eKtab
EN ع
الحلم والتوق إلى الحرية
Read free sample

الحلم والتوق إلى الحرية

by عبد الله زاقوب

Page 1

تقديــم

إن الأدب الحق هو الذي يعمّق فهم الإنسان لواقعهِ وتناقضاته أو يجدّد وعيه وتصوراته للأشياء والظواهر ، ويكشف عن حقيقة العلاقة بين الذات والعالم من جهة وعلاقة الذات بالمجتمع لأن الأدب – في جوهره – رؤية تأملية عميقة تتجاوز سطحية الأشياء وهشاشة الحياة اليومية التي كثيراً ما يشوهها ضباب علاقات وقيم ترسبت عبر عصور سحيقة وتوارثتها الأجيال جيلاً بعد جيل ، مما يسمح لنا بوصف تلك العلاقات والقيم ، بأنها ذات طبيعة آلية / لا شعورية تعمل على غير ما وعي منا ، ولذا فإنها كثيراً ما تكون عوامل كبح وتأجيل تكبل الوعي الطموح مقيدة إياه إلى صخرة ، التحجر والجمود ، ولعل هذه الجدلية هي التي تكوّن نواة الصراع الثقافي في كل المجتمعات ، بين هيمنة القديم بكل ترسباته المتموضعة في الذاكرة الاجتماعية المهيمنة من جهة ونزعات الانفتاح والتحرر من أوزار القديم وانغلاقه ، انسجاماً مع مجتمع توّاق إلى التقدم والانطلاق نحو تحولات ثقافية وحضارية شاملة.
إن تلك التناقضات إذا ما تفاقمت وتراكمت إلى حدٍ تصبح فيه الذات الواعية عاجزة عن حلها أو التصالح معها ، فإن نزعة الحرية والتطلّع إلى تخطّي رثاثة القيم والتقاليد تصبح يوتوبياً / حلماً ذا طبيعة تحويلية ، لا تني تبحث – من أجل تحققها عن مسارب شتى.
إن الحلم حينها يصبح عالماً متحرراً خالياً من مظاهر القمع والكبت والإقصاء ، وهذا ما تحاول هذه النصوص المحلقة في عوالم (الحلم/ والتوق إلى الحرية) الكشف عن آلياته الاجتماعية والثقافية الجدلية بأستغوار نصوص أدبية / قصصية وشعرية ورؤى إنسانية طامحة إلى التسامي على ما هو يومي وسطحي وضئيل.
إن تلك الالتماعات الفكرية التي أحتوتها السطور السابقة ليست سوى نثارات ضوئية يذرها ذلك البريق الخالب الذي تشع به نصوص (الحلم/ التوق إلى الحرية) التي دبّجها قلم شاعر متميز من شعراء مدينة هون ، المدينة التي مازالت غاضبة / يقظة بتاريخها المثقل بالإبداع والمبدعين ، كنخيلها السامق المثقل بثمار الخير وكرم النفس والكرامة فلا غرابة – إذن – أن يفاجأنا الكاتب عبدالله زاقوب ، وقد عرفناه شاعراً رؤيوياً عميق النظرة واسع الأفق ، متعدد منابع المعرفة – بهذا الحشد من الأفكار والرؤى والمشاعر الصادقة المفعمة بأصالة الحس التاريخي الوطني والإنساني ، لقرائه مواقف واشكاليات معاصرة هي جوهر الوجود الإنساني وبؤرة تناقضاته ، إنها إشكالية الحرية ، ذلك النزوع الأبدي إلى السمو والارتقاء الوجودي.
إنها نصوص أدبية / نقدية حالمة توّاقة ، بل هي همسات قارئة تحاول إيقاظ نصوص إبداعية أخرى – راقدة تحت دِثارها اللغوي – من سباتها ، في ضوء قراءة تأويلية متعمقة ، تطمح إلى ترويض دلالات النصوص المقروءة الجامحة ، في براري الحياة الإنسانية الشاسعة وتخومها القصية ، وهي قراءات تتموضع في أشكال تعبيرية بالغة العمق ، تتنوع بين الأساليب القصصية والشعرية والمقالية والرؤى الفكرية لتعبّّر عن هموم الإنسان العربي في مكابداته وحلمه في تحقيق إنسانيته الحقّة .
ومن هنا فإن نصوص (الحلم / والتوق إلى الحرية) على الرغم مما يبدو عليها من طابع نثري ، إنما هي نثرية تستحمّ في فضاءات رؤيةِ شاعر تمرّس الكتابة وكابد معانات الإبداع واحترقتْ أصابعه في موقد الشعرية الصادقة ، بوصفها معاناةً إنسانية عميقة وليست ترفاً ثقافياً ذلك لأن الإبداع المنتمي إلى الإنسانية هو "تحويل الدم إلى حبر" بتعبير ت.س إليوت.
مسلم حسب حسين
كلية الآداب / هون
Page 2

مراجعات في القصة الليبية

تحولات النص
من نص الحرية / إلى حرية النص.

الحرية وعملية الإبداع

تشكل الحرية هماً أساسياً، وهاجساً محورياً، لكتاب القصة في ليبيا منذ بدايات روادها الأوائل، وحتى يومنا هذا، ذلك أن الكتابة في غيرها وعن غيرها، خاصةً، في مطلع الخمسينات وأوائل الستينات، كان يعد ترفاً في غير محله.
تتموضع الحرية المعنية، بصورها، وتشكلاتها المتعددة، من الحرية المرادفة للاستقلال ومحاربة الأجنبي، في أنماط توجهاته، والتي تفضي بالتالي إلى الحرية الاقتصادية ومن ثم إلى حرية التعبير والشكل الديمقراطي والذي يعني في نهاية المطاف "غاية الحرية".
تتجلى الحرية، في أشكال أخرى، في العديد من القصص، حين أخذت التنمية تعدل من أنماط العيش، في اليومي المعيش، من طرق التعليم والتعلم إلى التحول الإنتاجي والاستهلاكي، والذي ألغى بدوره وعدّل كثيراً من سلوكيات وطرائق الحياة، خلال الأربعين سنة الماضية.
كما أن الطفرة التي حدثت من خلال التغير في المداخيل، والانفتاح على أنماط وأساليب اجتماعية جديدة، استوقفت الكتاب باعتبارهم الطليعة التقدمية التي لا خيار أمامها، سوى الريادة وهي بمثابة البوصلة، والموجه للمجتمع.
وجد الكتّاب أنفسهم، أمام كم هائلٍ من المفاهيم البالية والمعتقدات والاعتقادات القديمة، جراء الانغلاق والتفوقع الذي لازم المجتمع الليبي طوال الحقب والعقود الماضية.
أخذت القصص التي تناولت الحرية بمفهومها العام، أشكالاً كثيرةً بدءاً من النضال ضد الأجنبي، بمحاربته، وعدم التعامل معه والتشبث بالقيم الحضارية، ممثلة في التمسك بالدين واللغة.
حين أخذ المحتل ينشر لغته ظناً منه أنه بذلك يستطيع احتلال العقول، وأن يبسط مفاهيمه، وأفكاره التي ما أنفك يحارب من أجل ترسيخها , لكن الشعب الذي دفع الكثير من أبنائه شهداء، ثمناً لتلك الحرية لم يستكن كما ظن المحتل. فراح يبدي من صنوف المقاومة في شكل عملياتٍ فدائيةٍ مسلحةٍ إلى الإضراب العام والمظاهرات والمصادمات، وحتى العصيان المدني، مستلهماً في ذلك نضال الثورات التي عمت المنطقة العربية، وأفريقيا وآسيا وموجة التحرر التي بلغت ذروتها عقب الحرب الكونية الثانية، وبانبثاق رياح التغيير التي صاحبت ذلك والمنادية بالتحرر والاستقلال وإزالة القواعد الأجنبية الجاثمة على التراب الليبي آنذاك، كل ذلك كان له بالغ الأثر، في نفوس الكتاب الذين دعوا أو حرضوا من خلال أشعارهم وكتاباتهم إلى مناهضة المستعمر والتحرر من هيمنته كما كانت الثورة على التخلف الاجتماعي المعيش هماً من هموم المبدعين وهاجساً لا محيد لهم عنه، فلقد كان العديد من السلوكيات الاجتماعية مثلاً عليا مقدسة ومحرماتٍ لا مجال للمساس بها، ترسّخت عبر الأجيال، دعا الكتاب إلى تحطيمها بالثورة عليها وبناء علاقاتٍ جديدةٍ على أنقاضها.
صاحب هذه الدعوات توجه إلى التعقل، والتفكير المنطقي بالعودة إلى الحرية الشخصية "الفردية" وحرية اتخاذ القرار، إلى المسئولية الفردية، واحترام الآخر في أن يكون مخالفاً في الرأي، والاتجاه نحو احترام الذات المكونة للرأي العام والمسئولية الجمعية الجماعية. تراوح نتاج الكتاب والمبدعين بين الشعر والمقالة، والقصة، والدراسة النقدية، فكانت الحرية القاسم المشترك بين كل هذه الإبداعات، بدأ ذلك مباشراً في المقالة ومزاوجاً بين الرمز والوضوح في النص الشعري والقصصي.
إن النص الداعي للحرية والمحرض عليها تشكل بوعي المبدعين، من أن الحرية ليست هاجساً فحسب، بل هي مسئولية قبل كل شئ تنبع من الذات، ثم هي في المقابل ضرورة ملحة للمبدع كي ينتقل إلى فضاء النص ليبدع ويتألق متمرحلاً مع التطور المصاحب والمتأتي من خلال الانقلاب المتسارع والحاصل في دنيا المعرفة مستفيداً من علوم العصر والتقنية، ومنجزات عالم الاتصال وبتشكيل الوعي المعرفي العام وبروز نظرياتٍ نقدية، وفلسفة تحليلية، صار محتماً على الكتاب استلهام هذه التوجهات المعرفية بالاستفادة منها ومواكبة روح العصر.
ومن خلال انغماس الكتاب ومعايشتهم اليومية لهذا التطور الحاصل في المرادف الاجتماعي ومتابعتهم الفاحصة الواعية لهذه التبدلات والتحولات الهادئة أحياناً والعنيفة في أحيانٍ أخرى. طرأ التحول الكبير في النص من المناداة بالحرية إلى التماهي فيها والتحول إلى إبداع النص المتحرر من الأشكال الجاهزة والقوالب التقليدية الجامدة.
كما أن انتشار العديد من المدارس والنظريات الأدبية الجديدة، والانفتاح على الآداب العالمية، وصدور العديد من المجلات الأدبية المتخصصة في الأقطار العربية الأثر الكبير في القفزة التي صاحبت النص الداعي للتحرر من المدارس والاتجاهات الأدبية السائدة والتي نادت بالرقي بالنص والانفتاح على مناخات وفضاءات أدبية جديدة.
في هذا الصدد نلحظ أن ثمة نقاط تلاقٍ، ونقاط افتراق بين الملامح العامة لنص الحرية وحرية النص. فالنص في الحالتين يشكل المنطلق والقاعدة، فهنا نقطة التلاقي أي أن النص هو القاسم المشترك بينهما.
أما محور القطيعة والاختلاف والتباين، فهي الحرية. فالحرية في الحالة الأولى أي النص المعتمد عليها كمادة وخميرة أولية له، وهي المبتغى، ومحور الارتكاز للعمل الإبداعي وغاية الخطاب للنص.
بالتمعن والتدقيق في النص المعتمد على الحرية كمادة أوليةٍ ومرجعية، تأصيلية نجد أن الإتكاء على الماضي والتاريخ والموروث الحكائي والقصصي كان له بالغ الأثر في البناء والشخوص، وكذا على مستوى الزمن الداخل في النص حيث أن الزمن الماضي، هو الزمن المطاوع والأقرب إلى الذات حيث يسهل الاغتراف منه والعودة إليه. وفي أحيانٍ كثيرةٍ يكتفي بالإشارة والتلميح أو التضمين وإضفاء ملامح من شخصيات نمطية وأسطورية ماضوية على العمل الإبداعي. وشكل الواقع الاجتماعي وتبدلاته، أثراً عميقاً في منحنى القصة الليبية في مطلع الخمسينات والستينات، وحملت العديد من المجموعات القصصية التي صورت تلك المرحلة سمات وهموم المجتمع الليبي، مبرزةً سلبياته ومعوقات نموه وتطوره.
Page 3

الواقعية وأثرها على النص

فها هو الأستاذ كامل المقهور يُصدّر لإحدى المجموعات القصصية بقوله: "ما من شبهة في أن أعظم خدمة قدمت لشكل الأدب الليبي ومعرفة شبابه بالواقعية...."1
ومسترسلاً في نفس الافتتاحية :"فبرزت على الخصوص في أدبه مشاكل الشباب والتعليم، مشاكل العامل والفقير والطبقات الاجتماعية المقهورة...2.
ارتكزت القصة القصيرة، لدى معظم كتابها في البدايات، على الواقعية وشكـّل البطل أو " النموذج " الواقعي سمة قصص تلك المرحلة دون أن يتجاوزه أو يتخطاه، إلا ما ندر ولفترة ليست قصيرة حتى أننا نستطيع القول، بأنه أخذ شكل النمط أو النموذج، كما أنه في الإطار الاجتماعي، ينهض " النموذج " لمحاربة الواقع الاجتماعي والتي كانت قاعدته تشكل المثلث المهين / الفقر، الجهل والمرض الذي ورثه نتيجة للتخلف العام. جراء الاحتلال والذي أبقى على ما هو موجود، من نمط اقتصادي بدائي ومترهل، وذلك أن عموده الفقري ؛ اقتصاد زراعي فقير، يفتقد للأرضية التي يقف عليها وغياب أو انعدام كامل للتخطيط والآلية.
أن التطور الذي طرأ على النص الأدبي إجمالاً والقصصي على وجه الخصوص لم يكن من اليسر والبساطة التي نتناوله بها.
لكن ذلك أخذ زمناً ليس بالقليل وتشكل ببطءٍ وتدرج رائعين على صعيدي الشكل والمضمون، ومن حيث مرجعية الأساليب والأدوات وانتقاء الشخوص والنماذج والشرائح، وتبدل الانتماءات وتغيير المواقع والتقنيات التي استعملت النصوص والإبداعات والتي طرحت للقراءة بالصحف والدوريات أو المجاميع القصصية.
ومع أن العملية النقدية لم تكن بالمستوى المطلوب منها دائماً بالنسبة للكم المطروح من الأعمال الإبداعية القصصية، وإن جاءت تلك الدراسات والمعالجات، جاءت متباعدةً وفي أغلب الأحيان مسحاً شمولياً ومتعجلاً.
وعلى فترات برزت العديد من الأصوات القصصية الرائعة والمبدعة والتي تمكنت من أدواتها الفنية وقوبلت في حينها بالترحاب وأشاد بها النقاد، ولكنها توارت في الظل، أو ظلت على هامش الحياة الثقافية، تراقب وتنشر بين الحين والآخر بعضاً من نتاجها وعلى فترات متباعدة تحت وطأة وإلحاح الأصّدقاء والمهتمين.

تحولات النص

ولكن لابد لنا من أن ندرك بأن الجديد لابد وأن يولد من رحم القديم غالباً وكنتيجة حتمية، للتطور الذي طرأ على النص، وإن على مستوى النص الذي تشكل الحرية نسغه ولحمته، وعموده الفقري، أدّى بالتدريج إلى الثورة في داخل النص نفسه، بالتغير في المستوى اللغوي، اللفظي، الأسلوبي، البنائي إلى انتقاء وانتخاب النماذج والحالات، وفضاءات النصوص الجديدة والتحرر في المعالجات بالإنقلاب في استعمال اللغة الشعرية.
وللأستاذ "خليفة التليسي" رأي في هذا الاتجاه مفاده : "إنّ القصة ليست بعيدةً عن الشعر وأنّ القصّاص شاعرُ أعمق إحساساً وأوسع إدراكاً"3.
كما كان لتوجه كتاب القصة نحو التجريب، والإطلاع على ما تم استحداثه من أساليب جديدة في المعالجة، بالتحرر من الشكل الحكائي السردي، والذي أفرد بظلاله على بدايات تشكّل القصص الأولى في ليبيا وصاحَبَ هذه المحاولات التجريبية في القصة العديد من الدعوات للثورة على الأنماط القديمة والتمرد عليها، حيث يرى الأستاذ / يوسف القويري. "إننا في مواجهةٍ مستمرةٍ وقاسيةٍ مع العصر الحديث، وهذه المواجهة تستفزنا للتغيير..."4
كما يستفزنا الأستاذ/ خليفة التليسي، بدعوته للتمرد والتغيير بقوله :-
" ألا ترون أننا في حاجةٍ إلى أن نتمرّد، ولو قليلاً على هذا القيد، هذا العقل وأن نمنح لذواتنا مزيداً من الحرية، في التعبير عنّا..." 5
لاقت هذه الدعوات، المنادية بالانفلات من ربقة القديم، والدّاعية إلى الثورة على السائد، الإستاتيكي بتخطيه بالتعبير عن الذات والبوح بالمكنون، والحلم بالغد، وكل ما هو إنساني جميل، ورائع. تجدر الإشارة إلى أنّ النقلة النوعية التي حصلت للقصة القصيرة تبدّت مع مطلع جيل السبعينات، ومخضرمي الستينات إن جاز التقسيم. وما تلى ذلك من استعمال واستحداث أساليب جديدة في المعالجة بالتكثيف في اللغة، والتدوير في النص " باستعمال النهايات بدايات والعكس "وبإدخال التداعي "الفلاش باك" والإستحضار واستعمال ألفاظ ومفاهيم التحليل النفسي ونقد الذات، واعتماد الحلم والبوح والإغتراف من علوم التشريح، والطب النفسي.
وبرز بشكلٍ ملحوظٍ استعمال أساليب الإيحاء، والإيماء، والتأويل والاستبطان في الأعمال القصصية، وذلك باستبطان نفسيات الشخوص "نموذج الإنسان المعاصر".
على ضوء ما استجد في العلوم العصرية. كما تمت الاستفادة من مستجدات المسرح على مستوى الصوت والضوء والحوار "الديالوج" وأثّر ذلك تأثيراً مباشراً في المعالجات القصصية من حيث الشكل والمضمون. نلحظ ذلك في انبثاق وتفجر ووضوح التجربة الذاتية مما أكسب هذا النص غنىً وشاعرية أتاح له الغوص في الأعماق البشرية.
Page 4
ما ذكر أفضى للبوح عن مكنونات ودخائل الذات الإنسانية بمحاورتها والتعبير عما هو محرم عليها البوح به، باعتماد "المونولوج" الداخلي والتداعي للشخوص والأحداث والمواقف والأزمنة، كل ذلك أعان كتاب القصة، لإبتداع أنماط قصصية خالية من السرد الميت، المحنط، ومتحررين من القوالب الجاهزة، التي صبت فيها القصة النمطية التقليدية.
تمثل النص والذي نعتناه بـ (نص الحرية)، الواقع، وعبر عنه بصدق وشكـّل هويته، والمرجعية التي أغترف منها مادته وشخوصه، ونماذجه واستلهم لغته اليومية.
ولكن بعض الكتاب والمبدعين الذين تبنوا هذا الإتجاه، وعبروا عنه وكتبوا هذا النص، والذي تمثل في مجموعات خليفة التكبالي "تمرد" وأحمد إبراهيم الفقيه "البحر لا ماء فيه"، و "أربطوا أحزمة المقاعد"، ويوسف الشريف "الجدار" وكامل المقهور "14 قصة من مدينتي"، وعبدالله القويري "الزيت والتمر"........ الخ
على سبيل المثال.. استطاعوا أن يطوروا من مضامينهم، واللغة التي استعملوها في التناول والمعالجة، في كتاباتهم التي تلت ذلك فجاءت حافلة ومشحونة بمضامين جديدة وأكثر طزاجة وشاعرية، كما أنهم خرجوا من أسر الزقاق.
والشارع والمحلية الموغلة، فأتت أعمالهم الجديدة أكثر نضجاً محملة بشحناتٍ إنسانية، كإفراز طبيعي للعوامل التي سبق ذكرها، والإشارة إليها.
فبقراءة متأنية وواعية، لمجموعة "الجدار" للأستاذ يوسف الشريف و"البحر لا ماء فيه" للأستاذ أحمد الفقيه، نجد أنهما تمثلان النص الأول. فمجموعتاهما القصصيتان تصوران الواقع اليومي المعيش، في تلك المرحلة كما أنهما ولكل لغته، ومضامينه ودلالاته، وأسلوبه الخاص وإن اتفقا في العرض والمعالجة وانتقاء النماذج إلى حدٍ ما، نراهم في كتاباتهم اللاحقة يؤسسان بناءاً في غاية الجدّة، وينحتان مفرداتهما نحتاً، من كون شعري موغلٍ في البوح والتوق الإنساني نحو الخلاص وتحرير الذات. تمثّل هذا التحول على صعيدي اللغة، والنماذج والأحداث "إنّ الشيء لا يعنيني في حد ذاته وما يعنيني هو الدلالة، خلف هذا الشيء " 6.
إنّ سرعة التحولات والتبدّلات، الطارئة والمذهلة في آن والإيقاع اليومي الدفاّق وتناسخ العديد من المعتقدات وتباين هشاشتها وتساقط الكثير من المثل العليا والمعتقدات والعقائد، والتي كان يُنظر إليها في الماضي كثوابت، وأنماط كمناهج، "ايديولوجية" سياسية وثقافية، ثبت زوالها، وأصبح من عدم اليقين الركون إليها، وتمثلها، والإغتراف منها وما كان نمطاً، أو مثالاً لم يعد كذلك.
وكذا على مستوى النموذج البشري، الكادح البسيط، الذي تبدّل ولحقه التحول الذي طرأ على مجمل العلاقات الإنسانية، والذي كان يمثل الشريحة الأكثر قرباً للمبدعين، والذي أخذ مساحة لا بأس بها في أعمالهم القصصية وصار التحول إلى الحلم، والفنتازيا، والنزوع إلى معالجة الشرائح الأكثر تأزماً.
والتي أصيبت بالإحباط والإكتئاب لما أصاب المد القومي من نكوص وهزّات وما لحق بالمواطن العربي من هزائم وانتكاسات. وكمحصلة تراتبية للتواتر السريع الذي صاحب إيقاع الحياة الراكضة وعدم قدرة هذه الشرائح على الوصول إلى ما تحلم به. ولإيضاح ذلك نقرأ من مجموعة "امرأة من ضوء" للأستاذ / أحمد إبراهيم الفقيه، لنجدها تمثل هذه المرحلة، مستوعبة ما طرأ على نماذجها من تبدّل وتحول.
فاللغة لم تعد تجسد الواقع وتنقله فقط، بل تحولت وتناسخت لدى الكاتب إلى فسحةٍ من الشعر، فجاءت كمنجم مليء باللآلئ، وينبوع يتفجر بالحب والشاعرية. فحين يهمس لحبيبته قائلاً : "يجب ألاّ ننتبه بما يحدثه ظهور القمر بقطيع الغزلان، ووعول الصحراء وكائنات الغابة وما تحدثه مشاهد الشروق والغروب بغابات النخيل ونوارس البحر، وحقول الحنطة، وجداول الماء القادمة من قمم الجبال الشاهقة وما يحدثه وميض البرق بالفراشات والأشجار، وأعشاش الطيور " 7.
شوق عارم للتوحد بالطبيعة، والإندغام بتجلياتها، وبوح صوفي ينبثق من نفس شفافة عذبة، ومن أجل من يحب، نراه يتجلى ويركب الصعاب فهو العاشق الوله "والمتيم المغرم" ولكنني لو فكرت لما وجدت اسما غير هذا الإسم وسيكون منذ اليوم تميمتي وتعويذتي التي أدخل بها النار فتصير بردا وسلاما واشق بها البحر فيمتد أمامي طريقا وأركب بها الريح، فيصير بساطا أو جوادا " …8
وهو في توقه وتحولاته، من عوالم البشر الأرضية، وانتماءاتهم الطينية يُمنَّي النفس دائماً بالتحول إلى عالم الجن، ذلك العالم الآخر المليء بالطلاسم والأحاجي والروحانيات والمتطهر من أدران البشر، ونقائصهم.
يحيلنا إلى عالم آخر ساحر مشوق غامض وبديع.
"ها هي تطعمني من طعام أهل الجن، وتسقيني من شرابهم، وتأخذني في سياحاتٍ إلى عوالم هؤلاء الناس وتمنحني حباً يغمر حياتي بأمطار الفرح.. " 9
أحبائي / لتسمحوا لي ولنغترف قليلاً من فضاء الأستاذ يوسف الشريف هذا النّحات الوله، الرسام المبدع، الذي ينمق حكاياته وقصصه بأنامل موغلة في الحميمية والتذوق الرهيف، لما يصنع من قصته "آخر الحكايات"، نقتطع هذه العناقيد :-
"…… لم أكن قد رأيت من قبل ولدي هكذا، متورد الخدّين، متوهج النظرات، يتفّجر عنفواناً، ونجوم الفرح الغامر تتلألأ في العينين العسيليتين الصافيتين، والجسد يهتز نشواناً، راقصاً، تمنيت لحظتها لو تكن خالدة لغة الطفولة …" 10
عصفوران هما، كلاهما يحب الآخر، ويتعشّقه، ويحنو عليه، بصدقٍ وشفافيةٍ.. يحلمان بالفضاء الرحب، والتحليق في الأعلى، والتحرر من الأسر والعبودية. الطفل والعصفور مخلوقان من ضوء شفاف، بريء، يتوقان للتوحد بالفضاء. "قفز واندفع كفراشة ربيع طال شوقها لرحيق المروج.." 11
يحيلنا الكاتب في هذا النص، إلى فضاء الشعر وعذوبته، وبتوقه إلى كل ما هو إنساني وإلى شفافية اللغة، وطهرها الأول، وإلى عمق الدلالات الموحية بحلم الإنسان وتوقه الدائم إلى الحرية.
Page 5

النص والزمن البديل

من هذا الفضاء / فضاء الحرية، استمد النص ملامحه وشكـّل مكوناته من الذاكرة المتخيلة، من اليومي، العادي المعاش، من اللامحسوس، اللامرئي من الشعور واللاشعور، من المعقول واللامعقول.
مزيج هذا النص، بين ما هو في اليد وبين الأصابع / وما هو في الفضاء وفوق الشجر. ولى ذلك الزمن الذي كان فيه، تولستوي، وتشيخوف، وجوركي وآخرون نسجوا على منوالهم يصورون فيه الأحاسيس والمواجع البشرية وينقلون نبض الواقع المعاش في كتاباتهم، وحل الزمن البديل الذي تتداخل فيه الأزمنة، وتتسارع فيه المشاعر بين الذاتي والموضوعي والمتخيل والواقعي حيث : "تتكوكب العلاقة بين الفردي، والجماعي، وبين الذاتي والكوني بين المتخيل والواقعي المادي، بين المستويات على اختلافها، وبين ما هو في هذه المستويات، حركة صراعية تنمو بالزمن …"12.
ترى هل تمكنت من قول ما كنت أود قوله، والقول دوما له من الوجوه الكثير والبحث في الكلام يولد المعنى، ولكل معنى دلالته والنص يتطور مع الزمن لغةً ودلالات، والإنسان في بحثٍ دائب ودائم عن الجديد، المبدع الموحي والمتشّبع بالأصالة، والمبشّر بكل ما هو جميل ورائع.
ندوة. القصة القصيرة في ليبيا.
مهرجان المدينة - بنغازي

الجيـاد

مدخل

القصة القصيرة كعالم من عوالم الأدب الرحبة، ذات أبعاد مترامية لا متناهية تعرض وتعالج "القصة" لشرائح بشرية متعددة، ولمناحي الحياة اليومية ولنماذج متعددة الانتماء والهوية الاجتماعية.
وتعرض أيضاً، للمشكل الإنساني العام، كالتي بين الإنسان وقضاياه الحياتية الدائمة التغير والصيرورة، والقاص يحاول بلغته التي كونها، ولملم أحرفها ومفرداتها ضمن تجربته الإبداعية المتنامية، والمتنوعة المشارب والينابيع إذ هي مرتبطة ومنذ البدء بالمواقف التي تعرض له، ورصدا لتفاعلات الناس في الحقل والمصنع، والشارع … واستشرافا للحلم الذي تتطلع إليه المجاميع البشرية بتطلع وحب. ومن ثم يسخر فكره وقلمه لمعالجة هذه الرؤى والأفكار والقضايا برؤيته الناضجة التي صقلتها التجربة والمران في عالم الحرف ودراسة واستيعاب وتمثل الأزمنة، الماضي. والحاضر. والمستقبل. أي الجمع بين هذه الأبعاد الثلاثة، أو تناول كل زمن على حده في تآلف محبب، ديناميكي حركي يسمح به الزمن القصصي.
والقصة، وضمن إطار الحركة التي يتطلبها شخوص العمل القصصي هذا من حيث انتقاؤه، لكنه في أحيان كثيرة يدور الحدث القصصي في زمن واحد أو لحظة واحدة إذ أن الحدث في القصة القصيرة ليس في إمكانه استيعاب شحنة مكثفة من الأزمنة – في مساحة محددة التفاعل. وهو غالباً لا يتجاوز الزمن الواحد، أو يتطلب تكثيفاً حاداً لشحنة من الأزمنة في مساحة عمل وفعل ضيقة.وبالتالي ينعكس هذا التكثيف على الجو العام للعمل القصصي، فتصبح الحركة محدودة لشخوص فكرة العمل القصصي بصورة أشمل، بل قد تتحول إلى دائرة مفرغة من الحركية العابثة، وقد تصل إلى مرحلة من الشلل.
إلا أن الوعي بقيمة الزمن في القصة، ورصد القاص للهموم اليومية الصغيرة التي تعني الكثير بالنسبة لرجل الشارع، ومعالجة القضايا الإنسانية الشمولية في كل مكان من المعمورة.
وتنامى الشخوص، يفرض على القاص، تنامياً وتتابعاً زمنياً في المقابل أي أن القاص لابد له من مزاوجة بين الحدث، وشخوصه في العمل القصصي من البسيط إلى الأعم والأشمل، ومن الماضي إلى الحاضر والمستقبل أو العكس. ولعل دراسة الدكتور محمد غنيمي هلال في كتابه النقد الأدبي الحديث تبيان وافٍ وسخي لهذه النقطة فها هو يقول :
"أما الشخصيات النامية فهي التي تتطور وتنمو قليلاً بصراعها مع الأحداث أو المجتمع فتتكشف للقارئ كلما تقدمت في القصة، وتفاجئه بما تغنى به من جوانبها وعواطفها الإنسانية المعقدة ويقدمها القاص على نحو مقنع فنياً.." 566.
وتحديد موقف أو حدث رئيسي كمحور ترتكز عليه القصة بحيث لا يشعر القارئ بتعدد الأزمنة، وتداخلها، وتمطى الحدث، بل قد يتعداه إلى الشعور بالتفتت والتشتت. وبالمقابل هذا لا يعني تأطير القارئ أو القاص في زمن واحد محدد الأبعاد والمرامي.
ولكن تظل تجربة القاص الغنية- بوعيه واستيعابه للحدث وعرضه للمواقف فقط أو امتلاكه لناصية لغته كمفردة وكجرس / أو من حيث التراكم "الكمي" أو السيطرة عليها بحيث لا تقوده إلى الإسهاب، أو الإطالة أو المباشرة والالتفاف حول الغرض المطلوب دراسته.
أو تدعوه إلى التبسيط للمواقف والأحداث الصغيرة وإيضاحها على حساب الزمن والموقف القصصي – واللغة لكونها زهرة وسيفاً / ماء ونار تتطلب تهيؤاً وتسلحاً بالوعي، والاستعداد النفسي، للولوج إلى عوالم أرحب، وأكثر نضجاً للطرفين كليهما القاص والقارئ. القاص كمبدع للقصة والقارئ كمستوعب لهذا الإبداع ومتفهم له. منذ أمد بعيد، يقارب على العشر سنوات، وأنا أحاول أن أتفرغ لبعض الوقت لتسجيل وتدوين بعض الملاحظات، ولرصد تجربة القاص والأديب صالح عباس، والذي بدأ نشر بواكير أعماله القصصية مع صفحة الضوء الأخضر بصحيفة الأسبوع الثقافي. في حين أنه الآن، يتبوأ مكانة هامة بين جيل القصاصين الشباب، بالساحة الثقافية العربية الليبية. ومنذ ذلك الوقت ومع السنوات الأولى، ومنذ البدايات، شق القاص صالح عباس، طريقه بمفرده عدا بعض الجلسات والمماحكات النادرة مع هذا أو ذاك من الأدباء والكتّاب.
لملم مفرداته، وصاغ تجربته، في معاناةٍ شاقة مع الحرف، تارة يكون واقعياً، وأخرى مغرقاً في الرومانسية، وتارة أخرى يكون عمله جامعاً ومازجاً بين هذه وتلك في بانوراما، ممزوجة بخط درامي غنائي، دون أن يلحظ ذلك.
ولعل أكبر ما يعيب أسلوب صالح عباس، هو الإسهاب، والاسترسال والتمطي والإكثار من الصور، وتفصيص الجزئيات، والإغراق في الوصف، وتبيان المكملات، وتعرية الشخوص، وتفكيك المركبات وأن بدأ في السنوات الأخيرة يتخلص شيئاً فشيئاً من هذه النقيصة المحببة أحيناً.
والمتتبع لكتابات صالح عباس، سيلحظ هذه الغنائية الدائمة في أسلوبه هذه الغنائية، الموسيقية، التي لم تبرح أعماله منذ بدايته الأدبية، لكونه شاعراً غنائياً، فالجرس الموسيقي، يسيطر على مجمل مفرداته، دون قصد أو تعمد منه.
ولعلى لا أبالغ إذا قلت أنني قد قرأت معظم إنتاجه، وخاصة نتاجاته الأولى منها وهذا يسمح لي بأن أطلق بعض الأحكام شبه القطعية، على عمله الذي سوف أتناوله فيما بعد.
Page 6

(*)الجياد

هذا العنوان – وهو عنوان لمجموعة قصصية لم تصدر بعد* ولقد سبق للكاتب أن نشر هذه القصة في مجلة الفصول الأربعة، التي تصدرها رابطة الأدباء والكتاب. كتبت هذه القصة عام 1978م بمدينة البيضاء عندما كان الكاتب طالباً هناك.
الزمان : في العشرينات من هذا القرن، يرصد القاص استبسال قرية جنوبية وتصديها للحملة الفاشية على أرضنا.
المكان : في قرية جنوبية وادعة، حالمة، متيقظة، متحفزة "هون" يبدأ القاص برسم لوحة منسجمة الألوان، والعناصر، دافئة الملامح توحي بسكينة وبطمأنينة مؤقتة، تخفى قلقا غير منظور وصمتا متحفزا.
تبدو كالبركان الذي يتحفز للحظة الإنفجار.
وكالسجين الذي يتحرق شوقاً للحظة انفكاك وتحرر.
فيبدأ بقولـه :- " حين أخذت الشمس الغاربة تتوارى، هناك وراء شجيرات النخيل الحبلى، كانت بقية من شعاع برتقالي خافت، تتكسر على هامة الجبال البعيدة، راسمة نصف دائرة قرمزية، قانية، معلنة غروب يوم بدأت تنسحب آخر خيوط نهاره.. "(1)
حزن موغل، كملامح شيخ يغالب أواخر أيام حياته، أو كبداية شريط يوحي به مخرجه إلى نهاية ما وبداية أخرى.
أو كأننا أمام مسرحية مأساوية، أول مشاهدها هذه اللوحة الخلفية المحزنة.
وفيما تبدو القرية من الخارج وادعة مطمئنة، إلا أنها في الحقيقة، وعن قرب تبدو كمرجل يغلى ويضطرم.
كذلك عمران، كما يصوره ويشخصه الكاتب، أو كما يحب هو أن يقول "أي القاص" انه يكتب نفسه، وليس أنا سوى راو ومسجل للأحداث فقط فالقاص كما يرى بعض النقاد الواقعيين، انه مسجل ومدون للوقائع والأحداث وما على الكاتب إلا إضافة الرتوش والمكملات.
أما الشخوص، والأحداث، فتكتب نفسها بنفسها – فمن وجهة النظر هذه الكاتب لا يعدو كونه موظفاً عمومياً، أو كاتباً في دواوين الدولة.
وإذا ما تدخل الكاتب في تعديل، أو تغيير دفة الأحداث، فإنه لن يكون سوى عائق في منتصف الطريق.
ولكننا نتفق مع د. عز الدين إسماعيل، حين يقول في كتابه..
"التفسير النفسي للأدب"، في هذا الصدد : ".. إننا حين نعجب بفكرة القصة لا نلغي الإطار من حسابنا نهائياً، لأن طريقة التناول لها دخل كبير في اقتناعنا بالفكرة، أو عدم اقتناعنا، فالقصة ليست مستودعاً للأفكار وإنما هي عمل فني قبل كل شئ.. " ص 209.
Page 7

أعود لعمران ثانية

فها هو يعود أدراجه صوب القرية / تتقاذفه الأمواج المتلاطمة تملؤه أحاسيس ومشاعر متباينة يدور معظمها في كيفية تصوير ما رآه، ونقل وقائعه كاملة وافية.
وبينما هو يحث جواده، باتجاه القرية، على الجانب الآخر كان شباب القرية وشيوخها، يضمهم جامع القرية، ومنتداها العتيق. يتدارسون خبر اليوم ويقلّبونه على مختلف وجوهه، بيد أنهم جميعاً يتساءلون : ….
" كيف حدث ؟.. ولماذا.. وأين ؟ " (…..) " بيد أن جميعهم يترقبون بكل جوارحهم الرد المنقذ والأكيد الذي سيتمرد على بصيص نوره، ما يجب أن يحدث، بل سيتحدد على ضوئه مصير القرية.. كل القرية"
كل القرية في حالة استنفار كاملة.
حالة حرب وحرب قصوى، والداخل إليها، يراها في حالة نفير كامل / وبذا يؤكدون فكرة الحرب الشعبية بل ويجسدونها، واقعاً معيشاً.
رجال القرية، وشبابها، يعلنون التعبئة الشاملة، العفوية ولكن الأهالي كل الأهالي، مهيئون للحرب، وللموت أيضاً. ذاهبون للاستشهاد في سبيل قريتهم "وطنهم" لم يتغيب أحد، لم يتذمر أحد لم يكلف أحد بالحضور جميعهم مطالبون، يحركهم دافع واحد، هدف واحد رغبة واحدة/ الوطن / الحرية ولا شئ غير ذلك.
تعالت الهمهمات بين الفرحة لعودته، والمتطلعة، المتلهفة لما يحمله…"
عندما نقل الراعي الخبر إلى القرية، نقله خبراً مجرداً.
وعندما اجتمعت القرية وشيوخها "مجلسها الحربي" قرروا إرسال من يستطلع ويستبين جلية الأمر، ومصداقية الخبر.
اجتمعت القرية، ولم يقرروا عبثاً الحرب، بل درسوا الاستطلاع فها هو عمران يعود إليهم بالخبر اليقين.
ما إن عاد من جولته الاستطلاعية، ودخل القرية، حفا به شبابها وفيما هو يشق طريقه بين الجموع، بعينيه البراقتين، لاحظ أن الجميع، يرتسم على ملامحهم سؤال واحد: هل ما سمعناه اليوم حقاً؟
…"سار الجميع خلفه في خطوات صامتة، ثم توقف أمام الشيخ، هرع الجميع في دائرة محدقة، جاعلين منه لها مركزاً.. ينشدون الخبر، ويستوضحون جلية الأمر …."
ماذا في الأمر يا عمران؟ هذا ما قاله الشيخ، شيخ القرية وإمامها بصوت فيه من الرزانة ورجاحة العقل الشيء الكثير …"
أجابه عمران، وهو يتفحص الجميع.
ما قاله راعي الغنم ظهيرة اليوم عين الصواب، وأكثر من ذلك وماإن أنهى عمران جملته تلك حتى دب الهرج والمرج بالمجلس، ولسان حالهم يقول كلنا مستعدون للحرب، جميعنا متهيئون للقتال وللشهادة وللموت في سبيل الوطن.
مرت لحظات صمت، ظلوا يسترجعون خلالها صورة الراعي، عندما جاء عند الظهيرة، يلهث، يزف ذلك النبأ الجلل إلى القرية، محدثا ضجة، وفزعا عظيمين.
عاد عمران ثانية، نتيجة لإصرار، وإلحاح الجميع، لإيضاح واستجلاء الغموض، وتفصيل ما شاهده لشيخ القرية، والملتقين حوله من وجوه القرية وصناديدها، وكل ما رآه في كلمات مقتضبة.
"هم يا سيدي الشيخ، ذئاب، يزيدون عن المائة جندي" هنا يستفزنا الكاتب إذا ما نحن تحرينا الدقة، وأعرنا للحقيقة والواقع أذنا، وعينا.
فالوقائع والحوليات الإيطالية، والمصادر التي أرّخت لهذه المعركة. فكتاب جرسياني مثلا" حول فزان" يؤكد بأن الجنود الإيطاليين، والأحباش الذين شاركوا في هذه المعركة يربو عددهم على ألف مقاتل ويزيد بضع مئات من الجنود الأحباش، والإرتريين.
لا أدري هنا هل القاص يجنح إلى الخيال دون مراعاة للوقائع التاريخية. إذ أنه يصور الحدث، دون الاهتمام والتأكيد على الأحداث الواقعية بالتحديد والدقة. ونحن هنا عندما نورد الوقائع، لا نأتي بجديد، بل نؤكد، ونضيف بأن الكاتب سواء قصد هذا، أو ذاك فإن العمل القصصي سوف لن يتأثر في تسلسله الدرامي، أو خطه العام.
Page 8
فالمهم لدى الكاتب أو القارئ ماذا حدث عموماً !
فالتفصيل، أمائه كانوا هم، أم ألفاً لا يهم سوى المؤرخين أو الدارسين للتاريخ والساسة، والمعنيين بالبحث في هذه المجالات.
"… مسحت يسرى الشيخ بياض لحيته الناصعة، بينما كانت يمناه تداعب ببطء حبات مسبحته المتدلية في سكينة تلمع، وسط الظلام …."
الجميع ينصتون لعمران وهو يروى ما شاهده، بينما شيخ القرية الوقور الذي عركته التجارب، والسنون، يستمع في طمأنينة وإيمان عميقين.
يا له من إيمان، وجلد، جنود الأعداء يعسكرون خلف "جبل عافية" على أبواب، وأعتاب القرية قاب قوسين أو أدنى من مشارفها.
فها هو الشيخ، يداعب مسبحته التي تضفي عليه طابعاً إيمانياً، سمحاً ويالها من شجاعة، مضمخة بالصبر والثقة بالنفس.
فيما كان الشباب يغلي كالمرجل، تحول الشيوخ جانباً، للصلاة والدعاء للمولى بالنصر، وهزيمة الأعداء.
بل يزاوجون بين الاستعداد للمعركة، والتوجه للصلاة لله في آن بقلوب مؤمنة وصفاء نفس مذهل، وطمأنينة عالية.
يأخذ النص في تناميه، وتصاعده الدرامي، ليجسد العمل الجبار الذي سيجمع القرية، على إعلان الرفض والمجابهة.
وفيما كان حشد كبير من الحضور يتوجهون إلى داخل المسجد لأداء الصلاة فجأة يخرج بنا الكاتب بجملة اعتراضيه، ليس لها معنى، أو على الأقل ليس لها ما يبررها إذا وجدنا لها معنى، إذ لم يمهد لها، ولم تفد السياق العام للقصة بل ربما يقول قائل، أنها ربما لحدث ما سيحدث مستقبلاً.
ولكن مصداقا لما أوردناه سلفاً، نستطيع أن نحذف هذه العبارة من النص دون أن يحدث إي خلل على الإطلاق.
ولكنى أعتقد أن الكاتب، زج بها، وربما قصد بذلك التنويع وخلق فسحة مغايرة للسياق العام.
إذ يقول دونما تمهيد مسبق "تذكر أحد الرجال جواده الذي لم يجد له شيئاً الليلة…"
وما أن، يفرغ المصلون من صلاتهم، حتى ينهض الشيخ مُصِدّرا أمره لعمران، أن يصعد المنبر إلى جانبه لينتخب من بين شباب القرية وفرسانها من سيشاركه المعركة المقبلة.
وما أن أنتهى الشيخ عمران من إختيار من سيقومون بالمهمة حتى قررّ الشيخ ومن معه أن نصف العدد من مجاهدي القرية كفيل بهزيمة العدو.
وهذا دليل آخر على الإيمان بالنصر، وعدالة ما يحاربون من أجله فالعدد ليس هو المقياس دائماً – كما ورد في كثير من الآيات والنصوص القرآنية كم من فئةٍ قليلة، غلبت فئةٍ كثيرة، بإذن الله. 
ولنا دليل بين في معركة بدر التي خاضها المسلمين مع الرسول الكريم ضد كفار قريش.
وفيما يجهز عمران نفسه، والنخبة الشابة، التي كلفت معه بالمهمة يسرح بخياله في تداع محبب، يصوغه الكاتب في سطور عذبة ممسوقة، تترادف، كقطرات العطر المنسكب بين الأصابع …
وقف عمران، وعلى عاتقة كل القرية، سنابل قمحها الضاربة إلى الصفرة وعيون أطفالها المملوءة ببريق الصحو، ضحكاتها، وقار شيوخها الأجلاء كلمات ذوات الصدور الرؤومة، غدائر ضفيراتها الجذلى عند البئر مواويل أعراسها الزاهية، شجيرات نخلها الطالع نحو السماء …"
لم يكن اختيار من سيدافع عن القرية بالأمر العسير، أو بالشيء الصعب بل أن العكس هو الذي حدث، فالمهمة مكللة بالموت، ولكن الدفاع عن شرف الوطن ليس بالأمر الذي يستهان به، فكان اندفاع، وتدافع الشباب صورة مشرفة وفي غاية الروعة والبهاء …"نزل"عمران" من على المنبر وكان قرابة الخمسين شاباً تغمرهم الغبطة، والابتهاج، لاختيارهم للمهمة العظيمة …"
Page 9
ما أن غادر عمران وصحبه باحة المسجد العتيق، حتى عاد كهول القرية وصغارها، ونساؤها كل إلى بيته، لا لينامون، لكن ليرسموا في مخيلتهم صوراً لتلك المعركة وعودة أبنائهم الفرسان بالنصر والفخار.
تجاوزت كوكبة الفرسان نخيل القرية وحدودها، وفي منتصف الطريق أومأ قائد العملية إلى فرقته بالتوقف قليلاً وجعل من نفسه محورا لدائرة من الجياد الفتية والفرسان المعممّي الوجوه.
قائلاً بصوت يملؤه الحزم والصرامة : " هذه قريتنا، ونحن شبابها، والديار بشبابها تعمر …."
بالرغم من سماكة وسلاسة الأسلوب، واتساقه، وعذوبة ألفاظه وجمال تراكيبه وتداعيه، إلا أن الكاتب لم يجانبه الصواب في اختيار الجملة التي تفي بأهمية الموقف وتدفقه، وجرأة عمران، وانشداد رفاقه إليه، وحراجة اللحظة، وعمق المشاعر التي كانت تنتاب صحبه.
أعيد، كان بإمكان القاص استبدال هذه العبارة الرخوة، الموجزة، بأخرى غيرها، أقوى، وأعمق.
مازلت أقول، ربما التسرع، ربما عدم المراجعة المتأنية، ربما العامل الزمني على كتابة هذا النص، وربما …
وأردف مؤكداً.. "ولم تختركم (أي القرية) إلا لثقتها الأكيدة في ذلك" وأنهمك القائد في شرح تفاصيل العملية الفدائية.
….." سنتمركز عند قمة الجبل، وبين صخوره..رفع يده مشيرا للجبل …" سأنحدر من الخلف موقدا النار في أقرب عربتين …" ويتداعى الحديث بين الرفاق في الكيفية التي يربكون بها العدو ويدمرون أكبر عدد من قواته وآلياته واثقين من أن النصر حليفهم، يغمرهم إيمان عميق بوحشية العدو، ومصداقية ما يحاربون من أجله.
حتى أن أحدهم ليصرخ بقوله : ….
أن أحدهم مطلقا لن يستطيع الفرار ومن لم يفر لن يسلم من أنياب وحش ليل جائع، أو نهاية عطشه، فغداً ستكون الشمس أكثر توهجاً.."
إذن، والحالة هذه، فالعدو أمامه فرسان يجللهم إيمان قطعي بالنصر والثبات فالأرض لهم، لم، ولن يغادروها والعدو هو الذي أتى إليهم، ولم يذهبوا إليه في دياره..
ثم إن من يفلت من رصاص المجاهدين، لن تتركه وحوش الصحراء النهمة ومن ينج من هذه وتلك لن ينجو من مصيبة أمرّ وأدهى وهي موته بالعطش في الصحراء الخاوية.
فما يود الكاتب قوله، على لسان شخوصه، هو أننا لكم بالمرصاد ولن نطلق رصاصة إلا في رؤوسكم وصدوركم. ومن يفلت أو ينجو، لن ترحمه وحوشنا وصحراؤنا وشمسنا المحرقة فسنحاربكم بكل ما نملك نحن والوحوش والصحراء ومن لم يقتله البشر، ستقتله الطبيعة القاسية.
دب سكون عميق، وصمت الليل، وحلكته، فما أن أكمل عمران خطبته الموجزة، إن صح التعبير حتى توزع الفرسان كل في الجهة التي حددت له حيث "شرعت الأقدام الشابة تتسلق في حذر وصمت. وخلف صخرة مرتفعة عند القمة"
انهمك كل منهم في مراقبة خيام العدو "العشر" وتحركات حراسه وعرباتهم المدسوسة قرب الخيام.
اطمأن عمران، إن كلا منهم قد أخذ مكانه على قمة الجبل حتى إنحدر حاثاً جواده يلكز أسفل بطنه، لتنفيذ أخطر مهمة في مجمل العملية الفدائية.
انطلق القائد كالسهم، تاركاً الجبل، وصحبه خلفه، ليلتف حول خيام العدو ليشعل النار في العربتين، كي يربك العدو، ويزرع الرعب بين أفراده.
أما عند القمة هناك فقد " صار الجبل لا يحتوي سوى أحجاره الصامتة وبينها تنزرع عيون محدقة، تخترق الليل وقلوب تنبض بحب قرية جنوبية طيبة هناك …"
القرية خلفهم، والعدو أمامهم، أهليهم هناك، والموت هنا ما لهم إذن إلا الصبر أو الشهادة، وهم لم يصلوا إلى هنا إلا والأمل ينزرع في قلوبهم، ويتغلغل في نفوسهم. يا لها من لحظات رائعة، وهم في أشد اللحظات صعوبة، وخطورة فحب القرية، الوطن يصاحبهم، ويندمج بدقات قلوبهم، ويشاركهم لحظة بلحظة.
مزاوجة عذبة تلك هي التي بين الموت والحياة، حب القرية والاستشهاد من أجلها.
Page 10
منذ أن غادر الفرسان القرية، وهم يغالبون الزمن، حتى صاروا يظنون أن اللحظة صارت دهراً، فدقات القلوب صارت بحجم الطبول، ليس خوفاً أو هلعاً ولكن تلهفاً على مجيء تلك اللحظة الحاسمة.
حتى أننا لنرى الكاتب يُعبر على لسان شخوصه فيقول "مر وقت بدا لهم ثقيل الخطوات تداخلت فيه الحيرة، بالتوجس، بكبر المهمة وجلالها، فصار دهراً كاملاً..".
ران صمت ثقيل، وكأنه كابوس مهيب وعظيم، بانتظار ما ينبئ به القدر. "فجأة بدأ الشبح العظيم يتسلل ليصنع الفجر، وسط العتمة.." صارت دقات القلوب كأنها المطارق، وأهالي القرية ينتظرون ولادة الفجر، ويتأهبون لاستقبال القادمين، ويهيئون المدد لهم كذلك، والفارس ينسج خيوط ملحمة من ملاحم النضال ويهيئ النفوس لدرس من أعظم الدروس في الشجاعة والبذل والفداء.
و...."لهب صغير متوثب يتصاعد أسفل العربتين..." توالت الانفجارات والصراخ..".بدت الذئاب تهرول، معوية، مولولة / اختلط الحابل بالنابل/ كما يقولون، اختلط عواء الذئاب البشرية بذئاب الصحراء من لم يطاله الرصاص، أكلت مؤخرته النيران، ومن فر التهمته ذئاب الصحراء.
صوت الرصاص، يؤلف سمفونية رائعة، مخترقاً صمت الليل وسكونية اللهب وهو يأكل خيام الأعداء وعرباتهم، ويرسم لوحة رائعة، الأصفر والبرتقالي يمتزجان في ثنائية بديعة، وينسجان شكلاً مندغماً متآلفاً، مهيئاً النفوس لاستقبال شمس النهار.
التفت الشباب إلى يد تربت على أكتافهم برفق مكبرة/ مشجعة عاد الفارس الشجاع، بعد أن أدى المهمة، الموكلة إليه بنجاح يغمره البشر، ويعمّده الفرح بتحقيق هذا الانتصار الرائع.
ظل الشباب المسيطرون على قمة الجبل يصطادون الذئاب الهلعة الفارة كأنهم في نزهة يصطادون السّمان أو الغزلان.
.." اكتست الأرض بالجثث المبعثرة، يعريها وميض اللهب اللافح.." حتى أن النيران التهمت المعسكر بكامله. تنفس الأبطال الصعداء، وتنشقوا نسيمات باردة، قادمة مع بدايات فجر لم يشاهدوا له مثيلاً من قبل، كانت ليلة بحجم الدهر كله.
حاول كل منهم التركيز أكثر لمشاهدة ورصد أي حركة بالمعسكر ولكن لا حراك، ولا حياة، سوى بعض الأنات هنا أو هناك وأعمدة الدخان، واللهب الذي ما نفك يستعر بين الحين والآخر لم يشعروا إلا.. و "الشمس الوليدة تلوح بين جريد النخيل تبتسم صانعة الفجر.. انحدرت الجياد، تركض، جاهدة لاستقباله.
إجمالاً، ومنذ البداية، يبدو الكاتب يعقد مقارنة بين زمنيين يختلفان كل الاختلاف فالزمان الأول قرية تعيش حياة هانئة وديعة لا يعكر صفوها أي شئ ولا يشوب مناخها العام شائبة ولا يلوث صفاء جوها إلا القادم الجديد من هناك من البعيد من سردينيا، نابولي، جنوه، روما وكافة مقاطعات إيطاليا المتناثرة يجيئون مقلدين دول أوروبا الأخرى، ساعين وراء مطامع لا جدوى من خلالها لتأسيس إمبراطورية يكون الشاطئ الليبي هو الشاطئ الرابع لإيطاليا تحركهم أحلام روما القديمة.
تبدأ القصة منذ اسطرها الأولى في إمحاء وجه البراءة الطفولي العنيف وتهيئة القارئ لاستقبال أحداث القصة. بالنماذج التالية :....
.."غروب يوم بدأت تنسحب آخر خيوط نهاره.." ويردف مضيفاً وكان الليل على الأبواب نعم لقد كان الليل قاب قوسين أو أدنى أن يحل، لقد كان المستعمر على أبواب هذه القرية الجنوبية الهانئة، جاء ليفض بكارة الطهر والعفاف.
خطان يبدو أنهما لم ولن يلتقيا، في حين أن بروز عمران البطل المجاهد يرمز لعدم المهادنة، وبظهوره، خلال اللحظات الأخيرة لغروب ذلك اليوم وأخيراً.. "لاح على مرمى البصر.." لو لم يلح عمران لقلنا أن الكاتب يرمز بانسدال ستارة الليل، وهجومه بالهزيمة والسوداوية، لكن بروز عمران كشهاب وكشعاع يطل قبل نهاية ذلك اليوم.
أي أن خيطاً أبيض قد لاح، رغم تراكم الخيوط السوداء على بقية ذلك النهار... عمران رمزه الموحى بالبطولة والشجاعة، والفروسية.
عمران فارس القرية، وشجاعها..
بيد أنه في المقابل، وفي الزمن الثاني، وعلى النقيض من ذلك تماماً وما أن انتهت المهمة الموكلة إلى عمران وصحبه، حتى يغمر البشر والفرح الجميع ويبتدي ذلك الظلام الدامس، ويغمر الكون فجر يوم جديد.
.."فجأة بدأ الشبح العظيم يتسلل ليصنع الفجر وسط العتمة.." بنجاح المهمة يتغير مجرى الأحداث، ويلوح في الأفق، ملامح وعد بالنصر وبشرى بالفرح.
..."تراقصت الفرحة في عيونهم"
بالأمس كانت العيون والأفواه تعلوها علامات الاستفهام والارتباك والغموض والاضطراب والتوثب.