eKtab
EN ع
الحرب العالمية الثانية
Read free sample

الحرب العالمية الثانية

by د. عيسى محمود الحسن

Page 1

المقدمة

أزهقت الحرب العالمية الثانية أرواحا كثيرة، وخربت كثيرا من الثروات، وربما كان لها من النتائج أكثر مما فعلته أية حرب أخرى في التاريخ، لقد أتت على نهاية غربي أوروبا مركز القوة العالمية، وأدت إلى ظهور الاتحاد السوفييتي (السابق) كقوة عالمية كبرى منافسة للولايات المتحدة الأمريكية واليابان وألمانيا التي هزمت أخيرا في هذه الحرب، وشهدت انتعاشا اقتصاديا مثيرا بعد ذلك.
لقد جلبت الحرب تقنيات جديدة كان من شأنها أن تغير من العالم، وكان تطوير القنبلة الذرية خلال الحرب إيذانا ببدء عصر الذرة.
لن يعرف أبدا العدد الحقيقي للقتلى من جراء الحرب العالمية الثانية، فربما يقترب عدد العسكريين منهم إلى نحو 17 مليونا، أما القتلى المدنيون فقد كانوا أكثر، وذلك نتيجة المجاعة والغارات والقنابل والمذابح والأوبئة والأسباب الأخرى المرتبطة بالحرب، وقد اتلف القصف كثيرا من الوثائق التي كانت ستساعد في تقدير أعداد القتلى، بالإضافة إلى موت كثير من الناس في حرائق وأمراض وأسباب أخرى بعد قيامهم بخدمات ضرورية مثل إطفاء الحرائق والإسعافات في المناطق التي دمرتها الحرب، وعانى الاتحاد السوفييتي والصين أعلى نسب من ضحايا الحرب العالمية الثانية، ويمكن القول إن 20 مليونا من المدنيين في الاتحاد السوفييتي و 10 ملايين في الصين قد ماتوا، وحدثت الكثير من الوفيات بسبب الجوع.
وامتدت أرض المعركة إلى كل جزء من العالم تقريبا. لقد حاربت القوات العسكرية في أدغال موحلة في جنوب شرق آسيا وفي صحارى شمال إفريقيا، وفي جزر المحيط الهادي، وأديرت معارك في مناطق متجمدة من الاتحاد السوفييتي، على سطح الماء وتحته في المحيط الأطلسي وفي شوارع كثيرة من المدن الأوروبية.
وقد عمل في صفوف كل من دول المحور والحلفاء ما يقدر بحوالي 70 مليون شخص، وفقد الاتحاد السوفييتي حوالي 7.5 مليون قتيل في المعارك وهذا العدد أكثر مما فقده أي قطر آخر. وكان ضحايا القتال في الولايات المتحدة وبريطانيا اقل من أي دولة أخرى، فقد قتل حوالي 400 ألف أمريكي و350 ألف بريطاني في هذه الحرب، وحوالي 3.5 مليون من الجنود الألمان وحوالي مليون وربع المليون جندي ياباني، أما القذف الجوي فقد جر الخراب على أهداف مدنية وعسكرية على السواء، وترك كثيرا من المدن مدمرة تماما وبخاصة في ألمانيا واليابان، فقد خربت القنابل المنازل والمصانع ومعدات النقل ووسائل المواصلات، ونشرت المعارك البرية الخراب فوق مناطق شاسعة، وبعد الحرب تشرد ملايين من الجياع والذين لا مأوى لهم في المناطق الخربة.
وقد نشبت صراعات قوى جديدة بعد انتهاء الحرب، فقد أنهكت الحرب القوى الرئيسية التي كانت في أوروبا وآسيا قبل الحرب، انتهت الحرب بهزيمة كاملة لألمانيا واليابان، وأصيبت بريطانيا وفرنسا بخسارة شديدة، وبحثت الأمم الناشئة مثل الدول العربية والهند وغيرها عن الاستقلال عن مستعمريها. وخرجت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي من الحرب كقوى قائدة عالمية، وانتهى تحالفهما بمجرد أن سعى الاتحاد السوفييتي لنشر الشيوعية في أوروبا وآسيا، وأدى الصراع بين العالم الشيوعي الذي يقوده الاتحاد السوفييتي وغير الشيوعي الذي تقوده الولايات المتحدة لما يعرف باسم الحرب الباردة.
كما بدأ حينذاك العصر النووي، وذلك بتطوير القنبلة الذرية أثناء الحرب العالمية الثانية، واعتقد كثير من الناس أن الأسلحة القادرة على إحداث دمار كبير تجعل التفكير في حرب في المستقبل أمرا مستحيلا، وكانوا يأملون أن يعيش الناس بسلام، لكن سرعان ما بدأ سباق تطوير أسلحة أكثر قوة، وفي نهاية الحرب العالمية الثانية عرفت الولايات المتحدة كيف تنشئ أسلحة ذرية، وفي سنة 1946م اقترحت الولايات المتحدة إنشاء وكالة دولية للسيطرة على الطاقة الذرية ومنع إنتاج أسلحة نووية، ولكن الاتحاد السوفييتي رفض إقامة نظام للتفتيش، وفشل الاقتراح، وأمر ستالين العلماء أن يطوروا القنبلة الذرية، ونجحوا في ذلك سنة 1949م، وفي أوائل الخمسينيات أجرت كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي تجارب على أسلحة أكثر دمارا، تلك هي القنبلة الهيدروجينية.
وخاف الناس من قيام حرب نووية منذ بدأ العصر النووي، وفي بعض الأوقات كانت الحرب الباردة تهدد بالانغماس في حرب بين القوتين العظميتين، لكن القوة التدميرية المخيفة للأسلحة النووية ربما كانت كفيلة بان تحول بينهما وبين المجازفة بحرب كبرى. وربما يكون هذا هو السبب الأساس في ظهور ما يسمى بالحرب بالنيابة بحيث أصبح العالم يعيش حالة حرب عالمية دائمة وغير معلنة يقاتل كل من يقاتل نيابة عن قوة عظمى تقف خلفه وتمده بما يحتاج إليه ليديم وقود ناره وحربه المشتعلة. بل إننا لا نبالغ كثيرا إذا ما قلنا إن هذه الحرب الباردة هي التي أدت إلى اعتماد وسائل جديدة من قبل كل من المعسكرين (الاشتراكي والرأسمالي) اللذين كانا يتناحران حتى وصلا إلى النهاية المحتومة وهي أن يتغلب أحدهما على الآخر، فكانت الهزيمة من نصيب المعسكر الاشتراكي الشيوعي، ما أدى إلى انفراد القوة الأمريكية كراعية لمصالح المعسكر الرأسمالي، وتبعه ظهر ما يسمى اليوم بالعالم أحادي القطبية، والذي لعبت فيه الولايات المتحدة الأميركية دورا قبيحا تمثل في محاولة تسيير العالم كله وفق مصالحها وأهوائها التي هي في النهاية مصالح استعمارية خالصة.
عيسى الحسن
Page 2

الفصل الأول

الأسباب الـتي أدت إلى قيام الحرب العالمية الثانية

هناك الكثير من الأسباب التي أدت إلى نشوب الحرب العالمية الثانية، ولعل من أهم هذه الأسباب:

1. سياسة الدول الكبرى

تأثرت العلاقات الدولية بعد الحرب العالمية الأولى بمواقف الدول فهنالك دول تضررت بعد مؤتمر فرساي وهي: ألمانيا وايطاليا واليابان، وقد أثرت سياسة هذه الدول على سياسة الدول الكبرى: بريطانيا وفرنسا وروسيا وأمريكا، حيث كان التباعد والتناقض واضحا بين هذه الدول. فألمانيا لم توافق على شروط فرساي ولا على حدود عام 1919. وأخذت تستعيد قوتها بالتعاون مع روسيا. ومع صعود النازية إلى الحكم أخذ هتلر في إتباع سياسة توسعية فأعاد إقليم السار، وحصن منطقة الراين وانشأ جيشا كبيرا وتقرب من ايطاليا وبريطانيا وعمل على عزل فرنسا وقطع علاقته مع روسيا. ولكن عام 1939 غير موقفه من روسيا وعقد معها اتفاقية روبنتروب - مولوتوف وكان من أهم بنودها الهجوم على بولندا. أما ايطاليا فقد شعرت بخيبة أمل كبيرة من قرارات مؤتمر فرساي. وفي سنة 1922 وصلت الفاشية بزعامة موسوليني إلى السلطة في ايطاليا، وقد اتبع موسوليني سياسة التوسع والتقرب من ألمانيا بعد احتلال ايطاليا للحبشة، وفي عام 1935 تأزمت العلاقات بين ايطاليا وفرنسا، وفي عام 1936 تدخلت ايطاليا في الحرب الأهلية الاسبانية ( 1936- 1939). وأما روسيا فقد اتبعت سياسة مؤيدة لألمانيا بعد اتفاقية رابالو سنة 1922 واستمرت هذه العلاقة حتى سنة 1934 حيث قطع هتلر علاقاته بالاتحاد السوفييتي. وقد حدثت تقارب بين روسيا وبعض الدول الأوروبية (فرنسا وتشيكوسلوفاكيا) لمنع التوسع الألماني نحو الشرق. كما وازداد قلق روسيا من جراء هجوم اليابان على الصين واحتلال منشوريا.
وأما بريطانيا فقد تمحورت سياستها في دعم ألمانيا وذلك للمحافظة على ميزان القوى وكذلك بهدف إضعاف فرنسا. وقد أظهرت بريطانيا تنازلات لألمانيا منها موافقة بريطانيا على احتلال ألمانيا للنمسا سنة 1938. وبلغت سياسة الترضية أوجها في عهد رئيس حكومة بريطانيا نيفيل تشمبرلن. وبالمقابل فإن فرنسا لم تتنازل لألمانيا عن قضية التعويضات بسبب تخوفها من هجوم ألمانيا عليها في المستقبل. ولكن بسبب الضغوط الدولية ومعارضة بريطانيا لفرنسا أخذت فرنسا تبدي تنازلات لألمانيا. وقد اهتمت فرنسا بتقوية عصبة الأمم لإعادة التعاون مع بريطانيا. وبعد صعود هتلر إلى الحكم في ألمانيا، عقدت فرنسا حلفا عسكريا مع روسيا سنة 1935.
أما فيما يتعلق بالولايات المتحدة الأمريكية فقد عادت إلى سياسة العزلة بعد الحرب العالمية الأولى حسب مبدأ مونرو ولكنها قامت بدعم ألمانيا كي لا تقع تحت التأثير الشيوعي. وبالرغم من عدم اعتراف الولايات المتحدة بالنظام الشيوعي إلا أنها قدمت الدعم لروسيا الشيوعية لكي تقف في وجه الخطر الياباني. وقد استمر حياد أمريكا حتى عام 1941 حين دخلت الحرب ضد دول المحور.
وفيما يخص اليابان فإنها أخذت تتوسع بعد الحرب العالمية الأولى في منطقة الشرق الأقصى وذلك لرغبتها في الحصول على المواد الخام لتقوية صناعتها. وفي عام 1931 قامت اليابان باحتلال منشوريا من الصين وأعلنت انسحابها من عصبة الأمم، كما قامت بالتقارب من ايطاليا وألمانيا، وتشكيل محور روما – برلين – طوكيو ودخلت الحرب العالمية الثانية إلى جانب دول المحور.

2. اتفاقات ما بعد الحرب العالمية الأولى

في الفترة بين 1920- 1922 عقدت عدة مؤتمرات أهمها:-
أ. مؤتمر واشنطن: واشتركت فيه الدول الكبرى واقتصر عمله على الشرق الأقصى والتوازن البحري.
ب. مؤتمر جنوا سنة 1922: عقد في جنوا في ايطاليا لبحث قضية التعويضات الألمانية وقضية الديون الروسية. ولكن هذا المؤتمر فشل بسبب الموقف العدائي الذي أظهرته الدول الكبرى تجاه سوريا وألمانيا.
ج. مؤتمر رابالو سنة 1922 : عقد بين روسيا وألمانيا وتقرر فيه التعاون المشترك بين البلدين بعد فشل مؤتمر جنوا، وقد استمر التعاون السياسي والاقتصادي والعسكري بينهما حتى عام 1933 حين صعد هتلر إلى السلطة في ألمانيا.

3. احتلال منطقة فرنسا الرور 1923

قامت فرنسا باحتلال منطقة الرور الألمانية بمساعدة بلجيكا وذلك لضمان نقل الفحم بموجب اتفاقية التعويضات، وكانت هذه المنطقة تحتوي على 80% من مناجم ألمانيا كما كانت مركزا للصناعة الألمانية. وقد أدى هذا الاحتلال إلى عدة نتائج وخيمة أهمها:
أ. أثار رد فعل عنيفا داخل ألمانيا حيث حاول هتلر القيام بانقلاب في ميونخ ولكنه فشل وسجن.
ب. أخذت ألمانيا بتحريض سكان الرور الألمان لمقاومة الاحتلال الفرنسي.
ج. أثار الاحتلال احتجاج ومعارضة بريطانيا والولايات المتحدة واستخدمتا الضغط الاقتصادي على ألمانيا فعقد مؤتمر في لندن سنة 1924 برئاسة داوز الخبير الاقتصادي الأمريكي الذي وضع برنامجا للتعويضات الألمانية.
د. تأزم العلاقات بين ألمانيا وفرنسا وكذلك بين فرنسا وبريطانيا. وهذا مهد الطريق إلى عقد معاهدة لوكارنو سنة 1925 في سويسرا، واشتركت فيها فرنسا وألمانيا وبلجيكا. وبتأييد بريطانيا، وبموجب هذه المعاهدة تم تحديد الحدود المشتركة بين هذه الدول الثلاث كما وتقرر عدم اعتداء دولة على أخرى وحل المشاكل بالطرق السلمية. وقد أدت هذه المعاهدة إلى تحسين العلاقات بين بريطانيا وفرنسا ولكنها أثارت معارضة روسيا.
Page 3

4. غزو اليابان لمنشوريا

قامت اليابان باحتلال منشوريا من الصين عام 1931 ويعود ذلك إلى عدة أسباب أهمها:
أ‌. إيجاد أسواق في الصين لتصريف إنتاجها.
ب‌. ازدياد عدد سكان اليابان ومحاولة اليابان إيجاد حل لهذه المشكلة.
ج. استغلت اليابان حادثة تفجير خط سكة حديد ياباني في منشوريا.
وقد رفضت اليابان طلب عصبة الأمم بالانسحاب وأعلنت خروجها من عصبة الأمم، مما زاد من التوتر الدولي.

5. غزو إيطاليا للحبشة سنة 1935

كان احتلال اليابان لمنشوريا بمثابة الضوء الأخضر لدول أخرى، حيث قامت ايطاليا باحتلال الحبشة. وهدفت ايطاليا من وراء ذلك إلى بناء إمبراطورية كبيرة في أفريقيا، حيث اتبع موسوليني سياسة استعمارية توسعية مقلداً اليابان. وقد تمكنت ايطاليا من احتلال الحبشة بدون مقاومة تذكر، واضطر زعيمها هيلاسي لاسي إلى الهرب إلى انجلترا مطالبا إياها بالتدخل. وكان موقف عصبة الأمم إدانة ايطاليا، وتم فرض عقوبات اقتصادية عليها ومنعت الدول الأخرى من التعاون معها. ولقد كان لهذا الاحتلال أهميته إذ أنه أدى إلى:
أ‌. ازدياد التقارب الألماني ـ الايطالي بسبب اعتراف هتلر بالاحتلال الإيطالي للحبشة وإقامة محور روما ـ برلين.
ب‌. ازدياد التباعد بين ايطاليا وكل من بريطانيا وفرنسا بسبب فرض العقوبات من قبل عصبة الأمم على ايطاليا.
ج‌. إعلان موسوليني خروجه من عصبة الأمم بعد أن رفض طلب بريطانيا وفرنسا الانسحاب من الحبشة مما أدى إلى ازدياد التوتر الدولي.

6. انسحاب هتلر من عصبة الأمم

أعلنت ألمانيا عام 1933 انسحابها من عصبة الأمم وذلك بعد أن رفضت الدول الأوروبية إعلان مساواة ألمانيا في مجال التسلح، وهذا الانسحاب أثار قلق وتخوف فرنسا خاصة، وبقية الدول الأوروبية عامة، وساعد في اشتداد التوتر الدولي.

7. إعلان تسليح ألمانيا

أعلن هتلر عن ضم قطاع السار سنة 1935 بعد إجراء استفتاء شعبي، ونقض هتلر الشروط العسكرية والبحرية لمعاهدة فرساي، واخذ في بناء قوات برية وبحرية وجوية ألمانية، وأعاد تسليح منطقة الراين عام 1936. وفي نفس العام تقدم الجيش الألماني واحتل منطقة الراين وأعلن عدم الالتزام بالتعويضات التي فرضت على ألمانيا وهذا أدى إلى تأزم العلاقات الدولية، فأخذت بعض الدول تستعد عسكريا، واحتدم سباق التسلح.
Page 4

8. الأزمة الاقتصادية العالمية ( 1929-1936)

شهدت الولايات المتحدة ازدهاراً اقتصادية كبيرا بعد الحرب العالمية الأولى خاصة في سنوات العشرينات (1920- 1929) ولكن هذا الازدهار بلغ نهايته عام 1929 (24 تشرين أول- يوم الخميس الأسود). حيث بدأت أزمة اقتصادية حادة سرعان ما أصبحت أزمة عالمية. أما أسباب هذه الأزمة فتعود إلى:-
أ. الإعتمادات الضخمة التي وضعتها البنوك الأمريكية تحت تصرف المنتجين والمستهلكين الأمريكيين لاستمرار الانتعاش الاقتصادي.
ب. استرداد الدول الأوروبية قدرتها على الإنتاج الزراعي مما أدى إلى هبوط المبيعات الأمريكية إلى أوروبا.
ج. إقفال اكبر الأسواق العالمية في وجه الصادرات الأمريكية خاصة الصين وروسيا.
د. قيام رجال الأعمال ببيع السندات التي يملكونها، بعد أن لاحظ الخبراء بالشؤون المالية ورجال الأعمال أن ارتفاع أسعار الأسهم في البورصة لا علاقة له بقيمة المشاريع الحقيقية، فقد انهارت البورصة بنسبة 40%.
ولقد كان من نتائج الأزمة الاقتصادية:
أ. حدوث أزمات اجتماعية خطيرة كانتشار المجاعة والأمراض والبطالة. فقد بلغ عدد العاطلين عن العمل حوالي 40 مليونا منهم 6 ملايين في ألمانيا حيث استغلهم هتلر في مصانع الأسلحة وفي الجيش النازي.
ب. انخفاض الإنتاج الصناعي بنسبة كبيرة في الولايات المتحدة وفي الكثير من الدول الأوروبية، كما أصيب الإنتاج الزراعي بكارثة كبرى بسبب انخفاض أسعاره وقد توقفت الحركة التجارية في العالم بسبب ركود حركة الاستيراد والتصدير.
ج. حدوث أزمات سياسية، حيث ساعدت الأزمة الاقتصادية على انهيار الأنظمة الديمقراطية في كثير من الدول، مما فسح المجال أمام ظهور الأنظمة الديكتاتورية كما هو الحال في ايطاليا الفاشية وألمانيا النازية.
د. حدوث أزمات دولية، حيث أقدمت اليابان على احتلال منشوريا من الصين لحل مشاكلها الاقتصادية، كما قامت ايطاليا باحتلال الحبشة، وازدادت الأطماع الألمانية في أوروبا بعد أن خرجت ألمانيا من عصبة الأمم ونقضت قرارات معاهدة فرساي.
هـ. أنهت هذه الأزمة مشكلة التعويضات التي فرضت على الدول المهزومة في الحرب العالمية الأولى، فالأزمة أثبتت أن دفع التعويضات من المستحيل تنفيذه، لهذا تم إلغاء التعويضات وهذا الأمر عاد بالفائدة على ألمانيا بشكل خاص.
ولقد وصل الرئيس الأمريكي روزفلت إلى السلطة عام 1932 فوضع منهاجا للعمل سمي «المشروع الجديد» واعتمد في ذلك على:
أ. إصلاح حالة الزراعة، فسن قانون الإصلاح الزراعي. وأقبلت الحكومة على شراء الإنتاج الزراعي الكاسد وبيعه بأسعار منخفضة للمحتاجين.
ب. تحسين حالة الصناعة، فوضع قانون معالجة الصناعة الوطنية.
ج. أقامة مشاريع تطوير بمبادرة الحكومة، ليس بهدف الربح، بل لإيجاد أماكن عمل للعاطلين عن العمل، ومن أهم هذه المشاريع مشروع وادي تنسي.
د. تخفيض قيمة الدولار حيث أصبح يساوي ثلثي قيمته السابقة وهذا ساعد في تقليص نسبة الديون.
لقد أدت هذه الخطوات إلى زيادة الإنتاج الصناعي بشكل مستمر وبدأت أزمة البطالة تخف تدريجيا.
Page 5

9. الحرب الأهلية الاسبانية ( 1936-1939)

الحرب الأهلية تعني قتالا أو حربا بين مواطني دولة ما وذلك لأسباب عديدة منها إيديولوجية أو اقتصادية أو دينية أو قومية. أما أسباب الحرب الأهلية الإسبانية فتعود إلى:ـ
أ. المشاكل الاقتصادية التي واجهت اسبانيا في فترة ما بين الحربين.
ب. الصراع الداخلي بين أحزاب اليمين واليسار على الحكم، وقد تركز الصراع بين الجمهوريين والملكيين. فقد وصلت أحزاب يسارية إلى الحكم وقامت بمصادرة أملاك الكنيسة وكبار الملاكين وتوزيعها على الفلاحين مما أدى إلى ازدياد نشاط قوى اليمين.
ج. عام 1936 فازت الأحزاب اليسارية في الانتخابات وتم اغتيال احد زعماء اليمين مما أدى إلى إشعال نار الحرب الأهلية، وقد قاد قوى اليمين الجنرال فرانكو.
أما مواقف الدول من هذه الأزمة فقد كانت كالتالي:-
أ. وقفت بريطانيا وفرنسا موقف حياد على اعتبار أن هذا للصداع هو أمر داخلي في اسبانيا وليس من حقهما التدخل.
ب. أيد الاتحاد السوفيتي قوى اليسار وقام بإرسال مساعدات عسكرية ومتطوعين لمساعدة القوات اليسارية - الجمهورية لمنع استيلاء اليمين عن السلطة في اسبانيا.
ج. وقفت ألمانيا وايطاليا إلى جانب قوى اليمين بزعامة الجنرال فرانكو وأمدته بالسلاح للقضاء على القوات اليسارية الشيوعية.
وهكذا أصبحت أسبانيا ميدانا للصراع العسكري والأيديولوجي بين الشيوعية من جهة وبين النازية والفاشية من جهة أخرى، وتحولت هذه الحرب إلى إحدى الأزمات الدولية التي ساعدت في توتر العلاقات الدولية في أوروبا. فقد كان تعاون ألمانيا وايطاليا مع فرانكو المتمرد في الحرب الأهلية الأسبانية خطوة أخرى نحو الحرب العالمية الثانية.

10. احتلال ألمانيا للنمسا 1938

نشأ في النمسا حزب نازي مؤيد لألمانيا وطالب هذا الحزب بإشراكه في الحكم فرفض طلبه مما دفع هتلر إلى التدخل، واستدعى رئيس وزراء النمسا شوشينغ وطلب منه توحيد النمسا مع ألمانيا ومنح النازيين في النمسا مراكز عالية، وقد وافق شوشينغ على ذلك، ولكنه عاد ورفض هذه المطالب، فاجبره هتلر على الاستقالة، وسيطر الحزب النازي على الحكم في النمسا، وأعلنت ألمانيا ضم النمسا إليها عام 1938 ، وتم احتلالها بدون مقاومة، وأعلن هتلر أن النمسا جزء لا يتجزأ من ألمانيا. ولم تتدخل عصبة الأمم في ذلك بسبب عجزها، واكتفت بريطانيا وفرنسا بتوجيه اللوم لألمانيا، وهذا مثال رائع على سياسة الترضية التي اتبعتها هذه الدول تجاه ألمانيا، وكان وراء سياسة الترضية رئيس وزراء بريطانيا نيفيل تشمبرلن وذلك مع تعيينه رئيسا للحكومة عام 1937 وقد كان من كبار دعاة سياسة الترضية وبموافقته وبتأييده استطاع هتلر ضم عدة مناطق إلى ألمانيا.
لقد تميزت سياسة الترضية بالتنازلات والتساهل لصالح ألمانيا بسبب تهديدها بالحرب وإلغاء قيود معاهدة فرساي المذلة. وقد اعتقد تشمبرلن أن سياسة الترضية سوف تؤدي إلى تفادي نشوب حرب عالمية. وقد وصلت هذه السياسة أوجها في مؤتمر ميونخ أيلول عام 1938.
Page 6

11. مؤتمر ميونخ 29 أيلول 1938

عقد هذا المؤتمر برئاسة موسوليني (ايطاليا)، هتلر (ألمانيا)، دالادييه (فرنسا)، تشمبرلن (بريطانيا). وكان هدف المؤتمر إقرار السلام في أوروبا ومن أهم قراراته:
أ- تنازل تشيكوسلوفاكيا عن السوديت لصالح ألمانيا (خاصة المناطق التي تسكنها أغلبية ألمانية).
ب- إجراء استفتاءات تحت إشراف دولي في أقاليم أخرى.
ج- تكليف لجنة دولية لتخطيط الحدود الجديدة بين ألمانيا وتشكو سلوفاكيا.
وكان من نتائج المؤتمر أن:
أ- قبلت تشيكوسلوفاكيا مرغمة بالتسوية. وعبر الجنود الألمان إلى السوديت.
ب- اعتبر هذا المؤتمر نصرا دبلوماسيا لهتلر حيث نقض معاهدة فرساي.
ج- تأجيل موعد الحرب سنة واحدة إلى 1939.
د- عدم اتخاذ الدول الديمقراطية خاصة بريطانيا وفرنسا موقفا حازما من ألمانيا واعتبر هذا مثالا آخر على سياسة الترضية.
هـ- كان مؤتمر ميونخ آخر محاولة لإقرار السلام في أوروبا، واعتقد تشمبرلن انه حقق السلام ومنع انفجار الحرب.

12. احتلال تشيكوسلوفاكيا 1939

لم يكتف هتلر بضم السوديت بل قام بمهاجمة مناطق أخرى في تشيكوسلوفاكيا، وتم احتلال «براغ» العاصمة، واجبر هتلر الرئيس التشيكي على توقيع وثيقة تنص على ضم بلاده إلى ألمانيا، وهكذا زالت تشيكوسلوفاكيا عن الخارطة الأوروبية، ولم يعبأ هتلر باحتجاجات الدول الكبرى. ولقد أدى هذا الاحتلال وأعمال عدوانية أخرى قامت بها ألمانيا وايطاليا، مثل احتلال ميمل من قبل ألمانيا إلى تغير في موقف بريطانيا وفرنسا بعد أن تأكدتا من فشل سياسة الترضية.
أما الأسباب المباشرة للحرب العالمية الثانية فتتمثل في:
1- اتفاقية روبنتروب-مولوتوف (آب 1939): بعد فشل المفاوضات بين بريطانيا وفرنسا من جهة، وروسيا من الجهة الأخرى لضمان المساعدة المتبادلة ضد ألمانيا. قام ستالين زعيم الاتحاد السوفيتي بالتوصل إلى اتفاق مع هتلر عرف باتفاقية روبنتروب – مولوتوف، والتي من أهم بنودها:-
أ- عدم اعتداء أي دولة منهما على الأخرى لمدة 10 سنوات.
ب- تحديد مناطق نفوذ كل منهما في أوروبا بموجب اتفاق سري.
ج- اتفقت الدولتان على احتلال بولندا وتقسيمها بينهما.
د- تتشاور الدولتان في الأمور السياسية الهامة.
أما أهمية الاتفاقية فتتمثل فيما يلي:
أ- حصلت روسيا على طلبها بضم دول البلطيق إليها الأمر الذي عارضته دول الغرب.
ب- ضمنت ألمانيا حياد روسيا في حالة نشوب حرب بينها وبين بريطانيا وفرنسا.
ج- أثبتت هذه الاتفاقية فشل سياسة الترضية حيث تحطمت آمال بريطانيا وفرنسا في السلام، لهذا أوقفتا سياسة الترضية، مما جعل نشوب الحرب أمرا مؤكدا.
2- أزمة دانتزيغ 1 أيلول 1939: أعلنت بريطانيا وفرنسا وقوفهما إلى جانب بولندا في حالة حدوث أي اعتداء عليها، لكن هتلر لم يعبأ بهذا التهديد، حيث قام في صباح الأول من أيلول 1939 بمهاجمة بولندا لاسترجاع ممر دانتزيغ. وبعد ذلك بخمسين ساعة أعلنت بريطانيا الحرب على ألمانيا وتبعتها فرنسا وهكذا بدأت الحرب العالمية الثانية التي استمرت 6 سنوات.
Page 7

الفصل الثاني

المؤامرات الـتي قادت إلى الحرب العالمية الثانية

(الصهيونية ودورها في إذكاء الحرب)
لكي ندرك الأسباب التي ساعدت على ظهور هتلر، يجب أن نلم بالمؤامرات السياسية التي حيكت في الفترة التي ما بين 1924 - 1934م.
إذا استثنينا الشيوعيين الألمان، نجد أن أكثرية الشعب الألماني كانت تتفق على أن ألمانيا لم تكن لتنهزم في الحرب العالمية الأولى، لولا الخيانة التي جعلتها ضحية الحرب، وأن الممولين الدوليين هم الذين استعملوا ما يسمى بالديمقراطية في كل من بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية لفرض الهزيمة على القوات المسلحة الألمانية، وأن الحزب الشيوعي بقيادة اليهود وبمساعدة الممولين الدوليين، هو السبب في خلق حالة الفوضى التي سبقت توقيع الهدنة، وفي قيام الثورة بعدها.
واتفق الجميع أن على كل وطني ألماني، ذكرا كان أم أنثى، أن يعمل أقصى جهده لبناء ألمانيا بعد الحرب، ولتحطيم الأغلال الاقتصادية والعسكرية التي فرضتها معاهدة فرساي على أمتهم.
وإذا استثنيا الشيوعيين مرة أخرى، نجد أن أكثرية الزعماء السياسيين الألمان كانوا يتفقون على وجوب تحرير أنفسهم من الاتفاقيات الاقتصادية، المفروضة على أمتهم من قبل الممولين والمرابين الدوليين.
لقد أدرك الزعماء الألمان خطر هذه الاتفاقيات على استقلال البلاد، لأن الفوائد المفروضة على القروض المالية بموجب هذه الاتفاقيات ستؤدي حتما إلى وقوع البلاد في براثن دائنيها، تماما كما وقعت بريطانيا عام 1694، وفرنسا عام 1790، والولايات المتحدة عام 1791 فرائس في أيدي المرابين العالميين. وعلم الجميع أن مثل هذه القروض ستكون دينا واستبعادا لكل أفراد الشعب، لأن تسديدها لن يكون إلا بفرض مزيد من الضرائب، يدفعها المواطنون جميعا.
عندئذ، صمم قادة الحزب الفاشي على خلق عملة ألمانية لا تستند إلى القروض، بل تعتمد على الدخل القومي والممتلكات الوطنية، وعلى موارد الصناعة والزراعة والثروات الطبيعية، وعلى الطاقة الإنتاجية للأمة. ووجد الشعب الألماني بصورة عامة، أنه يشارك شعوب إيطاليا وأسبانيا واليابان آمالهم وأمانيهم في المستقبل السياسي والاقتصادي لهذه البلدان، فظهر حلف المحور إلى الوجود، وبدأت الحركة الفاشية التي تزعمها هتلر وموسوليني وفرانكو.
وينقل لنا التاريخ الجهود الضخمة التي بذلها هؤلاء الثلاثة لإعادة بناء بلادهم، والنهوض بها من الأزمات والثورات والحروب التي وقعت فيها. فلقد طوروا الصناعة والزراعة بشكل يشبه المعجزات. أما نجاح عملية إعادة البناء العسكري، فيعود إلى المساعدة التي قدمها عملاء النورانيين الذين كانوا يخططون لإيقاع البلاد الفاشية والبلاد الرأسمالية في حرب عالمية أخرى.
أيّد كل من هتلر وموسوليني السياسة الفاشية المعتدلة بادئ الأمر، وقررا إصلاح الفساد وتطهير البلاد من الشيوعية، وتخليصها من تحكم النورانيين بصناعتها واقتصادها بشكل عام.. ولكن ما إن تقدم الوقت، حتى وقعا معا تحت تأثير لوردات الحرب النازيين، الذين ادعوا أن سلاما دائما لا يمكن أن يستتب في العالم، إلا عن طريق الاحتلال العسكري.
وهكذا بيعت القيادة العسكرية العليا في إيطاليا واليابان لمؤيدي مخطط ونظريات كارل ريتر التي نشرها عام 1849.. أما فرانكو فلم يقبل أن يبقى ضمن المخطط، لأن معتقداته الدينية وإيمانه جعلاه يؤمن بأن كل أيديولوجية تنكر وجود الله هي في صف الشيطان وتعمل معه. وشمل المخطط تصفية الممولين الدوليين وكبار الرأسماليين والاستيلاء على أموالهم وممتلكاتهم.
وفي الوقت الذي كان هتلر ما يزال يعاني عذاب السجن قبل عام 1934، لأنه كان يعتبر العدو اللدود للوردات الحرب النازيين والممولين الدوليين، كتب كتابة «كفاحي» حيث يقول في الصفحة الأخيرة: «وبهذا يقف الحزب الاشتراكي الوطني موقفا إيجابيا من المسيحية، ولكنه لا يترك أمور العقيدة لجماعة من المحترفين، ومن جهة أخرى يحارب الروح المادية اليهودية المتغلغلة في نفوسنا وفي نفوس الآخرين».
وكان هتلر قد أعلن سياسته بالنسبة لبريطانيا قبل ذلك في عام 1933، مشيرا إلى أن ماركس وستالين ولينين قد أكدوا مرارا أنه قبل أن تتوصل الشيوعية العالمية إلى هدفها الأخير، يجب عليها أن تدمر بريطانيا وإمبراطوريتها. وقال هتلر في معرض حديثه في ذلك الوقت: «إنني على استعداد للدفاع عن الإمبراطورية البريطانية بالقوة إذا دعت الحاجة».
أما عن معاهدة فرساي، فقد كتب هتلر يقول: «إنها لم تكن لمصلحة بريطانيا، ولكنها كانت أولا وأخيرا في صالح اليهود لتدمير ألمانيا». وكتب أيضا: «وحتى في بريطانيا نفسها، هناك صراع دائم بين ممثلي المصلح البريطانية ومصالح الديكتاتورية اليهودية العالمية.. وفيما تعمل بريطانيا جاهدة لأخذ مكانتها في العالم، نجد أن اليهود في داخلها يشكلون لها المتاعب والمشاكل، لذلك سيبدأ الكفاح ضد الخطر اليهودي العالمي في بريطانيا، في نفس الوقت الذي يبدأ في غيرها من البلدان».
ولم يغير هتلر رأيه الشخصي بشأن التحالف مع بريطانيا أبدا. لقد كان يعلم أن بقاء ألمانيا كقوة كبرى يعتمد على التحالف مع الإمبراطورية البريطانية.. لذلك بدأ الإعداد لحملة التحالف عام 1936، فرتب محادثات غير رسمية بين الدبلوماسيين البريطانيين والألمان. ولما فشلت المحادثات في تكوين التحالف الذي كان يسعى جهده لتحقيقه، قال: «تهون كل التضحيات في سبيل التحالف مع بريطانيا. هذا التحالف يجلب التأييد لمستعمراتنا، ويجعل إلى جانبنا قوة بحرية عظيمة، كما يوفر علينا الدخول في منافسة مع الصناعة البريطانية».
وقد أدى هذا الفشل في التحالف مع بريطانيا، إلى تضاعف معارضة «الإيديولوجية التوتاليتارية» التي كان ينادي بها المتطرفون من لوردات الحرب النازيين. واقتنع هتلر، بعد فشل المحادثات، أنه لا يمكن للسياسة المعتدلة أن توقف سيطرة المرابين الدوليين على سياسة بريطانيا الخارجية. وهكذا اضطر هتلر للاعتراف بصدق كارل ريتر عندما قال: «لكي يعود السلام وتعود الحرية الاقتصادية إلى العالم، يجب أولا القضاء على الممولين اليهود، وعلى جميع أعضاء الحركة الثورية العالمية، الذين يوجهون الشيوعية ويسيطرون عليها».
في المحادثات التي جرت بين بريطانيا وألمانيا في كانون الثاني من عام 1936، مثل الأولى اللورد لندندري، ومثل الثانية غورنغ وهتلر نفسه. في هذه المحادثات، شرح الهر غورنغ تفاصيل وتاريخ الحركة الثورية العالمية كما فصلها البروفيسور كارل ريتر وغيره. ثم حاولا إقناعه بضرورة استعمال الحرب الشاملة في وجه مثل هذه العقلية الديكتاتورية. وفصلا له الخطة الألمانية التي تقضي باحتلال جميع الدول الشيوعية وتحرير شعوبها وإعدام جميع الخونة فيها. وقدّما له الوثائق التي تبرهن عن ارتباط الشيوعية بكبار أغنياء اليهود، الذين يوجهون حركتها ويمولونها، كما يوجهون ويمولون في نفس الوقت الصهيونية السياسية، للوصول إلى هدفهم السري المنشود وهو التحضير للعهد الذي سيرجع مسيحهم المنقذ إلى الأرض.
كما أن هتلر وعد بالوقوف في وجه الخطط المتطرفة للوردات الحرب النازيين، كما وعد بتحديد نشاطه ضد الشيوعية داخل القارة الأوروبية فقط، شرط أن تدخل بريطانيا في حلف مع ألمانيا. ولكن اللورد لندندري أبدى شكه في أن تشارك الحكومة البريطانية في خطة تقضي بإفناء الشيوعية، وأنها ستعتبرها عملية إفناء بشرية. عندئذ عرض هتلر حلا وسطا. قال إن ألمانيا ستقوم وحدها بهذه المهمة، شرط أن تدخل بريطانيا معها في اتفاقية بألا تقوم حرب بين البلدين لمدة عشر سنوات مهما كانت الظروف. وأوضح هتلر أن الطريق الوحيد لاستقلال بريطانيا وفرنسا وروسيا هو بالاستقلال الاقتصادي، وأن على هذه البلدان أن تنفض عن كاهلها تلك الديون الباهظة، وتتسلم زمام اقتصادها بذاتها، حتى يعود الاقتصاد العالمي إلى حالته الطبيعية. ثم بين أن الهدف الذي يسعى إليه حزبه الاشتراكي الوطني، هو أن يضع حلا جذريا مباشرا لنفوذ المرابين وسيطرتهم على الشؤون الوطنية الداخلية والعالمية.
وهنا دعم غورنغ رأي هتلر، مشيرا إلى أن التاريخ يبين كيف استطاع اليهود الأغنياء وذوو النفوذ أن يتحكموا باقتصاد وسياسة الدول التي تمكنوا من التسرب إليها. وقد حققوا ذلك بوسائل غير مشروعة وطرق فاسدة ومفسدة. عندئذ استشهد الهر فون ربنتروب بما حدث في كندا، عندما كان اللورد لندندري نفسه فيها. لقد بين له أن لجنة ستيفن الملكية التي حققت في قضية الجمارك الكندية، وجدت أن البلاد تعاني من سرقة مبلغ مئة مليون دولار سنويا.. هذه السرقة تنظمها حركة عالمية تتغلغل في البلاد وتنشر الفساد والرذيلة، فتكبل العديد من المسؤولين ورجال الحكومة، بإيقاعهم في الرشوة والرذيلة. وأضاف ربنتروب أن حالة الولايات المتحدة هي أسوأ عشرات المرات من كندا، وأنه للقضاء على هذا الخطر، يجب التخلص من الثلاثمائة رجل الذين يشكلون العقول المدبرة التي توجه العناصر السلبية والمجرمة لتحقيق وتنفيذ خطتهم بعيدة المدى، وهي السيطرة على العالم من خلال الحركة الثورية العالمية.
كما أن غورنغ ناقش بعد ذلك قضية تمويل المرابين العالميين للثورة الروسية عام 1917، مبينا النتيجة التي تمكن هؤلاء من تحقيقها، وهي نشر العداوة والبغض الذي لم تره البشرية حتى ذلك الوقت.
ثم ذكر هتلر مندوب بريطانيا اللورد لندندري، بالملايين من المسيحيين الذين ذبحوا بدون رحمة في البلدان الشيوعية منذ ثورة أكتوبر 1917، وأضاف أن المسؤولين عن هذه المذابح لا يمكن اعتبارهم غير لصوص ومخربين عالميين.
وكانت آخر قضية ناقشها المجتمعون، قضية محاولة ستالين تحويل أسبانيا إلى ديكتاتورية شيوعية.. وهكذا تمت تعرية جميع بنود المؤامرة العالمية، من الطريقة السرية التي تمكنت بها ألمانيا من إعادة تسليح نفسها، إلى سيطرة محفل الشرق للماسونيين الأحرار على فرنسا، إلى الطريقة التي دفعت بها بريطانيا إلى ترك التسليح، في نفس الوقت الذي كان أعداؤها الألداء يتسلحون على أكمل وجه.. وتبين أن الألمان يرون استحالة استتباب الأمن، ما لم يتم القضاء على الشيوعية والصهيونية، لأنهم كانوا يؤمنون بأن هاتين الحركتين كانتا تعدان لقيام حرب ثانية.
وفي النهاية اختتم هتلر المحادثات بطريقته الخطابية، متمنيا على اللورد لندندري أن يحاول إقناع حكومته بالدخول في الحلف المقترح مع ألمانيا. وقال بالحرف الواحد: «»وكل ذلك لأنني مقتنع بأن الإمبراطورية البريطانية والكنيسة الكاثوليكية، كلاهما مؤسستان عالميتان، بقاؤهما ضروري لحفظ القانون والنظام العالمي في المستقبل«».
إن هذا الأقوال عن هتلر قد تبدو غريبة عن الرأي العام، لذلك سنسوق الحقائق التاريخية التالية لدعمها:
عاد اللورد لندندري إلى لندن بعد المحادثات وقدم تقريرا إلى الحكومة البريطانية..وفي 21 شباط 1936 أرسل رسالة إلى ربنتروب، قال في أحد مقاطعها: «لقد نسي هتلر وغورنغ، أننا قاسينا هنا في انكلترا من اجتياح الثورة لعدة قرون. وبالنسبة لليهود، فإننا لا نحب الإفناء. وبالإضافة إلى ذلك فإن شعورا ماديا بأنكم تحاولون السيطرة على قوة عظيمة، بإمكانها الرد على هذه المحاولة من أماكن تشمل الأرض بكاملها. ويمكننا أن نتبع خطوات اليهود ومساهمتهم في إثارة الشغب في العالم، ولكننا في نفس الوقت سنجد أن بعضهم يقف موقف حازما في الطرف المقابل، مستعملا نفوذه وأمواله للوقوف في وجه النشاط الشرير والماكر الذي يقوم به إخوانهم».
ولما تأكد هتلر من فشل تحالف بريطانيا معه، أخذ يميل أكثر فأكثر نحو اليمين، لأنه اقتنع أنه يستحيل على أي فرد، أو أي مجموعة من الأفراد، أو أي أمة بمفردها، أن تحطم نفوذ المرابين العالميين في الدول المسماة بالديمقراطية، وذلك لتحكمهم المالي بهذه الدول، ولإيقاعهم إياها تحت ديون طائلة.
وفي تموز 1936، اندلعت الحرب الأهلية في أسبانيا، وتبعها تقارب وتجاذب بين فرانكو وهتلر وموسوليني.. لقد أدى تصميم فرانكو على الكفاح من أجل إخراج الشيوعيين من بلاده، إلى جعل هتلر يقوم بتحصين حدوده عسكريا، لأنه كان يرغب جدا بمعرفة ما إذا كان ستالين يقوم بأي محاولة لتوسيع حدوده على حساب الدول الأوروبية الأخرى.. وكانت الصحافة المعادية لهتلر تصف كل خطوة يقوم بها «بالعدوان الفاشي». أما هتلر فكان يبرر خطواته بأنها احترازية، وصرح بأن اهتمامه الأول ينصبّ على منع ستالين من تأسيس منطقة نفوذ حول خط العرض أربعين في أوروبا.. ولو أنه سمح له بذلك لوقعت ألمانيا وبريطانيا وغيرها من الدول الأوروبية في الفخ، كما يقع الذباب في بيت العنكبوت.
بدأ النازيون بنشر الإيديولوجية الجرمانية الوثنية بين الشعب الألماني. وتقضي هذه العقيدة بتفوق العرق الجرماني الذي يجب أن يخضع العالم بالقوة العسكرية وينشئ الدولة الجرمانية.. ومن مسلمات هذه العقيدة أن الطاعة لرئيس الدولة الجرمانية يجب أن تكون عمياء لا تناقش أبدا.
وهكذا بدأ الصراع بين المسيحيين المتدينين بشقيهم الكاثوليكي والبروتستانتي والدولة. وهاجم رجال الدين النازية، معلنين أنها تعمل على تحطيم الإنسانية. فكان رد النازيين أن رجال الكنيسة يخالفون القانون ويتحدون السلطة. عندئذ أعلن رجال الدين بأن النازية تعادي وتناقض الخطة الإلهية في خلق البشرية. فاتهم النازيون الكنيسة بأنها تتدخل فيما لا يعينها من شؤون الدولة.
وأصدر هتلر قانونا صارما، حظر فيه على رجال الدين انتقاد الأوضاع السائدة أو التعرض لقانون الدولة. وهددهم بتنفيذ العقوبات بهم إذا أثبتت المحاكم مخالفتهم للقانون.
وننقل بعض ما جاء في المنشور الذي أمر البابا بيوس الحادي عشر بتوزيعه على العالم المسيحي في الرابع عشر من آذار 1937، وعنوانه «حول ظروف الكنيسة في ألمانيا». في هذا المنشور أخبر البابا جميع الكاثوليك أن ما سيأتي في كلامه عن النازيين هو عين الصدق. وحول فكرة التفوق الجرماني، كتب يقول: «قد يكون هناك تفاوت وتباين بين الشعوب أو الحكومات أو ممثلي السلطات الأهلية وغيرها، وقد يتمتع البعض بمركز مرموق بسبب الاختلاف الفطري والذكاء البشري الطبيعي. ولكن رفع هذه الفئات أو الشعوب أو المجموعات إلى مركز التفوق المثالي، فهذا تغيير للفطرة وتعدٍّ عليها، لأن الكمال لله، فهو الخالق والمدبر وليس لفرد أو جماعة أن يطالبوا بحق العبودية لأنفسهم. ولا يقع في خطأ الإيمان «بالوطن الإله» أو «بالوطن الدين» إلا غبي يحاول تضييق قدرة الله بهذه الحدود الضيقة، وهو سبحانه الملك المشرع، الذي لا تقاس قدرة الأمم والشعوب إلى قدرته، إلا كما تقاس نقطة الماء إلى البحر».
هذا بالنسبة للكاثوليك. أما البروتستانت، فقد واجهوا النازية بشجاعة، ونشروا رسالة في التاسع عشر من آب 1938، أكدوا فيها أن موقف النازيين من الدين المسيحي في ألمانيا هو «متناقض بصورة مكشوفة مع تأكيدات الفوهرر».. وجاء فيها أيضا «إن ما يهدف إليه النازيون ليس كبت الكنيسة الكاثوليكية فقط أو الكنائس البروتستانتية، بل هو القضاء على الفكرة المسيحية الحقيقية القائمة على الاعتقاد بإله واحد واستبدالها بفكرة إله جرماني.. وماذا تعني هذه المحاولة لاستبدال الإله المسيحي بإله جرماني؟.. وما الذي تعنيه فكرة الإله الجرماني هذه؟.. أهو يختلف عن إله بقية الشعوب؟.. إذا كان الأمر كذلك، فهذا يعني أن لكل أمة إلهها الخاص بها.. والمعني الحقيقي لهذه الفكرة هو أنه ليس هناك إله على الإطلاق».
توحدت القوى النازية السوداء والقوى الشيوعية الحمراء في حربها ضد المسيحية، وضد الإمبراطورية الرومانية..وهذا الوضع المعقد هو الذي حدا برجال الكنيسة أن يقفوا ذلك الموقف القومي ضد النازية السوداء، في حين أنهم تركوا الخطر الأقل أهمية وهو الخطر الفاشي - الفكرة المعادية للشيوعية التي استعملها فرانكو. وهذا الوضع هو الذي يشرح أسباب تحالف الكاردينال منذزنتي مع القادة الفاشيين للتخلص من السيطرة الشيوعية على بلاده.
وفي ظل هذه الأوضاع، وجد الملايين من شعوب ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وأسبانيا واليابان، أنفسهم مضطرين إلى اختيار أحد طرفين. إما موالاة الشيوعية، أو موالاة الفاشية.. ودلهم هوبسون على الطريق، وهو أن يختاروا الأقل ضررا والأبعد عن الشيطان.
وهكذا نجحت المؤامرة الشيطانية في تهيئة الوضع لقيام الحرب العالمية الثانية، فالديكتاتورية الروسية كانت تعيد تسليح الألمان سرا. والديكتاتورية الإيطالية بقيادة موسوليني كانت تبني سرا أسطولا من الغواصات للمهندسين والعلماء الألمان. وقد جربت هذه الغواصات عمليا في الحرب الأهلية الأسبانية، حيث تم البرهان عام 1936 على قوة هذه الغواصات ومناعتها ضد جميع الأسلحة البريطانية التي تستخدمها ضد الغواصات، لأن الغواصات الحديثة، صارت تغوص إلى عمق خمسمائة قدم تحت سطح البحر، وهي مسافة لم يكن أي سلاح في ذلك الوقت ليتمكن من الوصول إليها. ولم يبق هذا الأمر سرا بالنسبة للحكومة البريطانية، بل تسربت إليها أخبار هذه الاستعدادات. وبرهن الكابتن ماكس مارتون من البحرية الملكية البريطانية، بالتجربة العملية، إمكانية مهاجمة الأسطول البريطاني وهو رابض في موانئه، وذلك بأن استطاع أن يتفادى بغواصته جميع الأسلحة المضادة للغواصات، ويغرق نظريا اثنتي عشرة سفينة راسية في الميناء.. وبدلا من أن يتلقى الكابتن مارتن الثناء والتقدير من قادة الأسطول نال سخطهم واستياءهم وتوقفت ترقيته ثم كتم صوته تماما.. وبقي على هذه الحال، حتى عام 1940، عندما هددت الغواصات الألمانية الحديثة بريطانيا بالاستسلام أو الموت جوعا. عندئذ طلب منه قيادة المعركة المضادة للغواصات في المحيط الأطلنطي.
Page 8
ورغم التحذيرات المبكرة، لم يكن يرافق السفن البريطانية، عندما اندلعت الحرب، أي سلاح بحري للحماية.. وكانت النتيجة أن خسرت بريطانيا 75 بالمائة من أسطولها التجاري وأربعين ألف بحري، قبل أن تتمكن من إعادة دفة الحرب إلى جانبها عام 1943.
ونعود إلى ألمانيا، فنجد أن هتلر قد اتخذ خطوة معادية للمرابين الدوليين، وذلك بإعلانه للسياسة الاقتصادية المستقلة، وللإصلاح المالي. وطلب من كل من اليابان وإيطاليا وأسبانيا أن تدعمه في تحديه لقوى الكارتل والاحتكارات التي كان يديرها الممولون الدوليون، وخصوا البنك الدولي الذي كان آخر نتاج لعقوبتهم المدبرة. ونفذ الرايخ خطوته بالتخلص من الدكتور هانس مدير بنك الرايخ وعميل المرابين العالميين. وقبل أن يقوم هتلر بهذه الخطوة الجريئة، لم يكن أحد ليستطيع أن يحرك الدكتور هانس من منصبه، إلا إذا وافق هو على ذلك ووافق أعضاء البنك الدولي بالإجماع.
وكان الممولون الدوليون قد أنشأوا منذ الحرب العالمية الأولى ستة وعشرين بنكا مركزيا، على غرار البنوك الاحتياطية الفيدرالية التي أنشئت عام 1913 بإشراف وتوجيه المستر بول واربورغ، الذي جاء إلى أميركا عام 1907 ثم أصبح شريكا في مؤسسة كوهن - لوب وشركائهم في نيويورك.
وكانت نظرية واربورغ تقضي بإنشاء «تنظيم مصرفي مركزي» ترجع إليه جميع السلطات على هذه البسيطة. ومن هنا، كان هتلر يدرك أنه إذا استطاع واربورغ وأصحابه إنشاء البنك الدولي، فإنهم سيتمكنون من إنشاء بيروقراطية تتمكن من التدخل في جميع القضايا العالمية، تماما كما يتدخل بنك انكلترا في شؤونها الداخلية وسياستها الخارجية.
وفي معرض حديثنا عن الحركة الاقتصادية في تلك المرحلة من التاريخ، سننقل ما جاء على لسان الرئيس الأمريكي ثيودرو ولسن عام 1916، أي بعد ثلاث سنوات من بدء العمل بنظام بنوك الاحتياط الفيدرالية التي نظمها الصهيوني واربورغ. يقول ولسن في حديثه عن الوضع الاقتصادي الأميركي: «تسيطر على أمتنا الصناعية - كما هي الحال في جميع الدول الصناعية الكبرى - أنظمة التسليف والقروض.. ويرجع مصدر هذه القروض إلى فئة قليلة من الناس، تسيطر بالتالي على نماء الأمة، وتكون هي الفئة الحاكمة في البلاد.. ولهذا لم تعد الحكومات - حتى أشدها سيطرة وتنظيما وتحضرا - تعبر عن رأي الأكثرية التي تنتخبها، ولكنها في الحقيقة تعبر عن رأي ومصالح الفئة القليلة المسيطرة».
وهذه هي حقيقة ما يسميه العالم المتحضر اليوم بالديمقراطية..ويشارك الرئيس الأمريكي روزفلت رأي الرئيس ولسن، وذلك بما جاء على لسانه عندما وقعت الأزمة - أو المأساة - الاقتصادية الكبرى في الثلاثينيات. قال روزفلت يومها: «إن ستين عائلة أمريكية فقط هم الذين يتحكمون باقتصاد الأمة.. ويعاني ثلث الشعب الأمريكي من سوء المسكن والمأكل والملبس».. وقال أيضا: «إن عشرين بالمائة من العاملين في مشاريع W. P. A. هم في حالة يرثي لها من سوء التغذية، حتى أنهم لا يستطيعون العمل اليومي بكامله.. وإني مصمم على إخراج رجال المصارف من برجهم العاجي».
ولكن روزفلت نفسه ما لبث أن تغير. لقد وجد نفسه يقود بلاده لتحارب نفس الدول التي وافقت على السياسة التي نادي بها عقب انتخابه مباشرة. وبعد عمر طويل قضاه في خدمة الرأسماليين، مات روزفلت في بيت أغنى وأقوى رجل في الولايات المتحدة، برنارد باروخ، الرجل الذي بقي أربعين عاما يسيطر على البلاد من خلف الستار.
وهكذا أصبحت الديمقراطية كلمة يستعملها الحكام لخداع شعوبهم.. فهي تستخدم في البلاد الرأسمالية، حيث يسرح الممولون العالميون ويمرحون، متلاعبين بقيمة العملات فيها، بزيادة السيولة المالية أو إنقاصها حسب مشيئتهم ومصالحهم.. وتصبح الديمقراطية التي تسمي كل من بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة نفسها بها، تعني ارتباط هذه البلدان مع الممولين الدوليين عن طريق الديون والقروض.. ومن جهة ثانية، تسمي البلدان الشيوعية نفسها بلدانا ديمقراطية لأنها تقع تحت سيطرة نفس المجموعة من المرابين والممولين العالميين.
ونرى السير انتوني إيدن يعبر عن رأي الممولين، عندما وجه رسالة إذاعية إلى الشعب الأمريكي في الحادي عشر من أيلول 1939، يقول في أحد مقاطعها: «لقد آن لنا تخليص أوروبا من التعصب والأطماع وسيطرة الأهواء.. ويجب علينا أن نبني حضارتنا الجديدة من خلال عالم متحارب».. إنه العفن الفكري ليس إلا.. وهل الحروب للبناء أم للتدمير؟
ولقد حاول العديد من البريطانيين تجنيب بلادهم وحليفاتها الدخول في حرب ثانية مع ألمانيا.. ولم يتركوا مناسبة منذ عام 1930 إلا وعبروا فيها عن استيائهم من قيام حرب أخرى. ولكنهم كانوا جميعا يُنعتون بأنهم نازيون سود يعملون لمصلحة لوردات الحرب النازيين. ومن البريطانيين الذين أعلنوا عن عدائهم للشيوعية وأيدوا الفاشية، السير اوزويلد موسلي.. وقد قام هو والعديد من رجال السياسة والجنرالات المتقاعدين بجهد صامت وجريء لتحذير أعضاء الحكومة من الوقوع فريسة المؤامرة العالمية.
وكانت الحركة المعادية للسامية قد بدأت في انكلترا منذ عام 1920، عندما عاد مارسدن إلى إنكلترا، وفي حوزته نسخة من الكتاب الذي ألفه البروفيسور سرجي نيلوس عام 1905 بعنوان «الخطر اليهودي».
وفيما كان مارسدن يترجم هذه الوثائق، تلقى تحذيرا بالموت إذا أصر على نشر الكتاب. ولكن مارسدن لم يخف من التحذير، فنشر الكتاب وسماه «بروتوكولات حكماء صهيون». وبعد سنوات قليلة من نشر الكتاب مات مارسدن بالفعل كما جاء في التحذير وبظروف غامضة.
أدى نشر هذا الكتاب إلى ضجة كبرى في إنكلترا، ومن ثم في العالم أجمع. وعمد المرابون العالميون لتفادي هذه الفضيحة الدامغة التي كشفت أمرهم، إلى شن حملة دعائية معاكسة ضد مارسدن، متهمة إياه بالكذب وبعدائه الصريح للسامية.
ومما لا شك فيه أن الوثائق التي وقعت في أيدي البروفيسور نيلوس، كانت إشارات إضافية يمكن الاعتماد عليها في شرح الطريقة التي تم بها تنفيذ المخطط، وكيف تم استخدام الدارونية والماركسية والنيتشية (نسبة إلي نيتشه) منذ عام 1773.
ولا يستطيع قارئ هذه الوثائق ـ مهما كان مصدرها ـ أن ينكر أن تسلسل الأحداث العالمية جاء تعبيرا عن البرنامج الذي اقترحته الوثائق منذ عام 1773.. وسيدهش أكثر من هذا التنبؤ الدقيق الذي لم يخطئ أبدا.
يقول ماكس ناردو في خطابه في المؤتمر الصهيوني السادس الذي عقد في بازل في سويسرا عام 1903: «دعوني أخبركم الكلمات التالية، وكأني أصعد بكم درجات السلم درجة درجة..المؤتمر الصهيوني.. مشروع أوغندا البريطانية..الحرب العالمية المتوقعة.. مؤتمر السلام حيث يتم بمساعدة بريطانيا قيام دولة يهودية حرة في فلسطين».
وقد قرأ العديد من رجال السياسة والصحافة هذه الوثائق، فحملتهم على البحث والتدقيق في القضايا العالمية.. ومن بين هؤلاء اللورد سيدنهام وهنري فورد. وقد قام هذا الأخير بعد قراءة الوثائق بتأليف كتاب قيم. وفي 17 شباط عام 1921 أجرت النيويورك وورلد مقابلة مع السيد هنري فورد، ونقلت عنه ما يلي: «إن أهم شيء أريد أن أقوله عن «البروتوكولات» هو أن ما جاء فيها يتطابق مع ما يجري اليوم..لقد مضى على ظهورها ستة عشر عاما، ومازالت تتوافق مع الوضع الدولي حتى الآن».
وفي نهاية حديثنا عن «بروتوكولات حكماء صهيون»، يجدر بنا أن نذكر علاقة مؤلفة المستر مارسدن بالملك الانكليزي ادوارد الثامن، لما لهذه العلاقة من تأثير على الملك نفسه، وعلى كشف بعض جوانب التآمر الذي حدث في انكلترا في ذلك الوقت.. لقد بقي مارسدن يعمل في جريدة المورننغ بوست من عام 1921 حتى عام 1927، فكسب العديد من الأصدقاء.. ولكنه في نفس الوقت كسب عداوة قوية من قبل المتآمرين.. وفي عام 1927 تم اختياره لمرافقة ولي العهد أمير ويلز في رحلة حول الإمبراطورية. وليس من المعقول أن يترك السيد مارسدن هذه المناسبة دون أن يطلع الأمير على الوثائق وعلى المؤامرات التي يحيكها الممولون الدوليون الذين يخططون للشيوعية والصهيونية معا. وهكذا عاد ولي العهد إلى بريطانيا وقد تغيرا كثيرا، ولم يعد ذلك «الأمير المرح المسرف» بل أصبح رجلا جديا عميق التفكير. إلا إن مارسدن ما إن وصل إلى بريطانيا حتى تغيرت صحته، ثم مات بعد أيام قليلة. وهذا يذكرنا بما حدث لميرابو الذي مات مسموما، بعد أن أطلع الملك لويس على الدوافع الحقيقية للثورة الفرنسية.
كان انقلاب ولي العهد بعد عودته من الرحلة عميقا شاملا، فقد أخذ يهتم بالمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وأخذ يزور مناجم الفحم ويتحدث مع العمال في بيوتهم، خارجا بذلك عن التقاليد الملكية. ثم أخذ يعارض كل سياسة يعتقد أنها غير صالحة، مبديا رأيه بجرأة في جميع الأمور حتى السياسة الخارجية، متحديا بذلك «القوى الخفية» وخصوصا عندما تم تتويجه في 20 كانون الثاني عام 1936.. وهكذا دخل ادوارد الثامن في صراع عنيف مع المسيرين الحقيقيين للسياسة البريطانية. إلا أنه لم يصمد طويلا، لأن المرابين لم يتركوه لحظة دون أن يشهروا به، وخصوصا بعد مرافقته للمستر مارسدن. فقد صوروه للناس على أنه زير نساء وأنه يميل «لليمين» وأن له علاقة بالسير أوزويلد موزللي المؤيد للحركة الفاشية. ولكن هذا كله لم يؤثر على سيرة الملك الجدية التي كان يعيشها، إلى أن عزم على الزواج من سيدة أمريكية مطلقة تدعى «والي سيمبسون». عندئذ تحركت أجهزة الدعاية اليسارية بكل قواها، مثيرة الرأي العام ضد هذه السيدة، وأصبحت هذه القضية الشغل الشاغل لانكلترا. وهكذا حمل المستر بالدوين أوامر المرابين بشأن تنحية الملك عن عرشه. وكان على الملك اختيار أحد أمرين: إما التخلي عن العرش، أو التخلي عن زواجه من مس سيمبسون، فاختار الحل الذي يحفظ له كرامته ولا يجعله ألعوبة في أيدي خصومه، وتنحى عن العرش.
وبعد تنحي أدوار الثامن عن العرش، قام عدد كبير من المثقفين والمفكرين البريطانيين - بمن فيهم أعضاء البرلمان وقادة الجيش المتقاعدين - بحملة دعائية واسعة، محاولين إقناع الحكومة البريطانية بحقيقة المؤامرة التي يحيكها «المرابون العالميون». ومن بين هؤلاء الكابتن رامزي والأدميرال السير باري دومفيل، اللذين توصلا في عام 1938 إلى أن قادة اليهودية العالمية الذين يتزعمهم رجال المصارف والممولون اليهود العالميون يستعملون الأموال الكثيرة التي في حوزتهم لشراء المراكز الحساسة، بهدف خلق النزاعات بين الأمم، في خطة بعيدة المدى تهدف إلى الإعداد لمجيء مسيح اليهود لتخليصهم، وعندها ستتمكن الحكومة المركزية الموجودة في فلسطين من فرض الحكم الديكتاتوري على جميع شعوب وأمم العالم.
وقد حاول الكابتن رامزي والأدميرال دومفيل جهدهما لمنع توريط بريطانيا في حرب مع ألمانيا، وبذل الكابتن رامزي جهدا كبيرا في سبيل إقناع المستر تشامبرلين ـ رئيس الوزراء البريطاني ـ بالخطر على المصالح البريطانية، إذا حقق المتآمرون الدوليون خطتهم وورطوا بريطانيا في حرب مع ألمانيا. ومع أنه لم يقنع رئيس الوزراء، إلا أنه على الأقل أثر فيه تأثيرا كافيا، جعله يصلح الأمور مع هتلر ويعود من ميونخ وهو يلوح بمظلته المشهورة، وبورقة قال عنها إنها اتفاقية «تضمن السلام في وقتنا هذا».
بعد هذا الإعلان مباشرة، قامت الصحافة التي يسيطر عليها المرابون الدوليون بحملة حاقدة على الفاشية، لاعنة تشامبرلين ومتهمة إياه بأنه «امرأة عجوز تحاول شراء السلام بأي ثمن» وبأنه متضامن مع الفاشية. وفي موسكو أحرق العملاء هناك تمثالا وهميا لتشامبرلين في تظاهرة كبيرة في الساحة العامة. لقد صورت هذه الصحافة، الفاشية الألمانية والإيطالية على أنها عقائد إلحادية سوداء ذات أهداف توتاليتارية مطلقة. وكان القليل من الناس من يفهم الفرق بين النازية والفاشية والشيوعية والاشتراكية.
ومما هو معروف عن بعض التفاصيل التي جرت خلف الستار، أن الكابتن رامزي وعد رئيس الوزراء البريطاني بتسليمه وثيقة تشهد بالمؤامرة على المصالح البريطانية. وكانت هذه الوثيقة عبارة عن رسائل سرية بالشفرة تبودلت بين ونستون تشرشل والرئيس الأميركي روزفلت. ووعد رامزي بإحضار هذه الرسائل ليبرهن له على عزم الممولين العالميين إشعال الحرب العالمية الثانية.
Page 9
وكان الكابتن رامزي قد علم بهذه الرسائل السرية عن طريق «تايلر كنت» الضابط الأميركي المكلف ببث واستلام الرسائل في السفارة الأمريكية في لندن. ولقد اتصل تايلر كنت بالكابتن رامزي، لأنه كان يعرف أنه يشك في «مؤامرة يهودية عالمية» ويعلم أنه يحاول جهده لإيقاف الحرب. ولما عرض رامزي أن ينقل هذه الوثائق إلى رئيس الوزراء، وافق كنت على إحضار الوثائق إلى منزله في غلوستر بلندن.
في هذا الوقت كان المتآمرون العالميون يعملون بنشاط واسع. في آذار 1939 تمكن هؤلاء من دفع تشامبرلين للتوقيع على معاهدة لحماية البولنديين من العدوان الألماني، وذلك بإبراز إنذار مزور من ألمانيا للبولنديين. والحقيقة أن ألمانيا لم ترسل هذا الإنذار، بل عرضت مشروعا مقبولا لحل سلميّ لمشكلة الممر البولندي ودانتزيغ، التي سببتها معاهدة فرساي الجائرة.
ولكن المذكرة بقيت مهملة أشهرا عديدة، في حين كانت الصحافة المعادية لهتلر تشن عليه الحملات العنيفة المضادة. وقد صورته هذه الصحافة رجلا لا يوثق به، فانطلت الكذبة على الجميع، واستخدموا قول هتلر بعد احتلاله لسدتنلاند، وهو أنه لا يطلب أي شيء بعد ذلك، كمثال على تعدّي هتلر على جميع الاتفاقيات، كما تعدى على معاهدة فرساي من قبل. كما حولوا مذكرة هتلر السلمية التي وجهها إلى بولندا إلى مذكرة عدوانية، واعتمدوهما مثالا آخر على نواياه التوسعية.
والحقيقة أن هتلر أعلن أنه لن يطلب أي شيء آخر بعد أن توصل إلى رفع الظلم الذي فرضته عليه معاهدة فرساي التي صاغها أعداء الإنسانية. وكان هتلر صادقا في ذلك الوعد ولم يتقدم إلا إلى منطقة السدتنلاند وجزء من تشيكوسلوفاكيا والممر البولندي ودانتزيغ، فلقد كانت معاهدة فرساي قد فصلت بروسيا عن بقية ألمانيا بإيجاد الممر البولندي. أما دانتزيغ فهي مدينة ألمانية فصلتها المعاهدة وعزلتها عن بقية المناطق الألمانية. وأما القسم المعروف اليوم بتشيكوسلوفاكيا، فقد كان يضم إليه قسما من الرعايا الألمان الذين عوملوا معاملة سيئة ونال منهم التشيكيون. ولم يدخل هتلر النمسا إلا بعد أن طلب شعبها حمايته من العدوان الشيوعي، وهذا ما ينكره الجميع اليوم.
وبشكل عام، كانت الصحافة الغربية قد هيأت الشعوب هناك لتقف موقفا معاديا للألمان ولجميع الدول التي تؤيد سياستها كفرنسا وغيرها.
ولما حمل الشعب الألماني هتلر إلى مركز القيادة وقف تشرشل ليعلن أن هتلر ليس إلا «وحشا وليد الكذب والخداع». ولكن أحدا لا يستطيع أن ينكر أن هتلر كان يحاول مرة بعد مرة، الوصول إلى حل عادل لمشكلة الممر البولندي ودانتزيغ، ولكن المرابين العالميين لم يسمحوا له بذلك، وذلك بإيهام رئيس الوزراء البريطاني تشامبرلين بأن هتلر قد أرسل مذكرة الإنذار. وكان هذا الخداع والكذب هما اللذان جعلا المستر تشامبرلين ينصح مترددا الحكومة الملكية بإعلان الحرب على ألمانيا.
قد يعتبر البعض هذه الاتهامات للمرابين العالميين غير صحيحة وبعيدة عن الحقيقة. ولكن إذا حاول أن يجري مقارنة بين ما حدث قبيل وبعد الحرب العالمية الأولى، وبين ما حدث قبيل وبعد الحرب العالمية الثانية لوجد تقاربا كبيرا في المخططات والنتائج.
لقد انتهت الحرب الكبرى الأولى بمعاهدة فرساي، التي لا يستطيع أحد أن يقول بأن قادة وزعماء مسيحيين حقيقيين يمكنهم أن يوقعوا معاهدة شبيهة بهذه المعاهدة الجائرة. ولكنّ الحكاية أعيدت مرة ثانية بعد الحرب العالمية الثانية، وذلك بتبني الحلفاء سياسة «الاستسلام غير المشروط» وبتبني خطة «ستالين-وابت-مورغانتو» الاقتصادية، وبتقسيم ألمانيا إلى قسمين، وباختلاف الأزمة الفرنسية بعد الحرب، بالإضافة إلى تلك اللعبة الخطيرة التي لعبها الممولون الدوليون والقادة الديكتاتورية في كل من روسيا والصين بعد نهاية الحرب مع اليابان.
ولما تعب هتلر من انتظار الرد البولندي، ومن الحرب المشينة التي وجهتها ضده صحافة الحلفاء، أمر جيوشه بالتحرك نحو بولندا. عندئذ أعلنت بريطانيا الحرب على ألمانيا بموجب اتفاقيتها السابقة مع بولندا. وهنا نستطيع تبين الجريمة الشنعاء التي ارتكبها المرابون العالميون وخططوا لها. لقد وعدوا البولنديين بمساعدة بريطانيا وحمايتها مع أنهم يدركون تماما بأن بريطانيا عاجزة فعلا عن تقديم أي مساعدة، سواء كانت جوية أو برية أو بحرية.
وليس أدل من قول اللورد لوثيان - الذي كان سفير بريطانيا في الولايات المتحدة - حين صرح في آخر حديث له في مجلس العموم «لو أن مبدأ السيادة الذاتية تم تطبيقه لصالح ألمانيا وليس ضدها، لكان هذا يعني إعادة السدتنلاند وتشيكوسلوفاكيا وأجزاء من بولندا والممر البولندي ودانتزيغ جميعا إلى الرايخ».
وقد امتنع الطيران الألماني عن قصف بريطانيا بالقنابل طيلة الأشهر الأولى للحرب، وبصورة أدق طيلة فترة وجود تشامبرلين على رأس الحكومة البريطانية. وامتنعت بريطانيا عن الإغارة على الأراضي الألمانية بدورها، وذلك تنفيذا لما قاله تشامبرلين يوم إعلان الحرب في 2 أيلول 1939، من أنه سيصدر أوامره إلى قواته بعدم ضرب أية أهداف سوى الأهداف العسكرية فقط.. وهذا يعني تفادي الغارات على المدنيين والمدن الآمنة.
استمرت الحرب فترة من الزمن بعد انسحاب الإنكليز من دنكرك على هذه الصورة الهادئة شبة السلمية، فالألمان يمتنعون عن الإغارة على إنكلترا، والإنكليز لا يقومون بأعمال عدوانية. وسميت هذه الفترة بـ «الحرب السخيفة». عندئذ اشتدت حملة الدعاية والتشهير بتشامبرلين، في الوقت الذي كان فيه ونستون تشرشل قد تسلم القيادة العليا للقوات البريطانية، فقام بمغامرة فاشلة في النرويج، أودت بحياة العديد من الجنود والضباط الإنكليز، وأعادت إلى الذاكرة فشل تشرشل في الانتورب عام 1914، وفشله في احتلال غاليبولي عام 1915. ولا يعود هذا الفشل إلى عدم مقدرته العسكرية فقد كان شديد الذكاء والحنكة، ولكنه كان جزءا من مخطط يرمي إلى الإطاحة بحكومة تشامبرلين، كما أطيح بحكومة اسكويث إبان الحرب العالمية الأولى. وهكذا لم يقع اللوم على تشرشل في فشله هذا، بل كانت الحملة الدعائية كلها ضد تشامبرلين، حتى اضطر إلى الاستقالة ليخلفه ونستون تشرشل، أحد الوجوه التي خلفت اسكويث من قبل.
وفي أيار 1940 تحالف تشرشل مرة أخرى مع الاشتراكيين، ليؤلف حكومة جديدة سيتم على يدها تحويل الحرب من «حرب سخيفة» إلى حرب فعلية.. وفي مساء اليوم الذي صعد فيه ونستون تشرشل إلى الحكم في 11 أيار 1940، صدرت الأوامر إلى الطائرات البريطانية بالإغارة على المدن الألمانية، فاتحة بذلك الباب للألمان كي يردوا بالمثل، فتتحول الحرب بعد ذلك إلى حرب تدميرية فعلية. ومع أن هناك العديد من الذين دافعوا عن سياسة تشرشل في ضرب الأهداف المدنية، إلا إنهم لم يتمكنوا من تعليل هذه السياسة أبدا.
Page 10
اتجه القادة النازيون إذ ذاك إلى هتلر شخصيا، وأبلغوه رأيهم بضرورة مهاجمة الاتحاد السوفيتي، تفاديا لترك ألمانيا مكشوفة الظهر حين تشرع في عملياتها الحربية واسعة النطاق. فلم يرَ الفوهرر بدا من الموافقة على رأيهم. وفي 22 حزيران 1941 اقتحمت الجيوش الألمانية الاتحاد السوفيتي. عندئذ وبشكل مباشر، وحدت بريطانيا والولايات المتحدة جهودهما المادية لمساعدة ستالين للوقوف بوجه القوات الألمانية ودحرها. وبدأت حملة منظمة لإرسال السفن المحملة بالذخيرة الحربية إلى روسيا. وقد تم إرسالها عن طريق الخليج العربي ومورمانسك.
وفي هذه الأثناء كان تشرشل يقوم بحملة اعتقالات واسعة لجميع الذين كانوا يعارضون قيام الحرب مع ألمانيا. وقد اعتمد في هذه الاعتقالات على مذكرة كانت قد صدرت إبان الحرب الأهلية في أيرلندا، وكانت تقضي باعتقال جميع من يشتبه بأنهم ينتمون إلى الجيش الجمهوري الايرلندي. وهكذا تم اعتقال أعداد كبيرة من الشخصيات دون محاكمة أو استجواب، ودون أن يتمتعوا بحق الدفاع عن أنفسهم.. وقد صدرت أوامر الاعتقال هذه جميعا عن طريق هربرت موريسون وزير الداخلية في ذلك الوقت، وهو الذي يعود بعد ذلك ليظهر في كندا إبان حملة التبرعات لصالح الصهيونية عام 1954. وقد علل هذه الحملة الواسعة من الاعتقالات، بأنها جاءت حفاظا على السلامة العامة، وللتحكم بالأشخاص الذين يخشى شرهم. ولقد أثبتت التحريات التي جرت بعد الحرب، أن هذه الاعتقالات لم يكن لها أي مبرر إطلاقا، وإنها اعتمدت على حجج سخيفة جدا.
وكان من بين المعتقلين، الكابتن رامزي والأدميرال السير باري دومفيل وزوجتاهما وأصدقاؤهما. وقد سجنوا جميعا مع العديد من المواطنين، في سجن بريكستون.. فبقي بعضهم حتى أيلول 1944.
وكانت قد سبقت عملية الاعتقالات هذه، حملة واسعة قامت بها الصحافة التابعة للمرابين العالميين، لتهيئة الجو لتشرشل ليقوم بخطوته. وقد أوهمت هذه الصحافة الجماهير بأن لألمانيا طابورا خامسا قويا ومنظما بين صفوف الإنكليز، وأن هذا الطابور يقوم بالإعدادات اللازمة لهبوط القوات الألمانية.
وهناك العديد من الشواهد التي تبرهن على ارتباط حكومة تشرشل باليهودية العالمية، وهي التي اعتقلت بشكل جائر العديد من الشخصيات البارزة وذات المكانة عند الشعب الإنكليزي، لا لذنب، ولكن لأنهم نادوا بأعلى صوتهم معلنين أن «اليهودية العالمية» هي التي دفعت بريطانيا إلى التورط في الحرب مع ألمانيا.
ويرد على مزاعم رجال حكومة تشرشل ما برهن عليه القضاء البريطاني وتحقيقات المخابرات البريطانية، إذ لم تثبت على أي من المعتقلين على الإطلاق تهمة التعاون مع الألمان التي لفقها عملاء المرابين العالميين. وقد حاول هؤلاء تلفيق مثل هذه التهمة لزوجة الأميرال نيكولسون، أحد كبار قادة البحر البريطانيين السابقين، ولكن القضاء برأها، فعمدت حكومة تشرشل إلى اعتقالها دون أية تهمة، للانتقام منها على مناداتها قبل الحرب بمنع نشوب مثل هذه الحرب.
ولم يُخمد السجن صوت الأميرال دومفيل ولا الكابتن رامزي، فكتب الأول كتابة الشهير «من أميرال البحار الناشئ» كشف فيه عن سر الأحداث والجهات التي قادت إلى الحرب العالمية الثانية، وحذر منها الشعب الإنكليزي. كما ألف رامزي كتابه «حرب دون اسم». وتمكن هذان الكتابان - بالرغم من اختفائهما من الأسواق - من فضح أسرار المؤامرة للرأي العام الإنكليزي والأوروبي.
وتوفي رئيس الوزراء الأسبق نيفل تشامبرلين والألم يمزق فؤاده، وهو يرى بلاده تساق إلى مجزرة شاملة للدفاع عن مصالح ومآرب حفنة من المرابين العالميين. وتابعته حملة التشهير التي شنها هؤلاء إلى يوم وفاته، بل هي لا تزال تتابعه حتى الآن في كتب التاريخ، التي تصفه بالضعف والخوف من هتلر.
فور هجوم هتلر على روسيا، أعلن تشرشل وروزفلت أنهما وحكومتاهما سيسعيان لمساندة ستالين بكل الإمكانيات المتوافرة لديهما. وقال تشرشل، في كلمة مؤثرة، إنه لا يتوانى عن وضع يده في يد الشيطان، إذا ما وعده هذا الأخير بالمساعدة للقضاء على الفاشية الألمانية.
بعد ذلك شرع تشرشل وروزفلت بتقديم المساعدات غير المحدودة لستالين، واقترضا من أصحاب البنوك العالميين مبالغ خيالية، ثم قاما بتحويلها وفوائدها إلى حساب القرض القومي لكل من البلدين، بحيث تولى دفعها بعد ذلك المواطنون العاديون، بينما كان أصحاب المصارف يستريحون ويجنون مئات الملايين من الدولارات من تلك الصفقة.
واتفق ستالين وروزفلت وتشرشل على معاداة الألمان. وأكد روزفلت لستالين أنهم بعد الانتهاء من الحرب لن يكون هناك من الألمان ما يكفي لإثارة القلق. وقد نقل فيما بعد أنه أمر بإطلاق النار على 50000 ضابط ألماني بدون محاكمة. ولم تكفّ الصحافة الموجهة عن الضرب على أوتار سياسة النازيين الرامية إلى القضاء على الشعب اليهودي.. ولكنها لم تأت على ذكر سياسة روزفلت التي هدفت إلى استئصال الشعب الألماني.
وحلّ ستالين الكومينترن، وفي المقابل قدم روزفلت إليه تنازلات جديدة، فقد أطلقت يد ستالين في 600 مليون إنسان يقطنون أوروبا الشرقية.
ولا يستطيع إلا تشرشل، أن يشرح لماذا كان يجلس ويصغي لاقتراحات روزفلت بإعطاء هونج كونج للصين الشيوعية لإرضاء ماوتسي تونج.. وكيف كان بإمكان تشرشل التظاهر بالصداقة الحميمة للرئيس الأمريكي، بينما كان الأخير يكرر دائما أنه يعتقد أن حل الكومنولث البريطاني ضروري لتقدم الإنسان ورخائه، وكان هتلر على النقيض من ذلك في أفكاره.
ولم يظهر ستالين على حقيقته إلا بعدما احتل برلين وألمانيا الشرقية. كان الرأسماليون الغربيون ينظرون بعين الاهتمام والجدية لتحديات ستالين الظاهرة. ولكنهم لم يكونوا يستطيعون فعل شيء. وكان لديهم ورقة رابحة. وقبل أن يلعبوا تلك الورقة أصدروا تعليماتهم لروزفلت ليحاول مرة أخيرة إعادة ستالين إلى الصف. وعرض روزفلت إطلاق يد ستالين في الشرق الأقصى وإعطائه كل ما يطلب، مقابل أن يماشي أصحاب رؤوس الأموال في الغرب. وركزت الصحافة الموجهة على أن روزفلت أطلق يد ستالين في الشرق الأقصى لأن مستشاريه العسكريين أخبروه أنه لا يمكن إخضاع اليابان بعد استسلام ألمانيا قبل سنتين من القتال الضاري. وكانت هذه الكذبة من الوضوح، بحيث لم يضطر الجنرال ماك آرثر للكذب مباشرة. وكان الجنرالات الأمريكيون على علم بأن اليابان كانت تطلب عقد مفاوضات للصلح قبل ذلك الوقت بكثير.
ومرة أخرى استولى ستالين على ما يريد في منشوريا. ثم عاد وكسر وعوده ورجع إلى تحدياته. وكان ذلك كافيا لإثارة غضب القوى الخفية التي تدير البيت الأبيض. ولا بد أنهم قدموا اقتراحا جهنميا مما جعل روزفلت يمرض ويموت. وقيل إنه مات في منزل برنارد باروخ. بعد ذلك قرر مستشارو حكومة الولايات المتحدة لعب الورقة الرابحة، القنبلة الذرية. وألقيت القنبلتان الذريتان على هيروشيما وناجازاكي، ليعلم ستالين ما هو مخبأ له إن لم يسر على الطريق. وكانت حقيقة توفر القنابل الذرية لدى الولايات المتحدة قد أبقيت سرية حتى ذلك التاريخ. وفي الوقت الذي ألقيت فيه القنابل، كانت اليابان قد هزمت، وكان الاستسلام وشيك الوقوع. وهكذا ثم قتل ما يفوق مئة ألف إنسان وجرح وتشويه أكثر من ضعفي هذه العدد، لمجرد الإثبات لستالين أن الولايات المتحدة تمتلك فعلا قنابل ذرية. وهكذا نرى أن تشرشل أمر بقصف ألمانيا لإيهام ستالين بحسن نية الأمميين الغربيين، وبأنهم يسعون لصداقته، وأن الولايات المتحدة قصفت اليابان بالقنابل الذرية لتحذير ستالين بأنه يجب أن يسير على الطريق وإلا.