eKtab
EN ع
الحرب في حي الطرب
Read free sample

الحرب في حي الطرب

by نجم والي

Page 1
قصة الحرب في حي الطرب
 
انتهى الروائي العراقي نجم والي من كتابة الرواية هذه عام 1985· وكانت .الحرب في حي الطرب. ليست هي الرواية الأولى للروائي العراقي نجم والي، بل هي أيضاً الرواية العراقية الأولى التي كُتبت عن الحرب العراقية الإيرانية، من وجهة نظر أخرى، ليس من وجهة نظر السلطة التي جندت في حينه عشرات الكتّاب والشعراء لكي يكتبوا روايات وقصائد تعبوية في مديح الحرب العراقية الإيرانية التي راح ضحيتها قرابة مليونين فضلاً عن الجرحى والمعوقين· اليوم لا يُمكن تخيل ذلك، لكن في ذلك الوقت شكل نشر رواية بمثل هذا الشكل خطورة على الكاتب وعلى عائلته التي كانت تعيش في العراق والتي تعرضت مراراً للاعتقال، خاصة وأن الكاتب إعتاد الكتابة تحت اسمه الصريح، وليس كما فعل العديد من المعارضين الذين لجأوا لإستخدام الاسم المستعار (كما فعل بعض الذين يتربعون اليوم على عرش السلطة في العراق)·
 
كان من المفروض أن تصدر الرواية في صيف 1985 عن طريق دار نشر الأهالي التي أسستها آنذاك رابطة الأدباء والفنانين والصحفيين العراقيين في المنفى· ظروف تعيسة عديدة لا داعي لذكرها الآن حالت دون صدور الرواية· وصل الأمر أن تصدر الرواية أولاً مترجمة للغة الألمانية عام 1989 بترجمة المستشرق الألماني يورغن باول (اليوم هو عميد كلية الدراسات الشرق الأوسطية في مدينة هالة) عن دار نشر بيرسبول فيرلاغ في هامبورغ·
 
الرواية التي ظهرت في ألمانيا بطبعات عديدة ولاقت نجاحاً ملفتاً للنظر، إذ سجلت أرقاماً عالية بالمبيعات، ظلت تنتظر حبيسة في أدراج الرقابة العربية إلى حين ظهورها في دار صحارى بودابست - دمشق عام 1993·
 
لقد قيل وكُتب الكثير عن هذه الرواية، خصوصاً في الصحافة الألمانية· اليوم تعيد المؤسسة العربية للدراسات والنشر نشرها بطبعة جديدة منقحة بمقدمة كتبها الصحفي الألماني المشهور، يورغ آرمبروستير الذي عمل سنوات طويلة مديراً لاستوديوهات القناة الأولى للتلفزيون الألماني في الشرق الأوسط والعراق بالتحديد، والذي يقدم اليوم كل مساء من يوم الأحد المجلة الإخبارية الألمانية الشهيرة .مرآة العالم. من على القناة الأولى للتلفزيون الألماني·
Page 2
مقدمة
 
في العراق لم يعد هناك حي طرب···
 
الحرب تواصل طريقها
 
يورغ آرمبروستير
 
Jorg Armbruster
 
 
 
عندما اتصل بي نجم - حدث ذلك في ديسمبر 2006 - وقال لي: .اكتب لي مقدمة للطبعة العربية الجديدة لروايتي الحرب في حي الطرب.، لم أعرف في البداية ماذا أقول· لماذا أنا، الألماني؟ شخص غيري، عراقي مثلاً، لابد أن يكون أحسن مني قدرة· شخص ما، عانى من حروب الديكتاتور هذا· في الحقيقة لدى البلاد هذه كتّاب وأدباء رائعون· لماذا لم يختر نجم أحد هؤلاء؟ أو إذا كان غير عراقي، فعلى الأقل كان من المفترض أن يكون كاتباً عربياً؟ أيضاً هنا هناك العديد من الكتّاب المهمين· إذن لماذا أنا؟ لا أستطيع الإجابة عن هذا السؤال فعلاً، لكنني ولقول الحق، كتبت المقدمة بمتعة، طلب نجم شرفني جداً·
 
قبل 12 عاماً وقعت الرواية بين يدي· عام 1991 على سبيل التحديد· كان الأميركيون قد انتهوا من طرد الوحدات العسكرية العراقية من الكويت· في ذلك الوقت كنت أرسل التقارير الأخبارية عن الحرب من الأردن· لاحقاً سمعنا ونحن في عمان، عن انتفاضة الشيعة في جنوب البلاد ضد الحاكم المستبد في بغداد· سمعنا أيضاً، بأن المنتفضين أعدموا رمياً بالرصاص بالجملة أو أبيدوا جماعياً، من دون رحمة· لكن الوحشية هذه ظلت غريبة علينا، بل بعيدة· في وقت متأخر جداً فقط رأيت بعيني القبور الجماعية، بكل ما حوته من جماجم مثقوبة عن طريق الإعدام رمياً بالرصاص، أو جماجم أخرى مهشمة· هل جاء ذلك نتيجة ضربات جزمات عسكرية؟ في ذلك الوقت، عام 1991 بالتحديد، بدأت بالاهتمام بهذه البلاد الصعبة على الفهم: العراق· قررت أن أجمع كل شيء، كل ما يمكنني الحصول عليه من معلومات·
 
أحد الأصدقاء الذي عرف باهتمامي ذاك، أخبرني، أن هناك رواية ظهرت في دار نشر صغيرة في مدينة هامبورغ، تتحدث عن البلاد هذه· الرواية كتبها روائي عراقي، وظهرت مترجمة باللغة الألمانية، بعنوان غريب: .الحرب في حي الطرب. لكن ماذا يعني غريب هنا، الكتّاب يستطيعون غالباً أن يكشفوا عن طريق لغتهم أكثر من العلماء والصحفيين·
Page 3
الحروب، وهذا ما أعرفه أيضاً، حدث الكثير منها في العراق· من هذه الحروب غذت نفسها الديكتاتورية· الأغنياء والأقوياء أشبعوا بطونهم بغنيمة الحرب، أما قتلى الحرب فهم بمعنى ما عنصر اللحم الأساسي لوجبة الغذاء هذه· وماذا عن الذين بقوا على قيد الحياة في ساحات مذابح الحرب الجماعية؟ لقد تأجل موتهم فقط· .كان يعرف، أنه سيموت···لم يكن ذلك خاطراً عابراً، إنما سيطر عليه هذا التفكير، منذ أن رأى الحرب هذه بوجهها الحقيقي. بهذا الشكل يقدم الجندي .علي. نفسه في رواية نجم، إنه يعرف، بأنه وقود الحرب، مثلما هي حال أغلبية العراقيين على جبهات القتال· هؤلاء كانوا جميعهم من الشيعة تقريباً· تدريجياً يصحو علي، يكتشف نفسه، والأقوياء من حوله· كان ينظر للحرب بصفتها مكاناً للمغامرة، على الأقل حتى تلك اللحظة التي سيرى فيها بعينيه: .يحدثوننا عن الانتصارات···ولكن لا تعرفين كم كانت خسائرنا؟.، يقول الجندي علي للغجرية سليمة، .أي نصر تافه، ثمنه مجزرة بهذا العدد الكبير من البشر.
 
طوال الحرب في حي الطرب نقرأ الكابوس ذاته دائماً: .حصان مبقور البطن· يصبح الحصان قريباً منه يشمه عند الفخذين· يضع عدنان الكاميرا بين فخذيه· يبكي الحصان ويغادر المكان بأسى····· يرى الشارع وقد غطاه الوحل، بيوت تتهاوى، خيل حزينة تجري مبقورة البطون، رجال انضباط مدججون بالسلاح يدورون بسيارات الجيب واللاندروفر، ومن بيت إلى بيت تخرج نسوة ارتدين السواد يُلصقن بالحائط، شعورهن مشعثة، ملابسهن ممزقة، ظهرت أجسادهن، يطلقون الرصاص عليهن، يسقطن في الوحل. هذا هو كابوس نجم والي الذي يتكرر·
 
الرسام الألماني جيورج غروس رسم مشاهد مثل هذه تصف المشهد بعد الحرب العالمية الأولى: وجوه مخيفة ببذلات عسكرية وبذلات سهرة أنيقة، المنتفعون من الحرب، من الجهة الأخرى، يقابلهم المعوقون بالعكازات، مقطعو الأشلاء، يصلحون بالكاد للحياة· البشر معوقون، وإذا لم يكونوا مجروحين من الخارج، فإنهم مجروحون بالتأكيد من الداخل، ظلت أرواحهم معوقة طوال حياتهم· وإذا انطلقوا ذات مرة باتجاه .حي طرب.، لكي ينسوا الحرب، فإن الحرب هذه ستلحق بهم بالتأكيد إلى هناك· بكلمة أدق: لا يستطيعون تحرير أنفسهم من الحرب أبداً، إنهم يجرونها معهم مثل مرض غير قابل للشفاء· مرض غرس نفسه في داخلهم مثل فيروس، لا يستطيعون الفكاك منه· هذا الفيروس يجلس حتى اليوم عميقاً في الناس في العراق·
 
نعم، العراق تسيطر عليه ثقافة العنف· الثقافة هذه، تصبح واضحة جداً في روايات نجم والي، فهي ليست هناك منذ احتلال الجيش الأميركي للعراق أولاً، بل كانت موجودة مسبقاً· عراق صدام حسين اكتظ بفساد مدمر، البلاد كانت مسممة برجال الأمن السري من مخبرين ومحتقرين لكل ما له علاقة بحقوق الإنسان· العراق هو بالمحصلة مجتمع، لا يثق فيه الأب بابنه· الجيران يراقب بعضهم بعضاً بشكل مشبوه: هل سيتصرف الجار- الآخر خارج سلطة الديكتاتور ويجعل نفسه بهذا الشكل مثاراً للشبهة؟ مجتمع مليء بالخوف مثل، سيكون لهذا السبب بلا أخلاق· بالنسبة لنجم والي الانتحار هو الطريق الوحيد للخلاص، لكي لا يُجبر المرء على الانتماء لحزب صدام حسين·
Page 4
نعل حذاء الأقوياء هم الجنود العراقيون، ربما بسطال الديكتاتور نفسه: .هل تعلمون، أننا مجرد بساطيل، يستبدلها رجل حقير، لا يلبسنا فقط متى يشاء، بل ينزعنا أيضاً من قدميه، ويرمي بنا متى أراد·····.
 
.الرجل الحقير. هذا، هو الآن ميت· أُعدم في محاكمة من الممكن أن يشك المرء في صحتها القانونية· رغم ذلك، فإن أغلبية ضحاياه لم يملكوا حتى فرصة أن يحصلوا ولو على محاكمة قصيرة· .إذا انتهى مجرم بالطريقة نفسها التي أراد لها أن ينتهي إليها ضحاياه.، كتب نجم في الصحيفة السويسرية .نوير تزوريشير تزايتزنغ. مباشرة بعد إعدام صدام، .فمن الصعب على المرء أن يأسف لموته، لأن المرء يعرف، أن نهايته···هي أيضاً نهاية لكل تهديد ممكن أن يشكله المجرم للناس وللمحيط من حوله. روايات نجم والي ساعدتني أن أفهم العراق واستبداد صدام حسين بشكل أفضل·
 
الآن نشأت تهديدات جديدة للعراق· ليس هناك حي طرب··الحرب تواصل طريقها·
 
إلى كل الهاربين من خدمة العلم···· إلى كل الفراريّة
Page 5
علي محمد
 
فجأة توقفت سيارة الأرزاق· وعندما رفع علي رأسه ليرى ما حصل، لم يجد أمامه سوى فضاء أسود يمتد بلا نهاية، تشع فيه، في البعيد التماعات متقطعة تحدث دوياً ترتج له لا السيارة وحدها، بل الخشبة التي جلس فوقها، لم يكن بحاجة إلى مهارة العارف، فلقد اعتادت عيناه هذه المشاهد التي تستمر وقتاً غير قصير· ارتعش جسده مثلما يرتعش كل مرة عند حدوث قصف مركّز· وسيان عنده قنبلة مَن، تلك التي تُلقى هناك؛ بل إنّه لا يريد أن يسأل نفسه، وهو قد تكوّر حول سلاحه، يمسكه، وكأنه يحتضن حقيبة مدرسية· ما يعرفه وبدقة، أنه لا يريد أن يموت· كلا· . لا أريد أن أموت. قذف فمه تلك الجملة بصوتٍ مسموع، وعيناه مسمّرتان في نقطة ما في الفضاء، في مكان ما، حيث يأتي الدوي، عيناه تلكما اللتان ارتجفتا قليلاً، لم تلمحا جلال الذي تأوه: 
 
- هه· علي إنزل بسلاحك· هناك قصف مركّز· 
 
لم يرد بادىء الأمر، إنما ظلّ مواظباً على تكوره كمن رأى أفعى تحت قدميه·
 
- علي· لا ينفع إلا الانبطاح·
 
كذلك صرخ به جلال والذي قفز إليه في الوقت ذاته ليسحبه من مكانه حيث جلس بجانب الأرزاق، ولم ينسَ أثناء سحبه له أن يأخذ قسماً من اللفائف معه، وعلّق ساخراً:
 
- قد تطول جلستنا تحت·
 
وإذ أصبحا على الأرض في مكان يبعد عن السيارة، حيث انبطح الآخرون، تذكر جلال أنه قد نسي شيئاً ما في السيارة فهمس لنائب الضابط الذي استقر على بعد متر منه·
 
- العرَق· أخ كيف نسيته؟
 
ركض إلى السيارة مرة أخرى· فتح بابها بسرعة، وسحب من صندوق الحاجيات قنينة العرق· ثم رجع بها فرِحاً دافعاً إلى فمه جرعة ًمنها فوراً· وبصوتٍ يفوق أصوات القصف الذي ازدادت حدته الآن، صاح به الجندي الأول سلام:
 
- أرجوك اعطيني···
 
فقاطعه جلال قبل أن يكمل جملته، فيما بصق باتجاهه:
 
- آخ يا جلف اعطيك عيري·
 
ولكي يغيظه دفع إلى فمه جرعة أخرى وتمتم:
 
- طيب يسلم على الروح·
 
ثم دفع القنينة إلى نائب الضابط·
 
- خذ أبو ماجد· هدئ أعصابك·
Page 6
كان نائب الضابط حميد مستسلماً إلى خوفه، حتى إنه لم يجرؤ على رفع رأسه فتمتم من مكانه:
 
- ليس الآن
 
أجابه جلال:
 
- مثلما تحب·
 
زحف باتجاه علي الذي دفن رأسه بين يديه، وقد ألصق جبهته إلى الأرض وكأنه يريد إدخالها بها:
 
- هه· علي· خذ· عرق·
 
لم يجبه علي· بل لم يصغ إليه· لم يسأله جلال مرة أخرى، إنما وضع القنينة بجانبه وراح ينتظر نهاية القصف كالآخرين وهو يعلم أنها ليست المرة الأولى التي لم يصغ فيها إليه أحد· وحتى هذاك .المخبول. سلام ليس جاداً في طلبه· لقد حاول ذات مرة أن يمنحه بعضاً من العرَق إلا أنه أجاب:
 
- ليس الآن أرجوك·
 
فيما كان يرتجف خوفاً 
 
لقد ركنوا جميعاً إلى صمتهم· لم يهدأ القصف· أصبحت السماء كقطع من الصفائح الساخنة، وتلك الالتماعات البعيدة أصبحت الآن قريبة، أقرب من النجوم، التي بدت وكأنها تبحث عن مكانها لتجعل تلك الإطلاقات تفترس الفضاء الذي أخذ يسخن بسرعة· شرعت الالتماعات تقترب كنصالٍ حادّة، بإمكان علي الذي رفع رأسه الآن قليلاً أن يستحضر صوراً أخرى في رأسه، صور سيوف لمّاعة، نيران بعيدة، هزّات أرضية سمع بها فقط· النصال تقترب وتصبح أكثر قرباً من السيارة التي شخصت في مكانها وكأنها تسخر من أولئك الذين انبطحوا على بطونهم· فهي أيضاً مثلهم اعتادت الدوي المتكرر والقصف الشديد· واقفة في مكانها كثورٍ خرافي كبير، وكأنها تصغي إلى جملة جلال التي قالها ذات ليلة: سيارتي وأعرفها· تأخذ وضع انبطاح على طريقتها· صحيح أن جلال قد جعل منها .عروس. كما يتبجح، فقد زينها من الداخل بصور مختلفة لفنانين مصريين ولاعبي كرة قدم وبصوره هو أيضاً، وبمسجل صنع له خصيصاً علبة لوضع الأشرطة· صحيح أنها أيضاً سيارته ويعرفها كما يقول· إلا أن .حظها الحسن. وليس .العوذة. التي عملتها له أمه· وعلقها لتتدلى أمامه هي ما يجعل القنابل تنشطر أمامها من دون أن تلحق بها ضرراً، بل تحيط بها، وبهم، وبالهواء·
 
ومع دوي القنابل تدوي أفكار مضطربة في رؤوسهم فيما راح بعضهم ينشب أصابعه في الأرض وكأنه يود الاختفاء تحتها· كذلك فعل علي فيما بدأ يتمتم بكلمات، أياً كانت، فإنها ضاعت وسط لعلعات المدفعية التي واظبت على ضجتها لفترة غير قصيرة·
Page 7
لبرهة خفّ قصف المدفعية تدريجياً، ثم سكن كماكنة تعبة· ومن بعيد انبعثت رشقات خفيفة لبنادق من أماكن متناثرة· ليهدأ بعدها، كل شيء، ثم ليرتفع صوت جلال الذي أحدث نهوضه صوتاً :
 
- هذه الجولة الأولى·
 
وبعد أن انتهى من جملته، دفع القنينة إلى فمه· نهض نائب الضابط حميد:
 
- أراد الفرس أن يتمنوا لنا ليلة سعيدة·
 
ثم صاح بالاثنين اللذين ظلاّ بوضعهما بجلافة·
 
- انهضا·
 
ثم غمز لجلال بعينه مشيراً إلى سلام:
 
- من القصف الثاني لا يخاف·
 
وقبل أن يكمل جملته فهم جلال ما يعنيه فقاطعه مشيراً إلى مؤخرة سلام:
 
- يرتاح للقصف المركّز·
 
نهض سلام وقد أدرك ما يعنيه جلال، فضربه بخفة على ظهره:
 
- دائماً تمزح·
 
نهض علي أيضاً، وقف قريباً منهما· لفّ ذراعيه حول صدره· تمتم:
 
- برد·
 
اتجه إلى مؤخرة السيارة، وبدون أن يلتفت إليهم، تشبثت يده بالباب الخلفي لقمارة السيارة· صعد واتجه إلى زاوية هناك· انتشرت تحت قدميه كارتونات معدودة· وضعت فيها لفائف من الخبز والكباب· فاحت رائحة الأكل التي أخذت تدريجياً تستفز معدته، رغم أنه قد أكل هذا العصر عند أهله، فقد لفّت له أمه دجاجة مع الخبز والطماطم والخيار· لقد بدأت معدته تضطرب وكأنها فارغة منذ أيام· هل هو الخوف؟ لا يدري· إنه أشبه بالتعلق بشيء ما يدرك المرء أنه لن يراه بعد الآن، بل حتى لن يشمه، لن يلمسه· الخوف أن تكون تلك هي اللحظات الأخيرة· ربما· وإذا لم يكن الأمر كذلك فلماذا تستفزه هذه الرائحة التي تدخل إلى خياشيمه وتحاصره وتجعله لا يتنفس· مدّ يده إلى إحدى اللفائف، سحبها بدون أن يفتش في محتواها في ذلك الظلام، وكأنه لم يأكل منذ زمن طويل· أتاه صوت جلال من خلف غطاء السيارة:
 
- هه· علي· أخذت مكانك؟
 
وبلهجة خطابية أكمل:
 
- حسناً· سننطلق أيها الإخوة والأخوات·
Page 8
سمعهم يصعدون إلى مقدمة السيارة، التي تحركت بعد دقيقة· سرت في جسده رجفة· فمع كل متر تقطعه السيارة يظهر أنه يتجه إلى طريق غامض· ومع نفسه يقول: .نسير باتجاه الموت. سيموت هذا ما يدركه· غداً، أو بعد غد· لا يهم فهو سيموت· وهذه الحرب ليست كباقي الحروب التي قرأ عنها في كتبه المدرسية· ويبدو أنها لن تنتهي عاجلاً·
 
لماذا التحق مرة أخرى؟ وككل مرة يقسم أنّه لن يلتحق هذه المرة· ما الذي يشده إلى هنا· هل أصبحت الحرب روتيناً· لقد قال له أبوه للمرة العاشرة: 
 
- ممكن أن تختبئ عند أقاربنا في الميمونة·
 
لكنه لم يرد، إنما كان دائماً يصمت· أو يجيبه:
 
- أعتقد أنّها الأيام الأخيرة للحرب·
 
كان يحاول أن يلقي الجملة بقناعة مزيفة· وهو يرى وجه أبيه الذي ينم عن ضحكة استهزاء مكتومة بصعوبة، ربما لأنه لا يريد أن يستفز ابنه· تلك الأيام التي عناها علي أصبحت شهوراً· وستكون شهوراً أخرى، لكنها لن تؤجل موته· سيموت وإذ يتردد صدى الجملة في ذهنه، يخفق قلبه بسرعة، وترمش عيناه، فيما تضيق أنفاسه وتتداخل ذراعاه مع رجليه، يغرق في دوّامة تلفه وتلف الأرض معه، ولا يصحو إلا على صوت ريح أو دندنة جندي، فهو لا يحتاج إلى قصف شديد لكي يستيقظ· كل شيء قابل لاستفزازه في تلك اللحظة· دبيب نملة· سقوط نجمة في الفضاء المتباعد، وكأنه لا يود أن يباغت بما هو طارئ وغير متوقع· لا يريد أن يموت من دون أن يدري· يريد أن يعرف كيف، ومتى، ومن أية جهة يأتيه· فضول تاريخي قديم· متحفز كأرنب· يقفز من مكانه لمفاجأة حتى وإن كانت عابرة أو سخيفة· هكذا فعل عندما توقفت السيارة فجأة· فعندما رمى بصره بعيداً كان كل شيء قد بدا هادئاً باستثناء ليل يصهل في تلك البرية· لم يسمع هذه المرة دمدمة لجندي أو حركة غامضة غير عادية، إنما أتته من مقدمة السيارة أصواتهم متقطعة ومرتجفة يتخللها بين ثانية وأخرى صوت أجّش لمطربة عراقية· بعد برهة سمعهم ينزلونون ويصفقون باب السيارة· راحت أصواتهم تقترب، حتى أصبح صوت جلال قريباً منه:
 
- علي إنزل، لقد أضعنا الطريق·
 
وضع لقمة الخبز إلى جانبه· نهض، قفز إليهم، وعندما أصبح بقربهم انتزع جملة من فمه بصعوبة:
 
- كيف· ضعنا؟
Page 9
لم يأته أيما جواب، فقد كانوا منشغلين ببعضهم، أما هو فلم ينظر إليهم عندما ألقى جملته تلك، إنما زاغت عيناه بعيداً، وانفتح فمه:
 
- سيان، هنا أو في مكان آخر· تقصدون ضعنا؟ لقد ضعنا منذ زمن· لا فرق أن أموت هنا أم في مكان آخر· كل الأرض ميدان حرب ــ الموت من أمامكم والموت من ورائكم·
 
تطلع جلال إلى علي، وبدا بوجهه غير الحليق وفمه الذي انفتح بعرضه، بدا كأبله، أو كمن لا يريد أن يصدق· اقترب من علي وهمس: 
 
- علي
 
وقبل أن يكمل قاطعه علي:
 
- أنظر أمامك· إنّهم في كل مكان، أنا أضحك لكلمة ضعنا· أنظر· إنها ساعة الموت تقترب· سيان لي أن أموت هنا أو في مكان آخر· لكني لا أريد أن أموت· أريد أن أعيش·
 
ابتسم جلال، فبدا مضحكاً في بزّته التي تهدل ذراعاها لانقطاع أزرارها· زجّ قميصه داخل بنطاله، همس لعلي: 
 
- اصعد إلى مقدمة السيارة· بعد لحظة نتحرك·
 
ثم التفت إلى سلام: 
 
- أنت اصعد خلف السيارة·
 
علّق سلام بصوت مائع:
 
- لماذا· أنا أقدم منه· وهو جندي مكلّف· أما أنا فجندي متطوع· 
 
صرخ به جلال:
 
- اسمع ليس هناك الآن جندي مكلّف أو متطوع· أنا أقود السيارة· أنا من يقرر· خراي عليك وعلى رتبتك·
 
فردّ عليه مستفزاً :
 
- تشتم الشرف العسكري·
 
همّ جلال بالهجوم عليه، إلا أنّ نائب الضابط حميد أوقفه:
 
- يكفي· المهم الآن أن نجد الطريق·
 
هدأ جلال وتنفس ثم خاطب نائب الضابط:
 
- تعرف أبو ماجد كم هو .مخبل. هذا· 
 
صمتوا جميعاً وكأنّ شيئاً لم يحصل· أو كأن الذين تشاجروا قبل قليل آخرون غيرهم· لقد اعتادوا على هذه المعارك الصغيرة·
Page 10
اتجه علي إلى مقدمة السيارة، وأخذ يراقبهم من مكانه· كانت أصواتهم تصله متقطعة، وكأنها قطرات تسقط من صنبور ماء في ليل هادئ· يصمتون عند كل اقتراح ليفكروا بعمق· كان هو بين لحظة وأخرى يحدق فيهم ثم يركن إلى نفسه· ويتذكر البارحة· ألم يفكر أيضاً أنه سيموت· لا تزال ذكرى اليوم الفائت عالقة في ذهنه· والآن تبدو كلمات أمه بعيدة كتلك النجوم التي ومضت متألقة· لقد نام ساعتها في حضنها وراحت هي تداعب شعره الأسود المجعد . يمه علي ــ منذ سنين وأنا أفكر متى يصبح علي سعيداً ومرتاحاً· امرأة صالحة وأطفال· يمه حياتك كانت دائماً هادئة وأنا مرتاحة منها. وتصمت برهة ثم:
 
 ــ الحرب يا يمة تعذب روحي· كلما تذهب إلى الجبهة أفكر هل أشوفك مرة ثانية؟ وأفكر ماذا يفعل هناك؟ هل هو عطشان؟ جوعان؟ جريح يطلب المساعدة· نائم· يمة تعرف كم أصرخ بإخوانك الصغار عندما يلعبون وأنت نائم· والآن أفكر، لا يمكن أن أعمل له شيئاً في الجبهة· مرات أفز يا يمة في وسط الليل وأصرخ مثل المجنونة علي لا تموت أوصّيك يمة لا تموت·
 
وإذ تصمت فإنما لتدفع دمعة تحاول أن تشق طريقاً إلى الوجه الدائري، الذي حفرت تجاعيد الخمسين أخاديد عميقة فيه· وهو لا يستطيع حراكاً - يلامس أطراف ثوبها مستسلماً لحديث النفس الطويل، متمنياً لنفسه إغفاءة طويلة - كان بوده أن يغفو سنين في هذا الحضن ليس في البيت فقط، إنما في الجبهة· لم يقل لها إنه هو الآخر قد فزّ وسط الليل مرات كثيرة صارخاً باسمها· لم يقل لها إنه لا يريد أن يموت وهي بعيدة عنه· هو الآخر كان يسائل نفسه ما الذي تفعله الآن؟ هل نهضت من نومها؟ هل ذهبت إلى السوق؟ هل··· هل؟ ولكثرة ما يتحدث عنها أطلق عليه الجنود اسماً مركّباً : .أهلاً بالوالدة. البارحة اقترحت عليه: 
 
- يمة علي أنا خايفة هذه المرة· خذ نصيحة والدك واذهب إلى الميمونة· هناك لن يصلك أحد· 
 
وككل مرة لم يحاول أن يقنعها ويقنع أباه وحسب إنما نفسه أيضاً فيقول: 
 
- سيكون ذلك متعباً لكم ولي ــ زائداً المشاكل المترتبة على ذلك ــ لقد سمعت قصصاً عن استفزاز عوائل الجنود الهاربين· إنها مجرد أسابيع وستنتهي· 
 
مع نفسه يدرك أن الأمر لا يتعلق بانتهاء الحرب أم تواصلها· إنما يعرف أيضاً أنه مهدد بالموت إذا ما هرب، سيعيدونه إلى هناك وسيعدمونه كما أعدموا الكثيرين· وهو لا يريد أيضاً ــ هكذا يقنع نفسه على الأقل ــ أن يسبب المصاعب لأهله· كان ذلك الشعور يلدغه، ويثقل عليه كحجر· فهو يعرف أنه سيموت طالما بقي في وحدته على خطوط التماس· سيموت حتى وإن استمرت الحرب أسبوعاً آخر لا غير، بل يوماً واحداً· ربما سيموت بعد ساعة· إنه ليس حدساً عابراً، بل يقيناً راسخاً منذ أن رأى الحرب بوجهها الحقيقي· فلقد ظنّ آنذاك أنّها حرب تشبه الحروب التي قرأ عنها في الكتب، في الأيام الأولى من التحاقه في وحدته العسكرية ظلّ معبئاً بالفضول· فكر، ليذهب إلى الجبهة ليرى ما يحصل· بعدها عرف أنه سيموت· ترى لماذا التحق مرة أخرى؟ وكأنّ قوة خفية تدفعه إلى هناك· أحياناً ينعت نفسه بالمغفل ويقول: .هل صحيح أنّك لا تريد أن تسبب لأهلك المشاكل· أم أنك ساذج لا أكثر ولا أقّل. ثم يجيب نفسه: .حسناً أنا ساذج ولكن أنا وحدي من له الحق في الشتيمة. هل هو مشدود إلى البشر هناك؟ فالبارحة كما في المرات السابقة يكتشف أنّ أيام الإجازة باستثناء فرحه لمنظر أهله ــ مملة ولا تكون ممتعة إلا حين يفكر بالعودة إلى خطوط النار ــ لا يدري ما إذا كان يشعر بشيء من الصفاء مع جنود حظيرته أو بطّاريته على العموم ــ هناك حيث يتقاسم مع الآخرين .كعكة الموت. كما يسميها· نوع من التضامن البشري ــ ربما؟ التضامن مع من تراه ضائعاً مثلك· كيف؟ ولماذا؟ تلك أسئلة يزيحها حالما تتواتر في ذهنه ــ بالنسبة إليه كلهم ميتون، يسخر من أولئك الذين يعتقدون أنهم لا يزالون أحياء· والآن تنغرس تلك الفكرة في أعماقه، الآن يعرف أكثر من ذي قبل أنهم ميتون لا محالة·