسترو واحد؛ ولم يتوقف هذا الإنشاد إلّا مع طلوع الشمس.
لم تستطع إيدا تجاهل هذه الأصوات فبقيت تتقلّب في فراشها إلى أن قطع نومها أخيراً زمّور وقح لسيّارة مبكـّرة في الجوار. نهضت من سريرها عند الفجر، وكانت قد وصلت من سفرهـا قبل سويعات قليلة. كانت تشعر بتعب عميق في كلّ أوصالها. لم يكن تعبها بسبب السفر الذي كان قصيراً ومريحاً إجمالاً، بقدر ما هو نتيجة للانزعاج والضيق اللذين يتملكّهانها كـلّ مرّة تعود فيها إلى البلد. كان الأمر على هذه الصّورة في نهاية كلّ سفرة: حالة إحباط ومزيج من مشاعر اليأس والقرف. ربّما لأنّهـا تعرف ما ينتظرها هنا في هذه المدينة التي كانت تحبّ، وفي هـذا البلد المنكـوب الذي دمّرته حرب طويلة مستوردة ومعاناة ما بعد الحرب التي هي أدهى وأمـرّ.
نعم كانت تعلم مسبقاً ما ينتظرها هنـا: كان عليها عند وصولها أن تكافح وأن تسبح عكس التيّار لتأمين حاجاتها الأوّليّة ولترتيب أمور الحياة اليوميّة التي كانت رغم تفاهتها، تشكّل عبئاً ثـقيلاً ومشكلات متلاحقة تحرق الأعصاب وتستنزف الكثير من الوقت والمـال. كان عليها تأمين وسيلة إنارة بديـلة من الكهرباء - كهرباء الدّولـة كما يسمّونها لتمييزهـا من المصادر الخاصّة للطـّاقـة -، وكان إمدادها لا يزيد على خمس أو ستّ ساعات يوميّاً. كان عليها أيضاًً إعادة خطّ الهاتف المقطوع أو الذي استولى عليه أحد "القبضايات". وعليها أيضاًً دفع الرّسوم والفواتير المتراكمة التي فرضتها دولـة تحـاول الوقوف على قدميها وخصخصة الخدمات العامّـة الباهظـة التكاليف. كانت الضرائب المتزايدة تتجاوز بشكل واضح الأجور والمداخيل. وإذا كان المواطن الصّالح -الآدمي كما يسمّونه- عرضة للتعدّيـات والإذلال أثنـاء الحرب البشعـة، فلا شيء بعد الحرب كما يبدو، سيعيد إليه قيمتـه الإنسانيـّة ويعيد تأهيـله كمواطـن. لا لم يعد هذا البـلد هو نفسه الذي عرفتـه "أيام زمان"، وهـي تتذكـّره الآن بمرارة وتحسّر. لم تعد المدينة مدينتها التي كانت. ولوهلة بدا لها أنّها صارت غريبة عن البلد وهو غريب عنهـا.
أحياناً كثيرة كانت تشعر أنّ المدينة ضاقت عليهـا، فتختار الرّحيـل. كان السّفر بمثابة حـلّ ولـو موقـّت؛ فهو يعني الهروب والانفلات من الواقع. هذه "السيـاحة" التي كانت تقوم بها كلّ شهرين أو ثلاثة إلى أيّ مكان يسهّل لها العيش بشكل طبيعي ويساعدها على النسيان أي على أن تنفي من وعيها حقيقة أصبحت مرّة وثقيـلة الوطء أكثر فأكثـر. لكن الهروب لفترة محدّدة من مكـان أو من وضع ما يعني أيضاًً العودة إلى هذا المكان أو الوضع المكروه... أي إلى نقطة الانطلاق. كانت أمّهـا تردّد على مسمعيها القـول أنّ أهل هذا البلـد لا يجب أن يسافـروا أبـداً لأنّهم بذلك يخاطرون باكتشاف حقائـق أخـرى تجعل حقيقتهم محزنة ومحبطة أكـثر ممـّا هي عليه. فكـّرت إيدا في هـذه اللحظة أنّ أمّها كانت محقـّة تماماً.
القسـم الأوّل
1
كان المطر ينهمر على المدينة ذلك الصّبـاح، أكثر من أيّ وقت مضى، في الأسبوع الأخير من خريف طويل وبارد. لقد مضى أكثر من ربع قرن وطقس أواخر الخريف يعيد نفسه من دون تغيّر يذكر: النسمات (الروائح) المنعشة ذاتها تتردّد مشبعة بأريج الزهر العـابق من بساتين الليمون أو من البيوت (الأنابيق) المواظبة على تقـطيره بنشاط وفق طقوس لها أسرارهـا وعارفوها. هـذه السّنة اختلفت عن سابقاتها من حيث غلوّ تقلّبات الطّقس، ففي العشيّة كان الأولاد يجمعون حبّات البرد المتساقطة على سطـوح البيـوت والسّـيارات وهـذا حـدث غير مألوف بالنسبة إليهـم سابقـاً. حتى بساتين الليمون (البرتقال) المنتشرة بين الأبنية التي كانت تكتسي بحلّة ناصعة من الزهر في مثل هذه الأيام، لم تتفتّـح براعمها بعد وما زالت تحبس أنفاسها المعطّرة للجوّ.
كان بعضهم يعزو قسوة المناخ والتغيّرات غير المعتادة في البيئة إلى التجارب النووية التي تسمّم الهـواء وتفسد الجوّ، أو إلى عمليّات استكشاف الفضاء وإطـلاق الصواريـخ والمركبات الفضائيـّة الـتي تصدم العـناصر الكونيـّة حولنـا، والتي برأيهـم يجـب ألّا تـُمسّ لأنّـها تحمـي كوكبنا. ورأى آخرون أقلّ تمسّكاً بمنطق ديكارت العقلاني وأكثر تصديقاً للخرافات، أنّ في الأمر عقاباً للبشر لتماديهم في غـيّهم: عـناصر الطبيعة تنتقـم، يؤكـّّد هؤلاء وهم يقـرعون صدورهـم. لا شكّ أنّ هذا الخلل الفجائي في مناخ بلادنا ذات الفصول الأربعـة المنتظمة تعبـير عن غضب إلهي بعد أن فقد البشر إيمانهم وضربوا بالشرائع والأديان عرض الحائط. لذلك لا يستغرب هؤلاء "الغيارى" هذه الاضطرابات في الطبيعـة. بالعكس هم يرون ضرورة تدخّـل الغضب الإلهي لتأديب البشر ووضع حدّ لفسادهم وعنفهم وشرورهم.
أغرقت الأمطار الشوارع بسرعة تلك الليلة فغمرت الطرق مكوّنة سيولاً هنا وهناك، وجرفت في ما جرفت أكوام النفايات الفـائضة عن المستوعبـات الموزّعة في بعـض الأرصفـة. كذلـك المجارير المكشوفة بعد فقدان أو سرقة أغطيتها المعدنية بد ت فاغرة أفواهها تتقيّأ المياه المبتذلة مثل مريض في حالة غثيان. كما تعطّل العديد من السيـّارات بصورة فجـائية بتأثير السيول التي أطفأت محرّكاتها. كانت دواليب السيارات تجرجر أكياس النفايات البلاستيكية وعبوات المشروب الفارغة المرميّة هنا وهناك، خصوصاً "البيبسي" و"السفن أب".
جـافى النّوم عيني إيـدا تلك الليلة؛ ليس بسبب شدّ ة العـاصفة والبرق والرّعد الذي كان يهـزّ غرفتهـا ويمزّق السكون الذي تنشده فحسب، بل بسبب نقيق الضفادع المتواصل. تحيّرت إيـدا في أمرهذه المخلوقات الغريبة: كيف تجمّعت في فترة وجيزة قبل سقوط المطر وبفعل أي قانون وراثي تكاثرت وتعايشت بانسجام في هذه البقعة الهامشيّة؟.
كانت فسحة منخفضة من الأرض تقع بين بنايتين بمحاذاة الشارع، لم يغـيّر العمران والتنظيم المدني معالمها بعد. قبل أيام قليلة كانت هذه "البورة" المواجهة لمسكن إيدا جافـّة معشوشبة مزنـّرة بنباتات مستقيمة طويلة الجذوع، معظمها من القصب، تشكل سياجاً طبيعياً. وقد اعتاد أولاد الحـيّ استخدام هذه الأرض كملعب لكـرة القدم في الأيام المشمسة، كمـا شكـّلت ملجـأً للعصافيـر ومقصداً للنحل ومرعى للأبقـار. لكن ما إن يبدأ المطر بالتساقط، تتحوّل إلى مستنقع ويختفي روّادها من مشاة وماشية وذوات الأجنحة خوفاً من الغوص في وحولها. وسرعان ما تزدحم البركة المتكوّنة حديثاً بأعداد كبيرة من الضفادع فتراها في كل مكان؛ فوق الماء وتحته وعلى الضفاف، تقفز وتسبح بخفة مع أفواج "البلاعيط" فتملأ المكان نقيقاً، منفرداً حيناً وجماعياً متناغماً أحيانـاً أخرى؛ لكن لا يحلو لها النقيق إلّا في هدأة الليل.
هذا النقيق المتواصل منع إيدا من النوم. كان يتردّد رتيباً منتظمـاً يملأ الجـوّ الرطب كأنّـه نشيد جوقة يقودها مايسترو واحد؛ ولم يتوقف هذا الإنشاد إلّا مع طلوع الشمس.
لم تستطع إيدا تجاهل هذه الأصوات فبقيت تتقلّب في فراشها إلى أن قطع نومها أخيراً زمّور وقح لسيّارة مبكـّرة في الجوار. نهضت من سريرها عند الفجر، وكانت قد وصلت من سفرهـا قبل سويعات قليلة. كانت تشعر بتعب عميق في كلّ أوصالها. لم يكن تعبها بسبب السفر الذي كان قصيراً ومريحاً إجمالاً، بقدر ما هو نتيجة للانزعاج والضيق اللذين يتملكّهانها كـلّ مرّة تعود فيها إلى البلد. كان الأمر على هذه الصّورة في نهاية كلّ سفرة: حالة إحباط ومزيج من مشاعر اليأس والقرف. ربّما لأنّهـا تعرف ما ينتظرها هنا في هذه المدينة التي كانت تحبّ، وفي هـذا البلد المنكـوب الذي دمّرته حرب طويلة مستوردة ومعاناة ما بعد الحرب التي هي أدهى وأمـرّ.
نعم كانت تعلم مسبقاً ما ينتظرها هنـا: كان عليها عند وصولها أن تكافح وأن تسبح عكس التيّار لتأمين حاجاتها الأوّليّة ولترتيب أمور الحياة اليوميّة التي كانت رغم تفاهتها، تشكّل عبئاً ثـقيلاً ومشكلات متلاحقة تحرق الأعصاب وتستنزف الكثير من الوقت والمـال. كان عليها تأمين وسيلة إنارة بديـلة من الكهرباء - كهرباء الدّولـة كما يسمّونها لتمييزهـا من المصادر الخاصّة للطـّاقـة -، وكان إمدادها لا يزيد على خمس أو ستّ ساعات يوميّاً. كان عليها أيضاًً إعادة خطّ الهاتف المقطوع أو الذي استولى عليه أحد "القبضايات". وعليها أيضاًً دفع الرّسوم والفواتير المتراكمة التي فرضتها دولـة تحـاول الوقوف على قدميها وخصخصة الخدمات العامّـة الباهظـة التكاليف. كانت الضرائب المتزايدة تتجاوز بشكل واضح الأجور والمداخيل. وإذا كان المواطن الصّالح -الآدمي كما يسمّونه- عرضة للتعدّيـات والإذلال أثنـاء الحرب البشعـة، فلا شيء بعد الحرب كما يبدو، سيعيد إليه قيمتـه الإنسانيـّة ويعيد تأهيـله كمواطـن. لا لم يعد هذا البـلد هو نفسه الذي عرفتـه "أيام زمان"، وهـي تتذكـّره الآن بمرارة وتحسّر. لم تعد المدينة مدينتها التي كانت. ولوهلة بدا لها أنّها صارت غريبة عن البلد وهو غريب عنهـا.
أحياناً كثيرة كانت تشعر أنّ المدينة ضاقت عليهـا، فتختار الرّحيـل. كان السّفر بمثابة حـلّ ولـو موقـّت؛ فهو يعني الهروب والانفلات من الواقع. هذه "السيـاحة" التي كانت تقوم بها كلّ شهرين أو ثلاثة إلى أيّ مكان يسهّل لها العيش بشكل طبيعي ويساعدها على النسيان أي على أن تنفي من وعيها حقيقة أصبحت مرّة وثقيـلة الوطء أكثر فأكثـر. لكن الهروب لفترة محدّدة من مكـان أو من وضع ما يعني أيضاًً العودة إلى هذا المكان أو الوضع المكروه... أي إلى نقطة الانطلاق. كانت أمّهـا تردّد على مسمعيها القـول أنّ أهل هذا البلـد لا يجب أن يسافـروا أبـداً لأنّهم بذلك يخاطرون باكتشاف حقائـق أخـرى تجعل حقيقتهم محزنة ومحبطة أكـثر ممـّا هي عليه. فكـّرت إيدا في هـذه اللحظة أنّ أمّها كانت محقـّة تماماً.
Page 4
لم تكن جوقـة الضفـادع قد توقفت عن النقيـق. كانت إيـدا سابقـاً تحبّ هذه النغمـات الصارخة الخارجة من الميـاه لتملأ الجـوّ بصخبهـا، متقـاطعة متداخـلة أو متمازجـة بحيث يصعب تمييزها. كانت تجدهـا مبعثـاً للوحي والحنين كأنّهـا آتية من عالـم ومن زمن آخـر. أمّـا الآن فقـد غـدت هـذه البرمائيّات الرباعية السيقان بنظرها لا تطاق، خصوصاً تلك التي كانت تشذّ عن الجوقة بأصوات منفردة نافرة استحوذت على حواس إيدا في ترقّبها اليائس لصمت مستحيل.
بعد نهوضها باكراً على غير عادتها، أمسكت إيدا فنجان قهوتها وتذوقت رشفات صغيرة بشيء من الاستمتاع. كان الهاتف على طاولة صغيرة أمامهـا. رفعت السمـّاعة لتكلّم أمّها التي تستيقـظ قبلها بالتأكـيد. تذكّرت أنّ الخطّ مقطوع فهـزّت رأسها باستيـاء وارتسمت على شفتيهـا ابتسامـة سخرية وقرف: هذا أوّل نصف نهـار ضائع تواجهه. إنّهـا أبسط وسيلة لإذلال الإنسان في هذا البلد. عليها أن تذهـب إلى مكتب سنترال الهاتف لإيداع شكوى، وهي تعلم يقيناً أنّها لن تؤخذ في الاعتبار إلّا إذا كان الموظـّف الذي تعرفه - وتدفع له "إكراميّة"- موجوداً. وإلّا سيكـون عليهـا الانتظار كالآخرين أسابيع أو ربما أشهراً لإعادة خطـّها المقطوع. توتّرت أعصابها لهذه الخاطرة المزعجة وتمنّت لو أنّهـا تعود أدراجها وتسافر إلى بلد يستطيع المرء فيـه أن يدافـع عن حقـوقـه المسلوبة ويطالب بها.
سمعت إيـدا ضجّة أمام مدخل الشقة فقامت لتفتح الباب. كان ناطور البناية هناك يجمع أكياس النفايات الموضوعة في السّهرة. كان يلبس قميصاً خمريّ اللّون من نوع إنترلوك يلازمه كجلده الثاني. ألقى الناطور عليها نظرة من فُوجىء بوجودها، مصحوبة بابتسامة خفيفة تنمّ عن السذاجة والتشكّي.
- صباح الخير سيّدة إيدا، و... الحمد لله على عودتك بالسّلامة! لم أعلم بقدومك، فيوم أمس كـان يوم عطلتي، قال الناطور متلعثماً لكن بحماس.
- صباح الخير يا أديب... كيف الأحوال؟ ردّت باقتضاب وهي تهمّ بإغلاق الباب مجدّداً.
تابع الناطور دون توقّف كأنّما لينقل خبراً لم يعد يقوى على حمله:
- ليست على ما يرام يا سيّدتي، بل هي سيئة حقاً... أوّل أمس وقع انفجار، وأمس وقـع آخـر. حمانا الله من الأشرار. الانفجار الأوّل حدث أمام كنيسة مار مارون والثاني أمام المسجد الكبير... الحصيلة بضعة قتلى وعشرات الجرحـى. كأنّ قوى الشرّ تريـد بأيّ ثمن دفع البلاد مجدّداً إلى حافّة الحرب. قال ذلك بوقار المطـّلع العارف وهو يبتعد ويخفض صوته تدريجيّاً.
عادت إيدا إلى مقعدهـا حاملة فنجان قهوتها الباردة وجلست تتأمـّل من خلال الواجهة الزجاجية لغرفة الجلوس، سمـاء كالحـة تنذر بزخـّات مطر جديدة، ومعها أفـواج جـديدة من الضفـادع. كانت تتساءل عما إذا كانت ظروف الحياة في البلد هي حقاً سبب شعورها بالتعب والضّجر، أم أنّ هناك أسباباً شخصية لا علاقة لها بالبلد، وراء انحراف مزاجها. كانت تشعر نوعاً ما بالفراغ بعد أن تركت الآخـر يرحل؛ أي منذ انفصالهما الذي اعتبرته نهائياً. الانفصـال! أليس ذلك سبباً كافياً للوصول إلى حالتها تلك ولإحساسها بعدم التعلّق بالمكان الذي عاشت فيه ردحاً من الزمن، لأنّ الآخـر لم يعد هناك؟ لم يكن لديها اندفاع للسفر حتى وقت قريب، لأنّ الآخـر كان ما يزال في حياتها، وكان حضوره يعني لها الكثير ويشدّها إليه باستمرار. عقدت حاجبيها إذ تذكّرت أنـّها هي لا هو، تركت أولاً وعجـّلت الانفصال، فعليها الآن أن تتحمّل تبعات موقفها مهما كانت.
كان ذلك قبل أكثر من شهرين، حين حطـّمت باختيارها كلّ شيء ولم تتوقف بعد ذلك عن السفر. كان ارتحالها أوّل الأمر بمثابة هروب من واقع لم تستطع تقبـّله؛ لكنـّها بدأت تستمتع بالسفر أكثر فأكثر: زيارة شقيقتها المقيمة في الولايات المتحدة، والثانية التي تعيش في ألمانيا، ثمّ زيارة أخيها الـذي يعمل في دبي، والآخـر المقيـم في السويد. كـذلك ابنتـاها الطالبتـان في باريس؛ ارتـأت أن تزورهما للاطلاع عن كثب على أوضاعهما المالية والدّراسية. ولم تنسَ ابن أخيها في بلجكا، الذي غادر بلده مثل ابنتيها، هرباً من فظائع حرب لا رحمة فيها. لـم يكن ينقصها بالطبع أماكن ممتعـة للسفر أو أحبـّاء للترحيب بها. لكنّـها كانت تبحث عن وطن آخر لأنها كانت رافضة ما يجري في وطنها وأرض أجـدادها، حيث كان كـلّ شيء يتهـافت ويتهـاوى، من حجـر وبشر وقيـم إنسانيـّة داستهـا أقدام الجهل والتعصّب.
ولئن استسـاغت إيدا البقاء سنوات طويلة في تلك الدّوامة، فقد كان ذلك لأجـله هــو ... وبسبب حضوره الأخـّاذ الذي كان يملأ حياتها، والذي انقطع الآن وأصبح أثراً بعد عين. لكن، لكلّ شيء نهاية، قالت لنفسها، ولا شيء يدوم في هذه الحياة الزائلة. بيد أنـّها تقبلت هذه النهاية دون أسف منذ زمن طويل. إنّـها تبتسم بحنـوّ إذ تتذكّر تلك الأنثى العاشـقة والسريعة التأثـّر التي كانت فـي زمن مضى، والتي كانت تعيش على إيقاع نبضات قلبها وعواطفها. لقد تغيّرت إيدا الأمس وبعدت عن تلك الصورة التي كانت عليها مدفوعة بعوامل وقوى تجهلها. ومع مرور الزمن لن يبقى من تلك الذكريات سوى صور وأحاسيس مبهمـة وباهتـة. ترى، هل تضيع كلّياً كأنـّها لم تكـن؟ هـذه التساؤلات والحالة الشعورية المضطربة أزعجتها فعـلاً وعكـّرت مزاجها. لكن لـمَ العـودة إلى الماضي وحكّ الجرح الملتئم؟ الذي لم يكن جرحاً ربّما، ولا أهميّة له على أيّ حال.
استغرقت إيدا في تأمـّلها بحيث نسيت الضفادع ولم تعد تسمع نقيقها المزعج. لقد أصمـّت أذنيها في هذه اللحظات عن كل ضجيج خارجيّ. لكن ما إن عادت من تأمـّلاتها ودفنت في أعماق وعيها تلك القصـّة التي بدت لها منتهية، حتى انتبهت فجـأة لتلـك الأصوات كمـن يسمع صوت شلّال خافت عن بعد، ثمّ ينفجر هديره في أذنيه عندما يقترب منه. عادت أصوات الضفادع المزعجة تدوّي في رأس إيدا، وأعاد إيقاعها إلى ذهنها صدى صوت بعيد... صوتـه هـو بنبرته الواضحة وعـذوبة ألـفاظه. تذكّرت ما قاله لها عن الضفادع: هـذه الأصوات تثير الحنين في نفسي... لا أعرف لمَ تنتابني هذه المشاعر السوداوية عندما أسمع هذا النقيق... إنّ عدوى هذه المشاعر السوداوية قد نقلها إليها في الواقع، بعد تلك العشرة الطويلة.
إنتفضت إيدا ونظرت إلى ساعة يدها، ثمّ إلى ساعة الحائط الكهربائـيّة الصغيرة: إنّها التاسعة والنصف في هذه الأخيرة، بينما تشير الأولى إلى الثامنة والنصف؛ وقد نسيت أن تضبطها بعد عودتها من السفر. لم تكن متأكـّدة كم أمضت من الوقت مستلقية في مقعدها بين أحلام اليقظة والنوم. لا بدّ أنّـها عاودت النوم لأنّها كانت تحلم أو بالأحرى كانت تحت وطأة كابوس مخيف:
رأت رجلاً طويل القامة لم تستطع تبيـّن ملامحـه؛ كان يضمّها إليه بقوّة دون أن تستطيع حراكـاً ويعضّ رأسها حتى العظم بفكـّيه القويين وهي تصرخ من الألم. خيـّل لها أن لهذا الرجل ذات مشية وحركات الآخـر، صديقها السابق، المحامي الذي أخرجته من حياتها. شعرت كأنّ هذا الكابوس الذي لم يدم أكثر من ثانية، ترك في قمـّة رأسها أثراً موجعاً بل مؤذياً حاولت تحسّسه بيدها. مع ذلك أحسّت أنّ الرعشة التي استولت عليها لحظة الحلم كانت مزيجاً من الألم واللذة. وقد استمرّ هذا الإحساس لديها وهي تفكر في هذا الحلم؛ لقد كان بالأحرى شعوراً نائماً في أعماقها.
إنـّها الساعة العاشرة. ما زال لديها متسع من الوقت للذهاب إلى كلـّية الحقوق حيث كان عليها إلقاء محاضرة تبدأ عنـد الظهر. كانت قد اختـارت هـذا التوقـيت ليتسنـّى لها الاستمتـاع بصبحيـّة فضفاضة قبل الظهر.
بعد نهوضها باكراً على غير عادتها، أمسكت إيدا فنجان قهوتها وتذوقت رشفات صغيرة بشيء من الاستمتاع. كان الهاتف على طاولة صغيرة أمامهـا. رفعت السمـّاعة لتكلّم أمّها التي تستيقـظ قبلها بالتأكـيد. تذكّرت أنّ الخطّ مقطوع فهـزّت رأسها باستيـاء وارتسمت على شفتيهـا ابتسامـة سخرية وقرف: هذا أوّل نصف نهـار ضائع تواجهه. إنّهـا أبسط وسيلة لإذلال الإنسان في هذا البلد. عليها أن تذهـب إلى مكتب سنترال الهاتف لإيداع شكوى، وهي تعلم يقيناً أنّها لن تؤخذ في الاعتبار إلّا إذا كان الموظـّف الذي تعرفه - وتدفع له "إكراميّة"- موجوداً. وإلّا سيكـون عليهـا الانتظار كالآخرين أسابيع أو ربما أشهراً لإعادة خطـّها المقطوع. توتّرت أعصابها لهذه الخاطرة المزعجة وتمنّت لو أنّهـا تعود أدراجها وتسافر إلى بلد يستطيع المرء فيـه أن يدافـع عن حقـوقـه المسلوبة ويطالب بها.
سمعت إيـدا ضجّة أمام مدخل الشقة فقامت لتفتح الباب. كان ناطور البناية هناك يجمع أكياس النفايات الموضوعة في السّهرة. كان يلبس قميصاً خمريّ اللّون من نوع إنترلوك يلازمه كجلده الثاني. ألقى الناطور عليها نظرة من فُوجىء بوجودها، مصحوبة بابتسامة خفيفة تنمّ عن السذاجة والتشكّي.
- صباح الخير سيّدة إيدا، و... الحمد لله على عودتك بالسّلامة! لم أعلم بقدومك، فيوم أمس كـان يوم عطلتي، قال الناطور متلعثماً لكن بحماس.
- صباح الخير يا أديب... كيف الأحوال؟ ردّت باقتضاب وهي تهمّ بإغلاق الباب مجدّداً.
تابع الناطور دون توقّف كأنّما لينقل خبراً لم يعد يقوى على حمله:
- ليست على ما يرام يا سيّدتي، بل هي سيئة حقاً... أوّل أمس وقع انفجار، وأمس وقـع آخـر. حمانا الله من الأشرار. الانفجار الأوّل حدث أمام كنيسة مار مارون والثاني أمام المسجد الكبير... الحصيلة بضعة قتلى وعشرات الجرحـى. كأنّ قوى الشرّ تريـد بأيّ ثمن دفع البلاد مجدّداً إلى حافّة الحرب. قال ذلك بوقار المطـّلع العارف وهو يبتعد ويخفض صوته تدريجيّاً.
عادت إيدا إلى مقعدهـا حاملة فنجان قهوتها الباردة وجلست تتأمـّل من خلال الواجهة الزجاجية لغرفة الجلوس، سمـاء كالحـة تنذر بزخـّات مطر جديدة، ومعها أفـواج جـديدة من الضفـادع. كانت تتساءل عما إذا كانت ظروف الحياة في البلد هي حقاً سبب شعورها بالتعب والضّجر، أم أنّ هناك أسباباً شخصية لا علاقة لها بالبلد، وراء انحراف مزاجها. كانت تشعر نوعاً ما بالفراغ بعد أن تركت الآخـر يرحل؛ أي منذ انفصالهما الذي اعتبرته نهائياً. الانفصـال! أليس ذلك سبباً كافياً للوصول إلى حالتها تلك ولإحساسها بعدم التعلّق بالمكان الذي عاشت فيه ردحاً من الزمن، لأنّ الآخـر لم يعد هناك؟ لم يكن لديها اندفاع للسفر حتى وقت قريب، لأنّ الآخـر كان ما يزال في حياتها، وكان حضوره يعني لها الكثير ويشدّها إليه باستمرار. عقدت حاجبيها إذ تذكّرت أنـّها هي لا هو، تركت أولاً وعجـّلت الانفصال، فعليها الآن أن تتحمّل تبعات موقفها مهما كانت.
كان ذلك قبل أكثر من شهرين، حين حطـّمت باختيارها كلّ شيء ولم تتوقف بعد ذلك عن السفر. كان ارتحالها أوّل الأمر بمثابة هروب من واقع لم تستطع تقبـّله؛ لكنـّها بدأت تستمتع بالسفر أكثر فأكثر: زيارة شقيقتها المقيمة في الولايات المتحدة، والثانية التي تعيش في ألمانيا، ثمّ زيارة أخيها الـذي يعمل في دبي، والآخـر المقيـم في السويد. كـذلك ابنتـاها الطالبتـان في باريس؛ ارتـأت أن تزورهما للاطلاع عن كثب على أوضاعهما المالية والدّراسية. ولم تنسَ ابن أخيها في بلجكا، الذي غادر بلده مثل ابنتيها، هرباً من فظائع حرب لا رحمة فيها. لـم يكن ينقصها بالطبع أماكن ممتعـة للسفر أو أحبـّاء للترحيب بها. لكنّـها كانت تبحث عن وطن آخر لأنها كانت رافضة ما يجري في وطنها وأرض أجـدادها، حيث كان كـلّ شيء يتهـافت ويتهـاوى، من حجـر وبشر وقيـم إنسانيـّة داستهـا أقدام الجهل والتعصّب.
ولئن استسـاغت إيدا البقاء سنوات طويلة في تلك الدّوامة، فقد كان ذلك لأجـله هــو ... وبسبب حضوره الأخـّاذ الذي كان يملأ حياتها، والذي انقطع الآن وأصبح أثراً بعد عين. لكن، لكلّ شيء نهاية، قالت لنفسها، ولا شيء يدوم في هذه الحياة الزائلة. بيد أنـّها تقبلت هذه النهاية دون أسف منذ زمن طويل. إنّـها تبتسم بحنـوّ إذ تتذكّر تلك الأنثى العاشـقة والسريعة التأثـّر التي كانت فـي زمن مضى، والتي كانت تعيش على إيقاع نبضات قلبها وعواطفها. لقد تغيّرت إيدا الأمس وبعدت عن تلك الصورة التي كانت عليها مدفوعة بعوامل وقوى تجهلها. ومع مرور الزمن لن يبقى من تلك الذكريات سوى صور وأحاسيس مبهمـة وباهتـة. ترى، هل تضيع كلّياً كأنـّها لم تكـن؟ هـذه التساؤلات والحالة الشعورية المضطربة أزعجتها فعـلاً وعكـّرت مزاجها. لكن لـمَ العـودة إلى الماضي وحكّ الجرح الملتئم؟ الذي لم يكن جرحاً ربّما، ولا أهميّة له على أيّ حال.
استغرقت إيدا في تأمـّلها بحيث نسيت الضفادع ولم تعد تسمع نقيقها المزعج. لقد أصمـّت أذنيها في هذه اللحظات عن كل ضجيج خارجيّ. لكن ما إن عادت من تأمـّلاتها ودفنت في أعماق وعيها تلك القصـّة التي بدت لها منتهية، حتى انتبهت فجـأة لتلـك الأصوات كمـن يسمع صوت شلّال خافت عن بعد، ثمّ ينفجر هديره في أذنيه عندما يقترب منه. عادت أصوات الضفادع المزعجة تدوّي في رأس إيدا، وأعاد إيقاعها إلى ذهنها صدى صوت بعيد... صوتـه هـو بنبرته الواضحة وعـذوبة ألـفاظه. تذكّرت ما قاله لها عن الضفادع: هـذه الأصوات تثير الحنين في نفسي... لا أعرف لمَ تنتابني هذه المشاعر السوداوية عندما أسمع هذا النقيق... إنّ عدوى هذه المشاعر السوداوية قد نقلها إليها في الواقع، بعد تلك العشرة الطويلة.
إنتفضت إيدا ونظرت إلى ساعة يدها، ثمّ إلى ساعة الحائط الكهربائـيّة الصغيرة: إنّها التاسعة والنصف في هذه الأخيرة، بينما تشير الأولى إلى الثامنة والنصف؛ وقد نسيت أن تضبطها بعد عودتها من السفر. لم تكن متأكـّدة كم أمضت من الوقت مستلقية في مقعدها بين أحلام اليقظة والنوم. لا بدّ أنّـها عاودت النوم لأنّها كانت تحلم أو بالأحرى كانت تحت وطأة كابوس مخيف:
رأت رجلاً طويل القامة لم تستطع تبيـّن ملامحـه؛ كان يضمّها إليه بقوّة دون أن تستطيع حراكـاً ويعضّ رأسها حتى العظم بفكـّيه القويين وهي تصرخ من الألم. خيـّل لها أن لهذا الرجل ذات مشية وحركات الآخـر، صديقها السابق، المحامي الذي أخرجته من حياتها. شعرت كأنّ هذا الكابوس الذي لم يدم أكثر من ثانية، ترك في قمـّة رأسها أثراً موجعاً بل مؤذياً حاولت تحسّسه بيدها. مع ذلك أحسّت أنّ الرعشة التي استولت عليها لحظة الحلم كانت مزيجاً من الألم واللذة. وقد استمرّ هذا الإحساس لديها وهي تفكر في هذا الحلم؛ لقد كان بالأحرى شعوراً نائماً في أعماقها.
إنـّها الساعة العاشرة. ما زال لديها متسع من الوقت للذهاب إلى كلـّية الحقوق حيث كان عليها إلقاء محاضرة تبدأ عنـد الظهر. كانت قد اختـارت هـذا التوقـيت ليتسنـّى لها الاستمتـاع بصبحيـّة فضفاضة قبل الظهر.
Page 5
2
إنقطع المطر الغزير فجأة وظهرت حزمة أشعـّة ذهبية من كوّة فتحت في الغيوم الدكناء. شعرت إيدا بانشراح لا يوصف لهذا المنظر، وكأنّ هذا النور بدأ يُذيب الجليد عن قلبها. شعرت أنّها أقلّ تشتّتاً ممـّا كانت عليه وبدأت تستعيد صفاء ذهنها.
تأكّدت من إغلاق بابها وهمـّت بنزول الدّرج. كان الناطور في مدخل البناية مستلقياً على كرسي من القشّ عليه مسند صغير. وإذ رآها وقف فجأة:
- صباح الخير سيّدة إيدا! هل عرفتِ...
قاطعته إيدا بأن مدّت إليه بضع ورقات ماليّة زرقاء، وإذ تذكرت مطوّلاته الكلامية عندما استقبلها صباحاً، أجابته بهدوء:
- صباح الخير يا أديب، كيف حال الصغير؟ هل تحسّنت صحته؟ ألقت هذه المجاملة مبتعدة بسرعة بحيث سمعت بصعوبة جواب الناطور:
- الصغير ما زال موجوعاً. تركته عند أمـّي في سورية؛ هي تعنى به وأنا أرسل إليها باستمرار المال الذي أكسبه هنا. حفظ الله سكان البناية؛ إنـّهم يغمرونني بكرمهم... أضاف بلهجة استعطاف.
وإذ لاحظ اختفاءها السريع هرول نحوها مضيفاً:
- لكن... كان بإمكانك استخدام المصعد سيّدتي! الكهرباء متوافرة... منذ الصباح...
كانت إيدا متوجّهة نحو سيارتها عندما لاحظت أديب بجانبها وسمعته يتابع كلامه مغيّراً الحديث:
- إنّ جرحى يوم الأحد الماضي، سيّدتي...
وإذ لاحظ عدم اهتمامها بحديثه بعكس ما كان ينتظر، أنهى قائلاًً:
- لقد ماتوا كلّهم!
لم تستطع إيدا أن تحبس صرخة إشفاق:
- كلّهم؟
ارتسمت على وجه الرجل علامة ارتياح لنجاحه في إخراج الدكتورة من صمتها، فقال بتردّد:
- تقريباً... ليس كلّهم تماماً... نحو عشرة منهم... نعم عشرة.
لم تسمع كلماته الأخيرة؛ فقد ابتعدت لتقف أمام سيارتها.
* *
كانت التويوتا البيضاء واقفة بجانب الرصيف وعلى إيدا أن تستدير إلى الجهة الأخرى من السيارة لتدخلها ثم تنتقل إلى جهة السائق، وذلك لسببين: أوّلهما أنّ حافة الرصيف كانت عالية بحيث تعيق فتح باب السائق. لم تجد سبباً لهذا الارتفاع المزعج للرصيف إلى أن أخبرها الناطور أن هذا الخطأ كان مقصوداً؛ فرئيس البلديـّة أوعز بذلك نكاية بمالك البناية الذي كان خصمه السياسي، ولم يجد وسيلة أخرى للإضرار به! أما السبب الآخر فكان وجود حفرة فاغرة من مخلّفات القصف لم تردمها مصلحة صيانة الطرق كما يجب؛ فعند امتلائها بمياه الأمطار تصبح فخّـاً خفيّـاً، إذ يمكن أن يغطس المارّة فيها حتى الكاحل. كما يبرز في وسطها رأس جسم معدني منغرز في الأرض، هو من بقايا قذيفة قديمة، وكثيراًً ما تسببت بانفجار إطارات السيارات التي تمرّ بها.
- انتبهي مدام إيدا! الحفرة!
ظهر الناطور مجدّداً، ممسكاً بقبضتيه أطراف أكياس من البلاستيك مثقلة بالنفايات، متوجهاً نحو مستوعبات القمامة المسودّة اللون. كان يراقب المرأة وهي تصعد إلى السيـّارة من باب الراكب الأمامي وتدمدم منزعجة. وصلـت إلى المقـود وقبضت على بدّالـة السرعة بعـد إرخـاء مكبـح اليد.
كانت تقود ببطء في الطريق المؤدّية إلى الكلـّية، متجنّبة السائقين المتهوّرين الذين كانوا يتجاوزونها بسرعة جنونية. بدا لها الطريق نظيفاً بعد أن غسلته الأمطار، وكانت بقع المياه هنا وهناك تظهر أمامها كالسراب وتعكس زرقة سماء صافية كانت قبل أقل من ربع ساعة مسرحاً لعروض البرق والرّعد وزخّـات المطر المجنون. عادت الشمس تغمر المدينة بوشاح ذهبيّ ساحر.
إنّ هذا الطقس المميّز سبب إضافي كافٍ لاختيار البقاء في هذا البلد. والنزوح الذي اشتدّ خلال الحرب أكثر من أيّ وقت مضى، بدأ يأخذ اتجاهاً معاكساً؛ فكثير من المهاجرين بدأوا يعودون الآن إلى بلدهم، بلد الشمس والدفء.
توقّفت أمام البوّابة الحديدية لمدخل البناية الرئيسي بانتظار أن يفتح لها لتركن سيارتها في الملعب الكبير. على يمين المدخل أقيمت تخشيبة عسكرية للحرس. أخذت تنظر بسخرية إلى اللوحات الإعلانية والصور الدّعائـية وبعضهـا ممزّق باهت، ألصق عـلى جـدران الكلـّية في السنة الماضية.
كانت الصور لنوّاب منتخبين أو لمرشحين سقطوا في الانتخابات الأخيرة وهي الأولى بعد حرب دامت ستّ عشرة سنة. كان هناك صور أحدث عهداً لمطربين من الدرجة الثانية والثالثة؛ بدا بعضهم بشعر أشعث على طريقة البيتلز الرائجة. وجوه وأسماء... أسماء كثيرة مرصوفة ومتداخلة وصور متراكبة بعضها فوق بعض لخليط متنافر من الفنّانين وأشباه الفنّانين والسياسيين والمرشحين المغامرين والمغمورين تغطـّي معظم الجدران. لم يكن يجمع بين هذه الوجوه سوى الابتسامة الاستعراضية التي اجتهد أصحابها في جعلها جذّابة آسرة. على جدار أعلى، ألصقت صور لآخر دفعة من شهداء الجنوب إلى جانب صورة مميّزة تكرّر عرضها بشكل لافت على عمودي الجدار البارزين. ارتسمت على وجه إيدا ابتسامة ساخرة إزاء هذا المشهد الدعائي. قرأت شعاراً مكتوباً في أسفل الصورة يؤكـّد أنّ هذا النائب القادم سيطالب بحقوق الجامعيين ويناضل لتأمينها. استوقف نظرها وجه صاحب الصورة؛ بدا جميلاً بشكل عام. كان في وجهه سمة لفتت انتباهها...وبعد لحظة تركيز وتأمل، اكتشفت أنّ جاذبية الوجه تكمن في غمازتيه المرسومتين بإتقان على جانبي الفم واللتين تضاعفان تأثير الابتسامة وتضفيان على وجهه إشراقة مميّزة. هذه الملامح في الصورة ذكّرتها بوجه تعرفه تماماً: المحامي بغمازتيه البارزتين اللتين كانتا نقطة ضعفها.
قطع تأملات إيدا اقتراب رجل بزيّ عسكري نحوها. عندما وقف الخفير أمام سيارتها كانت البوّابة لا تزال موصدة. طلب إليها فتح صندوق سيارتها أولاً ثمّ رفع غطاء المحرّك.
- تفتيش أمنيّ، قال الرجل باقتضاب.
هل عليها النزول من السيارة وهي ترتدي معطفها السومون، وبعد كلّ هذه العناية بأظفارها التي طلتها بالأحمر هذا الصباح... أثار هذا الطلب ثائرتها فأجابت بنبرة حادّة:
- إنّ وظيفتي هي التدريس، لا فتح وإغلاق السيـّارات. هذا شغلك أنت يا سيّد!
- عليك أن تقومي بذلك بنفسك، سيّـدتي! إنّـها التعليمات، أجـاب الحـارس بلهجـة جافـة وجازمة.
إرتبكت إيدا واكتفت بإطفاء المحرّك والإشاحة بوجهها بعيداًً. أدرك الجنديّ أن طلبه لن ينفـّذ فأضاف مبرّراً:
- ذلك أنّ الوضع الأمني يتدهور منذ بعض الوقت، ورئيسي المسؤول...
لم تدعه يكمل جملته:
- قل لرئيسك الذي أعطاك هذه التعليمات أن ليس من واجبات الأستاذ، والأستاذة بشكل خاص، أن تقوم بدور الميكانيكي! وأضافت بحدّة: كفى...هذه التصرّفات المعيبة وهذا الإذلال.
ولوهلة، بدا لها أنّ الجنديّ لن يتزحزح عن موقفه، ففكّرت بأسلوب أكثر إقناعاً: قطبت جبينها وسألت بلهجة حازمة كمن يريد حسم الموضوع:
- لكن، ما اسم رئيسك؟ من الضابط آمر الموقع؟
ظنّ الجنديّ أنـّه بحضرة سيّدة نافذة فتحرّك على مضض. رأته إيدا يقترب ببطء من غطاء المحرّك، وكان مفتوحاً، ثمّ يستدير نحو الصندوق الخلفيّ فيخبط غطاءه بعنف مبتعداً بسرعة. تولّى شخص مدني كان هناك زحزحة البوّابة الضخمة وفتحها أمام السيّـارة فدخلت.
إنقطع المطر الغزير فجأة وظهرت حزمة أشعـّة ذهبية من كوّة فتحت في الغيوم الدكناء. شعرت إيدا بانشراح لا يوصف لهذا المنظر، وكأنّ هذا النور بدأ يُذيب الجليد عن قلبها. شعرت أنّها أقلّ تشتّتاً ممـّا كانت عليه وبدأت تستعيد صفاء ذهنها.
تأكّدت من إغلاق بابها وهمـّت بنزول الدّرج. كان الناطور في مدخل البناية مستلقياً على كرسي من القشّ عليه مسند صغير. وإذ رآها وقف فجأة:
- صباح الخير سيّدة إيدا! هل عرفتِ...
قاطعته إيدا بأن مدّت إليه بضع ورقات ماليّة زرقاء، وإذ تذكرت مطوّلاته الكلامية عندما استقبلها صباحاً، أجابته بهدوء:
- صباح الخير يا أديب، كيف حال الصغير؟ هل تحسّنت صحته؟ ألقت هذه المجاملة مبتعدة بسرعة بحيث سمعت بصعوبة جواب الناطور:
- الصغير ما زال موجوعاً. تركته عند أمـّي في سورية؛ هي تعنى به وأنا أرسل إليها باستمرار المال الذي أكسبه هنا. حفظ الله سكان البناية؛ إنـّهم يغمرونني بكرمهم... أضاف بلهجة استعطاف.
وإذ لاحظ اختفاءها السريع هرول نحوها مضيفاً:
- لكن... كان بإمكانك استخدام المصعد سيّدتي! الكهرباء متوافرة... منذ الصباح...
كانت إيدا متوجّهة نحو سيارتها عندما لاحظت أديب بجانبها وسمعته يتابع كلامه مغيّراً الحديث:
- إنّ جرحى يوم الأحد الماضي، سيّدتي...
وإذ لاحظ عدم اهتمامها بحديثه بعكس ما كان ينتظر، أنهى قائلاًً:
- لقد ماتوا كلّهم!
لم تستطع إيدا أن تحبس صرخة إشفاق:
- كلّهم؟
ارتسمت على وجه الرجل علامة ارتياح لنجاحه في إخراج الدكتورة من صمتها، فقال بتردّد:
- تقريباً... ليس كلّهم تماماً... نحو عشرة منهم... نعم عشرة.
لم تسمع كلماته الأخيرة؛ فقد ابتعدت لتقف أمام سيارتها.
* *
كانت التويوتا البيضاء واقفة بجانب الرصيف وعلى إيدا أن تستدير إلى الجهة الأخرى من السيارة لتدخلها ثم تنتقل إلى جهة السائق، وذلك لسببين: أوّلهما أنّ حافة الرصيف كانت عالية بحيث تعيق فتح باب السائق. لم تجد سبباً لهذا الارتفاع المزعج للرصيف إلى أن أخبرها الناطور أن هذا الخطأ كان مقصوداً؛ فرئيس البلديـّة أوعز بذلك نكاية بمالك البناية الذي كان خصمه السياسي، ولم يجد وسيلة أخرى للإضرار به! أما السبب الآخر فكان وجود حفرة فاغرة من مخلّفات القصف لم تردمها مصلحة صيانة الطرق كما يجب؛ فعند امتلائها بمياه الأمطار تصبح فخّـاً خفيّـاً، إذ يمكن أن يغطس المارّة فيها حتى الكاحل. كما يبرز في وسطها رأس جسم معدني منغرز في الأرض، هو من بقايا قذيفة قديمة، وكثيراًً ما تسببت بانفجار إطارات السيارات التي تمرّ بها.
- انتبهي مدام إيدا! الحفرة!
ظهر الناطور مجدّداً، ممسكاً بقبضتيه أطراف أكياس من البلاستيك مثقلة بالنفايات، متوجهاً نحو مستوعبات القمامة المسودّة اللون. كان يراقب المرأة وهي تصعد إلى السيـّارة من باب الراكب الأمامي وتدمدم منزعجة. وصلـت إلى المقـود وقبضت على بدّالـة السرعة بعـد إرخـاء مكبـح اليد.
كانت تقود ببطء في الطريق المؤدّية إلى الكلـّية، متجنّبة السائقين المتهوّرين الذين كانوا يتجاوزونها بسرعة جنونية. بدا لها الطريق نظيفاً بعد أن غسلته الأمطار، وكانت بقع المياه هنا وهناك تظهر أمامها كالسراب وتعكس زرقة سماء صافية كانت قبل أقل من ربع ساعة مسرحاً لعروض البرق والرّعد وزخّـات المطر المجنون. عادت الشمس تغمر المدينة بوشاح ذهبيّ ساحر.
إنّ هذا الطقس المميّز سبب إضافي كافٍ لاختيار البقاء في هذا البلد. والنزوح الذي اشتدّ خلال الحرب أكثر من أيّ وقت مضى، بدأ يأخذ اتجاهاً معاكساً؛ فكثير من المهاجرين بدأوا يعودون الآن إلى بلدهم، بلد الشمس والدفء.
توقّفت أمام البوّابة الحديدية لمدخل البناية الرئيسي بانتظار أن يفتح لها لتركن سيارتها في الملعب الكبير. على يمين المدخل أقيمت تخشيبة عسكرية للحرس. أخذت تنظر بسخرية إلى اللوحات الإعلانية والصور الدّعائـية وبعضهـا ممزّق باهت، ألصق عـلى جـدران الكلـّية في السنة الماضية.
كانت الصور لنوّاب منتخبين أو لمرشحين سقطوا في الانتخابات الأخيرة وهي الأولى بعد حرب دامت ستّ عشرة سنة. كان هناك صور أحدث عهداً لمطربين من الدرجة الثانية والثالثة؛ بدا بعضهم بشعر أشعث على طريقة البيتلز الرائجة. وجوه وأسماء... أسماء كثيرة مرصوفة ومتداخلة وصور متراكبة بعضها فوق بعض لخليط متنافر من الفنّانين وأشباه الفنّانين والسياسيين والمرشحين المغامرين والمغمورين تغطـّي معظم الجدران. لم يكن يجمع بين هذه الوجوه سوى الابتسامة الاستعراضية التي اجتهد أصحابها في جعلها جذّابة آسرة. على جدار أعلى، ألصقت صور لآخر دفعة من شهداء الجنوب إلى جانب صورة مميّزة تكرّر عرضها بشكل لافت على عمودي الجدار البارزين. ارتسمت على وجه إيدا ابتسامة ساخرة إزاء هذا المشهد الدعائي. قرأت شعاراً مكتوباً في أسفل الصورة يؤكـّد أنّ هذا النائب القادم سيطالب بحقوق الجامعيين ويناضل لتأمينها. استوقف نظرها وجه صاحب الصورة؛ بدا جميلاً بشكل عام. كان في وجهه سمة لفتت انتباهها...وبعد لحظة تركيز وتأمل، اكتشفت أنّ جاذبية الوجه تكمن في غمازتيه المرسومتين بإتقان على جانبي الفم واللتين تضاعفان تأثير الابتسامة وتضفيان على وجهه إشراقة مميّزة. هذه الملامح في الصورة ذكّرتها بوجه تعرفه تماماً: المحامي بغمازتيه البارزتين اللتين كانتا نقطة ضعفها.
قطع تأملات إيدا اقتراب رجل بزيّ عسكري نحوها. عندما وقف الخفير أمام سيارتها كانت البوّابة لا تزال موصدة. طلب إليها فتح صندوق سيارتها أولاً ثمّ رفع غطاء المحرّك.
- تفتيش أمنيّ، قال الرجل باقتضاب.
هل عليها النزول من السيارة وهي ترتدي معطفها السومون، وبعد كلّ هذه العناية بأظفارها التي طلتها بالأحمر هذا الصباح... أثار هذا الطلب ثائرتها فأجابت بنبرة حادّة:
- إنّ وظيفتي هي التدريس، لا فتح وإغلاق السيـّارات. هذا شغلك أنت يا سيّد!
- عليك أن تقومي بذلك بنفسك، سيّـدتي! إنّـها التعليمات، أجـاب الحـارس بلهجـة جافـة وجازمة.
إرتبكت إيدا واكتفت بإطفاء المحرّك والإشاحة بوجهها بعيداًً. أدرك الجنديّ أن طلبه لن ينفـّذ فأضاف مبرّراً:
- ذلك أنّ الوضع الأمني يتدهور منذ بعض الوقت، ورئيسي المسؤول...
لم تدعه يكمل جملته:
- قل لرئيسك الذي أعطاك هذه التعليمات أن ليس من واجبات الأستاذ، والأستاذة بشكل خاص، أن تقوم بدور الميكانيكي! وأضافت بحدّة: كفى...هذه التصرّفات المعيبة وهذا الإذلال.
ولوهلة، بدا لها أنّ الجنديّ لن يتزحزح عن موقفه، ففكّرت بأسلوب أكثر إقناعاً: قطبت جبينها وسألت بلهجة حازمة كمن يريد حسم الموضوع:
- لكن، ما اسم رئيسك؟ من الضابط آمر الموقع؟
ظنّ الجنديّ أنـّه بحضرة سيّدة نافذة فتحرّك على مضض. رأته إيدا يقترب ببطء من غطاء المحرّك، وكان مفتوحاً، ثمّ يستدير نحو الصندوق الخلفيّ فيخبط غطاءه بعنف مبتعداً بسرعة. تولّى شخص مدني كان هناك زحزحة البوّابة الضخمة وفتحها أمام السيّـارة فدخلت.
Page 6
3
محاضرتان في القانون المدنيّ؛ هذا ما كان يلزم لفضح الواقع اليومي للمواطن بشكل ساخر...
إذ كان لا بدّ من المقارنة خلال الدرس بين مثالية القانون وبشاعة الواقع ومرارته. القانون المدنيّ!
أين حقوق المواطنين وواجباتهم في بلد يحترم القانون. لكن أين نجد في الواقع أثراً لهذا القانون الذي يضمن حقوق النّاس؟ أهو القانون العشائري السّائد في الواقع؟ تذكـّرت إيدا أنّ حديثها الأخـير مع صديقها، كان يدور حول هذه الروح العشائرية المتحكـّمة في البلاد، و أنـّه كان يناقش هذه المسألة بأسلوب براغماتي بارع بحكم مهنته كمحام. ترى أين هو الآن ذلك الصديق، (الصديق االسابق بالأحرى) ليرى الواقع ويعيد النظر في آرائه في هذه المسألة المهمة بالنسبة إليه. وليقترح عليها، كما فعل دائماً، أن تكبح ثورتها وألّا تسيء بحديثها إلى المسؤولين. ليست وظيفتنا إصلاح الناس، طالما كان يردّد هذه العبارة على مسمعيها .
لمَ خطرت هذه الكلمات ببالها في تلك اللحظة وخرجت من أعماق وجدانها كينبوع متدفـّق؟ لم يكن بإمكانها صمّ أذنيها عن سماع انعطافات صوتـه التي كانت تتناهى إليها كصدى عهد بعيد... لكن ما الذي أثار في داخلها كلّ هذه الصّور والمشاعر؟ أهي الصورة الملصقة - لا تدري لأيّ نائب أو مطرب - التي احتلـّت العمودين الرّئيسيين عند مدخل الجامعة؟ وما الذي كان يجتذبها في ذلك الوجه بالتحديد؟ الوجنتان بغمازتيهما أم الابتسامة الساحرة؟ عندما خرجت بعد إنهاء محاضرتها ومرّت بعمودي المدخل، وقع نظرها مجدّداً على صورة الشخص وتبيّن لها أنّ جاذبية وجهه ليست في الوجنتين ولا في الابتسامة إنّـما في نظرته التي تذكّرها بــــ "الآخر" إلى حدّ ما. فتعبير عينيه يشبه بعض الشيء تعابير عيني المحامي. ولعلّ هذا التشابه هو الذي حرّك الذكريات الدفينة في أعماقها. لكنّ الغمازتين البارزتين في وجنتي "الآخر" كانتا تشكلان علامة فارقة طالما أخذتها بعيداً في أحلامها. ليس هذا فحسب؛ هناك عيناه السوداوان كالليل. وبمجرّد أن يسلـّط نظراته على امرأة حتى تغيب في ليل عينيه كأنّها تحت تأثير تنويم مغناطيسيّ. كان في عينيه شيء من السحر الذي تصفه الروايات الغرامية والذي لم يكن وهماً بالتأكيد.
كانت الأستاذة مستغرقة كلّياً في هذه الخواطر بحيث لم تنتبه لفادي، زميلها في الجامعة الذي كان يلوّح لها بيديه لتتوقف وتوصله بسيارتها كالعادة. كانت الدكتورة تدلّل هذا الزميل الذي لم يكن معه سيّـارة، فتأخذه معها كل ثلثاء وتنزله حيث يسكن، غير بعيد من بيتها. لكنّه لم يوفّق هذه المرّة؛ حاول جهده أن يلفت انتباهها إليه، لكنّ إيدا كانت شاردة بعيداًً. وسرعان ما انطلقت في البولفار المؤدّي إلى بيتها.
عادت بها الذكرى فجأة إلى عمر الثلاثين في بداية علاقتها معـه . لكنّها أبعدت من خاطرها هذه الذكريات لتحث السير في العودة إلى بيتها. كان عليها إعادة ترتيب بيتها وترتيب أفكارها، ومن ثمّ زيارة أهلها. توقفت إيدا أمام مدخل البناية، بمحاذاة الرصيف الأيمن هذه المرّة، حيث يمكنها فتح باب السيارة دون عائق. كانت مياه الأمطار قد انصرفت تماماً تاركة بعض الحصى والزجاجات الفارغة على قارعة الطريق أشبه بجثث بقيت في أرض المعركة. كان جوّ السيارة شبه حارّ والشمس تغمرالمكان بأشعتها الدافئة وتحفّز الحركة والنشاط. تنفّست إيدا الصعداء وشعرت بارتياح عميق لم تذق طعمه منذ زمن.
فتحت باب السّيارة إلى مداه الأقصى لتخرج بارتياح. وما إن وضعت قدمها اليسرى على الأرض وهمّت بالخروج، حتى جمدت في مكانها كأنّها مشلولة وعنقها مشدود إلى الخلف، حيث اكتشفت جسماً غريباً في ركن مظلم في السيارة. لم تستطع أن تزيح نظرها عنه وبدا في عينيها مزيج من الدهشة والفضول والخوف. كان عبارة عن جسم مستطيل، من الجلد على الأرجح، وقد تباين سواده مع اللون الكستنائي لمخمل السيّارة. كان لهذا الجسم غير المألوف في سيارتها ثقبان معدنيان في جانبيه، يلمعان كعيني لصّ ضبط متسلّلاً.
اضطربت إيدا واعترتها قشعريرة لم تعرف لها سبباً. حاولت أن تطرد الهواجس من ذهنها، وانحنت تمدّ يدها نحو ذلك الجسم الذي كان يحدّجها بعينين لامعتين. كان رأسها ممتدّاً في الفراغ بين المقعدين الأماميين.
أخذت نفساً عميقاً وحاولت الإمساك بطرف الجسم المواجه لها فانزلقت يدها على سطحه الناعم. انحنت إلى أقصى مدى ممكن محاولة التقاطـه وجذبه نحوها. تفحصته عن كثب ولاحظت أنّه مزوّد بمسكة متحرّكة مركّبة في جانبه الأوسط. أمسكت بها وشدّت نحوها محاولة رفع هذا الجسم الأسود وتمكّنت بعد جهد كبير من زحزحته وإيقافه على المقعد الخلفي. شعرت بالعجز كمن يحاول صعود سلّم لكنّه يتدحرج إلى أسفل. لقد كان هذا "الشيء" ثقيلاً للغاية بحيث أحسّت بألم في كتفهـا. كان واضحاً أنّ وزنه لا يتناسب مع حجمه المتواضع، وكأنّه محشوّ بالحجارة أو بالحديد.
نظرت بذهول وارتياب إلى الجسم الغريب وأحسّت بجفاف في حلقها، لكنّها تحاملت على نفسها ونقلته إلى مقعد الراكب بجانبها. كان حقيبة، حقيبة للرجال من النوع الذي يحمله الدبلوماسيون ورجال الأعمال. كانت جديدة، من الفيبر الصناعي القاتم اللون، مجهّزة بنظام ثلاثي للأمان يعمل برموز رقمية من صفر إلى تسعة، مطبوعة على ثلاثة أقراص متحرّكة ذات نتوء بسيط. وعلى جانبي الحقيبة ظهر تجويفان دائريان كأنّهما عينان فاغرتان، يمكن فتـح الحقيبـة بالضغط عليهمـا كما يبدو.
استجمعت إيدا شجاعتها متجاهلة الهواجس التي بدأت تثور في داخلها؛ ضغطت بطرفي إبهاميها معاً على الفجوتين اللامعتين. لكنّ الحقيبة لم تفتح.
عادت تتفحص الحقيبة وتتلمّسها مجدّداً ولاحظت أنها لا يمكن أن تكون إلّا لرجل. تملّكها الارتباك والجزع لهذه الخاطرة: حقيبة دبلوماسيّة للرجال في سيّـارتها؟ ترى من نسيها هنا؟ ومن قد يكون صـاحبها؟
بذلت إيدا الكثير من الجهد والتركيز في محاولة تذكّر ما إذا كان أحد الزملاء قد ركب مؤخّراً في سيّارتها. لا أحد، حتى فادي الذي لم تلاحظ وجوده اليوم. ثمّ إنّها وصلت تواً من السفر "من"؟ "أين"؟ و"كيف"؟ تساؤلات ملحّة تزاحمت في ذهنها دون ترتيب، وما كانت إلّا لتزيدها ارتباكاً وهلعاً.
- تحيّاتي، مدام إيدا! أرجو أن يكون كلّ شيء على ما يرام...
أجفلت لرؤيتها الناطور الذي كان يوجّـه لها الحديث بشيء من الارتياب، إذ لاحظ أنّها تأخّرت في الخروج من السيارة. لكنّـها سرعان ما ارتاحت لوجود الرجل الذي رأت من خلال الزجاج أسنانه الصفراء التي شوّهها التبغ. كان يبتسم لها ببلاهة منتظراً أوامرها. طلبت إليه أن يفتح باب الراكب الأماميّ ويأخذ "الشيء" الأسود. تناول أديب الحقيبة الصغيرة بيديه الاثنتين مسنداً إياها إلى وسطه، وبطبعه الفضوليّ ورغبته في نبش أسرار الغير، وهي رغبة عامة لدى النواطير، تفحّص الحقيبة بتأنٍّ ونظر إلى المرأة بطرف عينه قائلاًً:
- تبّـاً! ماذا يمكن أن تحوي حقيبة كهذه. لا بدّ أنّك اشتريت قنطاراً من الكتب!
راوحت نظرات إيدا بين السيجارة في فم الناطور والحقيبة التي كان يحملها بصعوبة، والتي تخلّص منها بوضعها على درج المدخل. نظر بعدها إلى المرأة متسائلاً منتظراً جواباً. شعرت إيدا بارتباك وبقيت واجمة لا تدري ما تصنع بهذه الحقيبة. خطرت ببالها صورة قاتمة مخيفة إذ تذكّرت حديث الناطور هذا الصباح فأسرعت بالقول:
- ضع هذا "الشيء" موقـتاً في مخـبأ... تـحت الدرج المـؤدّي إلى الطابـق السفلي... هناك، هيّا!
وأشارت بيدها بغموض دون تحديد أيّ مكان. لكنّ الناطور فهم على طريقته فحمل الحقيبة وغاب معها تحت الدّرج. ما لبث أن عاد بعد بضع دقائق ورآها على درج الطابق الأوّل فقال لها:
- لكن... سيّدتي، ماذا يمكن أن يكون فيها بهذا الثقل؟
- لا شيء... أعني لا شيء مهماً، تمتمت متظاهرة بالهدوء.
محاضرتان في القانون المدنيّ؛ هذا ما كان يلزم لفضح الواقع اليومي للمواطن بشكل ساخر...
إذ كان لا بدّ من المقارنة خلال الدرس بين مثالية القانون وبشاعة الواقع ومرارته. القانون المدنيّ!
أين حقوق المواطنين وواجباتهم في بلد يحترم القانون. لكن أين نجد في الواقع أثراً لهذا القانون الذي يضمن حقوق النّاس؟ أهو القانون العشائري السّائد في الواقع؟ تذكـّرت إيدا أنّ حديثها الأخـير مع صديقها، كان يدور حول هذه الروح العشائرية المتحكـّمة في البلاد، و أنـّه كان يناقش هذه المسألة بأسلوب براغماتي بارع بحكم مهنته كمحام. ترى أين هو الآن ذلك الصديق، (الصديق االسابق بالأحرى) ليرى الواقع ويعيد النظر في آرائه في هذه المسألة المهمة بالنسبة إليه. وليقترح عليها، كما فعل دائماً، أن تكبح ثورتها وألّا تسيء بحديثها إلى المسؤولين. ليست وظيفتنا إصلاح الناس، طالما كان يردّد هذه العبارة على مسمعيها .
لمَ خطرت هذه الكلمات ببالها في تلك اللحظة وخرجت من أعماق وجدانها كينبوع متدفـّق؟ لم يكن بإمكانها صمّ أذنيها عن سماع انعطافات صوتـه التي كانت تتناهى إليها كصدى عهد بعيد... لكن ما الذي أثار في داخلها كلّ هذه الصّور والمشاعر؟ أهي الصورة الملصقة - لا تدري لأيّ نائب أو مطرب - التي احتلـّت العمودين الرّئيسيين عند مدخل الجامعة؟ وما الذي كان يجتذبها في ذلك الوجه بالتحديد؟ الوجنتان بغمازتيهما أم الابتسامة الساحرة؟ عندما خرجت بعد إنهاء محاضرتها ومرّت بعمودي المدخل، وقع نظرها مجدّداً على صورة الشخص وتبيّن لها أنّ جاذبية وجهه ليست في الوجنتين ولا في الابتسامة إنّـما في نظرته التي تذكّرها بــــ "الآخر" إلى حدّ ما. فتعبير عينيه يشبه بعض الشيء تعابير عيني المحامي. ولعلّ هذا التشابه هو الذي حرّك الذكريات الدفينة في أعماقها. لكنّ الغمازتين البارزتين في وجنتي "الآخر" كانتا تشكلان علامة فارقة طالما أخذتها بعيداً في أحلامها. ليس هذا فحسب؛ هناك عيناه السوداوان كالليل. وبمجرّد أن يسلـّط نظراته على امرأة حتى تغيب في ليل عينيه كأنّها تحت تأثير تنويم مغناطيسيّ. كان في عينيه شيء من السحر الذي تصفه الروايات الغرامية والذي لم يكن وهماً بالتأكيد.
كانت الأستاذة مستغرقة كلّياً في هذه الخواطر بحيث لم تنتبه لفادي، زميلها في الجامعة الذي كان يلوّح لها بيديه لتتوقف وتوصله بسيارتها كالعادة. كانت الدكتورة تدلّل هذا الزميل الذي لم يكن معه سيّـارة، فتأخذه معها كل ثلثاء وتنزله حيث يسكن، غير بعيد من بيتها. لكنّه لم يوفّق هذه المرّة؛ حاول جهده أن يلفت انتباهها إليه، لكنّ إيدا كانت شاردة بعيداًً. وسرعان ما انطلقت في البولفار المؤدّي إلى بيتها.
عادت بها الذكرى فجأة إلى عمر الثلاثين في بداية علاقتها معـه . لكنّها أبعدت من خاطرها هذه الذكريات لتحث السير في العودة إلى بيتها. كان عليها إعادة ترتيب بيتها وترتيب أفكارها، ومن ثمّ زيارة أهلها. توقفت إيدا أمام مدخل البناية، بمحاذاة الرصيف الأيمن هذه المرّة، حيث يمكنها فتح باب السيارة دون عائق. كانت مياه الأمطار قد انصرفت تماماً تاركة بعض الحصى والزجاجات الفارغة على قارعة الطريق أشبه بجثث بقيت في أرض المعركة. كان جوّ السيارة شبه حارّ والشمس تغمرالمكان بأشعتها الدافئة وتحفّز الحركة والنشاط. تنفّست إيدا الصعداء وشعرت بارتياح عميق لم تذق طعمه منذ زمن.
فتحت باب السّيارة إلى مداه الأقصى لتخرج بارتياح. وما إن وضعت قدمها اليسرى على الأرض وهمّت بالخروج، حتى جمدت في مكانها كأنّها مشلولة وعنقها مشدود إلى الخلف، حيث اكتشفت جسماً غريباً في ركن مظلم في السيارة. لم تستطع أن تزيح نظرها عنه وبدا في عينيها مزيج من الدهشة والفضول والخوف. كان عبارة عن جسم مستطيل، من الجلد على الأرجح، وقد تباين سواده مع اللون الكستنائي لمخمل السيّارة. كان لهذا الجسم غير المألوف في سيارتها ثقبان معدنيان في جانبيه، يلمعان كعيني لصّ ضبط متسلّلاً.
اضطربت إيدا واعترتها قشعريرة لم تعرف لها سبباً. حاولت أن تطرد الهواجس من ذهنها، وانحنت تمدّ يدها نحو ذلك الجسم الذي كان يحدّجها بعينين لامعتين. كان رأسها ممتدّاً في الفراغ بين المقعدين الأماميين.
أخذت نفساً عميقاً وحاولت الإمساك بطرف الجسم المواجه لها فانزلقت يدها على سطحه الناعم. انحنت إلى أقصى مدى ممكن محاولة التقاطـه وجذبه نحوها. تفحصته عن كثب ولاحظت أنّه مزوّد بمسكة متحرّكة مركّبة في جانبه الأوسط. أمسكت بها وشدّت نحوها محاولة رفع هذا الجسم الأسود وتمكّنت بعد جهد كبير من زحزحته وإيقافه على المقعد الخلفي. شعرت بالعجز كمن يحاول صعود سلّم لكنّه يتدحرج إلى أسفل. لقد كان هذا "الشيء" ثقيلاً للغاية بحيث أحسّت بألم في كتفهـا. كان واضحاً أنّ وزنه لا يتناسب مع حجمه المتواضع، وكأنّه محشوّ بالحجارة أو بالحديد.
نظرت بذهول وارتياب إلى الجسم الغريب وأحسّت بجفاف في حلقها، لكنّها تحاملت على نفسها ونقلته إلى مقعد الراكب بجانبها. كان حقيبة، حقيبة للرجال من النوع الذي يحمله الدبلوماسيون ورجال الأعمال. كانت جديدة، من الفيبر الصناعي القاتم اللون، مجهّزة بنظام ثلاثي للأمان يعمل برموز رقمية من صفر إلى تسعة، مطبوعة على ثلاثة أقراص متحرّكة ذات نتوء بسيط. وعلى جانبي الحقيبة ظهر تجويفان دائريان كأنّهما عينان فاغرتان، يمكن فتـح الحقيبـة بالضغط عليهمـا كما يبدو.
استجمعت إيدا شجاعتها متجاهلة الهواجس التي بدأت تثور في داخلها؛ ضغطت بطرفي إبهاميها معاً على الفجوتين اللامعتين. لكنّ الحقيبة لم تفتح.
عادت تتفحص الحقيبة وتتلمّسها مجدّداً ولاحظت أنها لا يمكن أن تكون إلّا لرجل. تملّكها الارتباك والجزع لهذه الخاطرة: حقيبة دبلوماسيّة للرجال في سيّـارتها؟ ترى من نسيها هنا؟ ومن قد يكون صـاحبها؟
بذلت إيدا الكثير من الجهد والتركيز في محاولة تذكّر ما إذا كان أحد الزملاء قد ركب مؤخّراً في سيّارتها. لا أحد، حتى فادي الذي لم تلاحظ وجوده اليوم. ثمّ إنّها وصلت تواً من السفر "من"؟ "أين"؟ و"كيف"؟ تساؤلات ملحّة تزاحمت في ذهنها دون ترتيب، وما كانت إلّا لتزيدها ارتباكاً وهلعاً.
- تحيّاتي، مدام إيدا! أرجو أن يكون كلّ شيء على ما يرام...
أجفلت لرؤيتها الناطور الذي كان يوجّـه لها الحديث بشيء من الارتياب، إذ لاحظ أنّها تأخّرت في الخروج من السيارة. لكنّـها سرعان ما ارتاحت لوجود الرجل الذي رأت من خلال الزجاج أسنانه الصفراء التي شوّهها التبغ. كان يبتسم لها ببلاهة منتظراً أوامرها. طلبت إليه أن يفتح باب الراكب الأماميّ ويأخذ "الشيء" الأسود. تناول أديب الحقيبة الصغيرة بيديه الاثنتين مسنداً إياها إلى وسطه، وبطبعه الفضوليّ ورغبته في نبش أسرار الغير، وهي رغبة عامة لدى النواطير، تفحّص الحقيبة بتأنٍّ ونظر إلى المرأة بطرف عينه قائلاًً:
- تبّـاً! ماذا يمكن أن تحوي حقيبة كهذه. لا بدّ أنّك اشتريت قنطاراً من الكتب!
راوحت نظرات إيدا بين السيجارة في فم الناطور والحقيبة التي كان يحملها بصعوبة، والتي تخلّص منها بوضعها على درج المدخل. نظر بعدها إلى المرأة متسائلاً منتظراً جواباً. شعرت إيدا بارتباك وبقيت واجمة لا تدري ما تصنع بهذه الحقيبة. خطرت ببالها صورة قاتمة مخيفة إذ تذكّرت حديث الناطور هذا الصباح فأسرعت بالقول:
- ضع هذا "الشيء" موقـتاً في مخـبأ... تـحت الدرج المـؤدّي إلى الطابـق السفلي... هناك، هيّا!
وأشارت بيدها بغموض دون تحديد أيّ مكان. لكنّ الناطور فهم على طريقته فحمل الحقيبة وغاب معها تحت الدّرج. ما لبث أن عاد بعد بضع دقائق ورآها على درج الطابق الأوّل فقال لها:
- لكن... سيّدتي، ماذا يمكن أن يكون فيها بهذا الثقل؟
- لا شيء... أعني لا شيء مهماً، تمتمت متظاهرة بالهدوء.
Page 7
لامت نفسها على هذه الكذبة. لكن، لا. فهي في الواقع لا تعرف شيئاًً عن هذه الحقيبة وما تحتوي. لكنّها كانت بحاجة إلى بعض الوقت للتفكير بهدوء. لتختلي بنفسها.
انتابتها قشعريرة خوف وهي تضع المفتاح في قفل الباب. عادت إلى ذهنها بوضوح كلمات الخفير الذي اعترضها عند مدخل الكلّية. وهذا ما كان يضاعف قلقها.
سرعان ما جلست إلى طاولة العمل؛ وضعت رأسها بين يديها وأطرقت تفكّر. كانت تستعيد في ذاكرتها تفاصيل مسيرتها منذ انطلاقها ظهراً من البيت إلى الكلّية حتى عودتها. لم تتوقف البتّة لأمر ما أو لأحد في طريقها. وتساءلت بقلق "متى" تمّ وضع هذا"الشيء": قبل، أو بعـد؟
لم تكن هذه الأفكار إلّا لتزيد قلقها. وسرعان ما أحسّت بالتعب فقرّرت تأجيل التفكير في هذا الموضوع إلى وقت لاحق. خفّ تشوّش أفكارها وشعورها بالقلق والخوف. ربّما بقي لديها بعض التوجّس، وهذا أمر طبيعي. مع ذلك، كلّما فكّرت في الأمر، زاد اقتناعها بألّا أحد يريد إيذاءها أو يضمر لها شرّاً فقد كانت دائماًً تريد الخير للآخرين ولا تعرف أن تكره. هذا ما أبعد عنها الشعور بالخوف والظنّ بأنّها مهدّدة.
في هذه اللحظة بالذات رنّ جرس الباب فارتعشت وهي تقوم لفتحه. كان الناطور شاحب اللون، واقفاً ويداه معقودتان على صدره، بهيئة من يخشى حدوث أمر خطير:
- متأسّف، سيّدة إيدا... لايمكنني حقّاً أن... لم أعد أستطيع الاحتفاظ بهذا "الشيء"؛ قال مشيراً بإصبعه إلى الحقيبة الملقاة جانباً.
بدا مرتاباً في الأمر وهمس بلهجة المتفهّـم الذي يغضّ النظر:
- مع ذلك يمكنني أن أخدمك بأن أخفيه بين جذوع القصب المحيطة بالمستنقع؛ إنها بعيدة بما يكفي.
لا أحد يعلم ما يمكن أن يكون فيها. تعلمين... لا أمان في هذه الأيام...
بينما كان أديب يبتعد ثانية بالحقيبة، كانت إيدا تحاول تهدئة انفعالها وإخفاء احمرار وجنتيها. ومع ذلك، فقد تجرّأت فأوقفته وأعادته على أعقابه. كانت تريد أن تحقّق في الأمر بنفسها.
اقتربت من الحقيبة-اللغز؛ أخذتها من جانبيها وهزّتها بقوّة رغم ثقلها. دهشت حين لاحظت أنّ محتواها "يجب" أن يكون صلباً، كبيراً ومتماسكاً؛ فهي لم تسمع حرتقة أشياء أو صوت تكسّر، بل مجرّد صوت خافت لاصطدام جسم معدنيّ بجوانب الحقيبة الداخليّة.
خرج الناطور عن خوفه إذ رأى الدكتورة تقوم بمهمّته هو. فجأة، أخذ منها الحقيبة وقال: "دعيني أحاول!".
خضّ الحقيبة بعنف مرّتين ثمّ توقّف وهو يهزّ رأسه. بدا جدّياً كقاضٍ ينطق حكمه؛ نظر إلى إيدا بطرف عينه وقال بصوت خافت:
- والله... إنّ فيها سلاحاً ناريّاً. وربّما أيضاًً شيئاًً آخر. سلاحاً أبيض مثلاً. أعني أداة حادّة! أشياء كهذه خبرتها تماماً، وقد شاركت في بعض المعارك، طبعاً!
قال ذلك وهو يداعب جـوانب الحقيبـة الصلبـة باهتمـام، لكـن متظاهـراً بالحذر ومتابعـاً إخضاعها لفحص فنّي بخبرته التي كان يجزم بضرورتها في مثل هذه الحالات.
بينما كان يفعل ذلك، كان رأس المرأة يدور، وألف فكرة وفكرة تخطر ببالها. مـا هذا اللغـز الصعب؟ ماذا عليها أن تفعل ولم تنتظر؟ كانت تعرف أنّ عليها في مثل هذه الحالة أن تبلّغ السلطات المختصّة عن وجود هذا "الشيء" لديها. رئيس المكتب الثاني مثلاً، وهو صديـق العائلة. أو قائد كتيبة المنطقة، وهو زميل قديم في الجامعة، أو حتى الكولونيل...الذي تعرفـه جيّداً... وغيرهم كثيرون. لكنّها مع ذلك كانت تتساءل لماذا ترغب - في الوقت الحاضر- في الاحتفاظ لنفسها بسرّ هذه الحقيبة، التي لم تكن تخصّـها. لماذا لا تستعين بصديق أو صديقة لمساعدتها على الخروج من هذا المأزق؟ فجأة، شعرت برغبة مجنونة في أن تهرول بعيداًً تاركة الحقيبة في زاوية الدّرج، حيث كانت مطروحة تعرض أزرارها المشفّرة إلى جانب فجوتين مستديرتين كأنّهما عينان غائرتان في محجريهما تراقبانهـا باستمرار. سمع وقـع خطى قريبة فنظرت إيدا إلى الناطور نظرة متسائلة وخائفة. يجب أن يبقى السرّ طيّ الكتمان. كانت الخطى تصعد بانتظام ووقعها على رخام الدرج يحدث صدى غامضاً. حبست أنفاسها لحظة ثمّ تنفست الصعداء عندما رأت زميلتها بوليت تصل لاهثة. لقد أتت لتصحبها إلى الاجتماع. إنّه اجتماع عامّ لانتخاب مندوبين لرابطة أساتذة الجامعة. ترى، كيف نسيت هذا الموعد؟ تملّكتها صرخة المفاجأة والارتياح في آن واحد: أخيراً أتى من يفهمها، وبإمكان الزميلتين تقييم الموقف بصورة فضلى واتخاذ القرار الصائب. لاحظت الزميلة ارتباك إيدا فنظرت إليها بدهشة وقلق متسائلـة عن سبب وجودها عند الدرج في هذا الوقت. ردّت إيدا باضطراب ظاهرعلى وجهها فأخبرت زميلتها بالقصة كاملة. كان يبدو لبوليت أنّ "الخوف" هو الذي يتكلّم لا أستاذة الحقوق المعروفة بهدوئها ورباطة جأشها. لم تتردّد بوليت لحظة؛ أمسكت الحقيبة بيديهـا، ليس دون عناء، كأنّها تحاول أن تقدّر وزنها. لكنّها سرعان ما ألقتها أرضاً كأنّها حديد حام يحرق اليدين، وصرخت بصوت أجشّ ووجهها شاحب:
- أأنت مجنونة، إيدا؟ كيف ما زلت تحتفظين بهذه الحقيبة؟ قـد تكون مفخّخة، أليس كذلك؟
أنا أظنّ أنّ فيها متفجّرة. بهذه الطريقة تمّ تفجير الكنيسة والمسجد منذ بضعة أيام. لقد استخدمت حقيبة كهذه تركت أمام الحائط الداخلي!
جمدت إيدا في مكانها، وتابعت بوليت بعد استراحة:
- ماذا تنتظرين، إيدا، لتتصلي بمكتب الأمن العام؟ هيّا حالاً. الدقائق التي تمرّ ليست لمصلحتك!
إذهبي، أو أرسلي الناطور فوراً ليخطرهم... لننس الاجتماع... لن أذهب إليه. لنهتمّ بحلّ هـذه المشكلة الخطرة!
هنا تدخّل الناطور الذي كان يصغي باهتمام؛ فأجاب بغبـاوة:
- لديّ فكرة... هائلة! سنحفر ثقباً بسكّين حاد في جانب الحقيبة العلويّ. لا خطر أبداً في ذلك، أؤكّد لكم. لقد فعلت هذا مراراً... أعني الثقب. لن نفتح الحقيبة بواسطة الشيفرة والأزرار اللعينة.
الخطر الحقيقي موجود في هذه الأرقام... صدّقاني!
لم تتمالك إيدا نفسها من الضحك، وطلبت إلى أديب أن يضع الحقيبة بين القصب، كما اتفقـا.
استمرّ الناطور يخطّط بإصبعه على الحقيبة مكان الثقب الذي اقترحه، فصرخت بوليت خوفاً:
- أنا ذاهبة! قالت بهلع. سأتصل من بيتي.
انتابتها قشعريرة خوف وهي تضع المفتاح في قفل الباب. عادت إلى ذهنها بوضوح كلمات الخفير الذي اعترضها عند مدخل الكلّية. وهذا ما كان يضاعف قلقها.
سرعان ما جلست إلى طاولة العمل؛ وضعت رأسها بين يديها وأطرقت تفكّر. كانت تستعيد في ذاكرتها تفاصيل مسيرتها منذ انطلاقها ظهراً من البيت إلى الكلّية حتى عودتها. لم تتوقف البتّة لأمر ما أو لأحد في طريقها. وتساءلت بقلق "متى" تمّ وضع هذا"الشيء": قبل، أو بعـد؟
لم تكن هذه الأفكار إلّا لتزيد قلقها. وسرعان ما أحسّت بالتعب فقرّرت تأجيل التفكير في هذا الموضوع إلى وقت لاحق. خفّ تشوّش أفكارها وشعورها بالقلق والخوف. ربّما بقي لديها بعض التوجّس، وهذا أمر طبيعي. مع ذلك، كلّما فكّرت في الأمر، زاد اقتناعها بألّا أحد يريد إيذاءها أو يضمر لها شرّاً فقد كانت دائماًً تريد الخير للآخرين ولا تعرف أن تكره. هذا ما أبعد عنها الشعور بالخوف والظنّ بأنّها مهدّدة.
في هذه اللحظة بالذات رنّ جرس الباب فارتعشت وهي تقوم لفتحه. كان الناطور شاحب اللون، واقفاً ويداه معقودتان على صدره، بهيئة من يخشى حدوث أمر خطير:
- متأسّف، سيّدة إيدا... لايمكنني حقّاً أن... لم أعد أستطيع الاحتفاظ بهذا "الشيء"؛ قال مشيراً بإصبعه إلى الحقيبة الملقاة جانباً.
بدا مرتاباً في الأمر وهمس بلهجة المتفهّـم الذي يغضّ النظر:
- مع ذلك يمكنني أن أخدمك بأن أخفيه بين جذوع القصب المحيطة بالمستنقع؛ إنها بعيدة بما يكفي.
لا أحد يعلم ما يمكن أن يكون فيها. تعلمين... لا أمان في هذه الأيام...
بينما كان أديب يبتعد ثانية بالحقيبة، كانت إيدا تحاول تهدئة انفعالها وإخفاء احمرار وجنتيها. ومع ذلك، فقد تجرّأت فأوقفته وأعادته على أعقابه. كانت تريد أن تحقّق في الأمر بنفسها.
اقتربت من الحقيبة-اللغز؛ أخذتها من جانبيها وهزّتها بقوّة رغم ثقلها. دهشت حين لاحظت أنّ محتواها "يجب" أن يكون صلباً، كبيراً ومتماسكاً؛ فهي لم تسمع حرتقة أشياء أو صوت تكسّر، بل مجرّد صوت خافت لاصطدام جسم معدنيّ بجوانب الحقيبة الداخليّة.
خرج الناطور عن خوفه إذ رأى الدكتورة تقوم بمهمّته هو. فجأة، أخذ منها الحقيبة وقال: "دعيني أحاول!".
خضّ الحقيبة بعنف مرّتين ثمّ توقّف وهو يهزّ رأسه. بدا جدّياً كقاضٍ ينطق حكمه؛ نظر إلى إيدا بطرف عينه وقال بصوت خافت:
- والله... إنّ فيها سلاحاً ناريّاً. وربّما أيضاًً شيئاًً آخر. سلاحاً أبيض مثلاً. أعني أداة حادّة! أشياء كهذه خبرتها تماماً، وقد شاركت في بعض المعارك، طبعاً!
قال ذلك وهو يداعب جـوانب الحقيبـة الصلبـة باهتمـام، لكـن متظاهـراً بالحذر ومتابعـاً إخضاعها لفحص فنّي بخبرته التي كان يجزم بضرورتها في مثل هذه الحالات.
بينما كان يفعل ذلك، كان رأس المرأة يدور، وألف فكرة وفكرة تخطر ببالها. مـا هذا اللغـز الصعب؟ ماذا عليها أن تفعل ولم تنتظر؟ كانت تعرف أنّ عليها في مثل هذه الحالة أن تبلّغ السلطات المختصّة عن وجود هذا "الشيء" لديها. رئيس المكتب الثاني مثلاً، وهو صديـق العائلة. أو قائد كتيبة المنطقة، وهو زميل قديم في الجامعة، أو حتى الكولونيل...الذي تعرفـه جيّداً... وغيرهم كثيرون. لكنّها مع ذلك كانت تتساءل لماذا ترغب - في الوقت الحاضر- في الاحتفاظ لنفسها بسرّ هذه الحقيبة، التي لم تكن تخصّـها. لماذا لا تستعين بصديق أو صديقة لمساعدتها على الخروج من هذا المأزق؟ فجأة، شعرت برغبة مجنونة في أن تهرول بعيداًً تاركة الحقيبة في زاوية الدّرج، حيث كانت مطروحة تعرض أزرارها المشفّرة إلى جانب فجوتين مستديرتين كأنّهما عينان غائرتان في محجريهما تراقبانهـا باستمرار. سمع وقـع خطى قريبة فنظرت إيدا إلى الناطور نظرة متسائلة وخائفة. يجب أن يبقى السرّ طيّ الكتمان. كانت الخطى تصعد بانتظام ووقعها على رخام الدرج يحدث صدى غامضاً. حبست أنفاسها لحظة ثمّ تنفست الصعداء عندما رأت زميلتها بوليت تصل لاهثة. لقد أتت لتصحبها إلى الاجتماع. إنّه اجتماع عامّ لانتخاب مندوبين لرابطة أساتذة الجامعة. ترى، كيف نسيت هذا الموعد؟ تملّكتها صرخة المفاجأة والارتياح في آن واحد: أخيراً أتى من يفهمها، وبإمكان الزميلتين تقييم الموقف بصورة فضلى واتخاذ القرار الصائب. لاحظت الزميلة ارتباك إيدا فنظرت إليها بدهشة وقلق متسائلـة عن سبب وجودها عند الدرج في هذا الوقت. ردّت إيدا باضطراب ظاهرعلى وجهها فأخبرت زميلتها بالقصة كاملة. كان يبدو لبوليت أنّ "الخوف" هو الذي يتكلّم لا أستاذة الحقوق المعروفة بهدوئها ورباطة جأشها. لم تتردّد بوليت لحظة؛ أمسكت الحقيبة بيديهـا، ليس دون عناء، كأنّها تحاول أن تقدّر وزنها. لكنّها سرعان ما ألقتها أرضاً كأنّها حديد حام يحرق اليدين، وصرخت بصوت أجشّ ووجهها شاحب:
- أأنت مجنونة، إيدا؟ كيف ما زلت تحتفظين بهذه الحقيبة؟ قـد تكون مفخّخة، أليس كذلك؟
أنا أظنّ أنّ فيها متفجّرة. بهذه الطريقة تمّ تفجير الكنيسة والمسجد منذ بضعة أيام. لقد استخدمت حقيبة كهذه تركت أمام الحائط الداخلي!
جمدت إيدا في مكانها، وتابعت بوليت بعد استراحة:
- ماذا تنتظرين، إيدا، لتتصلي بمكتب الأمن العام؟ هيّا حالاً. الدقائق التي تمرّ ليست لمصلحتك!
إذهبي، أو أرسلي الناطور فوراً ليخطرهم... لننس الاجتماع... لن أذهب إليه. لنهتمّ بحلّ هـذه المشكلة الخطرة!
هنا تدخّل الناطور الذي كان يصغي باهتمام؛ فأجاب بغبـاوة:
- لديّ فكرة... هائلة! سنحفر ثقباً بسكّين حاد في جانب الحقيبة العلويّ. لا خطر أبداً في ذلك، أؤكّد لكم. لقد فعلت هذا مراراً... أعني الثقب. لن نفتح الحقيبة بواسطة الشيفرة والأزرار اللعينة.
الخطر الحقيقي موجود في هذه الأرقام... صدّقاني!
لم تتمالك إيدا نفسها من الضحك، وطلبت إلى أديب أن يضع الحقيبة بين القصب، كما اتفقـا.
استمرّ الناطور يخطّط بإصبعه على الحقيبة مكان الثقب الذي اقترحه، فصرخت بوليت خوفاً:
- أنا ذاهبة! قالت بهلع. سأتصل من بيتي.
Page 8
4
رأت إيدا من نافذتها المطلّة على المستنقع ناطور البناية يضع الحقيبة خلف السياج ويبتعد بسرعة. بدأ المطر يتساقط وئيداً بقطرات كبيرة كانت ترسم على وجه المستنقع تموّجات وتجاعيد بأشكال مختلفة. خيّل لإيدا أنّ كلّ قطرة منهمرة تشبه قذيفة مصغّرة كانت تنفجر وتنثر شظاياها. فجأة ظهرت غيوم ثقيلة عتّمت الأفق وعجّلت هبوط الظلام. عادت جوقة الضفادع الى نقيقها وانشغلت أفكار إيدا بإيجاد مخرج لهذه المشكلة. قرّرت الاتصال بالرّائد آمر المنطقة.
رفعت سمّاعة الهاتف فكان الخطّ صامتاً؛ لا إشارة صوتية. في هذه اللحظة الحرجة؟ لماذا؟ كأن المصائب لا تأتي إلّامجتمعة! أسرعت نحو بيت الجيران. استقبلها جوجو وبدا السرور على محيّـاه لرؤيتها. هذا المراهق ابن الثمانية عشر عاماً، كان دوماًً يكنّ احتراماً للدكتورة. لقد شهدت مولده وترعرعه في المبنى ذاته الذي تسكن فيه، وكثيراًً ما ساعدته في واجباته المدرسية. قادها الجار الشابّ إلى غرفته ووضع بتصرّفها هاتفاً مزوّداً بنظام لإعادة طلب الرقم تلقائياً في حال انشغال الخطّ. هذا يخفّف توتر الأعصاب قليلاً؛ ما عليك سوى الضغط على "هذا الزرّ"، قال لها الشابّ بنظرة ملؤها الإعجاب، وأضاف: "وإذا لم يفتح الخطّ، ما عليك سوى الذهاب بنفسك حيث تريدين الاتصال...؛ أنا سأوصلك؛ سيكون الأمر أسهل! ".
بهذا المنطق البسيط، كان جوجو يحاول إيجاد أسهل الحلول الممكنة. إنّه جيل الحرب، على أيّ حال، كما لاحظت. لم يتسنّ له أن يعيش حياة طبيعيّة سهلة، كتلك التي عرفتها هي قبل الحرب. هذه الفكرة أثارت نقمتها على الأوضاع الاجتماعية التي تزداد تردّياً؛ وعلى أحوال ما بعد الحرب التي جعلت الناس يترحّمون على أيام الحرب؛ فبدلاً من تأمين الخدمات العامّة للمواطنين، جعلت خدمات "السوق السوداء"، أو بالأحرى عمّمت استعباد الناس. فالفرد لم يعد بمقدوره تأمين حاجاته ومطالبه المشروعة بإمكاناته الخاصّة، ولم يعد أمامه خيار سوى التزلّف لأهل السلطة والزحف على أعتاب النافذين، أو دفع أضعاف كلفة الخدمات التي يطلبها.
طلبت إيدا رقم إحدى صديقاتها، بيبا، التي كان لديها أرقام هواتف معظم الشخصيّات البارزة في المدينة. لم يكن لخدمة الاستعلامات وجود في مركز الهاتف، كما لم يكن هناك دليل للهاتف بتصرّف الجمهور.
لم تكن تعلم إذا كان هاتف بيبا معطّلاً كهاتفها، أم أنّها كانت خارج البيت؛ كان يرنّ دون جواب. تمتمت بعض الشتائم لصديقتها الغائبة وللمسؤولين الذين لم يصلحوا شيئاًً في البلد، وللحياة في البلد!
كانت مرهقة وفي غاية التوتّر. اتصلت بأخيها، وأخذت منه رقم الضابط دون أن تعطي سبباً لذلك. طلبت الرقم وأعادت الطلب، ثمّ شغّلت نظام الترقيم التلقائي. لا شيء ولا أحد. لا وجود لأيّ ضابط خدمة من المكلّفين بالإجابة على المكالمات المتعلّقة بالأمن. "حتّى خطّ الرائد؟ يا للسخرية!"
رآها جوجو تخرج دون أن تتفوّه بكلمة. كانت تريد أن تأخذ سيّارتها وتذهب شخصيّاً لمقابلة الرائد الذي كان هاتفه معطّلاً. بينما كانت تنزل الدرج بسرعة، التقت زوجة الحلاق النسائي، جارتها في الطابق الخامس. دهشت "سالي" لرؤيتها الأستاذة مسرعة على غير عادتها: لم ترها قطّ من قبل في هذه الحالة من الاضطراب. وأمام نظرات الجارة المتسائلة، روت إيدا بإيجاز ما حصل معها دون أن تعطي أهمّـية لذلك. لم تكن ترغب أن تجعل من "حدث بسيط" أمراً خطيراً؛ إنّها مجرّد حقيبة منسيّة، والمسألة لا تحتمل تأويلات سيّئة. قالت ذلك متظاهرة باللامبالاة، لكنّها صعقت وامتقع لونها ولم تستطع إخفاء اضطرابها حين سمعت تلميحات جارتها التي حاولت إفهامها أنّ المسألة قد لا تكون بهذه البساطة. روت الجارة تفاصيل حادث مماثل وقع أثناء سفر الأستاذة: فالبقّال حسن عند زاوية الشارع، رأى سيارة تمرّ بسرعة جنونيّة رُميت من داخلها حقيبة، صدمت واجهة المحلّ وتسبّبت بكسر زجاجها. التقطها البقّال ورأى من بعيد زوج سالي يمرّ في المكان. استوقفه وأراه الحقيبة. اقترح هذا طلب خبير بعد أن حاول عبثاً فتحها.
ذلك أنّ نظام الفتح والغلق فيها استعصى عليه. بعد أن فتحها الخبير العسكري بالقوّة بانت بداخلها رزم من الدولارات الأميركية فضلاً عن دفاتر حسابات مصرفية وشيكات. ولمّا كان اسم صاحبها عليها، فقد استدعي لتسلّم حقيبته من "الرائد". أنهت سالي روايتها مؤكّدة أنّ اللصوص، بحسب رأي الخبير، لم يتمكّنوا من تشغيل القفل المرمّز وفتح الحقيبة، فقد كانوا كما يبدو مبتدئين، فعمدوا للتخلّص من هذا الحمل الفاضح برميه بعيداًً.
نفد صبر إيدا وزاد توترها وهي تسمع قصّة جارتها، مع أنّ الحقيبة التي تحدّثت عنها غير خطرة كحقيبتها، (الحقائب الخفيفة إجمالاً يحتمل أن تحتوي مالاً، وهذا يعرفه اللصوص بالتأكيد).
ابتعدت بصورة لاشعورية ناسية محدّثتها. في أسفل الدّرج التقت مجدّداً أديب الذي وجّه إليها نظرة عتاب، كأنّما لتذكيرها بالخدمة التي أسداها إليها، وطمأنها بقوله: "نحن الآن بمنأى عن أيّ خطر، مدام إيدا. الحقيبة ترقد بين أغمارالقصب. إذا كان هناك من خطر... سيكون على الضّفا..."
لم تسمع إيدا باقي كلامه، إذ كانت قد غادرت؛ صعدت إلى سيارتها وأدارت وجهها كي لا تسمع المزيد من الثرثرة تفيض من فيه المعوجّ وقد أوشك أن يرسم ابتسامة بلهاء.
كانت تقود سيّارتها تحت المطر، في الشارع العريض المظلم، باتجاه بيت الرّائد، كأنّما على غير هدى. وكانت المياه المتجمّعة في الحفر تتطاير تحت العجلات وتلطّخ زجاج سيّارتها. إنعطفت إلى اليسار ودخلت في شارع فرعيّ يلفّه السواد. توقفت أخيراً أمام المبنى ذي الطوابق العشرة الذي كانت تبحث عنه. نزلت من السيّارة تحت وابل من المطر فوجدت نفسها عند مدخل البناية، وكان مضاء بمصباح يعمل بالغاز. كان هناك أربعة من الحرس المولجين بحماية المبنى حيث يسكن الرائد. أجفل الرّجال لرؤيتهم امرأة تظهر فجأة من الظلمة الحالكة في الخارج وتتقدّم نحوهم. عرفت إيدا بين الموجودين الحارس المدعو خليل، الذي كان مرافقاً سابقاً لصهرها العقيد الذي استقال من الجيش وهاجر مع أسرته إلى أميركا أثناء الحرب. فُوجىء خليل برؤيتها وسألها عمّن تبحث هنا في هذا الوقت المتأخر.
- أريد رئيسك ردّت على الفور.
رأت إيدا من نافذتها المطلّة على المستنقع ناطور البناية يضع الحقيبة خلف السياج ويبتعد بسرعة. بدأ المطر يتساقط وئيداً بقطرات كبيرة كانت ترسم على وجه المستنقع تموّجات وتجاعيد بأشكال مختلفة. خيّل لإيدا أنّ كلّ قطرة منهمرة تشبه قذيفة مصغّرة كانت تنفجر وتنثر شظاياها. فجأة ظهرت غيوم ثقيلة عتّمت الأفق وعجّلت هبوط الظلام. عادت جوقة الضفادع الى نقيقها وانشغلت أفكار إيدا بإيجاد مخرج لهذه المشكلة. قرّرت الاتصال بالرّائد آمر المنطقة.
رفعت سمّاعة الهاتف فكان الخطّ صامتاً؛ لا إشارة صوتية. في هذه اللحظة الحرجة؟ لماذا؟ كأن المصائب لا تأتي إلّامجتمعة! أسرعت نحو بيت الجيران. استقبلها جوجو وبدا السرور على محيّـاه لرؤيتها. هذا المراهق ابن الثمانية عشر عاماً، كان دوماًً يكنّ احتراماً للدكتورة. لقد شهدت مولده وترعرعه في المبنى ذاته الذي تسكن فيه، وكثيراًً ما ساعدته في واجباته المدرسية. قادها الجار الشابّ إلى غرفته ووضع بتصرّفها هاتفاً مزوّداً بنظام لإعادة طلب الرقم تلقائياً في حال انشغال الخطّ. هذا يخفّف توتر الأعصاب قليلاً؛ ما عليك سوى الضغط على "هذا الزرّ"، قال لها الشابّ بنظرة ملؤها الإعجاب، وأضاف: "وإذا لم يفتح الخطّ، ما عليك سوى الذهاب بنفسك حيث تريدين الاتصال...؛ أنا سأوصلك؛ سيكون الأمر أسهل! ".
بهذا المنطق البسيط، كان جوجو يحاول إيجاد أسهل الحلول الممكنة. إنّه جيل الحرب، على أيّ حال، كما لاحظت. لم يتسنّ له أن يعيش حياة طبيعيّة سهلة، كتلك التي عرفتها هي قبل الحرب. هذه الفكرة أثارت نقمتها على الأوضاع الاجتماعية التي تزداد تردّياً؛ وعلى أحوال ما بعد الحرب التي جعلت الناس يترحّمون على أيام الحرب؛ فبدلاً من تأمين الخدمات العامّة للمواطنين، جعلت خدمات "السوق السوداء"، أو بالأحرى عمّمت استعباد الناس. فالفرد لم يعد بمقدوره تأمين حاجاته ومطالبه المشروعة بإمكاناته الخاصّة، ولم يعد أمامه خيار سوى التزلّف لأهل السلطة والزحف على أعتاب النافذين، أو دفع أضعاف كلفة الخدمات التي يطلبها.
طلبت إيدا رقم إحدى صديقاتها، بيبا، التي كان لديها أرقام هواتف معظم الشخصيّات البارزة في المدينة. لم يكن لخدمة الاستعلامات وجود في مركز الهاتف، كما لم يكن هناك دليل للهاتف بتصرّف الجمهور.
لم تكن تعلم إذا كان هاتف بيبا معطّلاً كهاتفها، أم أنّها كانت خارج البيت؛ كان يرنّ دون جواب. تمتمت بعض الشتائم لصديقتها الغائبة وللمسؤولين الذين لم يصلحوا شيئاًً في البلد، وللحياة في البلد!
كانت مرهقة وفي غاية التوتّر. اتصلت بأخيها، وأخذت منه رقم الضابط دون أن تعطي سبباً لذلك. طلبت الرقم وأعادت الطلب، ثمّ شغّلت نظام الترقيم التلقائي. لا شيء ولا أحد. لا وجود لأيّ ضابط خدمة من المكلّفين بالإجابة على المكالمات المتعلّقة بالأمن. "حتّى خطّ الرائد؟ يا للسخرية!"
رآها جوجو تخرج دون أن تتفوّه بكلمة. كانت تريد أن تأخذ سيّارتها وتذهب شخصيّاً لمقابلة الرائد الذي كان هاتفه معطّلاً. بينما كانت تنزل الدرج بسرعة، التقت زوجة الحلاق النسائي، جارتها في الطابق الخامس. دهشت "سالي" لرؤيتها الأستاذة مسرعة على غير عادتها: لم ترها قطّ من قبل في هذه الحالة من الاضطراب. وأمام نظرات الجارة المتسائلة، روت إيدا بإيجاز ما حصل معها دون أن تعطي أهمّـية لذلك. لم تكن ترغب أن تجعل من "حدث بسيط" أمراً خطيراً؛ إنّها مجرّد حقيبة منسيّة، والمسألة لا تحتمل تأويلات سيّئة. قالت ذلك متظاهرة باللامبالاة، لكنّها صعقت وامتقع لونها ولم تستطع إخفاء اضطرابها حين سمعت تلميحات جارتها التي حاولت إفهامها أنّ المسألة قد لا تكون بهذه البساطة. روت الجارة تفاصيل حادث مماثل وقع أثناء سفر الأستاذة: فالبقّال حسن عند زاوية الشارع، رأى سيارة تمرّ بسرعة جنونيّة رُميت من داخلها حقيبة، صدمت واجهة المحلّ وتسبّبت بكسر زجاجها. التقطها البقّال ورأى من بعيد زوج سالي يمرّ في المكان. استوقفه وأراه الحقيبة. اقترح هذا طلب خبير بعد أن حاول عبثاً فتحها.
ذلك أنّ نظام الفتح والغلق فيها استعصى عليه. بعد أن فتحها الخبير العسكري بالقوّة بانت بداخلها رزم من الدولارات الأميركية فضلاً عن دفاتر حسابات مصرفية وشيكات. ولمّا كان اسم صاحبها عليها، فقد استدعي لتسلّم حقيبته من "الرائد". أنهت سالي روايتها مؤكّدة أنّ اللصوص، بحسب رأي الخبير، لم يتمكّنوا من تشغيل القفل المرمّز وفتح الحقيبة، فقد كانوا كما يبدو مبتدئين، فعمدوا للتخلّص من هذا الحمل الفاضح برميه بعيداًً.
نفد صبر إيدا وزاد توترها وهي تسمع قصّة جارتها، مع أنّ الحقيبة التي تحدّثت عنها غير خطرة كحقيبتها، (الحقائب الخفيفة إجمالاً يحتمل أن تحتوي مالاً، وهذا يعرفه اللصوص بالتأكيد).
ابتعدت بصورة لاشعورية ناسية محدّثتها. في أسفل الدّرج التقت مجدّداً أديب الذي وجّه إليها نظرة عتاب، كأنّما لتذكيرها بالخدمة التي أسداها إليها، وطمأنها بقوله: "نحن الآن بمنأى عن أيّ خطر، مدام إيدا. الحقيبة ترقد بين أغمارالقصب. إذا كان هناك من خطر... سيكون على الضّفا..."
لم تسمع إيدا باقي كلامه، إذ كانت قد غادرت؛ صعدت إلى سيارتها وأدارت وجهها كي لا تسمع المزيد من الثرثرة تفيض من فيه المعوجّ وقد أوشك أن يرسم ابتسامة بلهاء.
كانت تقود سيّارتها تحت المطر، في الشارع العريض المظلم، باتجاه بيت الرّائد، كأنّما على غير هدى. وكانت المياه المتجمّعة في الحفر تتطاير تحت العجلات وتلطّخ زجاج سيّارتها. إنعطفت إلى اليسار ودخلت في شارع فرعيّ يلفّه السواد. توقفت أخيراً أمام المبنى ذي الطوابق العشرة الذي كانت تبحث عنه. نزلت من السيّارة تحت وابل من المطر فوجدت نفسها عند مدخل البناية، وكان مضاء بمصباح يعمل بالغاز. كان هناك أربعة من الحرس المولجين بحماية المبنى حيث يسكن الرائد. أجفل الرّجال لرؤيتهم امرأة تظهر فجأة من الظلمة الحالكة في الخارج وتتقدّم نحوهم. عرفت إيدا بين الموجودين الحارس المدعو خليل، الذي كان مرافقاً سابقاً لصهرها العقيد الذي استقال من الجيش وهاجر مع أسرته إلى أميركا أثناء الحرب. فُوجىء خليل برؤيتها وسألها عمّن تبحث هنا في هذا الوقت المتأخر.
- أريد رئيسك ردّت على الفور.
Page 9
- الرائد ليس في البيت، قال باقتضاب ونبرة سلطويّة زميله المربوع القامة.
تدخّل آخر سائلاً:
- ما الموضوع؟
بدت المرأة منهكة للغاية، وإذ فوجئت بلامبالاة الحرس وابتسامتهم التي لا تخلو من استخفاف وسخرية، ركّزت على خليل وقالت بلهجة تحذير:
- لا تأخذوا المسألة بهذه الخفّة يا رجال، لقد وجدت حقيبة مريبة في سيارتي هذا الصباح... "رُ- بّ- ما" كانت مفخّخة. يجب أن أرى رئيسكم وأخبره بالأمر. قالت هذا مؤكّدة على عبارة ربّما وهي تنطقها مقطعاً مقطعاً.
- رئيسي "رُ- بّ- ما" هو الآن في بيته، قال الثاني وهو يقطّع الكلمة بالطريقة ذاتها.
تدخّل خليل بقوله:
- لكنّه يسكن في الطابق العاشر، والمصعد متوقف لانقطاع التيار كذلك مولّد البناية معطّل منذ الصباح...حتى الإنترفون... ثمّ أضاف مطيّباً خاطرها مخاطباً إياها بصفتها أستاذة جامعية:
- لا عليك يا دكتورة، سأبلّغه حالاً.
واختفى الجنديّ في ظلمة الدرج وهو يقفز درجاته اثنتين اثنتين. عاد بعد بضع دقائق متدحرجاً بسرعة كما كان يدلّ وقع خطاه ولهاثه المتسارع. وقف منتصباً بحكم عادته العسكريّة وقال للسيّدة بلهجة مطمئنة، والسرور يشعّ من عينيه الصغيرتين:
- الرائد يقول إنّه سيهتمّ بالموضوع دون إبطاء. سيرسل دوريّة من ستة عناصر مع ملازم. ما عليك سوى العودة إلى منزلك والانتظار... اطمئنّي سيّدتي، أضاف مؤكّداً.
لكنّ إيدا لم تعد إلى بيتها "مباشرة"، كما طلب منها، بل توجّهت إلى بيت "بيبـا"، الصديقة التي لم تفلح في الاتصال بها هاتفياً؛ فقد شعرت برغبة بأن تخبرها كلّ شيء عن الحادث، وبأن تكون إلى جانبها لحظة وصول الدوريّة. أطلقت إيدا زمّور سيّارتها بضع مرّات فظهر رأس امرأة على شرفة الطابق الأوّل. اختفت المرأة بعد أن أشارت بيدها ونزلت بسرعة.
صعدت الصديقة في سيّارة إيدا وحاولت بعينين متفحّصتين أن تحزر ما كان يجري من تعابير وجه الدكتورة وتغيّر لونه. فهمت خطورة الأمر وغرابة "الحدث"، الذي لم ينته تماماً.
- الحـدث؟ صرخت صديقتها. إنّه حادث بالأحرى و... خطير برأيي. أوقفيني هنا. وحالاً...
لكنّ إيدا كانت قد وصلت. لقد روت القـصّة ذاتها للمرّة الثالثة، وكانت تبدأها بالكلمات نفسها وتحاول التقليل من أهمّية الأمر. لقد أمضت أكثر من نصف نهار تدور حول الموضوع وتحاول لاشعوريّاً إخفاء جوهر المشكلة، كما لو أنّ وجود الصديقة التي تثق بها كان يخفّف من هواجسها، بحيث كانت تروي لها القصّة بشيء من المزاح والمرح. هذا الاستخفاف والظهور بمظهر اللامبالاة، أثار بيبا التي بدت منفعلة وقالت بصوت مرتجف:
- حدث الأمر في سيارتك؟ أعني وجدت الحقيبة في هذه السيّارة بالذات؟
- لقد أكّدت لك ذلك مراراً. نعم، قالت إيدا بشيء من السخرية.
صرخت بيبا صرخة ذعر أشبه بصرخة بوليت قبل ساعات. كان خوفها ظاهراً بحيث لم تعرف كيف تهرب من السيّارة إذ أدركت أنّ المسألة جدّية، بل خطرة. انطلقت من السيّارة كالسّهم والتقطت في طريقها كيساً من البلاستك كان الهواء يتلاعب به، فوضعته بحركة لاشعورية على رأسها لحماية شعرها المصفّف حديثاً ودمدمت بعصبيّة: "تبّاً! لقد خرجت تواً من صالون المزيّن!". ارتفع صوت الأستاذة من داخل السيّارة مهدّئة من روعها:
- اطمئنّي يا صديقتي العزيزة؛ الحقيبة بعيدة، بجانب المستنقع.
عند سماعها هذه الكلمات، ركضت "الصديقة العزيزة" في الاتجاه المعاكس، وصاحت بانفعال:
- لكنّنا أمام المستنقع تماماً! استر يا رب!
في هذه اللحظة بالذات، تقدّم الجنود بخوذهم باتجاه السيّدتين شاهرين رشّاشاتهم. كانت الصديقة ماتزال تبتعد خائفة إلى أن وصلت إلى باحة مخزن، تاركة إيدا وحـدها في السيّارة ومتمتمة نحوها: "يا لبرودة أعصابك!"
وجدت إيدا نفسها محاطة بمجموعة من الأحذية العسكرية تدبّ من حولها. لم تعد ترى في الظلمة سوى لمعان الخوذ المعدنية الباهت. بينما وقفت صديقتها بعيداًً، مسمّرة في مكانها تحت شرفة المخزن، غارقة في سواد الليل. صاحت من مخبئها نحو الجنود بصوت متهدّج:
- يجب تفتيش صندوق السيارة... وكذلك تحت غطاء المحرّك!
وإذ لاحظت أنّ أحداً لم يسمعها، صرخت بصوت أقوى، متراجعة بضع خطوات إلى الوراء:
- هيّا يا عسكر، فتّشوا، ماذا تنتظرون؟
لكنّ صوتها ضاع في الظلمة وسيل المطر المنهمر.
كانت إيدا ما تزال قابعة في السيّارة، يغمرها شعور بالطمأنينة؛ فالشرّ المتمثل بالحقيبة المشبوهة أصبح بعيداًً، ولم يعد هناك أيّ خطر. كانت قدرتها على التفكير والعمل معلّقة في هذه اللحظة. أحسّت كأنّها تسبح في الفراغ، ولم تعد قادرة على الهبوط إلى الواقع للتحقّق ممّا يجري حولها. كانت أنظارها تتنقل بين صديقتها التي بقيت بعيدة والجنود الذين توزّعوا حولها منتظرين الملازم. كان أحدهم واقفاً دون حراك عند مدخل البناية. ألقت نحوه نظرة جانبية متفحصة ولاحظت أنّه كان يستجوب الناطور الذي بدا منحني القمة منكمشاً في ظلّ الحائط.
عادت إيدا لتصحو من ذهولها. كانت بطبيعتها المتفائلة التي ترى الجانب الإيجابي من الأمور أولاً، تريد أن ترى في هذه الحادثة مجرّد حدث عرضيّ لا خطر منه البتّة. لكن، كيف ذلك ومن حولها دوريّة عسكريّة في حالة استنفار؟ كان في أعماقها شعور غامض بالقلق لم تستطع تجاهلـه.
كانت قطرات المطر الضخمة تصدم زجاج سيّارتها فتشوّش المنظر أمامها. كان وجه السماء مضطرباً مظلماً يبعث في نفسها رؤى شبه ملحميّة. كان وقع المطر يختلط بصوت صديقتها المبحوح و كلماتها الآتية من بعيد:
- أيّتها المجنونة! كان عليك أن تستشيري صاحب خبرة في ما يجب عمله في حالة كهذه. ولا تقولي لي إنني أبالغ!...
هذا بالضبط ما كانت إيدا على وشك أن تقوله لها.
فيما كانت الأستاذة تفكّر في ذلك، فتح باب التويوتا فجأة، ودخل رجل بصورة جانبية ليجلس في المقعد الخلفيّ. تبدّدت الأفكار السوداء المتزاحمة التي كانت تحاول إبعادها، ليحلّ محلّها شعور خانق بالارتباك. أحسّت كأنّ أطرافها تجمّدت ولم تعد تخصّها.
تنحنح الرجـل وخلع قبعتـه العسكريّة عن رأسه ونفض كتفيـه المبللتين. زاغت عينـا إيـدا لحظة لتحـطّ نظرها بعد ذلك، لا على وجه هذا الدخيل، بل على خصره حيث كان سلاحه يلمع. كان يصعب تبيّن ملامح ذلك الوجه داخل السيّارة، باستثناء الشاربين ربما. أدارت رأسها إلى الخلف، نحو الرجل "الوقح" إذ سمعت صوتاً يخترق حجاب الظلام:
- هذه أنتِ إذن، عزيزتي إيدا! لم أكن أعلم!
أجفلت لسماعها الصوت؛ لم يكن غريباً عنها تماماً. تابع الرجل:
- أعطاني رئيسي أمر مهمة طارئة، على حدّ قوله. لقد وجدت حقيبة رجل مشتبهاً فيها في سيّارة امرأة، وأضاف أنّ الحقيبة ربّما كانت مفخّخة. لم أتصوّر البتة أن تكون...
صمت الرجل ثم ضحك عابثاً. عندها أوقفت المرأة نظراتها الحائرة وأسندت وجهها إلى متكأ مقعدها وصاحت: "أوه، لا! لقد أخفتني أيّها الملازم!"
رغبت للحظة أن ترتمي بين ذراعيه، لتشعر بالأمان. كانت دقائـق طويلة مخيفة مرّت بها تواً.
تدخّل آخر سائلاً:
- ما الموضوع؟
بدت المرأة منهكة للغاية، وإذ فوجئت بلامبالاة الحرس وابتسامتهم التي لا تخلو من استخفاف وسخرية، ركّزت على خليل وقالت بلهجة تحذير:
- لا تأخذوا المسألة بهذه الخفّة يا رجال، لقد وجدت حقيبة مريبة في سيارتي هذا الصباح... "رُ- بّ- ما" كانت مفخّخة. يجب أن أرى رئيسكم وأخبره بالأمر. قالت هذا مؤكّدة على عبارة ربّما وهي تنطقها مقطعاً مقطعاً.
- رئيسي "رُ- بّ- ما" هو الآن في بيته، قال الثاني وهو يقطّع الكلمة بالطريقة ذاتها.
تدخّل خليل بقوله:
- لكنّه يسكن في الطابق العاشر، والمصعد متوقف لانقطاع التيار كذلك مولّد البناية معطّل منذ الصباح...حتى الإنترفون... ثمّ أضاف مطيّباً خاطرها مخاطباً إياها بصفتها أستاذة جامعية:
- لا عليك يا دكتورة، سأبلّغه حالاً.
واختفى الجنديّ في ظلمة الدرج وهو يقفز درجاته اثنتين اثنتين. عاد بعد بضع دقائق متدحرجاً بسرعة كما كان يدلّ وقع خطاه ولهاثه المتسارع. وقف منتصباً بحكم عادته العسكريّة وقال للسيّدة بلهجة مطمئنة، والسرور يشعّ من عينيه الصغيرتين:
- الرائد يقول إنّه سيهتمّ بالموضوع دون إبطاء. سيرسل دوريّة من ستة عناصر مع ملازم. ما عليك سوى العودة إلى منزلك والانتظار... اطمئنّي سيّدتي، أضاف مؤكّداً.
لكنّ إيدا لم تعد إلى بيتها "مباشرة"، كما طلب منها، بل توجّهت إلى بيت "بيبـا"، الصديقة التي لم تفلح في الاتصال بها هاتفياً؛ فقد شعرت برغبة بأن تخبرها كلّ شيء عن الحادث، وبأن تكون إلى جانبها لحظة وصول الدوريّة. أطلقت إيدا زمّور سيّارتها بضع مرّات فظهر رأس امرأة على شرفة الطابق الأوّل. اختفت المرأة بعد أن أشارت بيدها ونزلت بسرعة.
صعدت الصديقة في سيّارة إيدا وحاولت بعينين متفحّصتين أن تحزر ما كان يجري من تعابير وجه الدكتورة وتغيّر لونه. فهمت خطورة الأمر وغرابة "الحدث"، الذي لم ينته تماماً.
- الحـدث؟ صرخت صديقتها. إنّه حادث بالأحرى و... خطير برأيي. أوقفيني هنا. وحالاً...
لكنّ إيدا كانت قد وصلت. لقد روت القـصّة ذاتها للمرّة الثالثة، وكانت تبدأها بالكلمات نفسها وتحاول التقليل من أهمّية الأمر. لقد أمضت أكثر من نصف نهار تدور حول الموضوع وتحاول لاشعوريّاً إخفاء جوهر المشكلة، كما لو أنّ وجود الصديقة التي تثق بها كان يخفّف من هواجسها، بحيث كانت تروي لها القصّة بشيء من المزاح والمرح. هذا الاستخفاف والظهور بمظهر اللامبالاة، أثار بيبا التي بدت منفعلة وقالت بصوت مرتجف:
- حدث الأمر في سيارتك؟ أعني وجدت الحقيبة في هذه السيّارة بالذات؟
- لقد أكّدت لك ذلك مراراً. نعم، قالت إيدا بشيء من السخرية.
صرخت بيبا صرخة ذعر أشبه بصرخة بوليت قبل ساعات. كان خوفها ظاهراً بحيث لم تعرف كيف تهرب من السيّارة إذ أدركت أنّ المسألة جدّية، بل خطرة. انطلقت من السيّارة كالسّهم والتقطت في طريقها كيساً من البلاستك كان الهواء يتلاعب به، فوضعته بحركة لاشعورية على رأسها لحماية شعرها المصفّف حديثاً ودمدمت بعصبيّة: "تبّاً! لقد خرجت تواً من صالون المزيّن!". ارتفع صوت الأستاذة من داخل السيّارة مهدّئة من روعها:
- اطمئنّي يا صديقتي العزيزة؛ الحقيبة بعيدة، بجانب المستنقع.
عند سماعها هذه الكلمات، ركضت "الصديقة العزيزة" في الاتجاه المعاكس، وصاحت بانفعال:
- لكنّنا أمام المستنقع تماماً! استر يا رب!
في هذه اللحظة بالذات، تقدّم الجنود بخوذهم باتجاه السيّدتين شاهرين رشّاشاتهم. كانت الصديقة ماتزال تبتعد خائفة إلى أن وصلت إلى باحة مخزن، تاركة إيدا وحـدها في السيّارة ومتمتمة نحوها: "يا لبرودة أعصابك!"
وجدت إيدا نفسها محاطة بمجموعة من الأحذية العسكرية تدبّ من حولها. لم تعد ترى في الظلمة سوى لمعان الخوذ المعدنية الباهت. بينما وقفت صديقتها بعيداًً، مسمّرة في مكانها تحت شرفة المخزن، غارقة في سواد الليل. صاحت من مخبئها نحو الجنود بصوت متهدّج:
- يجب تفتيش صندوق السيارة... وكذلك تحت غطاء المحرّك!
وإذ لاحظت أنّ أحداً لم يسمعها، صرخت بصوت أقوى، متراجعة بضع خطوات إلى الوراء:
- هيّا يا عسكر، فتّشوا، ماذا تنتظرون؟
لكنّ صوتها ضاع في الظلمة وسيل المطر المنهمر.
كانت إيدا ما تزال قابعة في السيّارة، يغمرها شعور بالطمأنينة؛ فالشرّ المتمثل بالحقيبة المشبوهة أصبح بعيداًً، ولم يعد هناك أيّ خطر. كانت قدرتها على التفكير والعمل معلّقة في هذه اللحظة. أحسّت كأنّها تسبح في الفراغ، ولم تعد قادرة على الهبوط إلى الواقع للتحقّق ممّا يجري حولها. كانت أنظارها تتنقل بين صديقتها التي بقيت بعيدة والجنود الذين توزّعوا حولها منتظرين الملازم. كان أحدهم واقفاً دون حراك عند مدخل البناية. ألقت نحوه نظرة جانبية متفحصة ولاحظت أنّه كان يستجوب الناطور الذي بدا منحني القمة منكمشاً في ظلّ الحائط.
عادت إيدا لتصحو من ذهولها. كانت بطبيعتها المتفائلة التي ترى الجانب الإيجابي من الأمور أولاً، تريد أن ترى في هذه الحادثة مجرّد حدث عرضيّ لا خطر منه البتّة. لكن، كيف ذلك ومن حولها دوريّة عسكريّة في حالة استنفار؟ كان في أعماقها شعور غامض بالقلق لم تستطع تجاهلـه.
كانت قطرات المطر الضخمة تصدم زجاج سيّارتها فتشوّش المنظر أمامها. كان وجه السماء مضطرباً مظلماً يبعث في نفسها رؤى شبه ملحميّة. كان وقع المطر يختلط بصوت صديقتها المبحوح و كلماتها الآتية من بعيد:
- أيّتها المجنونة! كان عليك أن تستشيري صاحب خبرة في ما يجب عمله في حالة كهذه. ولا تقولي لي إنني أبالغ!...
هذا بالضبط ما كانت إيدا على وشك أن تقوله لها.
فيما كانت الأستاذة تفكّر في ذلك، فتح باب التويوتا فجأة، ودخل رجل بصورة جانبية ليجلس في المقعد الخلفيّ. تبدّدت الأفكار السوداء المتزاحمة التي كانت تحاول إبعادها، ليحلّ محلّها شعور خانق بالارتباك. أحسّت كأنّ أطرافها تجمّدت ولم تعد تخصّها.
تنحنح الرجـل وخلع قبعتـه العسكريّة عن رأسه ونفض كتفيـه المبللتين. زاغت عينـا إيـدا لحظة لتحـطّ نظرها بعد ذلك، لا على وجه هذا الدخيل، بل على خصره حيث كان سلاحه يلمع. كان يصعب تبيّن ملامح ذلك الوجه داخل السيّارة، باستثناء الشاربين ربما. أدارت رأسها إلى الخلف، نحو الرجل "الوقح" إذ سمعت صوتاً يخترق حجاب الظلام:
- هذه أنتِ إذن، عزيزتي إيدا! لم أكن أعلم!
أجفلت لسماعها الصوت؛ لم يكن غريباً عنها تماماً. تابع الرجل:
- أعطاني رئيسي أمر مهمة طارئة، على حدّ قوله. لقد وجدت حقيبة رجل مشتبهاً فيها في سيّارة امرأة، وأضاف أنّ الحقيبة ربّما كانت مفخّخة. لم أتصوّر البتة أن تكون...
صمت الرجل ثم ضحك عابثاً. عندها أوقفت المرأة نظراتها الحائرة وأسندت وجهها إلى متكأ مقعدها وصاحت: "أوه، لا! لقد أخفتني أيّها الملازم!"
رغبت للحظة أن ترتمي بين ذراعيه، لتشعر بالأمان. كانت دقائـق طويلة مخيفة مرّت بها تواً.
Page 10
وبالرّغم من انفعالها الظاهر، كانت تحاول السيطرة على حركاتها وعدم إظهار الخوف والارتباك أمام ابن عمّها. خصوصاً وأنّ الملازم الشاب عرفها دائماًً قوية، جريئة وذات عزيمة وتصميم في الأوقات الصّعبة. لكن، لمَ الهلع بهذا الشكل، فكّرت إيدا، وليس لها أيّ ضلع في العمليّة؟ كانت مجرّد حقيبة منسيّة، ولا أحد يمكن أن يلومها أو يؤذيها. ولمَ قد يفكّر أحد في ذلك، وليس لهـا أيّ عدو، على حدّ علمها. على أيّ حال، فإنّ جارتها أعطتها تفسيراً معقولاً لوجود الحقيبة في سيّارتها. أمر كهذا، يحدث مراراً في هذه الفترة الصعبة: قد يكون أحد سارقي السيّارات (ما أكثرهم هذه الأيام)، وضع في هذه الحقيبة عدّة لتشغيل وسرقة السيارات؛ يبدو من وزنها أنّها حقيبة عدّة. قد يكون وضعها في أسفل المقعد، وقبل أن يبدأ عمله، رأى أحدهم يقترب منه، فترك الحقيبة وهرب. هذا الرأي الذي أعطته سالي، تبادر إلى ذهن إيدا في مستهلّ لقائها ابن عمّها، الملازم المكلّف بالمهمّة. وجدته معقولاً ومقنعاً بحيث رغبت أن تشرك به صديقتها المتوارية لتهدّىء مخاوفها. لكن... أين بيبا؟ لا أحد كان يبدو في مرمى بصرها.
أعاد صوت الملازم المرأة إلى أرض الواقع:
- أين هي، هذه الحقيبة؟
أعياها النطق، فاكتفت بالإشارة بيدها نحو المستنقع محدّدة المكان. فهم الملازم قصدها. نزل من السيّارة بخفة وأشار إلى رجاله الذين كانوا بانتظار الأوامر. رأتهم إيدا يتجهون مع الناطور نحو كومة القصب المحيطة بالمستنقع، بينما عاد الضابط إلى السيّارة محتمياً من رذاذ المطر.
- لقد فاجأتني يا نبيه! كدت أموت من الخوف!
- لا أحد يموت من الخوف، إيدا!، ردّ مازحاً.
سمعت همهمة رجال في الخارج. عاد الجنود بسرعة يتقدّمهم الناطور. قفز الملازم من السيّارة نحوهم، وتبعته المرأة. وسرعان ما ظهرت بيبا كالشبح مهرولة نحو الحلقة التي تشكّلت أمام درج المدخل.
- ها هي، تنهّدت إيدا بارتياح.
- لندخل. هناك تحت الشرفة، اقترح الضابط المسؤول.
تسلّم الملازم الحقيبة وبدأ يتفحصها بحذر. جرّدها من غلاف النايلون الذي لم يكن يغطّي أكثر من نصفها.
- إنّها جديدة حقاً، وحرام أن تترك في الوحل، قال الناطور بلهجة آسفة.
نظر الملازم إلى الناطور ثمّ إلى المرأة:
- لا بدّ أنّك شخصيّة خطرة يا ابنة عمّي العزيزة، ليكون لديك "شيء" كهذا في سيّارتك!، قال الملازم ممازحاً وهو يدلّ على الحقيبة.
لم تفهم إيدا هذه التلميحات أوّل الأمر، وعندما فهمت قصده بكلمة "خطرة"، كان قلبها يخفق بشدّة كأنّه يقفز من مكانه.
- هل تتهمين أحداً بهذه العمليّة؟ سألها بهدوء.
انتفضت وصرخت محتجّة:
- ماذا تقول؟ من فضلك نبيه، لا تكلّمني بهذه اللهجة.
- ليست مسألة لهجة، إيدا، بل مسألة شكوك. هل تشكّين في أحد؟ بعبارة أخرى، من هم أعداؤك؟
قال محدّقاً إليها.
- لا أحد! أجابت جازمة.
وضعت الحقيبة بعناية في سيّارة الرانج روفر التي تركها الملازم متوارية عند منعطف الشارع؛ ولم تكن إيدا قد لحظتها عند وصولها. وعد نبيه ابنة عمّه بإحالة الحقيبة إلى الخبير العسكري عند وصوله إلى الثكنة، وبإبلاغها النتيجة فور صدورها، حتى في منتصف الليل. صعد الملازم إلى السيّارة وتبعه العسكريّون وهم في وضع الترقّب. انطلقت "الرّانج" بسرعة أمام ناظري الناطور المذهول، وقد أصابته زخّة ماء موحل من جراء إقلاعها؛ بينما كانت المرأتان وحدهما عند درج المدخل، ترقبان اختفاء الدوريّـة ومعها الحقيبة. دعت إيدا صديقتها للصعود؛ فقد كانت بحاجة إلى وجودها معها. إعتذرت بيبا قائلة إنّها لم تعد تتحمّل المزيد في الوقت الحاضر:"ساعتان من الإثارة المتواصلة؛ هذا فوق طاقتي"، احتجّت قائلة وهي تتأهب للذهاب. وكان الجار الفتى جوجو، الذي لم يعرف شيئاًً عمّا جرى، هو الذي أوصلها إلى بيتها.
لم تفهم إيدا رّة فعل صديقتها، بيبا، وكذلك ردّة فعلها هي. كانت تعرف أنّ بيبا جبانة في بعض المواقف، لكن، ليس إلى هذا الحدّ. وهذا ما زاد في انزعاجها وحيرتها. أغاظها خوف وتشاؤم صديقتها. كانت تثق دائماً بتعقّلها وبتفكيرها المنطقي. لكنّها هذه المرّة، فقدت السيطرة على نفسها وبالغت بعض الشيء في تضخيم المشكلة. لمَ كل هذا الذعر مع أنّها أفهمتها أنّ الحقيبة جاءت خطأً وأنّها ربّما كانت مرسلة إلى شخص آخر!. إنّ استعادة هذه الفرضية هدّأت من روعها قليلاً، لكنّ ذلك لم يدم، لأنّ كلمات بيبا وهي تبتعد مع سائقها جوجو، ما زالت تتردّد في مسمعها:"المهمّ ألّا تبيتي في منزلك الليلة! إذهبي عند أهلك... هل فهمت؟"
لا، لم تكن إيدا لتفهم هذه المبالغة في تصرّف صديقتها. ومع ذلك، كانت تلوم نفسها لتأثّرها بها. فكّرت أنّ ذعر بيبا يجب أن يكون له بعض ما يبرّره، وهذا ما زاد في حنقها. فهي تعرف أنّ صديقتها كانت دوماً تتمتّع بصفاء الذهن والتبصّر، وهي مقتنعة بأنّ تصرّفها هذا مجرّد شطحة لن تلبث حتّى تعود إلى طبيعتها.
* *
كانت بيبا واحدة من النساء المناضلات اللواتي لا يعترفن بالمستحيل في الحياة. متزوّجة مرّتين؛ مطلّقة في الأولى وأرملة في الثانية؛ ومع ذلك فهي تشعّ فرحاً ومعشرها مؤنس. رغم المشاكل العديدة، التي تواجهها، كانت تحافظ على ابتسامتها، حتى في الأوقات الصعبة. ماذا دهاها إذاً هذا المساء لتفقد هدوءها ومرحها بهذا الشكل؟ هل سمعت خبراً سيّئاً من "مصادر موثوقة"، كما كانت تدّعي غالباً، حتى تذهب في تشاؤمها إلى النهاية؟. هذا السؤال كان ما يزال يشغل بال إيدا.
لأنّ بيبا كانت أيضاًً بمثابة مفكّرة وذاكرة لأصدقائها؛ لم يكن يفوتها شيء، كانت بحدّ ذاتها وكالة أنباء، تسجّل في ذهنها كلّ شاردة وواردة: الأحداث وأسماء الأشخاص والأماكن، مع استعداد أكبر لتسجيل الإشاعات التي كانت تدور في المدينة، السياسية منها والاقتصاديّة والاجتماعيّة، ثمّ إعادة نشرها بعد "تتبيلها" وتزيينها بما عرف عنها من طلاقة وعفوية وقدرة على الإقناع لا تبارى. كان أهل المدينة يلقّبونها بـ "الريّسة" وبـ "المختار" نظراً لعلاقاتها ومداخلاتها في المجالات كافة. وكان البعض يفضّل أن يسمّيها "رويتر" - في إشارة إلى وكالة الأنباء المعروفة - لأنّ الأخبار المتنوّعة التي كانت تزوّد بها الناس، من "مصدر موثوق"، كما كانت تؤكد ذلك لا تقلّ عن أهمّ الجرائد المعروفة. كانت تنقل هذه الأخبار بأسلوب تميّز بالمرح والدعابة، بحيث أصبحت مرجعاً يتحلّق حوله جمهرة من الفضوليين وهواة الإشاعات.
أعاد صوت الملازم المرأة إلى أرض الواقع:
- أين هي، هذه الحقيبة؟
أعياها النطق، فاكتفت بالإشارة بيدها نحو المستنقع محدّدة المكان. فهم الملازم قصدها. نزل من السيّارة بخفة وأشار إلى رجاله الذين كانوا بانتظار الأوامر. رأتهم إيدا يتجهون مع الناطور نحو كومة القصب المحيطة بالمستنقع، بينما عاد الضابط إلى السيّارة محتمياً من رذاذ المطر.
- لقد فاجأتني يا نبيه! كدت أموت من الخوف!
- لا أحد يموت من الخوف، إيدا!، ردّ مازحاً.
سمعت همهمة رجال في الخارج. عاد الجنود بسرعة يتقدّمهم الناطور. قفز الملازم من السيّارة نحوهم، وتبعته المرأة. وسرعان ما ظهرت بيبا كالشبح مهرولة نحو الحلقة التي تشكّلت أمام درج المدخل.
- ها هي، تنهّدت إيدا بارتياح.
- لندخل. هناك تحت الشرفة، اقترح الضابط المسؤول.
تسلّم الملازم الحقيبة وبدأ يتفحصها بحذر. جرّدها من غلاف النايلون الذي لم يكن يغطّي أكثر من نصفها.
- إنّها جديدة حقاً، وحرام أن تترك في الوحل، قال الناطور بلهجة آسفة.
نظر الملازم إلى الناطور ثمّ إلى المرأة:
- لا بدّ أنّك شخصيّة خطرة يا ابنة عمّي العزيزة، ليكون لديك "شيء" كهذا في سيّارتك!، قال الملازم ممازحاً وهو يدلّ على الحقيبة.
لم تفهم إيدا هذه التلميحات أوّل الأمر، وعندما فهمت قصده بكلمة "خطرة"، كان قلبها يخفق بشدّة كأنّه يقفز من مكانه.
- هل تتهمين أحداً بهذه العمليّة؟ سألها بهدوء.
انتفضت وصرخت محتجّة:
- ماذا تقول؟ من فضلك نبيه، لا تكلّمني بهذه اللهجة.
- ليست مسألة لهجة، إيدا، بل مسألة شكوك. هل تشكّين في أحد؟ بعبارة أخرى، من هم أعداؤك؟
قال محدّقاً إليها.
- لا أحد! أجابت جازمة.
وضعت الحقيبة بعناية في سيّارة الرانج روفر التي تركها الملازم متوارية عند منعطف الشارع؛ ولم تكن إيدا قد لحظتها عند وصولها. وعد نبيه ابنة عمّه بإحالة الحقيبة إلى الخبير العسكري عند وصوله إلى الثكنة، وبإبلاغها النتيجة فور صدورها، حتى في منتصف الليل. صعد الملازم إلى السيّارة وتبعه العسكريّون وهم في وضع الترقّب. انطلقت "الرّانج" بسرعة أمام ناظري الناطور المذهول، وقد أصابته زخّة ماء موحل من جراء إقلاعها؛ بينما كانت المرأتان وحدهما عند درج المدخل، ترقبان اختفاء الدوريّـة ومعها الحقيبة. دعت إيدا صديقتها للصعود؛ فقد كانت بحاجة إلى وجودها معها. إعتذرت بيبا قائلة إنّها لم تعد تتحمّل المزيد في الوقت الحاضر:"ساعتان من الإثارة المتواصلة؛ هذا فوق طاقتي"، احتجّت قائلة وهي تتأهب للذهاب. وكان الجار الفتى جوجو، الذي لم يعرف شيئاًً عمّا جرى، هو الذي أوصلها إلى بيتها.
لم تفهم إيدا رّة فعل صديقتها، بيبا، وكذلك ردّة فعلها هي. كانت تعرف أنّ بيبا جبانة في بعض المواقف، لكن، ليس إلى هذا الحدّ. وهذا ما زاد في انزعاجها وحيرتها. أغاظها خوف وتشاؤم صديقتها. كانت تثق دائماً بتعقّلها وبتفكيرها المنطقي. لكنّها هذه المرّة، فقدت السيطرة على نفسها وبالغت بعض الشيء في تضخيم المشكلة. لمَ كل هذا الذعر مع أنّها أفهمتها أنّ الحقيبة جاءت خطأً وأنّها ربّما كانت مرسلة إلى شخص آخر!. إنّ استعادة هذه الفرضية هدّأت من روعها قليلاً، لكنّ ذلك لم يدم، لأنّ كلمات بيبا وهي تبتعد مع سائقها جوجو، ما زالت تتردّد في مسمعها:"المهمّ ألّا تبيتي في منزلك الليلة! إذهبي عند أهلك... هل فهمت؟"
لا، لم تكن إيدا لتفهم هذه المبالغة في تصرّف صديقتها. ومع ذلك، كانت تلوم نفسها لتأثّرها بها. فكّرت أنّ ذعر بيبا يجب أن يكون له بعض ما يبرّره، وهذا ما زاد في حنقها. فهي تعرف أنّ صديقتها كانت دوماً تتمتّع بصفاء الذهن والتبصّر، وهي مقتنعة بأنّ تصرّفها هذا مجرّد شطحة لن تلبث حتّى تعود إلى طبيعتها.
* *
كانت بيبا واحدة من النساء المناضلات اللواتي لا يعترفن بالمستحيل في الحياة. متزوّجة مرّتين؛ مطلّقة في الأولى وأرملة في الثانية؛ ومع ذلك فهي تشعّ فرحاً ومعشرها مؤنس. رغم المشاكل العديدة، التي تواجهها، كانت تحافظ على ابتسامتها، حتى في الأوقات الصعبة. ماذا دهاها إذاً هذا المساء لتفقد هدوءها ومرحها بهذا الشكل؟ هل سمعت خبراً سيّئاً من "مصادر موثوقة"، كما كانت تدّعي غالباً، حتى تذهب في تشاؤمها إلى النهاية؟. هذا السؤال كان ما يزال يشغل بال إيدا.
لأنّ بيبا كانت أيضاًً بمثابة مفكّرة وذاكرة لأصدقائها؛ لم يكن يفوتها شيء، كانت بحدّ ذاتها وكالة أنباء، تسجّل في ذهنها كلّ شاردة وواردة: الأحداث وأسماء الأشخاص والأماكن، مع استعداد أكبر لتسجيل الإشاعات التي كانت تدور في المدينة، السياسية منها والاقتصاديّة والاجتماعيّة، ثمّ إعادة نشرها بعد "تتبيلها" وتزيينها بما عرف عنها من طلاقة وعفوية وقدرة على الإقناع لا تبارى. كان أهل المدينة يلقّبونها بـ "الريّسة" وبـ "المختار" نظراً لعلاقاتها ومداخلاتها في المجالات كافة. وكان البعض يفضّل أن يسمّيها "رويتر" - في إشارة إلى وكالة الأنباء المعروفة - لأنّ الأخبار المتنوّعة التي كانت تزوّد بها الناس، من "مصدر موثوق"، كما كانت تؤكد ذلك لا تقلّ عن أهمّ الجرائد المعروفة. كانت تنقل هذه الأخبار بأسلوب تميّز بالمرح والدعابة، بحيث أصبحت مرجعاً يتحلّق حوله جمهرة من الفضوليين وهواة الإشاعات.