من الدستور الإلهى للبشرية
القرآن الكريم
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32) قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ )
(الأعراف:33،32)
من مشكاة النبوة الخاتمة
من أقوال الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) :
إِنَّ الْحَـلاَلَ بَيِّنٌ ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِـنَ النَّاسِ ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ ، وَعِرْضِهِ ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى ، يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ ، أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى ، أَلاَ وَإِنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ ، أَلاَ وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً ، إِذَا صَلَحَتْ ، صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ ، وَإِذَا فَسَدَتْ ، فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ ، أَلاَ وَهِيَ الْقَلْبُ .
متفق عليه ، عن النعمان بن بشير .
عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) ، فيما يرويه عن ربه عز وجل قال : ( إِنـِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ ، وَإِنـَّهـُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَـنْ دِينِهِمْ ، وَحَـرَّمَـتْ عَـلَـيْـهِـمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا) .
رواه مسلم في صحيحه ، عن عياض بن حمار .
مقدمة
إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له . وأشـهـد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه ، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين .
وبعد :
فهذه هي الطبعة السبعون ـ أو أكثر ـ من هذا الكتاب ، الذي أسأل الله أن ينفع به مؤلفه وناشره وقارئه . وأن (يكيفوا) سلوكهم وفقا لأحكامه ، غير مبالين بالأفكار الدخيلة ، والمذاهب المستوردة .
ويزيد من قيمة هذا الإقبال أن جهودا جبارة تُبذل ، وأموالا طائلة تُرصد ، وطاقات هائلة تُجند ، من القوى المعادية للإسلام على اختلاف أهدافها وطرائقها ، وتعدد ألوانها وأسمائها ، للصد عن سبيل هذا الدين ، وتعويق الدعوة إليه ، وقطع الطريق على دعاته ، وإثارة الشبهات والأكاذيب من حوله ، وتشويه عقيدته وشريعته ، وأخلاقه وآدابه ، وحضارته وتاريخه . يريدون أن ترتد الشعوب المسلمة عن دينها ، كما أرادوا أن يرتد كثير من حكامها الذين اتخذوا القرآن مهجورًا ، واتخذوا غير الإسلام منهجًا ، وغير محمد (صلى الله عليه وسلم) إمامًا .
فإذا أخفقت هذه المحاولات الجهنمية المخططة المدعومة ، فيما هدفت إليه من تكفير الجماهير المسلمة ، وراج ـ مع هذا كله ـ الكتاب الإسلامي ، بل ظل هو الكتاب الأول في سوق النشر والتوزيع ، كما تدل الأرقام والإحصاءات ، على حين تظهر كتب كثيرة موجهة ، تنفق عليها دول ومؤسسات كبيرة عشرات الألوف ومئاتها ، فلا تنفق لها سوق ، ولا تجد لها قبولا ، فهذا ما نُسَرُّ له ، ونحمد الله تعالى عليه .
أجل ، إنها نعمة من الله ، يجب أن نتلقاها بالحمد والشكر . فإن معناها أن جماهيرنا المسلمة لا تزال بخير ، وإنما الفساد والانحراف في القيادات العميلة المفروضة عليها . وهي قيادات مصيرها حتما إلى الزوال .
ومما أذكره هنا : أن بعض ما وضعته في هذه الطبعة ، موجود عندي كاملا من أكثر من أربعين سنة ، كتبته ردا علميًّا على بعض من انتقدوا كتابي ، وكنت أود في حينها أن أنشرها ، ولكن بعض إخواني ثبطوني عن هذا ببعض المبررات ، التي قدرتها في حينها ، وأبقيتها عندي ، ولم تنشر ، حتى آن أوان نشرها ، وكل شيء عند الله بمقدار .
هذا وقد كان الكتاب مخرجًا تخريجًا قصيرًا جدًّا ، على غير الطريقة التي بدأتها منذ عدة سنين في تخريج كتبي الجديدة ، وقد رأى الإخوة في مكتبي العلمي بالدوحة ، أن يعيدوا تخريج الكتاب على نفس هذه الطريقة ، وهو ما اقتضاني أن أحذف بعض الأحاديث من الكتاب ، لم نرَ ضرورة لوجودها ، وإن لم يترتب عليها تغيير الحكم الأصلي الموجود في الكتاب .
وهذا مما أحمد الله تعالى عليه ، فمذهبي الذي تبنيته ودعوت إليه ، وأورثته لأصحابي الاعتماد على الأحاديث الصحيحة والحسنة ، والتدقيق في ذلك إذا اختلف العلماء . فحكم الله في الأشياء لا يثبت إلا بنص صريح صحيح .
ومما يسرني كذلك ، أن جماعة من إخواننا الباكستانيين والأتراك ، والهنود والبنغاليين ، والماليزيين والأندونيسيين ، والنيجيريين والسنغاليين ، وكثير من أمم الأرض بعثوا يستأذنونني ، في ترجمة الكتاب إلى لغاتهم ، فلم أتردَّد في الإذن لهم ، كما أذنت في كتب كثيرة أخرى . فإن اختلاف اللغات لا يجوز أن يقف مانعا ، دون التبادل الفكري بين المسلمين ، الذي هو إحدى الخطوات اللازمة في طريق الوحدة الإسلامية المنشودة .
فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله .
( رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ )(آل عمران:8).
الدوحة في : محرم 1434 هـ
الموافق ديسمبر 2012 م الفقير إلى عفو ربه
يوسف القرضاوي
مقدمة الطبعة الأولى
أبلغتني الإدارة العامة للثقافة الإسلامية بالأزهر الشريف ، رغبة مشيخة الجامع الأزهر(1) أن أساهم في مشروع علمي يتضمن تأليف كتب أو كتيبات مبسطة ، تترجم إلى اللغة الإنجليزية ، للتعريف بالإسلام وتعاليمه في أوربا وأمريكا ؛ تبصرة للمسلمين هناك ، ودعوة لغير المسلمين .
والحق أن مشروع هذه الكتب والكتيبات مشروع نبيل الهدف ، جليل الشأن ، وكان من الواجب أن يتحقق مـنـذ زمـن بعـيـد . فالمسلـمـون فـي أوربا وأمريكـا لا يعرفون من الإسلام إلا أقل القليل ، وهذا القليل لم يسلم من المسخ والتشويه ، ومن وقت قريب كتب إلينا صديق أزهري مبعوث إلى ولاية من الولايات المتحدة يقول : إن معظم المسلمين في هذه الولاية يتكسبون من فتح البارات ، والتجارة في الخمور ، ولا يشعرون أن ذلك من أكبر المحرمات في الإسلام .
ويقول : إن الرجال المسلمين يتزوجون بمسيحيات ويهوديات ـ وربما بوثنيات ـ ويتركون بنات المسلمين يتعرضن للكساد ، ويفعلون . . . ويفعلون .
وإن كان هذا شأن المسلمين فـمـا بالك بغير المسلمين ؟! إنـهـم لا يـعـرفـون إلا صورة دميمة الوجه ، شائهة الخِلْقَة ، عن الإسلام ورسول الإسلام ، وأتباع الإسلام . صورة تعمل الدعايات التبشيرية والاستعمارية المسمومة ، على تثبيتها وزيادة تشويهها ، باذلة في ذلك كل جهد ، سالكة كل سبيل . في الوقت الذي نحن فيه عن هذا غافلون ، وفي غمرة ساهون .
أما وقد آن الأوان للبدء في هذا المشروع ، وتحقيق هذا الأمل الذي توجبه الدعوة إلى الإسلام ، وتلح في القيام به ، فإنها لخطوة مباركة ، جديرة أن نحيي القائمين على رعايتها وتنفيذها فـي الأزهر وخارجه ، طالبين المزيد من هذه العناية ، راجين لهم دوام التوفيق .
هذا وقد كان الموضوع الذي عهدت إليَّ إدارةُ الثقافة أن أكتب فيه هو : (الحلال والحرام في الإسلام) وأوصت في كتابها إليَّ أن يراعى في الكتابة التبسيط ، وسهولة الإقناع ، والمقارنة مع الأديان والثقافات الأخرى .
وربما بدا موضوع (الحلال والحرام) سهلا لأول وهلة ، ولكنه في الواقع صعب المُرْتقى ، فلم يسبق لمُؤَلِّف في القديم أو الحديث أن جمع شَتات هذا الموضوع في كتاب خاص . ولكن الدارس يجد أجزاءه موزعة في أبواب الفقه الإسلامي كلها ، وبين ثنايا كتب التفسير والحديث النبوي .
ثم إن موضوعا كهذا يضطر الكاتب إلى أن يحدد موقفه من أمور كثيرة ، اختلف في حكمها علماؤنا القدامى ، واضطربت فيها وفي تعليلها آراء المحْدَثين .
وترجيح رأي على غيره ـ في مسائل الحلال والحرام ـ يحتاج إلى أناة وطول بحث ومراجعة ، بعد أن يتجرد الباحث لله في طلب الحق ، جهد الإنسان .
وقد رأيت معظم الباحثين العصريين في الإسلام والمتحدثين عنه ، يكادون ينقسمون إلى فريقين :
1- فريق خطف أبصارهم بريقُ المدنية الغربية ، وراعهم هذا الصنم الكبير ، فتعبدوا له ، وقدموا إليه القرابين ، ووقفوا أمامه خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ، هـؤلاء الـذيـن اتخذوا مبادئ الـغـرب وتقالـيـده قـضـيـة مُسَلَّمة لا تُعارض ولا تُناقش ، فإن وافقها الإسلام في شيء هللوا له وكبروا ، وإن عارضها في شيء وقفوا يحاولون التوفيق والتقريب ، أو الاعتذار والتبرير ، أو التأويل والتحريف ، كأن الإسلام مفروض عليه أن يخضع لمدنية الغرب وفلسفته وتقاليده .
ذلك ما نلمسه في حديثهم عما حرم الإسلام من مثل : التماثيل واليانصيب والفوائد الربوية والخَلْوة بالأجنبية ، وتمرد المرأة على أنوثتها ، وتحلِّي الرجل بالذهب والحرير … إلى آخر ما نعرف .
وفي حديثهم عما أحل الإسلام من مثل : الطلاق وتعدد الزوجات ، كأن الحلال في نظرهم ما أحَلَّه الغرب ، والحرام ما حَرَّمه الغرب . ونسوا أن الإسلام كلمة الله ، وكلمة الله هي العليا دائما ، فهو يُتَّبَع ولا يَتَّبِع ، ويَعلو ولا يُعلى عليه ، وكيف يتبع الربُّ العبدَ ؟! أم كيف يخضع الخالق لأهواء المخلوقين؟!
( وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ )(المؤمنون:71) .
(قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ ۚ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ ۗ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَىٰ ۖ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) (يونس:35) .
2- هذا فريق . . والفريق الثاني جمد على آراء معينة في مسائل الحلال والحرام ، تبعا لنص أو عبارة في كتاب ، وظن ذلك هو الإسلام ، فلم يتزحزح عن رأيه قيد شعرة ، ولم يحاول أن يمتحن أدلة مذهبه أو رأيه ، ويوازنها بأدلة الآخرين ويستخلص الحق بعد الموازنة والتمحيص .
فإذا سئل عن حكم الموسيقى أو الغناء أو الشطرنج ، أو تعليم المرأة أو إبداء وجهها وكفيها ، أو نحو ذلك من المسائل ، كان أقرب شيء إلى لسانه أو قلمه كلمة (حرام) ، ونسي هذا الفريق أدب السلف الصالح في هذا ، حيث لم يكونوا يطلقون الحرام إلا على ما عُلم تحريمه قطعا . وما عـدا ذلك قالوا فـيـه : نكره ، أو لا نحب ، أو نحو هذه العبارات .
وقد حاولت ألا أكون واحدا من الفريقين .
فلم أرضَ لديني أن أتخذ الغرب معبودًا لي ، بعد أن رضيت بالله ربًّا ، وبالإسلام دينًا ، وبمحمد رسولا .
ولم أرضَ لعقلي أن أقلدَ مذهـبـا معينًا فـي كـل القضايا والمسـائـل : أخـطـأ أو أصاب ، فإن المقلد ـ كما قال ابن الجوزي ـ : (على غير ثقة فيما قلد فيه ، وفي التقليد إبطال منفعة العقل ، لأنه خُلق للتأمل والتدبر . وقبيح بمن أُعطي شمعة يستضيء بها أن يُطفئَها ويمشي في الظلمة)(2).
أجل ، لم أحاول أن أقيد نفسي بمذهبٍ فقهيٍّ من المذاهب السائدة في العالم الإسلامي ، ذلك أن الحق لا يشتمل عليه مذهب واحد . وأئمة هذه المذاهب المتبوعة لم يدَّعوا لأنفسهم العصمة ، وإنما هم مجتهدون في تعرف الحق ، فإن أخطؤوا فلهم أجر ، وإن أصابوا فلهم أجران .
قال الإمام مالك : (كل أحد يؤخذ من كلامه ويُترك إلا النبي (صلى الله عليه وسلم))(3).
وقال الإمام الشافعي : (رأيي صواب يحتمل الخطأ ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب)(4).
وغير لائق بعالمٍ مسلم يملك وسائل الموازنة والترجيح ، أن يكون أسير مذهب واحد ، أو خاضعا لرأي فقيه معين . بل الواجب أن يكون أسير الحجة والدليل . فما صح دليله وقويت حجته ، فهو أولى بالاتباع . وما ضعف سـنـده ، ووهت حجته ، فهو مرفوض مهما يكن من قال به ، وقديما قال الإمام علي رضي الله عنه : (لا تعرف الحق بالرجال ، بل اعرف الحق تعرف أهله)(5).
وقد حاولت أن أراعي ما طلبته إدارة الثقافة قدر ما استطعت ، فعنيت بالتدليل والتعليل والموازنة ، مستعينا بأحدث الأفكار العلمية والمعارف العصرية . وقد كان جانب الإسلام ـ والحمد لله ـ مشرقًا وضاءً ، يحمل الدليل الناصع ، على أنه دين الإنسانية العام الخالد ( صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ ) (البقرة:138).
الحلال والحرام معروف في كل أمة من قديم ، وإن اختلفوا في مقدار المحرمات وفي نوعها ، وفي أسبابها ، وكان الكثير منـهـا مرتبطا بالمعتقدات البدائية ، والخرافات والأساطير .
ثم جاءت الأديان السماوية الكبرى بتشريعات ووصايا عن الحلال والحرام ، ارتفعت بالإنسان من مستوى الخرافات والأساطير والحياة القبلية ، إلى مستوى إنساني كريم ، ولكنها كانت في بعض ما أحلت وحرمت مناسبة لعصرها وبيئتها ، متطورة بتطور الإنسان ، وتغير الأحوال والأزمان .
فكان في اليهودية مثلا محرمات مؤقتة ، عاقب الله بها بني إسرائيل على بغيهم ، فلم تكن تشريعا قصد به الخلود ، ولهذا ذكر القرآن قول المسيح لبني إسرائـيـل : ( وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ )(آل عمران:50).
فلما جاء الإسلام كانت البشرية قد بلغت أشدها ، وصلحت لأن ينزل الله عليها رسالته الأخيرة ، فختم تشريعه للبشر بشريعة الإسلام الخالدة . وفي هذا نقرأ قوله سبحانه بعد أن ذكر ما حُرِّم من الأطعمة في سورة المائدة : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ) (المائدة:3) .
وفكرة الإسلام في الحلال والحرام فكرة بسيطة واضحة . إنها جزء من الأمانة الكبيرة ، التي أبت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان .
أمانة التكاليف الإلهية واحتمال مسؤولية الخلافة في الأرض ، تلك المسؤولية التي على أساسها يُثاب الإنسان ويُعاقب ، ومن أجلها مُنح العقل والإرادة ، وبعثت له الرسل ، وأنزلت الكتب ، فليس له أن يسأل : لِمَ كان الحلال والحرام؟ ولِمَ لَمْ أُترك طليق العنان؟
فهذا من تتمة الابتلاء الذي خُصَّ به المكلفون ، وتميز به هذا النوع من مخلوقات الله ، الذي ليس رُوحًا خالصة كالمَلَك ، ولا شهوة خالصة كالبهيمة ، وإنما هو شيء وسط ، يستطيع أن يرتقي فيكون كالملائكة ، أو خيرًا وأفضل ، وأن يهبط فيكون كالأنعام أو أضل سبيلا .
ومن جهة أخرى ، فإن الحلال والحرام يدور في فلك التشريع الإسلامي العام ، وهو تشريع قائم على أساس تحقيق الخير للبشر ، ودفع الحرج والعنت عنهم ، وإرادة اليسر بهم .
يقوم على درء المفسدة وجلب المصلحة ، مصلحة الإنسان كله : جسمه ، وروحه ، وعقله . ومصلحة الجماعة كلها : أغنياء وفقراء ، وحكاما ومحكومين ، ورجالا ونساء ، ومصلحة النوع الإنساني كله ، بمختلف أجناسه وألوانه ، وفي شتى أقطاره وبلدانه ، وفي كل عصوره وأجياله .
فقد جاء هذا الدين رحمة إلهية شاملة لعباد الله في آخر طور مـن أطوار الإنسانية ، وأعلن الله ذلك لرسوله فقال : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ) (الأنبياء:107) . وقال رسوله : =إنما أنا رحمة مهداة+(6)
وكان من آثار هذه الرحمة ، أن وضع الله عن هذه الأمة الخاتمة كل آصار التعنت والتشديد ، وأوزار الإباحية والتحلل ، التي أدخلها الوثنيون والكتابيون على الحياة ، فحرموا الطيبات ، وأحلوا الخبائث . قال تعالى : ( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ) (الأعراف:157،156)
وكان دستور الإسلام في الحلال والحرام يتمثل في هاتين الآيتين اللتين صَدَّرنا بهـمـا هـذا الكتاب : ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) (الأعراف:32) .
( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (الأعراف:33).
وبعد : فأعتقد أن أهمية موضوع الحلال والحرام ، تجعل هذا الكتاب ـ على صغره ـ يسد فراغا في مكتبة المسلم الحديثة ، ويحل مشكلات كثيرة ، تعرض للمسلم في حياته الشخصية والأسرية والعامة ، ويجيب على أسئلته الكثيرة : ماذا يحل لي ؟ وماذا يحرُم عليَّ ؟ وما حكمة تحريم هذا ، وإباحة ذاك ؟
ولا يسعني في ختام هذه المقدمة ، إلا أن أشكر لمشيخة الأزهر وإدارة الثقافة الإسلامية ما أولياني من ثقة ، باختياري للكتابة في هذا الموضوع البكر .
وأرجو أن أكون بما كتبت قد أديتُ ضريبة الثقة ، وحققت الغرضَ المنشود .
واللهَ تعالى أسأل أن ينفع بهذا الكتاب ، وأن يرزقنا السداد في القول والعمل ، ويجنبنا شطط الفكر والقلم ، وأن يهيئ لنا من أمرنا رَشَدًا ، إنه سميع الدعاء .
صفر الخير 1380هـ
أغسطس (آب) 1960م
الفقير إلى عفو ربه
يوسف القرضاوي
تعريفات
الحلال : هو المباح الذي انحلت عنده عقدة الحظر ، وأذن الشارع في فعله .
الحرام : هو الأمر الذي نهى الشارع عن فعله نهيًا جازمًا ، بحيث يتعرض من خالف النهي لعقوبة الله في الآخرة ، وقد يتعرض لعقوبة شرعية في الدنيا أيضا .
المكروه : إذا نهى الشارع عن شيء ، ولكنه لم يشدد في النهي عنه ، فهذا الشيء يسمى (المكروه) وهو أقل من الحرام في رتبته ، وليس على مرتكبه عقوبة كعقوبة الحرام ، غير أن التمادي فيه ، والاستهتار به من شأنه أن يجرِّئ صاحبه على الحرام .
( م 2 : الحلال والحرام في الاسلام )
مبادئ الإسلام في شأن الحلال والحرام
الأصل في الأشياء الإباحة .
التحليل والتحريم حق الله وحده .
تحريم الحلال وتحليل الحرام قرين الشرك بالله .
التحريم يتبع الخُبْث والضرر .
في الحلال ما يغني عن الحرام .
ما أدى إلى الحرام فهو حرام .
التحايل على الحرام حرام .
النية الحسنة لا تُبرر الحرام .
اتقاء الشبهات خشية الوقوع في الحرام .
الحرام حرام على الجميع .
الضرورات تبيح المحظورات .
كان أمر الحلال والحرام كغيره من الأمور ، التي ضل فيها أهل الجاهلية ضلالا بعيدًا ، واضطربوا في شأنها اضطرابا فاحشًا ، فأحلوا الحرام الخبيث ، وحرموا الحلال الطيب ، يستوي في ذلك الوثنيون وأهل الملل الكتابية .
وكان هذا الضلال يمثل الانحراف والتطرف في أقصى اليمين ، أو الانحراف والتطرف في أقصى اليسار .
ففي أقصى اليمين وجدت البرهمية الهندية القاسية ، والرهبانية المسيحية العاتية ، وغيرهما من المذاهب التي تقوم على تعذيب الجسد ، وتحريم الطيبات من الرِّزق ، وزينةِ الله التي أخرج لعباده .
وقد بلغت الرهبانيةُ المسيحية ذروةَ عُتُوِّها في القرون الوسطى ، وبلغ تحريم الطيبات أشدَّه عند هؤلاء الرُّهبان الذين كانوا يُعَدُّون بالألوف ، حتى جعل بعضهم غسل الرجلين إثمًا ، ودخول الحمام شيئا يجلبُ الأسف والحسرة .
وفي أقصى اليسار وجد مذهب (مزدك) الذي ظهر في فارس ، يُنادي بالإباحية المطلقة ، ويطلق العنان للناس ، ليأخذوا كل شيء ، ويستبيحوا كل شيء ، حتى الأعراض والحرمات المقدسة عند الناس(7).
وكانت أمة العرب في الجاهلية مثلا واضحا على اختلال مقاييس التحليل والتحريم بالنسبة للأشياء والأعمال ، فاستباحوا شرب الخمر وأكل الربا أضعافا مضاعفة ، ومضارة النساء وعضلهن ، و…وأكثر من ذلك أن شياطين الإنس والجن زينوا لكثير منهم قتل أولادهم وفِلْذات أكبادهم ، فأطاعوهم ، وخالفوا نوازع الأُبُوَّة في صدورهم كما قال تعالى : "وَكَذَٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ"(الأنعام:137).
وقد سلك هؤلاء الشركاء من سَدَنة الأوثان وأشباههم مسالك عِدة في تزيين هذا القتل للآباء .
فمنها : اتقاء الفقر الواقع أو المتوقع .
ومنها : خشية العار والاحتراز منه ، إذا كان المولود بنتًا .
ومنها : التقرب إلى الآلهة بنحر الأولاد ، وتقديمهم قربانا إليها . ومن العجب أن هؤلاء الذين استحلوا قتل أولادهم ذبحا أو وَأْدًا ، حرموا على أنفسهم كثيرًا من الطيبات من حرث وأنعام ، والأعجب أنهم جعلوا هذا من أحكام الدين ، فنسبوه إلى الله تعالى حكما وديانة ، فرد الله عليهم هـذه النسـبـة المفتراة : "وَقَالُوا هَٰذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ ۚ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ"(الأنعام:138) . وقد بين القرآن ضلالة هؤلاء الذين أحلوا ما يجب أن يُحَرَّم ، وحرموا ما ينبغي أن يُحَل ، فقال : "قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ ۚ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ"(الأنعام:140)
جاء الإسلام فوجد هذا الضلال والانحراف في التحريم والتحليل ، فـكـان أول ما صنعه لإصلاح هذا الجانب الخطير من التشريع : أن وضع جملة من المبادئ التشريعية ، جعلها الرَّكائز التي يقوم عليها أمر الحلال والحرام ، فرد الأمور إلى نصابها ، وأقام الموازين القسط ، وأعاد العدل والتوازن فيما يُحِل وما يُحَرِّم . وبذلك كانت أمة الإسلام ـ بين الضالين والمنحرفين يمينا وشمالا ـ أمة وسطًا ، كما وصفها الله الذي جعلها "خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ"(آل عمران:110).
1- الأصل في الأشياء الإباحة
كان أول مبدأ قرره الإسلام : أن الأصل فيما خلق الله من أشياء ومنافع ، هو الحِلُّ والإباحة ، ولا حرام إلا ما ورد نصٌّ صحيح صريح من الشارِع بتحريمه ، فإذا لم يكن النص صحيحًا ـ كبعض الأحاديث الضعيفة ـ أو لم يكن صريحا في الدِّلالة على الحُرمة ، بقي الأمر على أصل الإباحة .
وقد استدل علماء الإسلام على أن الأصل في الأشياء والمنافع الإباحة ، بآيات القرآن الواضحة من مثل قوله تعالى : "هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا"(البقرة:29) . "وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ"(الجاثية:13) . "أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً"(لقمان:20).
وما كان الله سبحانه ليخلق هذه الأشياء ويسخرها للإنسان ويمن عليه بها ، ثم يحرمه منها بتحريمها عليه!! كيف وقد خلقها له ، وسخرها له ، وأنعم بها عليه؟!
وإنما حَرَّم جزئيات منها لسبب وحكمة سنذكرها بعد .
ومن هنا ضاقت دائرة المُحَرَّمات في شريعة الإسلام ضيقا شديدا ، واتسعت دائرة الحلال اتساعًا بالغًا . ذلك أن النصوص الصحيحة الصريحة التي جاءت بالتحريم قليلة جدًّا ، وما لم يجئ نصٌّ بِحِلِّه أو حُرمته ، فهو باق على أصل الإباحة ، وفي دائرة العفو الإلهي .
وفي هذا ورد الحديث : ما أحل الله في كتابه فهو حلال ، وما حرم فهو حرام . وما سكت عنه فهو عفو . فاقبلوا من الله عافيته ، فإن الله لم يكن لينسى شيئا ، وتلا : "وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا"(مريم:64)(8).
وعن سلمان الفارسي : سُئل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن السمن والجبن والفراء فقال : الحلال ما أحل الله في كتابه ، والحرام ما حرم الله في كتابه ، وما سكت عنه فهو مما عفا لكم(9). فلم يَشَأ عليه الصلاة والسلام أن يجيب السائلين عن هذه الجزئيات ، بل أحالهم على قاعدة ، يرجعون إليها في معرفة الحلال والحرام ، ويكفي أن يعرفوا ما حرم الله ، فيكون كل ما عداه حلالا طيبًا .
وقال (صلى الله عليه وسلم) : إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها ، وحد حدودا فلا تعتدوها ، وحَرَّم أشياءَ فلا تنتهكوها ، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها(10).
وأحب أن أنبه هنا على أن أصل الإباحة لا يقتصر على الأشياء والأعيان ؛ بل يشمل الأفعال والتصرفات التي ليست من أمور العبادة ، وهي التي نسمِّيها (العادات أو المعاملات) فالأصل فيها عدم التحريم وعدم التقييد ، إلا ما حرمه الشارع وألزم به . وقوله تعالى : "وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ" (الأنعام:119) . عام في الأشياء والأفعال .
وهذا بخلاف العبادة ، فإنها من أمر الدين المحض الذي لا يُؤخذ إلا عن طريق الوحي . وفيها جاء الحديث الصحيح : مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رَدٌّ(11).
وذلك أن حقيقة الدين تتمثل في أمرين : ألا يُعبد إلا الله ، وألا يُعبد الله إلا بما شرع ، فمن ابتدع عبادة من عنده ـ كائنا من كان ـ فهي ضلالة تُرَدُّ عليه ، لأن الشارع وحده هو صاحب الحق في إنشاء العبادات التي يتقرب بها إليه .
وأما العادات أو المعاملات ، فليس الشارع منشئًا لها . بل الناس هم الذين أنشؤوها ، وتعاملوا بها ، والشارع جاء مصححا لها ومعدلا ومُهذِّبا ، ومُقرًّا في بعض الأحيان ما خلا عن الفساد والضَّرر منها .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : (إن تصرفات العباد من الأقوال والأفعال نوعان : عبادات يصلح بها دينهم ، وعادات يحتاجون إليها في دنياهم ، فباستقراء أصول الشريعة نعلم أن العبادات التي أوجبها الله أو أحبها ، لا يثبت الأمر بها إلا بالشَّرع .
وأما العادات فهي ما اعتاده الناس في دنياهم مما يحتاجون إليه . الأصل فيه عدم الحظر . فلا يحظر منه إلا ما حظره الله سبحانه وتعالى . وذلك لأن الأمر والنهي هما شرع الله ، والعبادة لا بد أن تكون مأمورًا بها ، فما لم يثبت أنه مأمور به ، كيف يحكم عليه بأنه محظور؟!
ولهذا كان أحمد وغيره من فقهاء أهل الحديث يقولون : إن الأصل في العبادات التوقيف ، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله وإلا دخلنا في معنى قوله تعالى : "أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ" (الشورى:21).
والعادات الأصل فيها العفو ، فلا يحظر منها إلا ما حرمه الله ، وإلا دخلنا في معنى قوله : "قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا"(يونس:59) .
وهذه قاعدة عظيمة نافعة ، وإذا كان كذلك فنقول : البيع والهبة والإجارة، والمزارعة والقرض والمضاربة ، والشركة والحوالة والوكالة ، وغيرها من العادات التي يحتاج الناس إليها في معاشهم ـ كالأكل والشرب واللباس ـ فإن الشريعة قد جـاءت فـي هـذه العادات بالآداب الحسنة ، فحرمت منـهـا ما فيه فساد ، وأوجبت ما لا بد منه ، وكرهت ما لا ينبغي ، واستحبت ما فيه مصلحة راجحة ، في أنواع هذه العادات ومقاديرها وصفاتها .
وإذا كان كذلك ، فالناس يتبايعون ويستأجرون كيف يشاءون ، ما لم تحرم الشريعة ، كما يأكلون ويشربون كيف شاءوا ، ما لم تحرم الشريعة ـ وإن كان بعض ذلك قد يستحب ، أو يكون مكروهًا ـ وما لم تحد الشريعة في ذلك حدًّا ، فيبقون فيه على الإطلاق الأصلي)(12).
ومـمـا يـدل على هـذا الأصـل المذكور ما جاء في الصحيحين ، عـن جـابـر ابن عبد الله قال : كنا نعزل والقرآن ينزل ، فلو كان شيء ينهى عنه لنهى عنه القرآن(13).
فدل على أن ما سكت عنه الوحي غير محظور ولا مَنهيٍّ عنه ، وأنهم في حِلٍّ من فعله حتى يرد نص بالنهي والمنع . وهذا من كمال فقه الصَّحابة رضي الله عنهم . وبهذا تقررت هذه القاعدة الجليلة : ألا تشرع عبادة إلا بشرع الله ، ولا تحرم عادة إلا بتحريم الله .
2- التحليل والتحريم حق الله وحده
المبدأ الثاني : أن الإسلام حدد السلطة التي تملك التحليل والتحريم ، فانتزعها من أيدي الخلق ، أيًّا كانت درجتهم في دين الله أو دنيا الناس ، وجعلها من حق الربِّ تعالى وحده . فلا أحبار أو رهبان ، ولا ملوك أو سلاطين ، يملكون أن يحرموا شيئًا تحريمًا مؤبدًا على عباد الله .
ومن فعل ذلك منهم فقد تجاوز حدَّه ، واعتدى على حق الربوبية في التشريع للخلق ، ومن رضي بعملهم هذا واتبعه فقد جعلهم شركاء لله ، واعتبر اتباعه هذا شركا : "أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ"(الشورى:21) .
وقد نعى القرآن على أهل الكتاب (اليهود والنصارى) الذين وضعوا سلطة التحليل والتحريم في أيدي أحبارهم ورهبانهم ، فـقـال تعـالـى فـي سـورة التوبة : (التوبة:31) .
وقد جاء عدي بن حاتم إلى النبي (صلى الله عليه وسلم)ـ وكان قد دان بالنصرانية قبل الإسلام ـ فلما سمع النبي(صلى الله عليه وسلم)يقرأ هذه الآية : ، قال : يا رسول الله ، إنهم لم يعبدوهم ، فقال : =بلى ، إنهم حرَّموا عليهم الحلال ، وأحلُّوا لهم الحرام فاتَّبعوهم!! فذلك عبادتهم إياهم.
وفي رواية أن النبي(صلى الله عليه وسلم)قال تفسيرا لهذه الآية : =أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم ، ولكنهم كانوا إذا أحلُّوا لهم شيئا استحلُّوه ، وإذا حرَّموا عليهم شيئا حرَّموه(14).
ولا زال النصارى يزعمون أن المسيح أعطى تلامذته ـ عند صعوده إلى السماء ـ تفويضا بأن يحللوا ويحرموا كما يشاءون ، كما جاء في إنجيل متى (18 : 18) (الحق أقول لكم ، كل ما تربطونه على الأرض يكون مربوطا فـي السماء ، وكـل ما تحلونه على الأرض يكون محلولا في السماء) .
كما نعى على المشركين الذين حرموا وحللوا بغير إذن من الله . قال تعـالـى : "قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ"(يونس:59).
وقال سبحانه : "وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ"(النحل:116) .
ومن هذه الآيات البينات ، والأحاديث الواضحات عرف فقهاء الإسلام معرفة يقينية أن الله وحده هو صاحب الحق في أن يحل ويحرم ، في كتابه أو على لسان رسوله ، وأن مهمتهم لا تعدو بيان حكم الله فيما أحل وما حرم (الأنعام:119) وليست مهمتهم التشريع الديني للناس فيما يجوز لهم وما لا يجوز . وكانوا ـ مع إمامتهم واجتهادهم ـ يهربون من الفتيا ، ويحيل بعضهم على بعض ، خشية أن يقعوا ـ خطأ ـ في تحليل حرام أو تحريم حلال .
روى الإمام الشافعي في كتابه (الأم) عن القاضي أبي يوسف صاحب أبي حنيفة قال : (أدركت مشايخنا من أهل العلم يكرهون الفتيا ، أن يقولوا : هذا حلال وهذا حرام إلا ما كان في كتاب الله عز وجل بينا بلا تفسير .
حدثنا ابن السائب عن الربيع بن خثيم ـ وكان من أفضل التابعين ـ أنه قال : إياكم أن يقول الرجل : إن الله أحل هذا أو رضيه ، فيقول الله له : لم أحل هذا ولم أرضه! أو يقول : إن الله حرم هذا ، فيقول الله : كذبت ، لم أحرمه ولم أنه عنه+.
وحدثنا بعض أصحابنا أنهم كانوا إذا أفتوا بشيء أو نهوا عـنـه قالوا : هـذا مكروه ، وهذا لا بأس به ، فأما أن نقول : هذا حلال وهذا حرام فما أعظم هذا)(15)!!
هذا ما نقله أبو يوسف عن السلف الصالح ، ونقله عنه الشافعي وأقره عليه ، كما نقل ابن مفلح عن شيخ الإسلام ابن تيمية : أن السلف لم يطلـقـوا الـحـرام إلا على ما علم تحريمه قطعا(16).
وهـكـذا نـجـد إمـامـا كـأحـمـد بـن حنـبـل يُسأل عـن الأمـر فيقول : أكرهه أو لا يعجبني ، أو لا أحبه ، أو لا أستحسنه .
ومثل هذا يُروى عن مالك ، وأبي حنيفة وسائر الأئمة رضي الله عنهم(17).
3- تحريم الحلال وتحليل الحرام قرين الشرك بالله
وإذا كان الإسلام قد نعى على من يحرمون ويحللون جميعا ، فإنه قد اختص المحرمين بحملة أشد وأعنف ، نظرا لما في هذا الاتجاه من حجر على البشر ، وتضييق لما وسَّع الله عليهم بغير موجب ، ولموافقة هذا الاتجاه لنزعات بعض المتدينين المتنطعين .
وقد حارب النبي (صلى الله عليه وسلم) نزعة التَّنطع والتشدد هذه بكل سلاح ، وذم المتنطعين وأخبر بهلكتهم إذ يقول : ألا هلك المتنطعون ، ألا هلك المتنطعون(18).
وأعلن عن رسالته فقال : بعثتُ بالحنيفية السمحة(19). فهي حنيفية في العقيدة والتوحيد ، سمحة في جانب العمل والتشريع .
وضد الأمرين الشرك وتحريم الحلال ، وهما اللذان ذكرهما النبي (صلى الله عليه وسلم) فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى أنه قال : =إني خلقت عبادي حنفاء ، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم ، وأَمَرتهم أن يُشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا+(20).
فتحريم الحلال قرين الشرك ، ولهذا شدد القرآن النكير على مشركي العرب في شركهم وأوثانهم ، وفي تحريمهم على أنفسهم من الطيبات ، من أنواع الحرث والأنعام ما لم يأذن به الله ، ومن ذلك تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي .
فقد كانوا في الجاهلية إذا ولدت الناقة خمسة أبطن ـ آخرها ذكر ـ شقوا أذنها ومنعوا ركوبها ، وتركوها لآلهتهم ، لا تُنحر ولا يُحمل عليها ، ولا تُطرد عن ماء أو مرعى ، وسموها (البحيرة) أي مشقوقة الأذن .
وكان الرجل إذا قدم من سفر ، أو بَرَأ من مرض أو نحو ذلك سيب ناقته وخلاها ، وجعلها كالبحيرة ، وتسمى (السائبة).
وكانت الشاة إذا ولدت أنثى فهي لهم ، وإذا ولدت ذكرا فهي لآلهتهم ، وإن ولدت ذكرا وأنثى قالوا : وصلت أخاها ، فلم يذبحوا الذَّكر لآلهتهم ، وتسمى (الوصيلة) .
وكان الفحل إذا لقح ولد ولده قالوا : قد حمى ظهره ، فلا يُركب ولا يُحمل عليه ، ويسمى (الحامي) . . . إلخ . وفي تفسير هذه الأربعة أقوال كثيرة تدور حول هذا المحور .
أنكر القرآن عليهم هذا التحريم ، ولم يجعل لهم عذرا في تقليد آبائهم في هذا الضلال "مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (103) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ" (المائدة:103،104).
وفي سورة الأنعام مناقشة تفصيلية لما زعموا تحريمه من الأنعام ، من إبل وبقر وضأن ومعز ، ساقها القرآن في أسلوب تهكمي ساخر ، ولكنه مفحم : "ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (143) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ" (الأنعام:143،144).
وفي سورة الأعراف مناقشة أخرى ، ينكر الله فيها على المحرِّمين ، ويبين فيها أصول المحرمات الدائمة : "قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ" (الأعراف:32).
"قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ" (الأعراف:33).
وهذه المناقشات في السُّور المكية ، التي تعنى دائما بإثبات العقيدة والتوحيد والآخرة ، تدلنا على أن هذا الأمر ـ في نظر القرآن ـ ليس من الفروع والجزئيات ، وإنما هو من الأصول والكليات .
وفي المدينة ، ظهر بين أفراد المسلمين من يميل إلى التشدد والتزمت ، وتحريم الطيبات على نفسه ، فأنزل الله تعالى من الآيات المحكمة ما يقفهم عند حدود الله ، ويردهم إلى صراط الإسلام المستقيم : "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ" (المائدة:87،88).
وأوقفهم المنهج الإسلامي عند حد التوازن ، الذي تقوم عليه (الوسطية الإسلامية) الإيجابية التي تقوم على التيسير في العمل ، والتبشير في الدعوة ، كما قال النبي (صلى الله عليه وسلم) : يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا(21).
وقال : إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين(22).
وهو ينطلق من تأكيد القرآن على التيسير ، وتحذيره من التعسير :
"يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ " (البقرة:185)
"يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ۚ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفً" (النساء:28)
"وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ" (الحج:78)