eKtab
EN ع
الهوية الثالثة
Read free sample

الهوية الثالثة

by د. نزار دندش

Page 1
الهُوِيّة الثالثة

... إذن، نذهب غدًا إلى المحكمة، فبعد تقديم الطلب لا بد من الانتظار مدة شهرين أو أكثر قبل الموافقة على تسجيل زواجنا. لا تنسي، ماريا، أن البلغار لا يزوجون بناتهم من أجانب إلا بعد إخضاعهم لعمليات البحث والاستقصاء التي قد تطال أجدادهم أيضًا! وهذا من حقهم طبعًا...

- لا أدري إن كان ذلك من حقهم أم لا، لكنني أعرف أنني أحبك كثيرًا، وهذا هو الأهم. أنا مقتنعة بالزواج بك، وأتمنى أن أنجب طفلًا يكون اسم والده زيّان، وأكره أن يعرّف به في هويته بعبارة مجهول الوالد.

أنت تعرف، حبيبي زيّان، أنني تلقيت عروض زواجٍ كثيرة قبل أن أتعرف إليك، لكنها المرة الأولى التي اقتنعت فيها بالإقدام على دخول قفص الزوجية. أحس أنني مشدودة إلى الفكرة الآن، لأنني أحبك حبًا لا حدود له، وأستعجل الوصول إلى يوم نصبح فيه أبوين لولد واحد، أتمناه أن يكون ذكيًا مثلك، وأتمناه رقيقًا، وسيمًا ومستقيمًا، حاملًا أوصافك جميعها.

- وأنا أيضًا لم أكن أحلم بأفضل من صفاتك زوجة وحبيبة وشريكة في أسرة تكوّن خلية صالحة من خلايا الحياة، خلية تتكاثر لتنجب ذرية مميزة.

لم يعد لحياتي بدونك معنىً ولا لحبي خارج حبك نكهة ولذّة. لقد حضنتني يوم تخلى الآخرون عن حضانتي فصرت لي وطنًا، بل عالمًا بأكمله؛ وفتحت لي قلبك يوم كان قلبي بحاجة إلى المأوى الدافئ والهانئ، فصرت لي غذاء روحٍ وعاطفة، وصرت لي أكثر من قضية، أتلمَّس الحب الخارج من عينيك الزرقاوين خروج الوهج من فوهة البركان وأشم العطر فواحًا من ثناياك..

ما كاد زيّان ينهي لقاءه حبيبته حتى راح يسترجع في ذاكرته صورة وطنه لبنان الذي غادره قبل ثلاثة أعوام، وصور الفتيات اللاتي طَرَقْنَ باب قلبه فيما مضى، واللواتي فكّر في الزواج بهنّ في سنيِّ المراهقة. تذكر في وقفته الوجدانية هذه عمله المبكر في شركة كهرباء لبنان، يوم عمل جابيًا يجمع من المنازل بدل ما استهلكت كل أسرة من الطاقة الكهربائية؛ وعادت إلى ذاكرته تلك الزواريب التي كان يقطعها كل يوم، متنقلًا من منزل إلى آخر. واستذكر تلك السيدة الغنية التي عرضت عليه تزويجه بنتها الوحيدة معلنةً استعدادها لشراء منزل للعريسين. كم كانت لطيفة السيدة نور، وكم كانت ذكية أيضًا، فقد استطاعت أن تكتشف بحدسها استقامة ذلك الزيّان الخجول، الذي أصبح طالبًا مميزًا في جامعة صوفيا التي يدرس فيها الرياضيات.

وانتصبَتْ أمامه في تلك اللحظة صورة تلك السيدة العجوز التي فقدت محفظتها الملأى بالدولارات بعد أن حوّلت مدّخراتها إلى عملة صعبة في إثر حصولها على تأشيرة الهجرة إلى كندا. كانت محظوظة جدًا بالرغم من توترها الشديد، فقد “وقعت محفظتها في يد زيّان الأمينة”، كما كانت تردد على مسمع الجيران، مضيفة: “لقد فوجئت بمحفظتي تبحث عني بدلًا من أن أبحث عنها أنا”.

كان عمله في الجباية مسلّيًا، فجابي الكهرباء شخص محترم في ميزان القرويين، فهو يتقاضى راتبًا شهريًا، وهو في نهاية المطاف صاحب سلطة، وكلمته تصل إلى مرجعيات السلطة. “الوظيفة تؤمن للشاب مستقبله” – هذا ما كانت تردّده على مسمع زيّان السيدة أم طارق التي كانت ترى العمل في أية وظيفة أفضل من ممارسة الزراعة وانتظار مواسمها التي تسير من سيّئ إلى أسوأ.

طبيعة عمله عوّدته الإلفة، وهو الذي دأب في دخول المنازل عشرات المرات في اليوم الواحد. وقلما كان يرفض ضيافة الشاي والقهوة التي تعرض عليه والتي تستبدل أحيانًا بالمرطبات الباردة. كانت الضيافة تتعدى المشروبات الخفيفة أحيانًا فتصل إلى مناقيش الكشك والزعتر، فأهل القرى يميلون إلى الكرم، عادة، وجابي الكهرباء ما زال في عرف الكثيرين من أهل القرى ضيفًا ولو كان عابرًا.
Page 2
عاد زيّان إلى مسقط رأسه، مستعرضًا كل المواقف المفصلية التي مرّ بها منذ نضجه المبكر وحتى لحظة سفره، كما يفعل الإنسان عندما يكون أمام استحقاق مصيري داهم.

ماذا ستطلب مني المحكمة يا ترى؟ سأل زيّان نفسه، وما هي حقوق العروس من مقدَّم ومؤخَّر؟ لا شيء طبعًا! فالأمر مختلف عما هو سائد في بلادنا، والمرأة هنا تعتبر راشدة، ومستقلة اقتصاديًا، فهي ليست بحاجة إلى إجراءات تشهد على حاجتها الاقتصادية ودونيتها تجاه الرجال؛ ولعل ماريا ستغضب حتمًا لو قرأت أفكاري في هذه اللحظة، فالمرأة في بلغاريا تثق بنفسها ولا تعترف بتفوق الرجل عليها في شيء... إذن كل ما هو مطلوب للمحكمة وثيقة تثبت أن طالب الزواج أعزب، غير مرتبط بعقد زواج آخر.

قطع حبل تفكيره فجأة، وانكبّ يقرأ في محاضرة الرياضيات التي استمع إليها صباحًا في الجامعة. وكان يجد متعة في قراءة محاضرات هذه المادة فعلًا لأنه متمكّن منها وموهوب، ما جعله يتعلق بها إلى آخر الحدود، ففي حين كان زملاؤه يتسابقون إلى دخول كليات الطب والهندسة، اختار زيّان فرع الرياضيات؛ يومئذٍ شكّ بعضهم في رجاحة عقله. كان يشفي غليله مديح الأساتذة الدائم له ويرفع معنوياته احترامهم الزائد، فيزيده ذلك اقتناعًا بحسن اختيار الاختصاص. لقد ساهمت مادة الرياضيات في جعله رجلًا واثقًا بنفسه وأحاطته بهالة من الوقار والجاذبية ما جعل ماريا تقع في غرام منطقه قبل أن تقع في غرام جسده. ربما كانت غريبة هي، بدورها، عن بنات جنسها اللواتي يَعْتَمدْنَ معايير مختلفة في تقويم الرجل والانجذاب إليه. حتى لو لم تكن الرياضيات هي التي جذبت ماريا إلى قلبه، إلا أن تأثيرها كان واضحًا في ضبط نبضات قلبه طبقًا لمعايير المنطق.

في صباح اليوم التالي، توجها معًا إلى محكمة الزواج المدني في صوفيا، وهي ممر إجباري لكل طالبي الزواج هناك، حتى لو أرادوا بعدها مباركة هذا الزواج على يد رجال الدين. تقدما بالطلب، وتم تحديد العاشر من نيسان موعدًا لعقد القران، أي بعد شهرين من تاريخ تقديم الطلب.

- لماذا الانتظار شهرين كاملين؟ تساءل زيان.

- لأن الشهرين كافيان في نظر المحكمة لكي يثبت طالبا الزواج على موقفهما، أو يعدلا عن فكرة الارتباط.

كان يومًا مميزًا، لا يدخل خريطة النسيان، يوم سجلت محكمة صوفيا طلب زواجه بفتاة سلافية، تشبهه في هدوئها، في أفكارها وذكائها، وتشبهه أيضًا في لون بشرتها، فشقرته قد حيّرت أمينة السجل في المحكمة، تلك التي ظنّته في بادئ الأمر بلغاريًا من أصول سلافية، يبدو أنها لا تعرف شيئًا عن تنوع اللبنانيين حتى في ألوانهم، حيث لا يستطيع واحدهم الجزم لا بأصل أجداده الأوائل، ولا بتحديد المكان الذي أتوا منه. تاريخهم المكتوب يُصرُّ على أن غالبية الأجداد قد جاءت من جزيرة العرب لكي تحمي هذه الأرض من غزوات الآخرين. وإذا كانت هذه هي شهادة التاريخ، فمن أين أتى ذوو البشرة البيضاء أو الشقراء، سأل زيّان نفسه، ذات مرة، عندما أحس بأنه معني جدًا بهذا السؤال الذي أقلقه لفترة طويلة في بداية نضجه الأول، حين كان مهتمًا بلعبة المنطق، وغارقًا في جدلية السؤال والجواب. أستاذ التاريخ في المدرسة هو الذي أعطاه الجواب الشافي بعد عرض منطقي واضح وبسيط؛ يومئذٍ اقتنع زيّان بأن الأوروبيين الذين ما انقطعوا يومًا عن بلادنا، قد حاربوا فيها مرارًا وأقاموا فيها عشرات أو مئات السنين، ولم يعودوا جميعًا إلى بلادهم، بل أقام جزء منهم في المناطق، التي حلوا فيها، وهذا ليس غريبًا على أبناء القارة الأوروبية الذين شكّلوا أساس الجنس الأبيض في أستراليا ونيوزيلندا والأمريكيتين. يومئذٍ رجّح زيّان أن يكون والده من أصول أوروبية ووالدته من أصل يمني، لأنها سمراء، بل مفرطة في سمرتها. وقد أفسد عليه اعتقاده هذا أستاذ الجغرافيا الذي شوّش فكرته عندما رفده بمعلومة جديدة، أخبره بأن بعض الأوروبيين ينتمون إلى الأصل الآري الذي يعود هو أيضًا إلى بلاد فارس القديمة.

إنها لعبة معقدة، فالغوص في بحور الأجناس مغامرة تهدد بالضياع، مغامرة لم تشأْ أمينة سجل المحكمة الدخول إلى مفترقاتها المتشعبة.

خرج زيّان من المحكمة متأبطًا ذراع ماريا بقوة، وقد بدا الارتياح على وجهه، بل على كل تفاصيل جسده، فقد خالجه شعور جديد في تلك اللحظة، شعور لم يذق حلاوته من قبل، أحسَّ بأن ماريا قد أصبحت زوجته منذ تلك اللحظة، فالله لا يسجل رغبات البشر في سجلات فانية، بل يقرأ نياتهم في سجل لا يُمحى. وراحت تتسابق إلى مخيلته صور المستقبل المتحركة كأبها ما يكون.

اتجها نحو محطة الأوتوبيس، كما ينبغي، فليس من عادة الطلاب استقلال التاكسي في أثناء تنقلاتهم في مدينة صوفيا التي تكثر فيها الأبنية الحديثة، مع أن عمرها يقارب الثمانية قرون. أسرعا نحو الجامعة كي لا تفوتهما محاضرة إضافية، مع أنهما كانا معذورين لو فعلا ذلك. فضّلا إرجاء احتفالهما بالمناسبة حتى المساء كي يكون أمامهما متسع من الوقت، واختارا أحد المطاعم الهادئة وهو مطعم أوتيل يبيسكا، لكي يذهبا إليه وحيدين بعد دوام الجامعة لكي ينفردا باحتفالهما ويبوحا بما فاض من مشاعر على وقع أصداء المناسبة.
Page 3
المصادفة ليست قدرًا محتومًا، لكنها قدرٌ مدلّل يحلّ ساعة يشاء، أينما شاء، وكيفما شاء، حاملًا في جعبته مفاجآتٍ لا تشبه تلك التي يحملها “سانتا كلوز” أو “بابا نوويل” للأطفال. مفاجآت المصادفات تكون مفرحة حينًا ومحزنة في معظم الأحايين، وهي لا تأتي من حيث نحتسب، ولا بما نتوقع أو ننتظر. وقد بقيت المصادفة، على مدى التاريخ، متحررة من قبضة العلم، خارجة على دائرة التخمين، ومحلقة فوق شبهات التوقع.

وكانت المصادفة قد قررت مشاركة زيّان في احتفاله في ذلك اليوم، لكن على طريقتها الخاصة؛ فبعد أن خرج العريس مسرعًا من قاعة الدرس محاولاً الوصول بأسرع وقت إلى غرفته في بيت الطلبة لكي يجهز نفسه للاحتفال المنتظر. وقبل أن يصل إلى غرفة مسكنه مرّ كعادته بقرب الطاولة التي تلقى عليها الرسائل المرسلة إلى الطلاب المقيمين في المبنى المخصص لهم. مرّر نظره بسرعة هذه المرة، فهو على عجلة من أمره، وباله مشغول بما هو أهم من الرسائل، لكن المفاجأة وصلته هذه المرة على نحو تحمل اسمه وعنوانه المكتوبين بخطٍ جميل ومرتب، شبيهة في أناقتها بتلك التي توجه إلى مسؤول عن التوظيف في إحدى مؤسسات لبنان.

كانت الرسالة من عفاف، زميلته في المدرسة، التي تواعد قلبها مع قلبه قبل مغادرته لبنان، فظلّت تنتظر مفاعيل وعود المراهقة. كتبت له عن حبّها الذي لم يبرد وقلبها الذي ازدادت جذوته اشتعالًا. كتبت له عن الأهل والأصدقاء وزملاء الدراسة، واعتذرت عن التأخر في مراسلته بحجّة أنها لم تكن تعرف عنوانه، وبحجّة أن الخدمة البريدية في لبنان قد ساءت كثيرًا في ظروف “الحرب الأهلية”.

تقبّل زيّان كل ما جاء في رسالة عفاف بلهفة كبيرة ووجد نفسه منكبًا، من حيث لا يدري، على قراءتها مثنى وثلاث ورباع، وكاد يعذرها على عدم الرد على رسائله في الماضي، لو لم يقفز الحاضر منتصبًا أمامه، مالئًا كل فراغات الأفق.

مسكينة عفاف! – قالها بحزن وحسرة، ومَثَلُها مَثَلُ تلك المرأة البسيطة التي وصلت إلى محطة القطار بعد انطلاقه بدقائق قليلة فخسرت بطاقتها ولم تسافر. كانت مسكينة في طفولتها أيضًا، لم يحالفها الحظ إلا نادرًا. كانت مترددة على الدوام لا تحسن اتخاذ القرارات ولا التقاط الفرص في الأوقات المناسبة. لقد حاولت لمدة سنتين أن أسمع عنها شيئًا، أن أقرأ عنها سطرًا واحدًا فلم أفلح، لم تسع إلى ملاقاتي ومساعدتي. ولكم كتبتُ لها من رسائل، كلّفت أهلي إيصالها إلى عفاف اللطيفة الوديعة، لكنها تجاهلتني، أو ربما نسيتني! وها هي الآن تخرجني من أعماق الذاكرة في لحظة حساسة وغير مناسبة، فتكتب إليّ هذه الكلمات الممزوجة بعاطفة رقيقة ومؤلمة، فما أدراها بما جرى؟!

إنها تريد إعادتي إلى الوراء، إلى عهد المراهقة، إلى مقاعد الدراسة في صفوف المدرسة، وإلى ذلك الزمن، حيث كنت أرى النور متدفقًا من وجنتيها شلالًا من الحب والأمل، إلى حيث كنت أجد فيها السعادة المبتغاة، والحلم المرتجى. نعم أحببتها، يومها، وكانت لي حبي الأول، كانت لي بمنزلة حواء التي تجمع كل نساء الأرض في شخصها، وكل العطف في عطفها. كانت لي دميتي الناطقة وملاكي الصامت، ولكم أحببتها في صمتها، وفي نطقها، لكن.. ما العمل؟!
Page 4
لماذا لم تردي على رسائلي في الماضي يا عفاف؟! ولماذا تختارين اللحظة التي لا أريد؟ هل تتعمدين إفساد فرحتي، وتشويش أفكاري في يومي هذا، في لحظة انتسابي إلى فريق الملتزمين بالحب الواحد والقلب الذي لا ينقسم؟ كان قلبي بتصرفك وحدك على امتداد السنين، وكنت وحدك الآمر الناهي، فلماذا أحجمت عن قلبي، عن قلبٍ كان الأحوج إلى دفء الحنين، قلب يشبه طفلًا فُطم قسرًا عن حليب أمه قبل أن يبلغ سن الفطام. سامحك الله يا عفاف، وليست هذه هي المرة الأولى التي تتلاعبين فيها بأعصابي، لكنني آمل أن تكون الأخيرة. حتى رسالتي الأولى التي كتبتها لك على قصاصة الورق وطلبت من زميلتنا ندى أن توصلها إليك، قد ماطلتِ كثيرًا في الرد عليها وتركت أعصابي يومها عرضة للحريق، وتركتني أعتصر الأمل وأغرق في العرق والحنين.

لا أعرف كيف تجرأتُ يومها فصارحتك بحبي الذي كان يفيض من روحي وعقلي وجسمي، وكل عاطفتي...، ولم يكن لسانك لينطق يومها لو لم يسبقه خداك بإشارة الاحمرار، بالنطق المخضَّبِ بالخفرِ والحنين. ما كنت لتصرحي بحبك لو لم أقطف من خدك القبلة عنوة، فأحسبُها عربون حبٍ صادقٍ لا شبهة فيه. لماذا حاولتِ يومها انتزاع يدك من يدي القابضة عليها بكل ما أوتيت من حب وعشق وغرام، وأن تنزعي صورتك من عيني الغائبتين إلا عن تلك الصورة الملائكية المثيرة؟ لكنك فشلت، والحق يقال، في الانفصال عن كيانٍ من الحب المطهّر والمصفّى، فاستسلمتِ لمشيئة القلبين، وتحولتِ إلى بطلة تشبه بطلات شكسبير. واليوم ماذا تريدين مني يا عفاف؟! هل تودّين القبض عليّ من جديد؟ هل تريدين إعادتي إلى قفصٍ هجرتِ قضبانه قبل سنين وأهملتِ نداءات الاستغاثة التي ناشدتك الرجوع إليه؟

نعم، لقد أحببتك قبل أن أحب سواك، فكنت لي حبي الأول. كان ذلك حبًا يشرّفني، حدثت عنه كل أصدقائي هنا، بمن فيهم ماريا نفسها، التي استاءت وشعرت بالغيرة لكثرة ما تناولته بالإطراء.. لكنك أوقعت به دونما إنذار، وتركتني فريسةً لحيرتي وكل ظنوني، متلبسًا بجرم المعاقب على جرمٍ لا يعرفه. لقد أعلنتِ بِصَمْتِكِ هذا رفضك مشروع حبنا المشترك، وأنت حرّة في اتخاذ القرار الذي يناسبك، لكنني لست أثاثًا في منزلك، تعاودين ترتيبه كما يحلو لك ومتى تشائين.

لقد أعطاني صمتك الموجع براءة الذمّة فارتبطت بفتاة أوروبية لا تحمل عُقَدَ الشرق وتعقيداته المربكة، وسوف أعيش معها حياةً بسيطة هادئة، لا يتدخل فيها أهل أو أقارب، ولسوف تشرف على تربية أولادي في المستقبل، مزوّدة ما اختزنته من ثقافة وحسن تدبير.. وأتمنى لك حظًا سعيدًا يا عفاف، فأنت إنسانة طيبة، ولربما كان اعتكافك عني بتأثير محرضٍ ظالم، لكنك أقدمت على فعل الانفصال بنفسك، وأنا أؤمن بأن الإنسان يجب أن يتحمل نتيجة أعماله، فالحياة ليست مزحة، ولا خيارًا تافهًا نتراجع عنه ساعة نشاء.

أفرغ ذاكرته من هواجس كانت تملؤها لأكثر من سنتين من الزمن، ثم رمى رسالة عفاف في خزانته الخشبية، إلى جوار الكتب والدفاتر والأوراق المبعثرة وقرر أن يتجاهلها فلا يعيرها تفكيرًا في المستقبل.

أعدّ الشاي على الطريقة اللبنانية بعد أن زاد كمية الشاي في الإبريق الصغير الذي ملأه من الماء الذي كان يغلي في السّماور الكهربائي، ثم جلس جلسة المنتصر يرتشف قدحًا من شاي شابَهَ لونُه لون نبيذٍ معتق منذ عشرات السنين، وفاق طعمه إغراءً طعم المشروبات المعلبة التي أضيفت إليها مختلف المواد الملوثة. كان يجد متعة في شرب الشاي الذي كان عنصرًا مكملًا في حياة الغربة حيث تعلق به في مدينة صوفيا أسوة بزملائه البلغار، فالشاي طاردٌ للبرد ومصدرٌ للحلاوة إذا ما كان مصحوبًا بقطعة من الشوكولا، أو حتى من السكر.