Page 1
مقدمة
دواعي المشكل ومبرراته
إذا ما تناولنا مسألة الهوية من جهة حيز اشتغالها في سياق الفكر الغربي المعاصر، فإن مسألة الهوية تعدّ إحدى المسائل الجوهرية في تفكير هابرماس النقدي، على اعتبار أنها واقعة فكرية تنطوي على جدة لم نفرغ بعد من استجلاء معناها. فهي تشكل بذلك مناظرات جديدة داخل الفكر الفلسفي المعاصر.
لقد تجذرت الهوية بكل عمق اليوم ضمن النقاشات السائدة في مقاربات الفلاسفة والمفكرين. واتسع مجال اهتمامها في خضم هذا الفيض المعرفي إثر التحوّلات التكنولوجية الهائلة التي انبجس حضورها في زمن العولمة. وهي تعتبر ثورة في المعلوماتية نتجاوز من خلالها الحدود وهي تمكننا من التواصل والتفاعل الثقافي والاقتصادي والحضاري. وهذا يعود بالأساس إلى وعي الدول الأوروبية لمحدودية تأثيرها منفردة في السوق العالمية والقرار السياسي العالمي. يقول هابرماس في هذا الغرض: «يتعلق الأمر بفقدانها أي الدولة الأمة القدرة على المراقبة مع تضاؤل المشروعية التي تضعف مسارات ممارسة القرار»(1). يعتبر النظام الرأسمالي أحد دعائمها الاستراتيجية متخذة الديموقراطية خياراً سياسياً باعتبارها تؤمن التعدد والتنوع في المعاملات التجارية. وقد تجاوزت المحلية لتكتسي طابعاً عالمياً وكونياً في الآن نفسه.«إنها تلك الإيتيقا التي تخص مواطنين ملتزمين بتحديد قرارات مشتركة ومعقولة في إطار منافسة...مفتوحة للكل وفي جميع الفضاءات العمومية»(2).
إن الهوية لم تعد تنطوي على مقولات منطقية جاهزة كما رسم ملامحها الإرث الميتافيزيقي الذي اختزلها في البعد الهووي - التأملي، وهذا ما يفسر حضورها في العالم المعاصر. وهو ما يبرر لنا منزلة الهوية من خلال الاعتراف بالآخر ككيان موجود بالفعل يخضع لبنية حوارية، إذ إنّ الالتزام بمبدأ الحوار يؤدي إلى الالتزام بشروط التعايش الديموقراطي الذي تكون فيه نظرية المناقشة فعلاً حوارياً يهدف إلى نحت «هوية جماعية ذات بعد كوني تتجسد من خلال جماعة سياسية تظل مفتوحة لاندماج كل المواطنين بمختلف أصولها»(3). حيث تتخذ صيغة الانفتاح خياراً فلسفياً يؤمّن لها التواصل داخل صيرورة وحركة جدلية. يعتبر الاختلاف والتنوع سمتين لتأصيل الهوية ضمن وحدة إنسانية. يقول ريكور في هذا المستوى: «احترام الآخر ليس من طبيعة مختلفة عن الاحترام الذي أبديه نحو الآخر لأن الإنسانية هي ما أحترمها في الآخر وفي ذاتي»(4).
تسمح الهوية في طابعها الكوني بإعادة النظر إليها كإشكال راهن لدى هابرماس من منطلق رؤيته النقدية التي اقترنت أساساً بالحداثة وفلسفة الأنوار. ولذلك فقد ربط هابرماس مسألة الهوية بالخطاب الألسني المعاصر الذي تدور رحاه حول فلسفة اللغة التي بمقتضاها يتجاوز الهويات الكلية النسقية المغلقة. حيث وقع استبدالها بالهويات الجماعية البديلة ذات الصبغة المعيارية والتواصلية. وخصوصاً أن الفلسفة المعاصرة شهدت تحولاً مركزياً في مناهجها وموضوعات بحثها اقتضت مراجعة ماسبق وتوجهت قدماً نحو إعادة البناء.
تقتضي الهوية المجالين الإيتيقي والفلسفي اللذين وجه من خلالهما هابرماس نقداً لاذعاً للعقلانية الأداتية. فقد بيّن هابرماس في المصلحة والمعرفة «أن المعرفة المطلقة قد ضعفت وتوارت حيث أصبحت انعكاساً للواقع، غير أن الفلسفة اليوم اتخذت منعرجاً جديداً يعنى بالقول الإيجابي والوضعي»(5).
إنّ الهوية كمشكل راهن تعبّر عن مقام انفتاح قيم المشتركين وفق بنى معيارية، تأخذ في نطاق تشكلها الأبعاد الرمزية وحركية الأزمنة والحراك الاجتماعي في ظل التواصل الإنساني وفق ما اقتضته «إعادة بناء الافتراضات الأولية الكليّة للمعايير والقيم»(6). وهذا ما يكشف لنا البعد الكوني الذي يقر بانفتاح الهويات على بعضها للإثراء الثقافي والاصطلاحي.
إذ يؤكّد أن النقد في غضون القصور الوضعي وفي ايديولوجيا تحمي العلم من التأمل الذاتي، حالما تطرح إجمالاً مسألة عقلنة السيطرة البعيدة المدى. ويأخذ هابرماس نموذج الولايات المتحدة الأميركية مبرزاً دور الدولة في توجيه العلم متوخية في ذلك الخيار السياسي.إذ يقول في كتابه العلم والتقنية كايديولوجيا: «الدولة التي تقدم إضفاء العلم على البراكسيس السياسي بأوسع مدى، إذ يدرك المرء كيف تطرح مثل المهمات الهرمينوطيقية في الجدال بين العلماء والسياسيين. وكيف تحل هذه المهمات دون أن تكون تحت سيطرة الوعي كما هي»(7). وهو بذلك يستعيد مفهوم الهوية في مقاربة إبستيمولوجية تترجم البعد الاستراتيجي في الفكر الإنساني بكل متطلباته ومستلزماته الفكرية والسياسية والإيتيقية. يحاول هابرماس بذلك دفع الخطاب الإنساني وتنشيطه في ظل المفارقات التي أحكمت علاقة العالمي- العولمي.
إن وجاهة البحث تستدعي منّا أولاً، اختيار عمل الفيلسوف حول مسألة الهوية المعيارية والملابسات والرهانات التي حدت بالفيلسوف أن يتخذ الهوية أفقاً يطرح فيها فكره المعاصر. ولعل كتاب بعد ماركس(8) وكتاب ما بعد الدولة - الأمة(9) اللذين تقصى فيهما الفيلسوف مسائل إيتيقية راهنة تعنى بالهوية والمواطنة، وهذا من شأنه أن يغير الخطاب السياسي إزاء المقاربات الفلسفية التي يسعى فيها إلى فكّ التخوم الضيّقة لفهم النزعة«الوطنية» المشروطة بحدود إقليمية.
يحاول هابرماس تطوير فكره من خلال راهن التحولات الفكرية حيث يبحث في مستوى آخر يستعيد وفقه إحداثية جديدة تسمى مافوق وطني. إن هذا الانزياح من مفهوم «الوطن» إلى «مافوق وطني» يكشف عن دينامية فكرية في فهم ملابسات العصر. يتخذ هابرماس الحوار مقاماً للتواصل الإنساني يهدف بالأساس إلى خلق نسيج هوية جماعية تفعل خطاباً مفتوحاً بغرض إدماج «كل المواطنين من أية أصول»(10) في عالم سيطر فيه العقل الأداتي على كل مكتسبات المعنى. هذا الطرح الهابرماسي يتسم بالتفاؤلية حيث يترك الحوار مفتوحاً بين جميع المشتركين في الفضاء العمومي. ولكن يتناسى الخصوصية التي تحكم كل مجموعة تريد الانخراط. وهو يتجاهل في الآن نفسه المفارقة التي تحكم الدول الغنية والأخرى الفقيرة.
دواعي المشكل ومبرراته
إذا ما تناولنا مسألة الهوية من جهة حيز اشتغالها في سياق الفكر الغربي المعاصر، فإن مسألة الهوية تعدّ إحدى المسائل الجوهرية في تفكير هابرماس النقدي، على اعتبار أنها واقعة فكرية تنطوي على جدة لم نفرغ بعد من استجلاء معناها. فهي تشكل بذلك مناظرات جديدة داخل الفكر الفلسفي المعاصر.
لقد تجذرت الهوية بكل عمق اليوم ضمن النقاشات السائدة في مقاربات الفلاسفة والمفكرين. واتسع مجال اهتمامها في خضم هذا الفيض المعرفي إثر التحوّلات التكنولوجية الهائلة التي انبجس حضورها في زمن العولمة. وهي تعتبر ثورة في المعلوماتية نتجاوز من خلالها الحدود وهي تمكننا من التواصل والتفاعل الثقافي والاقتصادي والحضاري. وهذا يعود بالأساس إلى وعي الدول الأوروبية لمحدودية تأثيرها منفردة في السوق العالمية والقرار السياسي العالمي. يقول هابرماس في هذا الغرض: «يتعلق الأمر بفقدانها أي الدولة الأمة القدرة على المراقبة مع تضاؤل المشروعية التي تضعف مسارات ممارسة القرار»(1). يعتبر النظام الرأسمالي أحد دعائمها الاستراتيجية متخذة الديموقراطية خياراً سياسياً باعتبارها تؤمن التعدد والتنوع في المعاملات التجارية. وقد تجاوزت المحلية لتكتسي طابعاً عالمياً وكونياً في الآن نفسه.«إنها تلك الإيتيقا التي تخص مواطنين ملتزمين بتحديد قرارات مشتركة ومعقولة في إطار منافسة...مفتوحة للكل وفي جميع الفضاءات العمومية»(2).
إن الهوية لم تعد تنطوي على مقولات منطقية جاهزة كما رسم ملامحها الإرث الميتافيزيقي الذي اختزلها في البعد الهووي - التأملي، وهذا ما يفسر حضورها في العالم المعاصر. وهو ما يبرر لنا منزلة الهوية من خلال الاعتراف بالآخر ككيان موجود بالفعل يخضع لبنية حوارية، إذ إنّ الالتزام بمبدأ الحوار يؤدي إلى الالتزام بشروط التعايش الديموقراطي الذي تكون فيه نظرية المناقشة فعلاً حوارياً يهدف إلى نحت «هوية جماعية ذات بعد كوني تتجسد من خلال جماعة سياسية تظل مفتوحة لاندماج كل المواطنين بمختلف أصولها»(3). حيث تتخذ صيغة الانفتاح خياراً فلسفياً يؤمّن لها التواصل داخل صيرورة وحركة جدلية. يعتبر الاختلاف والتنوع سمتين لتأصيل الهوية ضمن وحدة إنسانية. يقول ريكور في هذا المستوى: «احترام الآخر ليس من طبيعة مختلفة عن الاحترام الذي أبديه نحو الآخر لأن الإنسانية هي ما أحترمها في الآخر وفي ذاتي»(4).
تسمح الهوية في طابعها الكوني بإعادة النظر إليها كإشكال راهن لدى هابرماس من منطلق رؤيته النقدية التي اقترنت أساساً بالحداثة وفلسفة الأنوار. ولذلك فقد ربط هابرماس مسألة الهوية بالخطاب الألسني المعاصر الذي تدور رحاه حول فلسفة اللغة التي بمقتضاها يتجاوز الهويات الكلية النسقية المغلقة. حيث وقع استبدالها بالهويات الجماعية البديلة ذات الصبغة المعيارية والتواصلية. وخصوصاً أن الفلسفة المعاصرة شهدت تحولاً مركزياً في مناهجها وموضوعات بحثها اقتضت مراجعة ماسبق وتوجهت قدماً نحو إعادة البناء.
تقتضي الهوية المجالين الإيتيقي والفلسفي اللذين وجه من خلالهما هابرماس نقداً لاذعاً للعقلانية الأداتية. فقد بيّن هابرماس في المصلحة والمعرفة «أن المعرفة المطلقة قد ضعفت وتوارت حيث أصبحت انعكاساً للواقع، غير أن الفلسفة اليوم اتخذت منعرجاً جديداً يعنى بالقول الإيجابي والوضعي»(5).
إنّ الهوية كمشكل راهن تعبّر عن مقام انفتاح قيم المشتركين وفق بنى معيارية، تأخذ في نطاق تشكلها الأبعاد الرمزية وحركية الأزمنة والحراك الاجتماعي في ظل التواصل الإنساني وفق ما اقتضته «إعادة بناء الافتراضات الأولية الكليّة للمعايير والقيم»(6). وهذا ما يكشف لنا البعد الكوني الذي يقر بانفتاح الهويات على بعضها للإثراء الثقافي والاصطلاحي.
إذ يؤكّد أن النقد في غضون القصور الوضعي وفي ايديولوجيا تحمي العلم من التأمل الذاتي، حالما تطرح إجمالاً مسألة عقلنة السيطرة البعيدة المدى. ويأخذ هابرماس نموذج الولايات المتحدة الأميركية مبرزاً دور الدولة في توجيه العلم متوخية في ذلك الخيار السياسي.إذ يقول في كتابه العلم والتقنية كايديولوجيا: «الدولة التي تقدم إضفاء العلم على البراكسيس السياسي بأوسع مدى، إذ يدرك المرء كيف تطرح مثل المهمات الهرمينوطيقية في الجدال بين العلماء والسياسيين. وكيف تحل هذه المهمات دون أن تكون تحت سيطرة الوعي كما هي»(7). وهو بذلك يستعيد مفهوم الهوية في مقاربة إبستيمولوجية تترجم البعد الاستراتيجي في الفكر الإنساني بكل متطلباته ومستلزماته الفكرية والسياسية والإيتيقية. يحاول هابرماس بذلك دفع الخطاب الإنساني وتنشيطه في ظل المفارقات التي أحكمت علاقة العالمي- العولمي.
إن وجاهة البحث تستدعي منّا أولاً، اختيار عمل الفيلسوف حول مسألة الهوية المعيارية والملابسات والرهانات التي حدت بالفيلسوف أن يتخذ الهوية أفقاً يطرح فيها فكره المعاصر. ولعل كتاب بعد ماركس(8) وكتاب ما بعد الدولة - الأمة(9) اللذين تقصى فيهما الفيلسوف مسائل إيتيقية راهنة تعنى بالهوية والمواطنة، وهذا من شأنه أن يغير الخطاب السياسي إزاء المقاربات الفلسفية التي يسعى فيها إلى فكّ التخوم الضيّقة لفهم النزعة«الوطنية» المشروطة بحدود إقليمية.
يحاول هابرماس تطوير فكره من خلال راهن التحولات الفكرية حيث يبحث في مستوى آخر يستعيد وفقه إحداثية جديدة تسمى مافوق وطني. إن هذا الانزياح من مفهوم «الوطن» إلى «مافوق وطني» يكشف عن دينامية فكرية في فهم ملابسات العصر. يتخذ هابرماس الحوار مقاماً للتواصل الإنساني يهدف بالأساس إلى خلق نسيج هوية جماعية تفعل خطاباً مفتوحاً بغرض إدماج «كل المواطنين من أية أصول»(10) في عالم سيطر فيه العقل الأداتي على كل مكتسبات المعنى. هذا الطرح الهابرماسي يتسم بالتفاؤلية حيث يترك الحوار مفتوحاً بين جميع المشتركين في الفضاء العمومي. ولكن يتناسى الخصوصية التي تحكم كل مجموعة تريد الانخراط. وهو يتجاهل في الآن نفسه المفارقة التي تحكم الدول الغنية والأخرى الفقيرة.
Page 2
وهذا في الحقيقة ما أضفى على عالمنا الراهن بعداً تراجيدياً يترجم في إطار ضياع العقل العلمي في التقنية مما جعل الخطاب الأداتي يغوص في أغوار بوتقة مغلقة ودوغمائية مكبلة بالمصادرات العلمية «العلم لايفكر»(11)، بما أنّه يخضع تحت مسلّمات بديهية يتخذها منطلقاً لقضاياه المنطقية والرياضية، حيث يغيب المعنى وتتلاشى الهوية الإنسانية في ظل هيمنة تكنولوجية تحكم عصرنا. وضمن هذا التوجه الخطير للعقلانية العلمية التي سيطرت عليها الأسواق المالية وأحدثت هوّة بين الدول الغنية والفقيرة «لقد أدى ضغط سياسة اقتصاد السوق في عديد من البلدان الأوروبية إلى إيجاد حلقة مفرغة؛ فقر متنامٍ، ونسق حماية اجتماعية ضعيفة ومساهمات جبائية في تراجع»(12). إن كل هذه المقتضيات الفكرية وملابسات الهوية جعلتنا نتقصى مسألة الهوية من حيث هي موضوع البحث الذي نروم اقتحامه في الفلسفة المعاصرة وذلك بالكشف عن دوافعه وصعوباته ورهاناته.
صعوبات البحث
إن الصعوبات التي اعترضتنا في مسألة الهوية نابعة أساساً من النص الهابرماسي الذي ينتمي إلى جنس من الكتابة التركيبية، إذ تعددت منابع المعرفة من اختصاصات متعددة، إضافة إلى تنوع اللسان الذي دوّن به متون النص الفلسفي. فهي عبارة عن وحدة تأليفية تتسع للعديد من المفكرين والفلاسفة والمذاهب والخطابات الفلسفية والسياسية والإيتيقية في إطار مناظرات تسمح بدفع الخطاب إلى أقصاه، في مستوى المنهج والفكر معاً، فهو يتجاوز تلك الكتابة النسقية المنغلقة على بعد واحد من التفكير الفلسفي.
يعتبر التفكير الهابرماسي حركياً لأنه منشغل بحركة الفكر في عصره وواعٍ بمختلف مقتضياته الفلسفية والثقافية والاجتماعية والسياسية. تعد فلسفته التركيبية وليدة ذلك الإرث الغربي الذي تتقاطع فيه الأنوار والحداثة وما تحمله من معانٍ تهدف إلى إثراء المكتسبات الإنسانية مثل منزلة «العقل» والحرية والتاريخ والنقد، إضافة إلى المنهج النقدي الذي اكتسبه من اشتغاله على النصوص الكانطية من جهة امتحانه التمايز بين الاستعمال الخاص والاستعمال العمومي. ونستحضر في إخراج هذا التأويل السؤال الكانطي الشهير:«ما هو عصر الأنوار؟»(13). فقد ترسخ الفكر النقدي لديه من خلال مدرسة فرانكفورت التي يعد أحد روادها. ووعيه التام بإعادة بناء المكاسب الماركسية على ضوء ما تحقق له من مناهج ألسنية ودراسات ميدانية تجد ثوابتها في العلوم الاجتماعية والنفسية واستشكالها في بنى معيارية«تتيح العلوم الحديثة تفسيرات نمولوجية وبراهين عملية، بفضل نظريات وبناءات قابلة دوماً للمراجعة ويمكن مراقبتها بواسطة التجربة»(14).
يقترب هابرماس في هذا التوجه من هوركهايمر وبالتحديد التوجه النظري والنقدي لمدرسة فرانكفورت والتي تعتبر أنّ «غايتها القصوى اشتغالها على القراءة التأويلية لمصير البشر باعتبارهم أفراداً في المجتمع وعلى الفلسفة(النقدية)أن تنكبّ أولاً وأساساً على الظواهر التي لايمكن فهمها إلا في العلاقة بالحياة الاجتماعية للبشر. وعلى الدولة والقانون والاقتصاد والدين. وبإيجاز تهتم بالشروط العامة المادية والروحية للثقافة الإنسانية جمعاء»(15). وهذا ما يشرع لهابرماس إخراج مسألة الهوية إشكالياً من البنى المعيارية التي تم الصمت عنها في المقاربات المادية للتفكير الماركسي. وهو يحاول إعادة النظر في النصوص الماركسية وفق ما تقتضيه المراجعة والنقد من جهة تنشيط الخطاب الفلسفي في المجال الإيتيقي بدل مقاربات الاقتصاد السياسي.
إن ما دفعه بكل جدية إلى تناول إحداثية التواصل كأفق جديد يجد حضوره الفعّال في مساهمته التي تكمن في افتراضه «الفعل التواصلي مقاماً منهجياً غير مسبوق لإعادة بناء التطور الاجتماعي باعتبار أنه لم يعد مجرد مفعول لعلاقات الإنتاج، بل صار يتشكل ويعمل وفقاً لمعايير معيارية»(16). لذلك وجد هابرماس نفسه، مثلما أشار هو نفسه إلى ذلك، مضطراً إلى رفع الالتباس الذي ينطوي عليه مفهوم التفكير الذي ورثه من المثالية الألمانية. وهكذا ينبغي علينا أن نميز هذا التفكير الذاتي باعتباره نقداً ركز عليه في مرحلة أولى، وقد وجه بحثه في مرحلة متأخرة إلى منعرج آخر يسميه إعادة بناء عقلية، تظل مشروطة بهذا الافتراض الكوني «لقد نجحنا في إعادة بناء المسبقات الكونية للتواصل وطرق تبرير المعايير والقيم التي تنطلق من التفاهم الموجه بواسطة اللغة التداولية المنبثقة من شروط المعقولية»(17).
لكن، علينا أن ننبّه في منطلق عملنا أن هابرماس في كل مقارباته الفكرية يستحضر ذلك التداخل الإيتيقي والأداتي بعين ناقدة تارة ومؤوّلة تارة أخرى. وهذا ما جعل مسألة الهوية تتسع لكل مجالات الفكر الإنساني مادام الطموح الذي ينشده هابرماس يكمن في أخلاقيات الحوار التي يؤسس وفقها هوية كونية منبثقة من عقلانية تواصلية تستشرف الوحدة الفيدرالية للعالم الأوروبي بوجه خاص، والإنساني بوجه عام. إنّ النشاط الديموقراطي والسياسي يدرك بالأساس وفق تخطيط مشترك «يخضع لتكوّن تداولي من الأفكار وإرادات المواطنين المؤسسة على مبادئ سيادة دولة الشعب وحقوق الإنسان المنظّمة أخيراً ضمن وسائط البحث المبسّطة للتكافل المجرد والمرتبطة بالأشكال الحقوقية التي أعيد إنتاجها من خلال وسائط سياسية مشتركة»(18).
إن السؤال الذي نود طرحه فيما يخص علاقة المتن الفلسفي الذي نستند إليه والمسألة التي نقتحمها: ما الذي يشرع لاختيار بعد ماركس ومابعدالدولة-الأمة لهابرماس سندين نلامس من خلالهما مسألة الهوية المعيارية كمشكل إيتيقي يجد صيغته الراهنة في أزمة العصر الذي طوقه العقل الأداتي بكل ميكانزماته؟ يمكن رد هذا الاختيار إلى ضربين:
الضرب الأول، يعنى بالحقل الابستيمولوجي من جهة الوقوف على الفضاء الفكري الذي سمح للفيلسوف هابرماس أن يقتحم هذه المسألة ويضعها على طاولة النقاش والمناظرات الممكنة القائمة في عصره. والقصد من كل ذلك، رصد الحقول المعرفية والفلسفية والسياسية والإيتيقية كأفق جديد يحاول هابرماس أن يرسّخ الفلسفة الكونية من جهة الهوية السياسية على أساس «مبادئ مدنية كونية من منطلق فلسفة الأنوار التي تسمح باستعادة حجة برهانية خاصة بإنسانية مشتركة»(19).
صعوبات البحث
إن الصعوبات التي اعترضتنا في مسألة الهوية نابعة أساساً من النص الهابرماسي الذي ينتمي إلى جنس من الكتابة التركيبية، إذ تعددت منابع المعرفة من اختصاصات متعددة، إضافة إلى تنوع اللسان الذي دوّن به متون النص الفلسفي. فهي عبارة عن وحدة تأليفية تتسع للعديد من المفكرين والفلاسفة والمذاهب والخطابات الفلسفية والسياسية والإيتيقية في إطار مناظرات تسمح بدفع الخطاب إلى أقصاه، في مستوى المنهج والفكر معاً، فهو يتجاوز تلك الكتابة النسقية المنغلقة على بعد واحد من التفكير الفلسفي.
يعتبر التفكير الهابرماسي حركياً لأنه منشغل بحركة الفكر في عصره وواعٍ بمختلف مقتضياته الفلسفية والثقافية والاجتماعية والسياسية. تعد فلسفته التركيبية وليدة ذلك الإرث الغربي الذي تتقاطع فيه الأنوار والحداثة وما تحمله من معانٍ تهدف إلى إثراء المكتسبات الإنسانية مثل منزلة «العقل» والحرية والتاريخ والنقد، إضافة إلى المنهج النقدي الذي اكتسبه من اشتغاله على النصوص الكانطية من جهة امتحانه التمايز بين الاستعمال الخاص والاستعمال العمومي. ونستحضر في إخراج هذا التأويل السؤال الكانطي الشهير:«ما هو عصر الأنوار؟»(13). فقد ترسخ الفكر النقدي لديه من خلال مدرسة فرانكفورت التي يعد أحد روادها. ووعيه التام بإعادة بناء المكاسب الماركسية على ضوء ما تحقق له من مناهج ألسنية ودراسات ميدانية تجد ثوابتها في العلوم الاجتماعية والنفسية واستشكالها في بنى معيارية«تتيح العلوم الحديثة تفسيرات نمولوجية وبراهين عملية، بفضل نظريات وبناءات قابلة دوماً للمراجعة ويمكن مراقبتها بواسطة التجربة»(14).
يقترب هابرماس في هذا التوجه من هوركهايمر وبالتحديد التوجه النظري والنقدي لمدرسة فرانكفورت والتي تعتبر أنّ «غايتها القصوى اشتغالها على القراءة التأويلية لمصير البشر باعتبارهم أفراداً في المجتمع وعلى الفلسفة(النقدية)أن تنكبّ أولاً وأساساً على الظواهر التي لايمكن فهمها إلا في العلاقة بالحياة الاجتماعية للبشر. وعلى الدولة والقانون والاقتصاد والدين. وبإيجاز تهتم بالشروط العامة المادية والروحية للثقافة الإنسانية جمعاء»(15). وهذا ما يشرع لهابرماس إخراج مسألة الهوية إشكالياً من البنى المعيارية التي تم الصمت عنها في المقاربات المادية للتفكير الماركسي. وهو يحاول إعادة النظر في النصوص الماركسية وفق ما تقتضيه المراجعة والنقد من جهة تنشيط الخطاب الفلسفي في المجال الإيتيقي بدل مقاربات الاقتصاد السياسي.
إن ما دفعه بكل جدية إلى تناول إحداثية التواصل كأفق جديد يجد حضوره الفعّال في مساهمته التي تكمن في افتراضه «الفعل التواصلي مقاماً منهجياً غير مسبوق لإعادة بناء التطور الاجتماعي باعتبار أنه لم يعد مجرد مفعول لعلاقات الإنتاج، بل صار يتشكل ويعمل وفقاً لمعايير معيارية»(16). لذلك وجد هابرماس نفسه، مثلما أشار هو نفسه إلى ذلك، مضطراً إلى رفع الالتباس الذي ينطوي عليه مفهوم التفكير الذي ورثه من المثالية الألمانية. وهكذا ينبغي علينا أن نميز هذا التفكير الذاتي باعتباره نقداً ركز عليه في مرحلة أولى، وقد وجه بحثه في مرحلة متأخرة إلى منعرج آخر يسميه إعادة بناء عقلية، تظل مشروطة بهذا الافتراض الكوني «لقد نجحنا في إعادة بناء المسبقات الكونية للتواصل وطرق تبرير المعايير والقيم التي تنطلق من التفاهم الموجه بواسطة اللغة التداولية المنبثقة من شروط المعقولية»(17).
لكن، علينا أن ننبّه في منطلق عملنا أن هابرماس في كل مقارباته الفكرية يستحضر ذلك التداخل الإيتيقي والأداتي بعين ناقدة تارة ومؤوّلة تارة أخرى. وهذا ما جعل مسألة الهوية تتسع لكل مجالات الفكر الإنساني مادام الطموح الذي ينشده هابرماس يكمن في أخلاقيات الحوار التي يؤسس وفقها هوية كونية منبثقة من عقلانية تواصلية تستشرف الوحدة الفيدرالية للعالم الأوروبي بوجه خاص، والإنساني بوجه عام. إنّ النشاط الديموقراطي والسياسي يدرك بالأساس وفق تخطيط مشترك «يخضع لتكوّن تداولي من الأفكار وإرادات المواطنين المؤسسة على مبادئ سيادة دولة الشعب وحقوق الإنسان المنظّمة أخيراً ضمن وسائط البحث المبسّطة للتكافل المجرد والمرتبطة بالأشكال الحقوقية التي أعيد إنتاجها من خلال وسائط سياسية مشتركة»(18).
إن السؤال الذي نود طرحه فيما يخص علاقة المتن الفلسفي الذي نستند إليه والمسألة التي نقتحمها: ما الذي يشرع لاختيار بعد ماركس ومابعدالدولة-الأمة لهابرماس سندين نلامس من خلالهما مسألة الهوية المعيارية كمشكل إيتيقي يجد صيغته الراهنة في أزمة العصر الذي طوقه العقل الأداتي بكل ميكانزماته؟ يمكن رد هذا الاختيار إلى ضربين:
الضرب الأول، يعنى بالحقل الابستيمولوجي من جهة الوقوف على الفضاء الفكري الذي سمح للفيلسوف هابرماس أن يقتحم هذه المسألة ويضعها على طاولة النقاش والمناظرات الممكنة القائمة في عصره. والقصد من كل ذلك، رصد الحقول المعرفية والفلسفية والسياسية والإيتيقية كأفق جديد يحاول هابرماس أن يرسّخ الفلسفة الكونية من جهة الهوية السياسية على أساس «مبادئ مدنية كونية من منطلق فلسفة الأنوار التي تسمح باستعادة حجة برهانية خاصة بإنسانية مشتركة»(19).
Page 3
والضرب الثاني، يتعلق بالناحية الفلسفية التي تراعي تطوّر الفكر الفلسفي للفيلسوف في بلورته لمسائل وقضايا عالجها في مسيرتة الحافلة بالكتابة والمناهج المختلفة التي امتحنها في أعماله الفلسفية التي تتعلق من قريب أو بعيد بمسألة الهوية.
إذا ما تتبعنا مسيرة هابرماس الفلسفية من جهة الخط الزمني الذي يسمح لنا بكشف النضج الفكري، نرى ترحل فكره من»التفكر الذاتي» الذي كان يرزح تحت طائلة الفلسفة المثالية وخصوصا الكانطية التي أخذ منها مقارباته «النقدية». وهذا التوجه اتضح من خلال كتابه بعد ماركس في إعادة بناء هويات الأفراد والجماعات مرتكزاً على (الفصول الثلاثة الأولى) التي تعنى بنقد الماركسية، ونظريته تعمل على تغيّر «البنى التحتية» التي تشكل الاقتصاد السياسي إلى «البنى الفوقية» التي تهتمّ بالظواهر الثقافية باعتبارها تمثل عنصراً حاسماً في«تشكيل البنى الاجتماعية»(20)، من حيث هي احتراف منهجي يسمح فيه باستحضار شرعية العقلنة كمدار اهتمام الفيلسوف.
ولعلنا بمقاربتنا للتوجه النقدي – الهابرماسي، وبالنظر في أساس منزلة العقل كشرط إيتيقي ضمن مدار إشكالي يتسع لمطلب الإنساني، يرتقي فيه من مدار الخصوصي- بالنظر إلى هويتنا الشخصية – إلى مدار أكثر اتساعاً يعنى بالكوني كشرط أنطولوجي، نصالح فيه بين الإقليمي والمواطنة الكونية. وهذا التأويل سمح لهابرماس باستعادة النظر في القومية الضيّقة لفضاء أكثر ثراء يرصد فيه مسائل مابعد الدولة الأمة، حيث يقول جاك بيدات(Jacques Bidet)في معرض حديثه عن هابرماس حول الرهان الديموقراطي: «هذه التسوية في الرهان الافتراضي الذي يلتزم بالمناقشة الديموقراطية كمعيار للاتفاق يصبح مقبولاً من لدن الجميع»(21).
وإذا تتبعنا مسار تفكير هابرماس من الناحية الزمانية، فإن مسألة الهوية تدرج في المرحلة الثانية من مشروعه الفلسفي التي سيتجاوز فيها «التفكر الذاتي» إلى منعرج جديد في المنهج يعنى بـ«إعادة البناء» ويجد إمكاناته الفلسفية في المنعرج اللغوي الذي يدشن وفقها مقاربة جديدة في حركة الفكر الغربي المعاصر.
إن العنوان الذي أخصه للفصل الثاني، لكتابه بعد ماركس، إعادة بناء المادية التاريخية هو في الحقيقة عبارة عن محاضرة ألقاها هابرماس سنة 1975 (22)، يقول هابرماس: «إعادة البناء تحيل أولاً، على إشكالية يعد تناولها جديداً نسبياً في فكر هابرماس وهو جاء ليعوض جزئياً تقريباً فكرة«التفكير الذاتي»(23). والهدف الأساسي من إعادة البناء تتمثل تحديداً في الدعوة إلى القيام بمناقشة إبستيمولوجية لنظرية ماركس من الداخل، بحيث تعمل على تغيير مركز الثقل فيها من البنى التحتية (الاقتصاد السياسي) إلى البنى الفوقية (24).
إن أهمية الخطاب المعياري تنطوي على «معيارية المجتمع وبين ذاتية اللغة»(25) في الفكر الهابرماسي وخصوصاً في كتابه بعد ماركس الذي استعاد فيه الروح الماركسية من خلال قراءته النقدية التي تستعيد خطاب الهوية كأفق جديد يمكن تأويله في الفكر الماركسي من خلال المناهج المعاصرة. وقد أفرد لها الفصول الثلاثة الأولى بوصفها محاولات «إعادة البناء» وهي بمثابة نقد للمادية التاريخية، وتنتهج المسلكية نفسها التي اقتضت «إعادة تأويل نمط تشكل هويات الأفراد والمجتمعات في ضوء ما تحقق من مكاسب نظرية بعد ماركس»(26).
وقد سلكت الهوية منعطفاً جديداً اليوم إثر الصدام الحاصل بين الحضارات والأديان والنزعات العرقية المتشبثة بالأصولية كجلمود صخر، والثاوية في عروشها. وإن السؤال الذي يتبادر لأذهاننا في ربط مسألة الهوية بملابسات الوضع الراهن عامة، والإخراج الإشكالي الذي أنزل فيه هابرماس مسألة الهوية خاصة، من جهة تفعيلها داخل براديغم اللغة بدلاً من براديغم الوعي الذي اشترط «النظرية الوطنية الدستورية المستمرة» من خلال «قدرة التواصل» الذي يستخرج من تبادل الآراء بين مواطنين متساويين يجمعهم مكان واحد في«حالة مثالية للكلام»(27).
قد أوّل فتحي المسكيني التواصل من جهة الوقوف على الملابسات والتداعيات الخطيرة التي ترجمها مسألة الهوية راهناً في الخطاب الإيتيقي وفق ما تحتمله مقدرتنا على التفكير في مسألة الهوية، من جهة كونها «ظاهرة تاريخية، أو ثقافية، أو أنتروبولوجية نوعية، أو عينية نفسية تكشف عن مدى انحسار مساحة الوعي لدينا»(28).
وإذا ما كنا نروم الاشتغال على نمط جديد في تفكير هابرماس يعنى رأساً بمسألة الهوية التداولية، فإنّ الأمر يتعلق بهاجس هابرماسي يستعيد من خلاله الشخصية الضامنة لكل المواطنين المتساوين ضمن الفضاء الثقافي أو ما يمكن أن نطلق عليه العلاقات بين الأفراد الذين تجمعهم تقاليد مشتركة تكشف عن الرابطة البينذاتية التي «تعنى بالترابط اللغوي بين الذوات بواسطة أفعال الكلام»(29). تتنزل مسألة الهوية في مقاربة هابرماس في مستوى بلورة المشروعية من خلال إعادة البناء وبالتحديد الفصل الأول المعنون بـ «المادية التاريخية» والغرض منه مقاربة الفلسفة الماركسية من خلال البنى المعيارية، ليدشن ميلاد أرضية صلبة تعنى باللغة التداولية من حيث هي ترجمة للتفاعلات المتداخلة التي من شأنها أن «تطور الهوية لدى الفرد كمفتاح يتيح فهم تغير الهويات الجماعية»(30).
وهي تراهن من ناحية أخرى، على القضايا الكونية التي تتواشج فيها كل المطالب الإنسانية مادامت العولمة هي الأرضية التي مدت الجسور للأفراد لكي يلتقوا ويتحاوروا. إذ علينا أن ندرك أن الهوية لدى هابرماس تأخذ منعرجاً جديداً يخالف التصوّر الثقافي للهوية. وأن الاختلاف يكمن في الهوية على اعتبارها صيغة الانفتاح يترجمها هابرماس في مدار تداولي يجد صلابته النظرية في المنعرج الألسني والبراغماتي معتبراً بذلك أنّ الهوية موقف إنجازي وذات بعد تداولي تهتم بالهوية الجماعية.
لكن علينا أن لا ننجرف وراء سوء الفهم، الذي تصوره لنا الكونية الجديدة التي تعدنا بشعارات فضفاضة تسوّق إلى القرابة بين البشر في عالم جديد تنتفي فيه الفوضى ويحل فيه السلم للجميع. ولكن قد يقتصر على نزعة قومية ضيقة، «نعتبر أنّ الحقل القومي يحدّ بصفة قاطعة الفضاء الذي يتم التعبير فيه بصفة ديموقراطية»(31). وفي مقابل ذلك يريد هابرماس أن يؤسس خطاباً فلسفياً يتجاوز التخوم الضيقة التي تكتسيها الرابطة الإقليمية مشرّعاً بذلك لهوية جماعية تأخذ في الحسبان الديموقراطية في إطار ائتلاف أوروبي بمقتضاها يحاول« أن يرصد الهوية الأوروبية»(32).
ونحن ندرك أن الإنسانية يحركها مبدأ الربح، ورهانها هو العقل الأداتي الذي يقصي كل مقومات الجهد الإنساني وهو ما تفطن إليه هابرماس في توجهه البراغماتي في إطار ما تقتضيه المصلحة المشتركة والفضاء العمومي. إنّ الأمر يتعلق لديه بالمجال السياسي والإيتيقي الذي يجب أن نذكر به أمام الخطورة التكنولوجية التي أدت إلى إفلاس المعنى. وقد يبني التواصلية في الشأن العام من جهة بلورته لإشكالية الهوية التي لا تتحدد إلا إذا ما تم ربطها بأخلاقيات التواصل التي حددها هابرماس في الفضاء العمومي على أنها «تلك الإيتيقا التي تخص مواطنين ملتزمين بتحديد قرارات مشتركة ومعقولة في إطار منافسة مفتوحة للكل وفي جميع الفضاءات العمومية»(33).
إذا ما تتبعنا مسيرة هابرماس الفلسفية من جهة الخط الزمني الذي يسمح لنا بكشف النضج الفكري، نرى ترحل فكره من»التفكر الذاتي» الذي كان يرزح تحت طائلة الفلسفة المثالية وخصوصا الكانطية التي أخذ منها مقارباته «النقدية». وهذا التوجه اتضح من خلال كتابه بعد ماركس في إعادة بناء هويات الأفراد والجماعات مرتكزاً على (الفصول الثلاثة الأولى) التي تعنى بنقد الماركسية، ونظريته تعمل على تغيّر «البنى التحتية» التي تشكل الاقتصاد السياسي إلى «البنى الفوقية» التي تهتمّ بالظواهر الثقافية باعتبارها تمثل عنصراً حاسماً في«تشكيل البنى الاجتماعية»(20)، من حيث هي احتراف منهجي يسمح فيه باستحضار شرعية العقلنة كمدار اهتمام الفيلسوف.
ولعلنا بمقاربتنا للتوجه النقدي – الهابرماسي، وبالنظر في أساس منزلة العقل كشرط إيتيقي ضمن مدار إشكالي يتسع لمطلب الإنساني، يرتقي فيه من مدار الخصوصي- بالنظر إلى هويتنا الشخصية – إلى مدار أكثر اتساعاً يعنى بالكوني كشرط أنطولوجي، نصالح فيه بين الإقليمي والمواطنة الكونية. وهذا التأويل سمح لهابرماس باستعادة النظر في القومية الضيّقة لفضاء أكثر ثراء يرصد فيه مسائل مابعد الدولة الأمة، حيث يقول جاك بيدات(Jacques Bidet)في معرض حديثه عن هابرماس حول الرهان الديموقراطي: «هذه التسوية في الرهان الافتراضي الذي يلتزم بالمناقشة الديموقراطية كمعيار للاتفاق يصبح مقبولاً من لدن الجميع»(21).
وإذا تتبعنا مسار تفكير هابرماس من الناحية الزمانية، فإن مسألة الهوية تدرج في المرحلة الثانية من مشروعه الفلسفي التي سيتجاوز فيها «التفكر الذاتي» إلى منعرج جديد في المنهج يعنى بـ«إعادة البناء» ويجد إمكاناته الفلسفية في المنعرج اللغوي الذي يدشن وفقها مقاربة جديدة في حركة الفكر الغربي المعاصر.
إن العنوان الذي أخصه للفصل الثاني، لكتابه بعد ماركس، إعادة بناء المادية التاريخية هو في الحقيقة عبارة عن محاضرة ألقاها هابرماس سنة 1975 (22)، يقول هابرماس: «إعادة البناء تحيل أولاً، على إشكالية يعد تناولها جديداً نسبياً في فكر هابرماس وهو جاء ليعوض جزئياً تقريباً فكرة«التفكير الذاتي»(23). والهدف الأساسي من إعادة البناء تتمثل تحديداً في الدعوة إلى القيام بمناقشة إبستيمولوجية لنظرية ماركس من الداخل، بحيث تعمل على تغيير مركز الثقل فيها من البنى التحتية (الاقتصاد السياسي) إلى البنى الفوقية (24).
إن أهمية الخطاب المعياري تنطوي على «معيارية المجتمع وبين ذاتية اللغة»(25) في الفكر الهابرماسي وخصوصاً في كتابه بعد ماركس الذي استعاد فيه الروح الماركسية من خلال قراءته النقدية التي تستعيد خطاب الهوية كأفق جديد يمكن تأويله في الفكر الماركسي من خلال المناهج المعاصرة. وقد أفرد لها الفصول الثلاثة الأولى بوصفها محاولات «إعادة البناء» وهي بمثابة نقد للمادية التاريخية، وتنتهج المسلكية نفسها التي اقتضت «إعادة تأويل نمط تشكل هويات الأفراد والمجتمعات في ضوء ما تحقق من مكاسب نظرية بعد ماركس»(26).
وقد سلكت الهوية منعطفاً جديداً اليوم إثر الصدام الحاصل بين الحضارات والأديان والنزعات العرقية المتشبثة بالأصولية كجلمود صخر، والثاوية في عروشها. وإن السؤال الذي يتبادر لأذهاننا في ربط مسألة الهوية بملابسات الوضع الراهن عامة، والإخراج الإشكالي الذي أنزل فيه هابرماس مسألة الهوية خاصة، من جهة تفعيلها داخل براديغم اللغة بدلاً من براديغم الوعي الذي اشترط «النظرية الوطنية الدستورية المستمرة» من خلال «قدرة التواصل» الذي يستخرج من تبادل الآراء بين مواطنين متساويين يجمعهم مكان واحد في«حالة مثالية للكلام»(27).
قد أوّل فتحي المسكيني التواصل من جهة الوقوف على الملابسات والتداعيات الخطيرة التي ترجمها مسألة الهوية راهناً في الخطاب الإيتيقي وفق ما تحتمله مقدرتنا على التفكير في مسألة الهوية، من جهة كونها «ظاهرة تاريخية، أو ثقافية، أو أنتروبولوجية نوعية، أو عينية نفسية تكشف عن مدى انحسار مساحة الوعي لدينا»(28).
وإذا ما كنا نروم الاشتغال على نمط جديد في تفكير هابرماس يعنى رأساً بمسألة الهوية التداولية، فإنّ الأمر يتعلق بهاجس هابرماسي يستعيد من خلاله الشخصية الضامنة لكل المواطنين المتساوين ضمن الفضاء الثقافي أو ما يمكن أن نطلق عليه العلاقات بين الأفراد الذين تجمعهم تقاليد مشتركة تكشف عن الرابطة البينذاتية التي «تعنى بالترابط اللغوي بين الذوات بواسطة أفعال الكلام»(29). تتنزل مسألة الهوية في مقاربة هابرماس في مستوى بلورة المشروعية من خلال إعادة البناء وبالتحديد الفصل الأول المعنون بـ «المادية التاريخية» والغرض منه مقاربة الفلسفة الماركسية من خلال البنى المعيارية، ليدشن ميلاد أرضية صلبة تعنى باللغة التداولية من حيث هي ترجمة للتفاعلات المتداخلة التي من شأنها أن «تطور الهوية لدى الفرد كمفتاح يتيح فهم تغير الهويات الجماعية»(30).
وهي تراهن من ناحية أخرى، على القضايا الكونية التي تتواشج فيها كل المطالب الإنسانية مادامت العولمة هي الأرضية التي مدت الجسور للأفراد لكي يلتقوا ويتحاوروا. إذ علينا أن ندرك أن الهوية لدى هابرماس تأخذ منعرجاً جديداً يخالف التصوّر الثقافي للهوية. وأن الاختلاف يكمن في الهوية على اعتبارها صيغة الانفتاح يترجمها هابرماس في مدار تداولي يجد صلابته النظرية في المنعرج الألسني والبراغماتي معتبراً بذلك أنّ الهوية موقف إنجازي وذات بعد تداولي تهتم بالهوية الجماعية.
لكن علينا أن لا ننجرف وراء سوء الفهم، الذي تصوره لنا الكونية الجديدة التي تعدنا بشعارات فضفاضة تسوّق إلى القرابة بين البشر في عالم جديد تنتفي فيه الفوضى ويحل فيه السلم للجميع. ولكن قد يقتصر على نزعة قومية ضيقة، «نعتبر أنّ الحقل القومي يحدّ بصفة قاطعة الفضاء الذي يتم التعبير فيه بصفة ديموقراطية»(31). وفي مقابل ذلك يريد هابرماس أن يؤسس خطاباً فلسفياً يتجاوز التخوم الضيقة التي تكتسيها الرابطة الإقليمية مشرّعاً بذلك لهوية جماعية تأخذ في الحسبان الديموقراطية في إطار ائتلاف أوروبي بمقتضاها يحاول« أن يرصد الهوية الأوروبية»(32).
ونحن ندرك أن الإنسانية يحركها مبدأ الربح، ورهانها هو العقل الأداتي الذي يقصي كل مقومات الجهد الإنساني وهو ما تفطن إليه هابرماس في توجهه البراغماتي في إطار ما تقتضيه المصلحة المشتركة والفضاء العمومي. إنّ الأمر يتعلق لديه بالمجال السياسي والإيتيقي الذي يجب أن نذكر به أمام الخطورة التكنولوجية التي أدت إلى إفلاس المعنى. وقد يبني التواصلية في الشأن العام من جهة بلورته لإشكالية الهوية التي لا تتحدد إلا إذا ما تم ربطها بأخلاقيات التواصل التي حددها هابرماس في الفضاء العمومي على أنها «تلك الإيتيقا التي تخص مواطنين ملتزمين بتحديد قرارات مشتركة ومعقولة في إطار منافسة مفتوحة للكل وفي جميع الفضاءات العمومية»(33).
Page 4
لقد حاول حسن مصدق أن يكشف الرابطة الإيتيقية بين أخلاقيات التواصل والحوار العقلاني في تفكير هابرماس من حيث «إنّ أخلاقيات التواصل التي ينادي بها يورغن هابرماس(...) تقوم على المحاججة والإقناع(...) حيث لا يمكنها قبول القواعد والأحكام من دون برهان وجدال(...) يدعو إلى حوار عقلاني يمتلك فيه الإنسان المعاصر الرؤية والشجاعة اللازمتين لامتحان آرائه مع الناس»(34). إنّ التواصل في التصور الهابرماسي يقوم على أخلاقيات النقاش المنبثق أساساً من العقل. وبهذا يكون الإقناع هو القاعدة التي تجعل التوافق ممكناً بين الذوات، وهي تكتسي المسؤولية والحرية باعتبارها قيماً إنسانية تجنبنا السقوط في الخطاب العنصري والكلياني.
فرضية العمل
إذا ما حاولنا تقصي المتون الفلسفية التي تكشف لنا بكل ترو عن منزلة الهوية من جهة مقتضياتها النظرية والعملية، وهذا لايتسنى لنا إلا إذا انفتحنا على قراءات أعمال الفلاسفة التي ارتبطت جذرياً بفكر الهوية وتم اعتمادها في مقاربات فلسفية.
إن هذا الطور من الاستشكال يصل بنا إلى أن خطاب الهوية له قابلية الانفتاح والتعدد والتنوع حيث يستطيع أن يحتوي خطابات متعددة الأشكال والأنماط، تتحدد بموجبها ماهية الكائن الإنساني ذات الأبعاد المختلفة للكائن التاريخي وأحوال وجوده.
وقد عاين بروتر (Bruter Michael) العراقيل التي أفضت إلى أزمة المواطنة الأوروبية وفق قوله: «لكن، عوض أن نختصر العراقيل التي تهدد الهوية الأوروبية باعتبارها تتوافق مع النماذج المعتادة للأعمال الراهنة، وبالطرق المتنوعة في نطاق القوميات المخصصة لكل منها»(35).
إن هابرماس تجاوز مقاربتي: المادية لماركس والطرح الليبرالي، باعتبار كلا الفلسفتين الليبرالية والماركسية تمتلكان أفقاً موحداً لايخرج عن فلسفة الوعي، فهي في الأولى نزعة فردانية ذرية، تقوم على الفرد، وفي الثانية نزعة جمعية، تقوم على الطبقة، إلا أن الوعي الذي يبتغي الخلاص في كلتيهما مرده إلى الذات، فردية كانت أو جماعية، وكل منهما خلق تقاسيم مختلفة عن الآخر بالنسبة إلى مضمون الحرية الإنسانية. هذا المشروع الفلسفي يتجاوز من خلاله هابرماس «فلسفة الوعي والخطاب الليبرالي والماركسي ذي البعد التقني».(36)
ولهذا يطلق هابرماس على فلسفته الفعل التواصلي التي تجد أسسها داخل مجال التنويرية والشأن العقلي، وتنبذ العنف والقوة لتبلغ مستوى العقلانية التواصلية التي تضبط علاقة الفرد بالآخر. إذ تم بذلك إخضاع العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية القائمة داخل المجتمع على أساس أخلاقيات المناقشة وهو ما يفضي ضرورة لاستحضار الحوار الذي يقوم «على المساواة من دون ضغط أو إكراه»(37).
وهذا التناول الراهن للغة من منظور تداولي يجعل من هابرماس أحد رواد الفكر الفلسفي المعاصر.إذ يرقى بها من اللغة العادية إلى مستوى اللغة الفلسفية. يحاول فيها تقديم رؤية موسوعية تركيبية محورها الفلسفة، وعلم الاجتماع، واللسانيات التداولية وفلسفة القانون.
تعدّ هذه المقاربة الفلسفية المعاصرة ذات النزعة الكونية نقطة تحوّل استراتيجي في إعادة استشكال الهويات وبلورة قضاياها ضمن مطلب العولمة والكونية، وندرك خطورة هذه المسألة إنطلاقاً من مراجعته الهوية الحديثة «التي بقيت تعاني من التعارض بين الطابع الكسموبوليطيقي بماهو مواطن عالمي، وبين ماهو محلي إقليمي الذي يشكل قوام الدولة- الأمة، هوية سياسية مزدوجة فهو إنسان ومواطن في الوقت نفسه»(38). وهو ما يدعونا إلى تقصي دلالتها من الناحية المفهومية التي تفضي ضرورة إلى كشف آليات اشتغال الهوية كأساس فلسفي يترجم الفكر الإنساني المعاصر. فماهي الفرضيات التي ابتدعها لبلورة مسألة الهوية؟
يمكن ترجمة فرضيات عمله في الإمكانيات الفلسفية التالية:
أولاً: الطابع التوجيهي الذي تتميز به فلسفة هابرماس في أخلاقيات التواصل وسعيه الدؤوب في ربط الفلسفة بالواقع المعيشي. وهو ما تفاعل معه الفيلسوف داخل التفاهم وتحققه الهوية الجماعية. حيث يؤكد في كتابه بعد ماركس «كل هوية هي هوية جماعية تعيّن سلفاً ولا نختارها ولها استمرارية تتجاوز الآفاق البيوغرافية لأعضائنا»(39). ولكن التفاعل مع المتغيرات المتسارعة في تكنولوجيا الاتصالات والحواسيب واتساع السوق العالمية التي أفضت أساساً إلى تغيير معاني القيم وإلى التغيرات الاجتماعية. وهذا الأمر الذي يعكس شغف هابرماس بمستلزمات العصر جعله يرصد مسألة الهوية في أفق آخر يرقى فوق الخطاب الميتافيزيقي.
وبذلك استبدل إحداثية الوعي من مداره المتعالي الذي يجد حضوره في فلسفة الحداثة، لينعطف به إلى إحداثية اللغة التي اتسعت لنموذج جديد. وضمن هذا الفضاء الإيتيقي الجديد يظهر البشر كعناصر داخلة في حوار مستمر في ما بينها.« لقد تقرر انطلاقاً من دستور وطني يسنّ لنا الحقوق الذاتية في إطار الاتحاد الأوروبي، مدركاً للتركيب السياسي من منطلق الحقوق والواجبات للمواطنين المتكافلين.»(40)
ثانياً: تجاوز هابرماس المفهوم الخاطئ للحوار المنغلق الذي من شأنه أن يسبب أزمة التواصل. ولهذا يطمح إلى تجذير الحوار في الفضاء العام. يسعى الخطاب الهابرماسي إلى توثيق الصلة بين النظرية والممارسة، حيث يكشف عن العزلة الفكرية من جهة تمركز الخطاب حول الذات، التي لا تسمح بتطوير الفكر الإنساني الذي ينتصر إلى قيم كونية تهدف إلى المشاركة الفعّالة دون اقصاء أو تهميش، «الانتقال من المستوى الوطني إلى مستوى ما فوق الوطني، من شأنه - بالطبع - أن يغير من صلاحيات الدول الوطنية ويتسبب في ظهور نقائص للشرعية. وقد ينضاف إلى عجز الديموقراطية الحالية في المجتمعات المتعددة التي أصابتها العولمة، بحيث اضمحلت كجوهر ثقافي للتضامن بين المواطنين كما ترعرع في الدولة – الأمة»(41)
فرضية العمل
إذا ما حاولنا تقصي المتون الفلسفية التي تكشف لنا بكل ترو عن منزلة الهوية من جهة مقتضياتها النظرية والعملية، وهذا لايتسنى لنا إلا إذا انفتحنا على قراءات أعمال الفلاسفة التي ارتبطت جذرياً بفكر الهوية وتم اعتمادها في مقاربات فلسفية.
إن هذا الطور من الاستشكال يصل بنا إلى أن خطاب الهوية له قابلية الانفتاح والتعدد والتنوع حيث يستطيع أن يحتوي خطابات متعددة الأشكال والأنماط، تتحدد بموجبها ماهية الكائن الإنساني ذات الأبعاد المختلفة للكائن التاريخي وأحوال وجوده.
وقد عاين بروتر (Bruter Michael) العراقيل التي أفضت إلى أزمة المواطنة الأوروبية وفق قوله: «لكن، عوض أن نختصر العراقيل التي تهدد الهوية الأوروبية باعتبارها تتوافق مع النماذج المعتادة للأعمال الراهنة، وبالطرق المتنوعة في نطاق القوميات المخصصة لكل منها»(35).
إن هابرماس تجاوز مقاربتي: المادية لماركس والطرح الليبرالي، باعتبار كلا الفلسفتين الليبرالية والماركسية تمتلكان أفقاً موحداً لايخرج عن فلسفة الوعي، فهي في الأولى نزعة فردانية ذرية، تقوم على الفرد، وفي الثانية نزعة جمعية، تقوم على الطبقة، إلا أن الوعي الذي يبتغي الخلاص في كلتيهما مرده إلى الذات، فردية كانت أو جماعية، وكل منهما خلق تقاسيم مختلفة عن الآخر بالنسبة إلى مضمون الحرية الإنسانية. هذا المشروع الفلسفي يتجاوز من خلاله هابرماس «فلسفة الوعي والخطاب الليبرالي والماركسي ذي البعد التقني».(36)
ولهذا يطلق هابرماس على فلسفته الفعل التواصلي التي تجد أسسها داخل مجال التنويرية والشأن العقلي، وتنبذ العنف والقوة لتبلغ مستوى العقلانية التواصلية التي تضبط علاقة الفرد بالآخر. إذ تم بذلك إخضاع العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية القائمة داخل المجتمع على أساس أخلاقيات المناقشة وهو ما يفضي ضرورة لاستحضار الحوار الذي يقوم «على المساواة من دون ضغط أو إكراه»(37).
وهذا التناول الراهن للغة من منظور تداولي يجعل من هابرماس أحد رواد الفكر الفلسفي المعاصر.إذ يرقى بها من اللغة العادية إلى مستوى اللغة الفلسفية. يحاول فيها تقديم رؤية موسوعية تركيبية محورها الفلسفة، وعلم الاجتماع، واللسانيات التداولية وفلسفة القانون.
تعدّ هذه المقاربة الفلسفية المعاصرة ذات النزعة الكونية نقطة تحوّل استراتيجي في إعادة استشكال الهويات وبلورة قضاياها ضمن مطلب العولمة والكونية، وندرك خطورة هذه المسألة إنطلاقاً من مراجعته الهوية الحديثة «التي بقيت تعاني من التعارض بين الطابع الكسموبوليطيقي بماهو مواطن عالمي، وبين ماهو محلي إقليمي الذي يشكل قوام الدولة- الأمة، هوية سياسية مزدوجة فهو إنسان ومواطن في الوقت نفسه»(38). وهو ما يدعونا إلى تقصي دلالتها من الناحية المفهومية التي تفضي ضرورة إلى كشف آليات اشتغال الهوية كأساس فلسفي يترجم الفكر الإنساني المعاصر. فماهي الفرضيات التي ابتدعها لبلورة مسألة الهوية؟
يمكن ترجمة فرضيات عمله في الإمكانيات الفلسفية التالية:
أولاً: الطابع التوجيهي الذي تتميز به فلسفة هابرماس في أخلاقيات التواصل وسعيه الدؤوب في ربط الفلسفة بالواقع المعيشي. وهو ما تفاعل معه الفيلسوف داخل التفاهم وتحققه الهوية الجماعية. حيث يؤكد في كتابه بعد ماركس «كل هوية هي هوية جماعية تعيّن سلفاً ولا نختارها ولها استمرارية تتجاوز الآفاق البيوغرافية لأعضائنا»(39). ولكن التفاعل مع المتغيرات المتسارعة في تكنولوجيا الاتصالات والحواسيب واتساع السوق العالمية التي أفضت أساساً إلى تغيير معاني القيم وإلى التغيرات الاجتماعية. وهذا الأمر الذي يعكس شغف هابرماس بمستلزمات العصر جعله يرصد مسألة الهوية في أفق آخر يرقى فوق الخطاب الميتافيزيقي.
وبذلك استبدل إحداثية الوعي من مداره المتعالي الذي يجد حضوره في فلسفة الحداثة، لينعطف به إلى إحداثية اللغة التي اتسعت لنموذج جديد. وضمن هذا الفضاء الإيتيقي الجديد يظهر البشر كعناصر داخلة في حوار مستمر في ما بينها.« لقد تقرر انطلاقاً من دستور وطني يسنّ لنا الحقوق الذاتية في إطار الاتحاد الأوروبي، مدركاً للتركيب السياسي من منطلق الحقوق والواجبات للمواطنين المتكافلين.»(40)
ثانياً: تجاوز هابرماس المفهوم الخاطئ للحوار المنغلق الذي من شأنه أن يسبب أزمة التواصل. ولهذا يطمح إلى تجذير الحوار في الفضاء العام. يسعى الخطاب الهابرماسي إلى توثيق الصلة بين النظرية والممارسة، حيث يكشف عن العزلة الفكرية من جهة تمركز الخطاب حول الذات، التي لا تسمح بتطوير الفكر الإنساني الذي ينتصر إلى قيم كونية تهدف إلى المشاركة الفعّالة دون اقصاء أو تهميش، «الانتقال من المستوى الوطني إلى مستوى ما فوق الوطني، من شأنه - بالطبع - أن يغير من صلاحيات الدول الوطنية ويتسبب في ظهور نقائص للشرعية. وقد ينضاف إلى عجز الديموقراطية الحالية في المجتمعات المتعددة التي أصابتها العولمة، بحيث اضمحلت كجوهر ثقافي للتضامن بين المواطنين كما ترعرع في الدولة – الأمة»(41)
Page 5
ثالثاً: يتحدد الفكر في معيارية القوانين وعقلنة الإرادة الإنسانية من خلال أخلاقيات الحوار وسيادة العقل النقدي، وإبراز طاقاته البرهانية والحوارية. وفي كتابه الدولة - الأمة بيَّن هابرماس« أن تصور الديموقراطية على نظرية المناقشة يحدد شروط مشروعية السياسة الديموقراطية» (42). وهي تقترن بالنقاش الذي يعتبر الآلية الكفيلة بتحقيق تفاهم بين البشر والتواصل بينهم. وهذا التوجه الفكري لهابرماس دعم انتصاره للنقدية حيث كان للكانطية ومدرسة فرانكفورت الأثر الكبير في توجيه منهج بحثه. وذلك بقصد رصد تعلمية كونية معاصرة. ويحدد هابرماس ملامح مشروعه الكوني في الهوية على اعتبارها «هوية جماعية قابلة للمصالحة مع البنى الكونية»(43).
إن وفاء هابرماس لهذه المسلكية النقدية التي عمل من خلالها على فتح ثغرة في عالم اليقين الوهمي الذي أدى إلى انتصار البورجوازية والاقتصاد الرأسمالي قصد تفعيل الفكر النقدي وتعميق السؤال الراديكالي حول جذور السيطرة وآليات استغلال الإنسان والطبيعة معاً. وهذا الأمر سيظل رهين مراجعة منطق فهمنا للهوية في إطار الحركات الاجتماعية التي تفضي إلى مراجعة الإنتاج الاقتصادي وصيرورة نشاط المعايير والقيم. إنّ هابرماس يذهب إلى أكثر من ذلك في مصالحة الأنا من جهة بنى الوعي بنمط أكثر انفتاحاً على البنى الاجتماعية، «بنى وعي متماثلة بين تطور الأنا والتطور الاجتماعي»(44) .
يستخلص هابرماس من خلال هذه الافتراضات مقياساً أساسياً للصلاحية يعبّر عن نفسه بمقتضى مبدأ خطابي يقوم أساساً على البرهنة. هذا المبدأ يضفي الشرعية على المعايير التي يتقبلها جميع المعنيين إثر مشاركتهم في المنافسة والحوار. وهذا ما بيّنه في معرض حديثه عن الاعتراف المتبادل بشكل ديموقراطي بينهم دون قسر أو إرغام، باعتبارهم يشكلون القانون بصورة جماعية. وفي ضوء هذا المبدأ لايتم الاعتراف بصلاحية أي قرارات إلا تلك التي يتوافق عليها جميع المعنيين باعتبارهم مشاركين.
وبهذا يتجاوز هابرماس نموذج التعاقد الاجتماعي الكلاسيكي وهو مطلب يرسي الجدل والمحاججة كقاعدة تحترم فيها متطلبات النقاش العقلاني الصارم. أما على مستوى كسمولوجي باعتباره موجهاً نحو منبر عالمي من العقلاء يقتنع به جميع المشتركين، «ذلك أن مبدأ الديموقراطية يتسم باجراءات خطابية عقلانية من طرف جميع المشاركين لإعداد القانون»(45).
هذا المشروع الفلسفي النقدي يختزله هابرماس في مفهوم المشروعية التي لا يمكن أن تكون خارج أخلاقيات الحوار باعتبار أن المقصد الأساسي في تحديد مسألة الهوية هو وصلها بالعامل الاجتماعي. وهو ما يفضي إلى التكامل الأوروبي الذي يجعل الأوروبيين يسعون إلى إزالة القيود. ولهذا يمكن التمييز بين ما هو متماثل بين الأقطار وماهو مشترك. وقد أوّل (Bruter Michael) في مستوى حديثه عن الهوية الأوروبية في علاقتها بالدستور الوطني قائلاً:« إنّ الهوية الأوروبية تكون ممكنة بموجب منطق الدستور الوطني الذي يفتتح مسلكاً يتمثّل المقاصد التي تبلغ بنا هيئة مدنية لتحقيق هوية أوروبية. وهي تستجلي النقاش الدائر حول المعنى السياسي لتكافل اجتماعي يعنى بالهوية الوطنية»(46).
إن طموح الاتحاد الأوروبي هو الانتقال من طور التعاون المكثف إلى معاهدة دستورية أوروبية موحّدة، تنتج منها حكومة تضطلع بمهام ممارسة السلطة التنفيذية والتشريعية في إطار فيدرالي. وهذا التعاون يكوّن الشكل الأرقى لمنبر حوار يترجم حضوراً أكثر مشروعية لتأسيس «منبر عالمي» في صيغة كونية. وما يسمح لها أن تضطلع بمشكلات عالمنا المعاصر. يقول هابرماس في مؤلفه نظرية الفعل التواصلي: «على خلاف معايير الفعل، فإنه لا وجود للقيم الثقافية التي توجه نحو الكونية والشمولية. إن القيم الثقافية مجرد فضاء للاعتراف التذاوتي وهذا لا يعني قطعاً توجهاً نحو إتقان ثقافي شامل كوني، إذ إنّ البراهين المساعدة على تبرير القيم الأصلية لا تعوض شروط الخطاب»(47).
وفي تقديرنا، إنّ هذا البحث له وجاهته الفلسفية من جهة بلورته لمشكلات العصر التي تحددت ملامحها بجلاء إثر النقاشات السائدة اليوم. فقد عاين هابرماس هذه المعضلة بالرجوع إلى «تصاعد أهمية دور التفاعل على الإنتاج»(48). وهذا ما يجعلنا أمام مسألة معقدة، رغم أنها تبدو للبعض موضوعاً يسيراً، بالنظر لملامسة بعض جوانبه الدلالية دون الارتقاء للمساءلة الإشكالية من جهة ما تستبطنه من قضايا راهنة تتسع لكل مقومات الحياة الإنسانية ومعانيها الرمزية. وبموجبها يفتح هابرماس أرضاً بكراً لم يأت الفلاسفة إلا على بعض جوانبها. وهذا يعود إلى الآليات التي تم اعتمادها في ترسيخ هذه المعاني الإيتيقية ومنها اللغة المعاصرة والدراسات المتطورة لعلم الإيكولوجيا والجينات.
انطلاقاً من هذه التوضيحات المنهجية التي حاولنا أن نتابع فيها مسارات الهوية فإن لحظات البحث ستكون وفق التمشي التالي:
إن وفاء هابرماس لهذه المسلكية النقدية التي عمل من خلالها على فتح ثغرة في عالم اليقين الوهمي الذي أدى إلى انتصار البورجوازية والاقتصاد الرأسمالي قصد تفعيل الفكر النقدي وتعميق السؤال الراديكالي حول جذور السيطرة وآليات استغلال الإنسان والطبيعة معاً. وهذا الأمر سيظل رهين مراجعة منطق فهمنا للهوية في إطار الحركات الاجتماعية التي تفضي إلى مراجعة الإنتاج الاقتصادي وصيرورة نشاط المعايير والقيم. إنّ هابرماس يذهب إلى أكثر من ذلك في مصالحة الأنا من جهة بنى الوعي بنمط أكثر انفتاحاً على البنى الاجتماعية، «بنى وعي متماثلة بين تطور الأنا والتطور الاجتماعي»(44) .
يستخلص هابرماس من خلال هذه الافتراضات مقياساً أساسياً للصلاحية يعبّر عن نفسه بمقتضى مبدأ خطابي يقوم أساساً على البرهنة. هذا المبدأ يضفي الشرعية على المعايير التي يتقبلها جميع المعنيين إثر مشاركتهم في المنافسة والحوار. وهذا ما بيّنه في معرض حديثه عن الاعتراف المتبادل بشكل ديموقراطي بينهم دون قسر أو إرغام، باعتبارهم يشكلون القانون بصورة جماعية. وفي ضوء هذا المبدأ لايتم الاعتراف بصلاحية أي قرارات إلا تلك التي يتوافق عليها جميع المعنيين باعتبارهم مشاركين.
وبهذا يتجاوز هابرماس نموذج التعاقد الاجتماعي الكلاسيكي وهو مطلب يرسي الجدل والمحاججة كقاعدة تحترم فيها متطلبات النقاش العقلاني الصارم. أما على مستوى كسمولوجي باعتباره موجهاً نحو منبر عالمي من العقلاء يقتنع به جميع المشتركين، «ذلك أن مبدأ الديموقراطية يتسم باجراءات خطابية عقلانية من طرف جميع المشاركين لإعداد القانون»(45).
هذا المشروع الفلسفي النقدي يختزله هابرماس في مفهوم المشروعية التي لا يمكن أن تكون خارج أخلاقيات الحوار باعتبار أن المقصد الأساسي في تحديد مسألة الهوية هو وصلها بالعامل الاجتماعي. وهو ما يفضي إلى التكامل الأوروبي الذي يجعل الأوروبيين يسعون إلى إزالة القيود. ولهذا يمكن التمييز بين ما هو متماثل بين الأقطار وماهو مشترك. وقد أوّل (Bruter Michael) في مستوى حديثه عن الهوية الأوروبية في علاقتها بالدستور الوطني قائلاً:« إنّ الهوية الأوروبية تكون ممكنة بموجب منطق الدستور الوطني الذي يفتتح مسلكاً يتمثّل المقاصد التي تبلغ بنا هيئة مدنية لتحقيق هوية أوروبية. وهي تستجلي النقاش الدائر حول المعنى السياسي لتكافل اجتماعي يعنى بالهوية الوطنية»(46).
إن طموح الاتحاد الأوروبي هو الانتقال من طور التعاون المكثف إلى معاهدة دستورية أوروبية موحّدة، تنتج منها حكومة تضطلع بمهام ممارسة السلطة التنفيذية والتشريعية في إطار فيدرالي. وهذا التعاون يكوّن الشكل الأرقى لمنبر حوار يترجم حضوراً أكثر مشروعية لتأسيس «منبر عالمي» في صيغة كونية. وما يسمح لها أن تضطلع بمشكلات عالمنا المعاصر. يقول هابرماس في مؤلفه نظرية الفعل التواصلي: «على خلاف معايير الفعل، فإنه لا وجود للقيم الثقافية التي توجه نحو الكونية والشمولية. إن القيم الثقافية مجرد فضاء للاعتراف التذاوتي وهذا لا يعني قطعاً توجهاً نحو إتقان ثقافي شامل كوني، إذ إنّ البراهين المساعدة على تبرير القيم الأصلية لا تعوض شروط الخطاب»(47).
وفي تقديرنا، إنّ هذا البحث له وجاهته الفلسفية من جهة بلورته لمشكلات العصر التي تحددت ملامحها بجلاء إثر النقاشات السائدة اليوم. فقد عاين هابرماس هذه المعضلة بالرجوع إلى «تصاعد أهمية دور التفاعل على الإنتاج»(48). وهذا ما يجعلنا أمام مسألة معقدة، رغم أنها تبدو للبعض موضوعاً يسيراً، بالنظر لملامسة بعض جوانبه الدلالية دون الارتقاء للمساءلة الإشكالية من جهة ما تستبطنه من قضايا راهنة تتسع لكل مقومات الحياة الإنسانية ومعانيها الرمزية. وبموجبها يفتح هابرماس أرضاً بكراً لم يأت الفلاسفة إلا على بعض جوانبها. وهذا يعود إلى الآليات التي تم اعتمادها في ترسيخ هذه المعاني الإيتيقية ومنها اللغة المعاصرة والدراسات المتطورة لعلم الإيكولوجيا والجينات.
انطلاقاً من هذه التوضيحات المنهجية التي حاولنا أن نتابع فيها مسارات الهوية فإن لحظات البحث ستكون وفق التمشي التالي:
Page 6
في القسم الأول من البحث سنحاول رصد الوضع الابستيمولوجي الذي ساهم في تحضير مسألة الهوية من خلال أرضية المعاصرة. حيث تدفقت المنظورات والمقاربات حول الهوية لصياغة نظرية فلسفية تستمد مقوماتها من عقل عملي منتج لتواصلية خطابية. إن هذا التوظيف الفلسفي ومقاصده الإيتيقية نابعان من هذا العقل حيث يقوم هابرماس باستنتاج «ترانسندنتالي للبنيات المعيارية، كالقانون والأخلاق بهدف التفكير في إمكانية هوية جماعية كونية»(49). ونحن ندرك أن هابرماس قد أعد كل المقومات الأساسية من علوم عصره التي تعددت مجالات اهتمامها وتفرعت لعدة علوم من بينها: علوم النفس وعلوم الاجتماع وفلسفة اللغة واللسانيات.
وإذا كان نقد هابرماس للعقلانية الوسائلية لا يدفعه نهائياً إلى أن يتخلى عن فلسفة الأنوار المفروضة عليه من قبل العقل، فإنه يؤول هذا النمط الآداتي من خلال عقلانية الحداثة التي طوقت البعد الإيتيقي للإنسان، «لا نحصر دلالة العقلنة الحديثة في آليات العقل الآداتي بل علينا أن نكشف عن مسارات العقلنة»(50).
أمّا القسم الثاني من البحث فسنسعى فيه إلى تحديد منزلة الهوية التي ارتبطت بالمنعطف اللغوي، وتمّ فيه تحويل براديغم الوعي إلى براديغم اللغة. وانتهى إلى المنحى الترانسندنتالي الذي يجد مكانته في الخطاب المعياري المتوافق مع اهتمامات المجتمعات. غير أنه يتخذ الرموز والخطاب آلية للتواصل كنمط أساسي لوجود الإنسان. يقول هابرماس:«لا يحقق الأنا أشكال التمييز الذاتية الخاصة به هو بالذات. ويقدم نفسه بوصفه أنا عملياً على أنه منخرط في إطار نشاط تواصلي»(51).
إن الخطاب السياسي يخضع لبنية حوارية، إذ إنّ الالتزام بمبدأ الحوار، يؤدي إلى الالتزام بشروط التعايش الديموقراطي، حيث«تبدو نظرية المناقشة كفعل حواري يهدف إلى نحت هوية جماعية ذات بعد كوني، هوية تتجسد من خلال جماعة سياسية تظل مفتوحة لاندماج كل المواطنين ومن أية أصول»(52). وقد وعى هابرماس بهذا المشكل في أرقى تعقيداته من خلال توجيه الرأي العام لبناء هويات الأفراد والجماعات في نظام تذاوتي، يتشكل من خلال الواقع الاجتماعي بالتفاهم، فالأشياء لم يعد لها وضع نهائي، وتنبثق معانيها عبر مصفاة مختلف التأويلات المقدمة لها.
وفي القسم الثالث سنتابع العمومية التي تتجلى تمظهراتها في الساحات العامة بماهي سلطة عمومية تضطلع عادة بالشؤون العامة لكل المواطنين. وهي بذلك تتجاوز الحدود الضيقة في فهم مكتسبات المواطنة والدولة في ظل خطاب كوني. «تتيح المدينة للمواطنين فرصة المناقشة والمداولات العامة في إطار من التبادل والتساوي حيث يتمكنون من توطيد الحوار والاعتراف»(53). فهذا التصور مشروط بالرأي العام الذي يعد وسيلة المواطنين في انخراطهم داخل مؤسسات الدولة. إن المقاربة الهابرماسية تجعلنا نفهم أن الهوية لا تكون خارج الفضاء الرمزي الذي يتكون عبر الزمن ويحتاج تكونه إلى تبلور مفردات ومنظومات وقيم مشتركة، واعتراف متبادل بالشرعية الخاصة بكل فاعل، حتى يصبح من الممكن النقاش والاعتراض والتشاور.إنّه بموجب هذا التصور يصبح فضاءً معقلناً وعمومياً.
وهذا ما يسمح بالعودة إلى التفكير الفلسفي الذي أصبح أمراً ضرورياً من جهة العودة إلى الكونية من حيث هي أفق يسمح بأخلاقيات الحوار: إنّ الفكر «صار إقليمياً ظرفياً يهتم بقضايا محددة داخل حقل معيّن»(54). وقبل بلورة الفضاء الإشكالي يجب علينا الوقوف على الأطروحة المركزية التي يحاول من خلالها هابرماس بلورة مسألة الهوية في ظل رهانات العصر:
وإذا كان نقد هابرماس للعقلانية الوسائلية لا يدفعه نهائياً إلى أن يتخلى عن فلسفة الأنوار المفروضة عليه من قبل العقل، فإنه يؤول هذا النمط الآداتي من خلال عقلانية الحداثة التي طوقت البعد الإيتيقي للإنسان، «لا نحصر دلالة العقلنة الحديثة في آليات العقل الآداتي بل علينا أن نكشف عن مسارات العقلنة»(50).
أمّا القسم الثاني من البحث فسنسعى فيه إلى تحديد منزلة الهوية التي ارتبطت بالمنعطف اللغوي، وتمّ فيه تحويل براديغم الوعي إلى براديغم اللغة. وانتهى إلى المنحى الترانسندنتالي الذي يجد مكانته في الخطاب المعياري المتوافق مع اهتمامات المجتمعات. غير أنه يتخذ الرموز والخطاب آلية للتواصل كنمط أساسي لوجود الإنسان. يقول هابرماس:«لا يحقق الأنا أشكال التمييز الذاتية الخاصة به هو بالذات. ويقدم نفسه بوصفه أنا عملياً على أنه منخرط في إطار نشاط تواصلي»(51).
إن الخطاب السياسي يخضع لبنية حوارية، إذ إنّ الالتزام بمبدأ الحوار، يؤدي إلى الالتزام بشروط التعايش الديموقراطي، حيث«تبدو نظرية المناقشة كفعل حواري يهدف إلى نحت هوية جماعية ذات بعد كوني، هوية تتجسد من خلال جماعة سياسية تظل مفتوحة لاندماج كل المواطنين ومن أية أصول»(52). وقد وعى هابرماس بهذا المشكل في أرقى تعقيداته من خلال توجيه الرأي العام لبناء هويات الأفراد والجماعات في نظام تذاوتي، يتشكل من خلال الواقع الاجتماعي بالتفاهم، فالأشياء لم يعد لها وضع نهائي، وتنبثق معانيها عبر مصفاة مختلف التأويلات المقدمة لها.
وفي القسم الثالث سنتابع العمومية التي تتجلى تمظهراتها في الساحات العامة بماهي سلطة عمومية تضطلع عادة بالشؤون العامة لكل المواطنين. وهي بذلك تتجاوز الحدود الضيقة في فهم مكتسبات المواطنة والدولة في ظل خطاب كوني. «تتيح المدينة للمواطنين فرصة المناقشة والمداولات العامة في إطار من التبادل والتساوي حيث يتمكنون من توطيد الحوار والاعتراف»(53). فهذا التصور مشروط بالرأي العام الذي يعد وسيلة المواطنين في انخراطهم داخل مؤسسات الدولة. إن المقاربة الهابرماسية تجعلنا نفهم أن الهوية لا تكون خارج الفضاء الرمزي الذي يتكون عبر الزمن ويحتاج تكونه إلى تبلور مفردات ومنظومات وقيم مشتركة، واعتراف متبادل بالشرعية الخاصة بكل فاعل، حتى يصبح من الممكن النقاش والاعتراض والتشاور.إنّه بموجب هذا التصور يصبح فضاءً معقلناً وعمومياً.
وهذا ما يسمح بالعودة إلى التفكير الفلسفي الذي أصبح أمراً ضرورياً من جهة العودة إلى الكونية من حيث هي أفق يسمح بأخلاقيات الحوار: إنّ الفكر «صار إقليمياً ظرفياً يهتم بقضايا محددة داخل حقل معيّن»(54). وقبل بلورة الفضاء الإشكالي يجب علينا الوقوف على الأطروحة المركزية التي يحاول من خلالها هابرماس بلورة مسألة الهوية في ظل رهانات العصر:
Page 7
إن الأطروحة المركزية التي يدافع عنها هابرماس تتمثل في إحداث خطاب فلسفي حول مسألة الهوية، يستطيع من خلاله تحديد الفجوة بين خطاب الهوية الميتافيزيقي والايديولوجيا، وبين التناول الأنطولوجي للهوية والبعد المعياري ذي النزعة البينذاتية(55). إذ إنّ الإفتراضات التي وضعها هابرماسلتسوية النزاعات تظهر في الفعل التواصلي بصورة توافقية، وذلك قصد الحفاظ على إيتيقا الفهم التي تجمع بين الذوات المتكلمة والفاعلة، من جهة امتحانه للقضايا الفلسفية وذلك باستنتاج ترانسندنتالي للقضايا الإيتيقية.
في بلورة الفضاء الاشكالي
ماهي الإمكانيات الفلسفية التي تمكن بلورتها في مقاربتنا لمسألة الهوية. هذا ما يدفعنا إلى رصد خطة المعالجة التي تستوجب تذليل كل صعوبة من الإمكانيات الفلسفية التي تكتنف كل مستوى من مستويات تخريج هذه الإشكالية:
إذا كان سؤال الهوية قديم في التناول الفلسفي، فما الذي شرّع العودة إلى الالتقاء معه من جديد؟ بمعنى كيف يكون البحث حول مسألة الهوية معاصراً لنا؟ فإذا ماكان سؤال:« ما الهوية؟» متعدد الأبعاد نظراً لاتساع السؤال حول المعنى والحقيقة، فما هي الدلالات التي يمكن أن تحمل على مفهوم الهوية؟ وفيما تكمن راهنيته. ومدى تناسبه مع مشاغل اهتماماتنا ومستلزماتنا التقنية والتكنولوجية؟
هل إنّ مسألة الهوية ادعاء منهجي لم تستطع الفلسفة الكلاسيكية أن تفي به إلى حد الآن، ومن ثم يجدر بنا نقل المشكل من مستوى سؤال الميتافيزيقين – الباحثين في ماهية الموجودات من جهة الهوية«إلى سؤال المابعد ميتافيزيقين؟»(56) بما هو الإخراج الإشكالي الذي أنزل فيه هابرماس مسألة الهوية من جهة تفعيلها داخل براديغم اللغة؟
ألا يدفعنا هذا إلى الخروج من تخوم الماهو التأسيسي المشترط للأفق الأنطولوجي، الذي يجد صلابته في المنحى الميتافيزيقي، وكانت غايته العليا إرساء «هوية ثابتة» إلى مقاربة أخرى تكون أكثر راهنية وارتباطاً بملامح الإنسان المعاصر وطبيعة خصائص الظاهرة الإنسانية المتطورة؟ هل يعني ذلك أن الهوية أصبحت تعنى بذلك الفضاء الإنساني الذي يلتقي فيه المرء مع الآخرين ليتطارحوا القضايا والمشكلات، مادامت تجمعهم تقاليد مشتركة، أم أن الأمر يقتضي مراجعة التواصل من جهة ما أحدثته أزمة العصر في السيطرة التي فرضتها العقلانية الحسابية وتراجع القيم الإيتيقية وإفلاس المعنى؟ وكيف ساهم ظهور الأقليات العرقية وتنامي المركزية الغربية في إحداث الفجوة وتعميق الهوة؟ مالذي جعل من مسألة الهوية المدار الإشكالي الذي حاول من خلاله هابرماس أن يفتتح فلسفة كونية منفتحة على علوم عصرها؟
القسم الأول :الهوية في طور «التفكّر الذاتي»
الفصل الأول
في بلورة الفضاء الاشكالي
ماهي الإمكانيات الفلسفية التي تمكن بلورتها في مقاربتنا لمسألة الهوية. هذا ما يدفعنا إلى رصد خطة المعالجة التي تستوجب تذليل كل صعوبة من الإمكانيات الفلسفية التي تكتنف كل مستوى من مستويات تخريج هذه الإشكالية:
إذا كان سؤال الهوية قديم في التناول الفلسفي، فما الذي شرّع العودة إلى الالتقاء معه من جديد؟ بمعنى كيف يكون البحث حول مسألة الهوية معاصراً لنا؟ فإذا ماكان سؤال:« ما الهوية؟» متعدد الأبعاد نظراً لاتساع السؤال حول المعنى والحقيقة، فما هي الدلالات التي يمكن أن تحمل على مفهوم الهوية؟ وفيما تكمن راهنيته. ومدى تناسبه مع مشاغل اهتماماتنا ومستلزماتنا التقنية والتكنولوجية؟
هل إنّ مسألة الهوية ادعاء منهجي لم تستطع الفلسفة الكلاسيكية أن تفي به إلى حد الآن، ومن ثم يجدر بنا نقل المشكل من مستوى سؤال الميتافيزيقين – الباحثين في ماهية الموجودات من جهة الهوية«إلى سؤال المابعد ميتافيزيقين؟»(56) بما هو الإخراج الإشكالي الذي أنزل فيه هابرماس مسألة الهوية من جهة تفعيلها داخل براديغم اللغة؟
ألا يدفعنا هذا إلى الخروج من تخوم الماهو التأسيسي المشترط للأفق الأنطولوجي، الذي يجد صلابته في المنحى الميتافيزيقي، وكانت غايته العليا إرساء «هوية ثابتة» إلى مقاربة أخرى تكون أكثر راهنية وارتباطاً بملامح الإنسان المعاصر وطبيعة خصائص الظاهرة الإنسانية المتطورة؟ هل يعني ذلك أن الهوية أصبحت تعنى بذلك الفضاء الإنساني الذي يلتقي فيه المرء مع الآخرين ليتطارحوا القضايا والمشكلات، مادامت تجمعهم تقاليد مشتركة، أم أن الأمر يقتضي مراجعة التواصل من جهة ما أحدثته أزمة العصر في السيطرة التي فرضتها العقلانية الحسابية وتراجع القيم الإيتيقية وإفلاس المعنى؟ وكيف ساهم ظهور الأقليات العرقية وتنامي المركزية الغربية في إحداث الفجوة وتعميق الهوة؟ مالذي جعل من مسألة الهوية المدار الإشكالي الذي حاول من خلاله هابرماس أن يفتتح فلسفة كونية منفتحة على علوم عصرها؟
القسم الأول :الهوية في طور «التفكّر الذاتي»
الفصل الأول
Page 8
مستويات الهوية ودلالاتها
مقدمة
إن الوقوف على الدلالة المعجمية لكلمة الهوية التي نتابع فيها مساراتها اللغوية للمساهمة في بلورة مفهوم الهوية، إذ مهدت مسألة الهوية التداولية لحضور فاعلية الخطاب الفلسفي المعاصر في تفكير هابرماس، حيث سعى فيه جاهداً لوضع أسس صلبة لصياغة دلالة الهوية التي تظل من المفاهيم الأشد عسراً في التحديدات الفلسفية، نظراً لاختلاف السياقات من لسان لآخر. وكذلك لاتساع الحقول المتعددة التي نشأت فيها. وهي مرتبطة بإبستيمية معينة تحدد الزمنية التي فكر من خلالها الفلاسفة. ولهذا نجدها زئبقية في رصدنا لدلالتها.
وهذا ما يجعلنا نتقصى الفضاء الدلالي في جملة من المعاجم المختلفة وبالتحديد «تجربة هابرماس الشخصية»(57) القائمة على منهج إعادة البناء وفق مناهج معاصرة. وهي مستمدة من المنعرج اللغوي للفلسفة المعاصرة مستعيناً بالحقول المعرفية التي تجد منابتها في العلوم الاجتماعية والبسيكولوجية لتحديد بنية هوية الأنا(58). وهو يسعى للارتقاء بمسألة الهوية صوب أفق أكثر طموحاً واتساعاً من خلال «البنى الاجتماعية»(59). فكيف يمكن بلورة الدلالة اللغوية لكلمة «هوية»؟ وماهي الإسنادات الممكنة التي ساهمت في بروز الهوية كاحتراف فلسفي؟
1- التحديد اللغوي للهوية
إن أولى اهتماماتنا هو أن نتقصى مفهوم الهوية في دلالته اللغوية حتى يتسنى لنا تسجيل تمثلات فكرية واضحة تمكننا من فك ملابسات المفهوم، ضمن الحيز الذي يشغله داخل المدونة الكونية عامة، وفلسفة هابرماس بصفة خاصة. والإشكال الذي يتعيّن علينا طرحه هو:
ما هي الإمكانيات الفلسفية التي يمكن ترجمتها من خلال معاشرة الفلاسفة لسؤال «ما الهوية؟»، في مستوى الدلالة والفهم والإشكال؟
الهوية لغة: من هوى يهوي هوة، والهوية تصغير هوة. وقيل الهوية بئر بعيدة المهواة (الحفرة البعيدة القعر)(60). وهذا مايبرر الحضور المكثف للهوية في كل الأزمنة. وإذا بحثنا في دلالة الهوية في اللسان الفرنسي وفق تحديد معجم لالاند(61)، فإنها تدل على الميزة الثابتة في الذات، إنها ميزة ماهو متماثل سواء تعلق بما تقيمه الذات من علاقة - (باللاتينية(62)، هي: Identitas ، أما الفرنسية فتعني Identité ) - مع ذاتها، أو مع الواقع على اختلاف أشكاله.
الهوية (Idme) يطلق بمعنيين: الأول، هو الشيء نفسه، والثاني الشيء الذي لايختلف في شيء عن شيء آخر، ومن هذا الأصل اشتقت كلمة (Identicus) وتعني الشبيه والنظير والشيء نفسه وعكسه «المغاير» أو«المختلف». هذا التحديد المعجمي يكشف لنا عن أصالة المفهوم ومشاركته في أكثر من معنى مما يجعل من الهوية أفقاً ثرياً يستجلي إنجازات الإنسان عبر صيرورة الفكر وترحله الإبستيمي، فما هي الدلالة الأنطولوجية للهوية من جهة الماهو تأسيسي؟
مقدمة
إن الوقوف على الدلالة المعجمية لكلمة الهوية التي نتابع فيها مساراتها اللغوية للمساهمة في بلورة مفهوم الهوية، إذ مهدت مسألة الهوية التداولية لحضور فاعلية الخطاب الفلسفي المعاصر في تفكير هابرماس، حيث سعى فيه جاهداً لوضع أسس صلبة لصياغة دلالة الهوية التي تظل من المفاهيم الأشد عسراً في التحديدات الفلسفية، نظراً لاختلاف السياقات من لسان لآخر. وكذلك لاتساع الحقول المتعددة التي نشأت فيها. وهي مرتبطة بإبستيمية معينة تحدد الزمنية التي فكر من خلالها الفلاسفة. ولهذا نجدها زئبقية في رصدنا لدلالتها.
وهذا ما يجعلنا نتقصى الفضاء الدلالي في جملة من المعاجم المختلفة وبالتحديد «تجربة هابرماس الشخصية»(57) القائمة على منهج إعادة البناء وفق مناهج معاصرة. وهي مستمدة من المنعرج اللغوي للفلسفة المعاصرة مستعيناً بالحقول المعرفية التي تجد منابتها في العلوم الاجتماعية والبسيكولوجية لتحديد بنية هوية الأنا(58). وهو يسعى للارتقاء بمسألة الهوية صوب أفق أكثر طموحاً واتساعاً من خلال «البنى الاجتماعية»(59). فكيف يمكن بلورة الدلالة اللغوية لكلمة «هوية»؟ وماهي الإسنادات الممكنة التي ساهمت في بروز الهوية كاحتراف فلسفي؟
1- التحديد اللغوي للهوية
إن أولى اهتماماتنا هو أن نتقصى مفهوم الهوية في دلالته اللغوية حتى يتسنى لنا تسجيل تمثلات فكرية واضحة تمكننا من فك ملابسات المفهوم، ضمن الحيز الذي يشغله داخل المدونة الكونية عامة، وفلسفة هابرماس بصفة خاصة. والإشكال الذي يتعيّن علينا طرحه هو:
ما هي الإمكانيات الفلسفية التي يمكن ترجمتها من خلال معاشرة الفلاسفة لسؤال «ما الهوية؟»، في مستوى الدلالة والفهم والإشكال؟
الهوية لغة: من هوى يهوي هوة، والهوية تصغير هوة. وقيل الهوية بئر بعيدة المهواة (الحفرة البعيدة القعر)(60). وهذا مايبرر الحضور المكثف للهوية في كل الأزمنة. وإذا بحثنا في دلالة الهوية في اللسان الفرنسي وفق تحديد معجم لالاند(61)، فإنها تدل على الميزة الثابتة في الذات، إنها ميزة ماهو متماثل سواء تعلق بما تقيمه الذات من علاقة - (باللاتينية(62)، هي: Identitas ، أما الفرنسية فتعني Identité ) - مع ذاتها، أو مع الواقع على اختلاف أشكاله.
الهوية (Idme) يطلق بمعنيين: الأول، هو الشيء نفسه، والثاني الشيء الذي لايختلف في شيء عن شيء آخر، ومن هذا الأصل اشتقت كلمة (Identicus) وتعني الشبيه والنظير والشيء نفسه وعكسه «المغاير» أو«المختلف». هذا التحديد المعجمي يكشف لنا عن أصالة المفهوم ومشاركته في أكثر من معنى مما يجعل من الهوية أفقاً ثرياً يستجلي إنجازات الإنسان عبر صيرورة الفكر وترحله الإبستيمي، فما هي الدلالة الأنطولوجية للهوية من جهة الماهو تأسيسي؟
Page 9
إذا ما بحثنا في الإرث الميتافيزيقي لبلورة ماهية الهوية نجدها مختزلة في بوتقة الهوهو التي تعني ذات الشيء بمعنى حقيقته وخاصيته. وما يعرف الشيء في ذاته دون اللجوء إلى عناصر خارجية لتعريفه التي تتحدد في مستواها المنطقي«التساوي والتشابه بين كمين أوكيفين ونعبّر عنه بالتوافق»(63). إن القصد من ذلك يتمثل في متابعة الهوية ضمن ما فكر من خلاله الفرد والمقام الذي أراد أن يسوق فيه أفكاره، وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدلّ على المنابع التي استقى منها الشخص تجاربه الإنسانية. ولنا محاولة طريفة في المقاربات العربية الإسلامية في توثيق عرى الوصل بين الشخص وفكره في محاولة لكشف الهوية وفق ما تقتضيه الكينونة والوجود. ومن ذلك نجد أنّ الفارابي- في «مادة الهوية» - قد اختزلها ضمن «هوية الشيء وعينيته، وتشخصه، وخصوصيته، ووجوده المنفرد له،...وقولنا إنه هو إشارة إلى هويته وخصوصيته ووجوده المنفرد له الذي لايقع فيه اشتراك، الحد المفهومي يترجم على أنه «التهوي»(64).
إن الفلاسفة (العرب المسلمين) القدامى قد استعملوا لفظة «هوية» (المنحوتة من ضمير «هو» بوصفه مقابلاً للفظة أوستين (في دلالتها اليونانية) للدلالة على وجوه المعنى الذي أقره أرسطو لمفهوم الوجود) والتي ترادف مدلول «صيرورة الشيء هويته». ويمكن لنا متابعة الهوية في خطاب الحداثة التي تتمركز حول الذات كأفق يتسع «للتفكير الذاتي»(65) (Selbestreflexion) الذي يظل مشروطاً بالبعد المتعالي في الإنسان. وهو ما يدفع مسألة الهوية إلى أقصاها في محاولة لكشف المدار الفلسفي في اللاأفق الذي يشغله التوجه الميتافيزيقي، من حيث هو ترجمة للحداثة. وهو ما يقتضيه مفهوم الأنانة التي تستبعد كل مختلف ومغاير. ولهذا تكون الهوية مساوية لنفسها لا تقبل منطق الاختلاف والتعدد ويظل خطاب الماهية هو الكفيل بحركة الفكر وتمثلاته.
وقد تؤخذ الذات في دلالة «الهوية العينية»، وجذر الهوية مشتق من لفظ الهو، كما تشتق الإنسانية من الإنسان، وهوية الشيء هي عينه وتشخصه، وخصوصيته التي ندركها بالجواب عن السؤال «ماهو؟». فإذا أردنا أن نستخلص دلالة الهوية في الطرح الكلاسيكي الذي يرجعه إلى معنيين اثنين، فهو من جهة يشير إلى بقاء موضوع واحد (أو صفة الواحد) رغم التغييرات التي تطرأ عليه وعلى محيطه. وهو يشير من جهة أخرى، إلى التماثل الموجود بين موضوعين متميزين أحدهما عن الآخر أو بنى بعض صفاتهما. فكيف يمكن أن نميز بين هوية الذات وهوية الآخر؟
في الحالة الأولى يمكن اعتبار الهوية هي الثبات، وفي الحالة الثانية تفيد التناظر والتكافؤ. ولهذا يجب أن نميز بين هوية الواحد وهوية الآخر التي هي هوية المتعارض والقابل للتبادل. وهذا مايبرر أن مفهوم الشخص اكتسى طابعاً فلسفياً في الفلسفة الحديثة. ونجد الفيلسوف كانط يعرف الإنسان بوصفه شخصاً أخلاقياً أو شخصاً قانونياً والنظر إلى الإنسان من جهة «الاستعمال العمومي للعقل»،(66) بمعنى إثبات وجه العلاقات بين الناس وبين أشخاص أو أفراد أحرار واعين وجديرين بالاحترام. إن الهوية قبل أن تكون ظاهرة تاريخية بمعنى حصيلة التجربة الإنسانية، «نجدها تشير إلى الخصوصية والوجود المنفرد الذي لايقع فيه اشتراك في التراث الفكري العربي»(67). لكن علينا أن نقف على معطى هام يبرر لنا دلالة الهوية في علاقتها بالفرد بما هو الذات المبدعة الذي يعي الهوية وينجزها وفق أفعاله واستعمالاته الشخصية.
هذا التحديد يعطي للفرد الأساس، الذي انبجست من رحمه الهوية، خصوصاً في أولى تشكلاته وتمظهراته، إذ يفهم الفرد في«مقابل للزوج»، وهو ما يتناول شيئاً واحداً دون غيره (تعريفات الجرجاني). إذن، الفرد هو ذلك الكائن البشري من جهة كونه عضواً في مجموعة من الأفراد يتميز عنهم بهويته وبصفاته الخاصة. ولكنه يؤلف معهم ذلك الجسم الاجتماعي الذي يشبه تعاضد أعضاء الفرد الواحد. يتبين لنا أن الحديث عن الفرد لايكون بمعزل عن المجموعة باعتباره عضواً فيها. وهي التي يكتسب منها قواعد القيم التي تنظم سلوكه، واللغة التي تجعله كائناً رامزاً يعبر عن ما يختلجه من أفكار حول مصيره ووجوده. والهوية إحدى ركائز اهتماماته الحياتية التي بها يكون إنساناً يسعى إلى تحقيق الأفضل من خلال التواصل مع المجموعة. وهي تعيّن على وجه ما الأفراد، ولا يمكن أن يتم اختيارها من قبلهم بحرية، كما أن لها استمرارية «تتجاوز الأفاق البيوغرافية لأعضائنا» (68).
إن الفلاسفة (العرب المسلمين) القدامى قد استعملوا لفظة «هوية» (المنحوتة من ضمير «هو» بوصفه مقابلاً للفظة أوستين (في دلالتها اليونانية) للدلالة على وجوه المعنى الذي أقره أرسطو لمفهوم الوجود) والتي ترادف مدلول «صيرورة الشيء هويته». ويمكن لنا متابعة الهوية في خطاب الحداثة التي تتمركز حول الذات كأفق يتسع «للتفكير الذاتي»(65) (Selbestreflexion) الذي يظل مشروطاً بالبعد المتعالي في الإنسان. وهو ما يدفع مسألة الهوية إلى أقصاها في محاولة لكشف المدار الفلسفي في اللاأفق الذي يشغله التوجه الميتافيزيقي، من حيث هو ترجمة للحداثة. وهو ما يقتضيه مفهوم الأنانة التي تستبعد كل مختلف ومغاير. ولهذا تكون الهوية مساوية لنفسها لا تقبل منطق الاختلاف والتعدد ويظل خطاب الماهية هو الكفيل بحركة الفكر وتمثلاته.
وقد تؤخذ الذات في دلالة «الهوية العينية»، وجذر الهوية مشتق من لفظ الهو، كما تشتق الإنسانية من الإنسان، وهوية الشيء هي عينه وتشخصه، وخصوصيته التي ندركها بالجواب عن السؤال «ماهو؟». فإذا أردنا أن نستخلص دلالة الهوية في الطرح الكلاسيكي الذي يرجعه إلى معنيين اثنين، فهو من جهة يشير إلى بقاء موضوع واحد (أو صفة الواحد) رغم التغييرات التي تطرأ عليه وعلى محيطه. وهو يشير من جهة أخرى، إلى التماثل الموجود بين موضوعين متميزين أحدهما عن الآخر أو بنى بعض صفاتهما. فكيف يمكن أن نميز بين هوية الذات وهوية الآخر؟
في الحالة الأولى يمكن اعتبار الهوية هي الثبات، وفي الحالة الثانية تفيد التناظر والتكافؤ. ولهذا يجب أن نميز بين هوية الواحد وهوية الآخر التي هي هوية المتعارض والقابل للتبادل. وهذا مايبرر أن مفهوم الشخص اكتسى طابعاً فلسفياً في الفلسفة الحديثة. ونجد الفيلسوف كانط يعرف الإنسان بوصفه شخصاً أخلاقياً أو شخصاً قانونياً والنظر إلى الإنسان من جهة «الاستعمال العمومي للعقل»،(66) بمعنى إثبات وجه العلاقات بين الناس وبين أشخاص أو أفراد أحرار واعين وجديرين بالاحترام. إن الهوية قبل أن تكون ظاهرة تاريخية بمعنى حصيلة التجربة الإنسانية، «نجدها تشير إلى الخصوصية والوجود المنفرد الذي لايقع فيه اشتراك في التراث الفكري العربي»(67). لكن علينا أن نقف على معطى هام يبرر لنا دلالة الهوية في علاقتها بالفرد بما هو الذات المبدعة الذي يعي الهوية وينجزها وفق أفعاله واستعمالاته الشخصية.
هذا التحديد يعطي للفرد الأساس، الذي انبجست من رحمه الهوية، خصوصاً في أولى تشكلاته وتمظهراته، إذ يفهم الفرد في«مقابل للزوج»، وهو ما يتناول شيئاً واحداً دون غيره (تعريفات الجرجاني). إذن، الفرد هو ذلك الكائن البشري من جهة كونه عضواً في مجموعة من الأفراد يتميز عنهم بهويته وبصفاته الخاصة. ولكنه يؤلف معهم ذلك الجسم الاجتماعي الذي يشبه تعاضد أعضاء الفرد الواحد. يتبين لنا أن الحديث عن الفرد لايكون بمعزل عن المجموعة باعتباره عضواً فيها. وهي التي يكتسب منها قواعد القيم التي تنظم سلوكه، واللغة التي تجعله كائناً رامزاً يعبر عن ما يختلجه من أفكار حول مصيره ووجوده. والهوية إحدى ركائز اهتماماته الحياتية التي بها يكون إنساناً يسعى إلى تحقيق الأفضل من خلال التواصل مع المجموعة. وهي تعيّن على وجه ما الأفراد، ولا يمكن أن يتم اختيارها من قبلهم بحرية، كما أن لها استمرارية «تتجاوز الأفاق البيوغرافية لأعضائنا» (68).
Page 10
إذا كانت الهوية ذات أوجه عدة في الاستعمال، فإنّ هابرماس يتخذ منهجاً جديداً في بلورة دلالة الهوية، خصوصاً إذا ما اتخذنا إحداثية المجتمع من حيث هو الأفق الذي حاول هابرماس أن يرصد من خلاله المقاربة الفلسفية ضمن أخلاقيات الحوار. مما يجعل خطاب الهوية تفاعلاً ذاتياً يكشف في أرقى منازله الثراء الإنساني. افتتح هابرماس إمكانية التواصل مع الآخرين كقلعة للتفاعل. وتتخذ اللغة مداراً للتفكير العمومي من حيث هي وسيط رمزي. حيث إنه لا يمكن لأحد أن يبني شخصيته بمعزل عن أشكال التمييز الخاصة بالهوية التي يقوم بها الآخرون بخصوصه.
إذ إنّ الأمر لا يتعلق بالنظر إلى ذلك« بأشكال يقومون بها اعتماداً على موقف إنجازي كأطراف في التفاعل»(69). إن الموقف الأنتروبولوجي لم يعد هو مدار الاهتمام الوحيد، وإنما اللغة هي البراديغم الذي اتخذه هابرماس في إخراج إشكالية الهوية التداولية. وهو ما يجعل منها منعرجاً خطيراً في توجه هابرماس الألسني من خلال مناظرات سنضطلع بها في سياق بحثنا وذلك لتوضيح المنابت والأسس التي فكر من خلالها هابرماس واتخذ إزاءها موقفاً نقدياً.
فقد ربط هابرماس الهوية من خلال العودة إلى الحداثة كمشروع لم يكتمل بعد، أي برنامج التنوير، منظوراً إليه كمفهوم عملي يجد ثراءه في« إيتيقا الحوار التي ينبجس في ثناياها الفكر المابعد ميتافيزيقي»(70)، ويكون قادراً وفق التصور الهابرماسي على معالجة أزمة المشروعية التي تظل مرتبطة بالمعقولية الأداتية التي سلبت المعنى الذي يمكن اختزاله في الأفق الإيتيقي الكلي. وهو مايبرر حركة انتقال المفهوم من الميتافيزيقا التقليدية إلى مسار جديد يعنى بفلسفة التاريخ مما يسمح بإعادة بنية جديدة هي براديغم اللغة. وهذا التوجه الفلسفي يستحضره هابرماس في «العقل التواصلي»(71).
هذا التصور البراغماتي للحداثة، الذي يحاول أن يتجاوز الصيغة التأسيسية لميتافيزيقا الذات (مبدأ الذاتية)، ويمكننا أن نبصر الهوية من خلال معنى الوطن الذي يجد فاعليته في دلالة القومية. وهي تتشكل لدى كانط في إطار واقعة التنوير حيث تكون «استعمالاً عمومياً للعقل»(72). كما تتخذ مستويات الهوية عدة استعمالات في البحث الإنساني الذي يحاول هابرماس رصده. ومن بين هذه المقاربات، نقف على الشرط الثقافي للغة، ولاسيما أن هابرماس مفكر يهتم بالمناهج السوسيولوجية من جهة متابعته لأبحاث مدرسة فرانكفورت. وذلك قبل أن يمتحن المسائل الإيتيقية في المنعرج الألسني، فماهي دلالة الهوية في التناول الثقافي؟
إذ إنّ الأمر لا يتعلق بالنظر إلى ذلك« بأشكال يقومون بها اعتماداً على موقف إنجازي كأطراف في التفاعل»(69). إن الموقف الأنتروبولوجي لم يعد هو مدار الاهتمام الوحيد، وإنما اللغة هي البراديغم الذي اتخذه هابرماس في إخراج إشكالية الهوية التداولية. وهو ما يجعل منها منعرجاً خطيراً في توجه هابرماس الألسني من خلال مناظرات سنضطلع بها في سياق بحثنا وذلك لتوضيح المنابت والأسس التي فكر من خلالها هابرماس واتخذ إزاءها موقفاً نقدياً.
فقد ربط هابرماس الهوية من خلال العودة إلى الحداثة كمشروع لم يكتمل بعد، أي برنامج التنوير، منظوراً إليه كمفهوم عملي يجد ثراءه في« إيتيقا الحوار التي ينبجس في ثناياها الفكر المابعد ميتافيزيقي»(70)، ويكون قادراً وفق التصور الهابرماسي على معالجة أزمة المشروعية التي تظل مرتبطة بالمعقولية الأداتية التي سلبت المعنى الذي يمكن اختزاله في الأفق الإيتيقي الكلي. وهو مايبرر حركة انتقال المفهوم من الميتافيزيقا التقليدية إلى مسار جديد يعنى بفلسفة التاريخ مما يسمح بإعادة بنية جديدة هي براديغم اللغة. وهذا التوجه الفلسفي يستحضره هابرماس في «العقل التواصلي»(71).
هذا التصور البراغماتي للحداثة، الذي يحاول أن يتجاوز الصيغة التأسيسية لميتافيزيقا الذات (مبدأ الذاتية)، ويمكننا أن نبصر الهوية من خلال معنى الوطن الذي يجد فاعليته في دلالة القومية. وهي تتشكل لدى كانط في إطار واقعة التنوير حيث تكون «استعمالاً عمومياً للعقل»(72). كما تتخذ مستويات الهوية عدة استعمالات في البحث الإنساني الذي يحاول هابرماس رصده. ومن بين هذه المقاربات، نقف على الشرط الثقافي للغة، ولاسيما أن هابرماس مفكر يهتم بالمناهج السوسيولوجية من جهة متابعته لأبحاث مدرسة فرانكفورت. وذلك قبل أن يمتحن المسائل الإيتيقية في المنعرج الألسني، فماهي دلالة الهوية في التناول الثقافي؟