Page 1
المقدمة
تعد دراسة الحركة العمالية في أي قطر عربي من الدراسات المهمة في مجال التاريخ الاقتصادي والاجتماعي لانه من خلالها، تتضح أبعاد الواقع الاقتصادي والاجتماعي ،وما يرتبط بذلك من واقع سياسي وعليه، فان البحث في الحركة العمالية في تونس، هو بحث عن حقيقة هذا التيار الاجتماعي – الاقتصادي الذي أدى دوراً فاعلاً في كشف الواقع التونسي في المجالات المختلفة،السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحتى النقابية ، ذلك أن بحث العمال عن حقوقهم المهنية والنقابية قاد الى طرح قضية الواقع الاقتصادي الوطني وما يترتب عليه من أبعاد سياسية واجتماعية .فلقد فرض الواقع السياسي الذي تمثل بالاحتلال الفرنسي لتونس، وضعية اقتصادية – اجتماعية – ثقافية ، تتلاءم وطبيعة هذا الاحتلال، حيث الرغبة الجامحة في الاستحواذ على كل شيء ،وتسخير كل شيء لخدمة الاستعمار الفرنسي منذ بداية الاحتلال عام 1881 وحتى الاستقلال عام 1956 .
وجاء رد الفعل الوطني من خلال حركته الوطنية ،وقيادتها المتمثلة بالحزب الحر الدستوري التونسي القديم والجديد بعد الحرب العالمية الاولى(1914-1918) وبعد الحرب العالمية الثانية(1939-1945) وقد انضم الاتحاد العام التونسي للشغل الى الجهد الوطني التونسي لمقاومة المحتل ،فكان الدفاع عن الحقوق المهنية والنقابية يصب ويتناغم مع الدفاع عن الحقوق الوطنية العامة في الحرية والاستـقلال. وعليه فقد شكلت الحركة العمالية وواجهتها النقابية ((الاتحاد العام التونسي للشغل)) تياراً اجتماعياً ذا أبعاد وطنية سياسية واقتصادية وثقافية أدت دوراً فاعلاً وكبيراً في النضال الوطني من أجل الحرية والاستقلال التونسي وفي النضال الاقليمي المغاربي والعربي والدولي ايضاً دفاعاً عن الحقوق والحريات النقابية والوطنية العامة.
وقد قسمت الدراسة الى أربعة فصول:
تناول الفصل الاول موضوع (الاحتلال الفرنسي وسياسته في تونس) استعرض تفاصيل الاحتلال الفرنسي لتونس و السياسة الفرنسية في المجالات الادارية ، والهجرة والتجنيس، والاقتصادية ،والاستيلاء على الاوقاف، ثم التعليم والصحة اذ كشفت السياسة الاستعمارية الفرنسية عن طبيعتها الاستحواذية وعن الحيف والظلم الذي وقع على الشعب التونسي طيلة زمن الاحتلال الذي عمل على محاولة تجريد الشعب من هويته العربية الاسلامية.
أما الفصل الثاني فقد تناول (ظهور الحركة العمالية التونسية بين الحربين وتطورها) حيث تم استعراض بدايات ظهور الحركة العمالية التونسية ومحاولة تأسيس تنظيم نقابي ومحاولة تأسيس تنظيم نقابي خاص بالعمال التونسيين بعيداً عن التنظيم النقابي العمالي الفرنسي الموالي للسياسة الفرنسية ،ومن خلال العديد من الشخصيات الوطنية التونسية ،وذلك للدفاع عن حقوق العمال التونسيين ،ثم الصراع النقابي التونسي-الفرنسي الذي جاء اثر محاولة الوطنيين التونسيين تشكيل تنظيم نقابي خاص بهم للدفاع عن حقوقهم ضد التمييز والتفرقة في المعاملة والاجور والضمان الاجتماعي وكل مايتعلق بحقوقهم المهنية والنقابية والحياتية ،وتناول اوضاع الحركة العمالية التونسية حتى عام 1945.
أما الفصل الثالث فقد تناول (الاتحاد العام التونسي للشغل1946-1956) من حيث الهيكل التنظيمي، فضلاً عن دوره الوطني ،ودوره الاقتصادي والاجتماعي فكان الدور الاقتصادي – الاجتماعي للاتحاد ومحاولته الدؤوبة والجادة وعبر مختلف وسائل النضال ،للدفاع عن الحقوق المهضومة والبحث عن أنجع السبل لتحسين أوضاع العمال وتحقيق مطاليبهم المهنية والوطنية وبشكل يوضح أن الاتحاد العام التونسي للشغل عد أحد أعمدة النضال الوطني من أجل الحرية والاستقلال التونسي.
أما الفصل الرابع فقد تناول (نشاطات الاتحاد العام التونسي للشغل 1946-1956) على صعيد المغرب العربي وعلى الصعيد العربي ،وعلى الصعيد الدولي اذ ساند النضالات العمالية في كل من الجزائر والمغرب من منطلق وحدة العمل المهني والكفاحي ضد الاستعمار الفرنسي ووحدة العمل المشترك مع الحركة العمالية العربية والدولية في الدفاع عن الحقوق المهنية والوطنية .
Page 2
وقد اعتمدت الدراسة على عدة مصادر منها:
1. الوثائق المنشورة:
اعتمد الباحث على الوثائق التي صدرت عن الارشيف الوطني التونسي والتي تخص الاتحاد العام التونسي للشغل ،فضلاً عن تقارير المؤتمر الوطني للاتحاد العام التونسي للشغل وكذلك تقرير المؤتمر الدولي الثالث للجامعة الدولية للنقابات الحرة.
2. الرسائل الجامعية:
اعتمد الباحث على عدد من الرسائل الجامعية التي خصت بالكلام موضوع الحركة العمالية التونسية وسيما رسالة (تطور الحركة الوطنية في تونس 1881-1956) لمحمد يوسف نحلة الذي وضح الكثير من الجوانب الوطنية وموقف الحركة الوطنية من الحركة العمالية، ورسالة (الحزب الحر الدستوري الجديد ودوره السياسي في تونس بين عامي 1922-1956) لقاسم زغير كاظم الذي وضح الدور الذي لعبته النقابة التونسية (الاتحاد العام التونسي للشغل)اذ بان الاستقلال ،ورسالة (أثر التحولات السياسية في البناء الاجتماعي في تونس) لمحمد عبد العزيز الجوادي الذي وضح الجوانب الاجتماعية للعمال قبل وبعد الاستقلال ،وعدد اخر من الرسائل الجامعية التي تخص موضوع الرسالة.
3.
الكتب العربية والمعربة:
اعتمد الباحث على عدد من الكتب العربية والمعربة التي تطرقت الى موضوع الحركة العمالية التونسية ،وكان من ابرزها كتاب (الحركة الوطنية التونسية رؤية شعبية قومية جديدة 1830-1956)وكتاب (تاريخ الحركة النقابية في تونس) للطاهر عبدالله وفيها معلومات وافية ودقيقة عن الاوضاع العامة في تونس وتطور المواقف الوطنية والعمالية خاصة من الاحتلال الفرنسي وسياسته ،فضلاً عن العديد من الكتب التي أرخت للاوضاع العامة في تونس وللحركة العمالية خاصة مثل كتاب صدقي اسماعيل (محمد علي القابسي مؤسس النقابات التونسية) اذ تحدث عن بدايات تشكيل الحركة العمالية وتطور الوعي النقابي ،فضلاً عن مجموعة من الدراسات عن الحركة العمالية والتنظيمات النقابية مثل كتاب (تطور الوعي القومي في المغرب العربي) ،فضلاً عن الكتب العامة عن المغرب العربي التي أرخت حول الموضوع وبدقة مثل كتاب أمحمد مالكي (الحركات الوطنية والاستعمار في المغرب العربي) وكتاب عبد الحميد براهيمي (المغرب العربي في مفترق الطرق في ظل التحولات العالمية )، وغيرها من المصادر.
4. المجلات:
استعان الباحث بعدد من المقالات والبحوث المنشورة في المجلات العربية مثل مجلة المستقبل العربي ومجلة دراسات عربية ومجلة السياسة الدولية ومجلة الثقافة الجديدة والمجلة التاريخية المغربية ومجلة قضايا عربية ومجلة تاريخ العرب والعالم. فضلاً عن بحوث منشورة في مجلات أخرى.
5. الانترنيت:
استعان الباحث بعدد من المقالات والخطابات المنشورة على شبكة الانترنيت ،التي أسهمت في اغناء البحث بمعلومات حديثة عن الموضوع.
6. الكتب الاجنبية:
استعان الباحث بعدد من الكتب الاجنبية التي أسهمت في القاء الضوء على بعض تطورات الحركة العمالية في تونس منها: Encyclopedie du Monde Actuel “les Arabes” ، و Raymond(A),La Tunisie- Que sais-je, presses universitaires de France .
Page 3
أوضاع تونس الداخلية في ظل الاحتلال الفرنسي
أصبحت تونس تابعة للدولة العثمانية بعد فرض السيادة عليها منذ عام 1574، واستمرت تابعة للحكم العثماني بشكل مباشر حتى مطلع القرن الثامن عشر حيث أسس الحكم المحلي منذ عام 1705 بقيام النظام الحسيني الذي استمر حتى عام 1956، اذ حكمت البلاد بشكل شبه مستقل عن الدولةالعثمانية من خلال بايات الاسرة الحسينية حيث عاشت البلاد مرحلة من التقدم الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي ولاسيما في أواخر القرن الثامن عشر وحتى مطلع القرن التاسع عشر(1).
اذ بدأ في تونس منذ عام 1815 استقرار فرنسا وأوربا بعد الحرب النابليونية وحتى فرض الحماية- الاحتلال –الفرنسية على تونس عام 1881 فقد عانت البلاد من ظروف سياسية واقتصادية داخلية وخارجية، قادت الى تدخلات أجنبية فرنسية ولاسيما في الوضع السياسي والاقتصادي خاصة (2)، وفي الوقت نفسه كانت فرنسا قد سيطرت على الجزائر العاصمة الساحلية منذ عام 1830، وأخذت توسع نفوذها وتقضي على الثورات الوطنية المسلحة التي قامت ضدها (عبد القادر- المقراني وغيرها)وكانت تتطلع لاحتلال تونس.
Page 4
أولاً:الاحتلال الفرنسي لتونس
أخذت فرنسا بعد احتلال الجزائر عام 1830، تخطط وتعمل من أجل احتلال تونس لتأسيس (امبراطورية فرنسية) في المغرب العربي، وفي الوقت نفسه كانت تونس قد وصلت الى حالة من الضعف العام بسبب التدخلات الاجنبية واستيطان اعداد كبيرة من الجالية الاوربية (الفرنسية والايطاليةخاصة)، وسيطرتها على مرافق الدولة الاقتصادية والاجتماعية. وكانت فرنسا من أكثر الدول التي سبقت الى زيادة نفوذها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي في تونس، اذ تنامت مصالحها الاقتصادية والثقافية بحصولها على العديد من الامتيازات(3).و رأت فرنسا في تونس ميداناً للتنفيس عن أزماتها الداخلية للبحث عن الاسواق والاستحواذ على الخيرات لتطمئن تطلعاتها الاستعمارية، فكانت بحاجة الى مستعمرات، كما كانت بحاجة الى قواعد بحرية لاسطولها يمكن أن تجدها في تونس(4).ولتحقيق غايتها كانت تنتهز الفرص للتدخل في شؤون تونس الداخلية، ووضع العراقيل في سبيل عدم قيام أية نهضة ناهيك عن استمرار منافستها للاطماع والتغلغل الايطالي في تونس(5).
ومنذ القرن التاسع عشر ازداد تسرب الجاليات الاجنبية الى تونس وشرع البايات في استقدام الخبراء الاجانب واعطائهم بعض الامتيازات للمشروعات الخدمية مثل توسيع ميناء تونس وانشاء سكك حديد واقامة خطوط تلغراف، مما حمل القناصل الفرنسيين على التدخل لحماية مصالحهم، والتأثير في البلاط للاستدانة وأخذ القروض من اوربا، وفرنسا خاصة، ونتيجة لذلك بدأ التدخل الفعلي في شؤون البلاد، لحماية مصالحها وامتيازاتها وأموالها(6).
أدت هذه الحالة بالدولة التونسية الى فرض ضرائب ثقيلة على الشعب ونتج عن هذا التصرف قيام ثورة بزعامة علي بن غذاهم سنة 1864(7).وأمام تحرج الحالة الداخلية وخاصة المالية وتحت الضغط الدولي، سلمت الدولة مصلحة الكمارك للاجانب مقابل مااقترضته من أموال، فـتـشكلت لجنة مالية دولية تحت رئاسة خير الدين باشا التونسي 1870(8)، وكانت الديون تبلغ (25) مليون فرنك، ثم أصبحت هذه اللجنة ميداناً للتنافس بين ايطاليا وفرنسا وبريطانيا، مما حدا بفرنسا الى محاولة وضع يدها على تونس.وكان المحفز لها مؤتمر برلين الذي انعقد في الثالث عشر من حزيران1878، وكان كالضوء الاخضر الذي أعطته الدول الاستعمارية وخاصة بريطانيا والمانيا، لفرنسا لاحتلال تونس(9). فتخلت بريطانيا عن أطماعها في تونس مقابل اعتراف فرنسا بسيطرتها على جزيرة قبرص، وقد صرح بذلك وزير خارجية بريطانيا اللورد سالسبوري لنظيره الفرنسي دانقتون بقوله: ((احتلوا تونس ان شئتم، فانكلترا لاتمانع في ذلك بل تحترم قراراتكم)).فيما كان الدعم الالماني لفرنسا عندما أيد المستشار الالماني بسمارك المقترح البريطاني(10) رامياً من وراء ذلك منح التعويضات لفرنسا بهدف صرف أنظارها عن فكرة الاخذ بالثأر لحرب السبعين(11). ومن جانب آخر فان ايطاليا ماكانت لتتخلى عن أطماعها في احتلال تونس، الا أنها لم تتلق دعماً فعلياً من أحد، اذ عارضت بريطانيا تدخل ايطاليا في تونس، لانها تمكنهم من مراقبة حوضي مضيق صقلية وتمكنهم في النهاية من قطع طريق الهند(درة التاج البريطاني) الذي أصبح يمر بالبحر المتوسط منذ فتح قناة السويس عام 1869(12)، وبالرغم من تأييد المانيا لفرنسا لاحتلال تونس الا أن الرأي العام الفرنسي وعدداً كبيراً من السياسيين الفرنسيين، عدو تأييد بسمارك للتدخل الفرنسي في الشؤون التونسية مناورة يقصد بها تعكير العلاقات الفرنسية وبالذات مع ايطاليا وعزل فرنسا على الصعيد الاوربي(13).الا أن فرنسا وافقت على مقررات مؤتمر برلين لان ذلك سيؤدي الى اعادة التوازن في البحر المتوسط، ويمكنها من الحصول على موارد جديدة وثروة وميدان لنشاطها الاستعماري في تونس تجدها في الراين الذي كان يدفعها صوب المانيا التي يتزايد عدد السكان فيها بسرعة(14)، كما أن ذلك يطمئن تطلعاتها الاستعمارية في المغرب العربي منذ احتلال الجزائر(15).
Page 5
اتخذت فرنسا من انتقال بعض القبائل التونسية (خمير) عبر الحدود الجزائرية ذريعة للغزو، بحجة مساندتها للثوار الجزائريين(16)، وقام الفرنسيون بتحريض الجالية الفرنسية داخل تونس على رفع عريضة في الرابع عشر من اذار/1881 الى الحكومة الفرنسية، تطالب فيها بتدخل فرنساالسريع لضمان حقوق الرعايا الفرنسيين وأموالهم(17).وعليه فقد عبرت القوات الفرنسية في الرابع والعشرين من نيسان/1881 من دون سابق انذار الحدود الجزائرية –التونسية (18)، وكان تعدادها(35) الف جندي، وقسمت الى ثلاث اقسام كل منها تحت قيادة ضابط فرنسي، وجميعهاتحت قيادة الضابط فورجيمول (19)، فاتجه القسم الاول الى الشمال الغربي لمحاصرة جبال خمير وما حولها، أما القسم الثاني فقد اتجه نحو مدينة الكاف ودخلها بدون مقاومة نتيجة لما قام به برنارد روي(20).
وفي الوقت نفسه قصف الاسطول الفرنسي بلدة طبرقة وتمكن من احتلالها، وقام الباي محمد الصادق بجهوده في الاحتجاج لدى الدول الموقعة على (معاهدة برلين) وطلب منها التدخل لوقف الاحتلال (21)، اذ قام الباي بتكليف أخيه علي بقيادة جيش لصد القوة الغازية، لكنه لم يستطع صدها ولا منعها من التقدم، وكان الباي يأمل في تدخل الدول الاوربية الى جانبه (لكن لم يجبه أحد).وكان يأمل في ان يفي الباب العالي بوعده بارسال الاسطول العثماني، لكن آماله باءت بالفشل(22).
كان الفرنسيون يعتقدون أن أعمال الحملة في منطقة الحدود مع الجزائر ستكفي لاخافة الباي، لكنهم أحسوا أن الباي لايوافق على الحماية، فأرسلت فرنسا حملة أخرى أبحرت من ميناء طولون بقيادة الجنرال بريار ووصلت بنزرت في الاول من ايار 1881(23)، واحتلت المدينة وزحفت باتجاه العاصمة تونس حتى وصلتها في الثاني عشر من ايار 1881(24)، حيث اجتمع القنصل الفرنسي روستان مع الجنرال بريار، وسلموا للباي محمد الصادق نسختين من معاهدة كانت معدة سابقاً عرفت لاحقاً بمعاهدة (باردو)(25) أو القصر السعيد، وأعطوه فترة قصيرة للتشاور والتوقيع عليها، حيث تم ذلك في اليوم نفسه(26)، وهكذا خضعت تونس للاحتلال الفرنسي وتبعها في عام 1883 نص معاهدة أخرى اعتبرت مكملة لمعاهدة باردو عرفت بمعاهدة(المرسى الكبير) وكان هدفها اعطاء صلاحيات أكبر لفرنسا، بمعنى تكريس احتلالها لتونس(27)، وعليه فقد بدأت فرنسا تؤكد سيادتها وسياستها الاحتلالية في تونس، وفي المجالات كافة وطوال زمن الاحتلال.
Page 6
ثانياً:سياسة فرنسا في تونس بعد الاحتلال
أ:السياسية والادارية
بعد فرض الاحتلال الفرنسي أصبحت الحكومة التونسية (الباي ورجال السلطة العليا) مجرد واجهة شكلية للحكم الوطني، وأصبح المقيم العام الفرنسي ومساعدوه هو الحاكم الفعلي للبلاد وفي المجالات كافة.و تولى منصب الاقامة العامة الفرنسية القنصل روستان ثم خلفه الجنرال بول كامبون، وكان من اختصاصات المقيم العام حتى بعد توقيع معاهدتي باردو والمرسى الكبير، التوجيه والارشاد في ادارة البلاد الداخلية، لكن الامر اختلف بعد ذلك اذ أصبح المقيم العام هو صاحب الكلمة الاولى في تونس، ولم تكتف الحكومة الفرنسية بذلك بل أصدرت مرسوماً في عام 1884 يوسع مناختصاصات المقيم العام، ويعين مدراء في الوزارات التونسية كخبراء أو مستشارين، لكن معظم الوزارات الغيت ولم يبق سوى منصب رئيس الوزراء و وزير القلم(28).وقد استمرت الوزارات على هذه الحالة حتى بداية القرن العشرين ففي عام 1921 استحدث منصب ثالث وهو وزير العدل، أما الدوائر الاخرى كالمالية والمعارف والصحة والاشغال العامة فيتولاها مدراء فرنسيون لهم الحق في اصدار الاوامر الوزارية.وينضم الى مجلس المقيم العام قائد الجيش البري، ثم أضيف اليه قائد قاعدة بنزرت البحرية الذي اصبح كوزير الدفاع، بعد أن صارت تلك القاعدة من أكبر القواعد البحرية في المغرب العربي(29).
وهناك منصب سكرتير الاقامة وهو حلقة الاتصال بين الوزراء التونسيين والمدراء الفرنسيين، وبصيغة أخرى كان هو المسؤول عن تسيير شؤون الوزارات التي بقيت بيد التونسيين (30).وتتولى حكومة الجمهورية الفرنسية اصدار المراسيم التشريعية للجالية الفرنسية حسب مرسوم عام 1883،وهذا هو أساس المبدأ الذي تمسك به المستوطنون الفرنسيون، وسموه فيما بعد بالسيادة المزدوجة (Co souverainle (31.أما من حيث التشريع فقد لعب الفرنسيون، دور المشرع في القوانين والتشريعات التونسية، واستأثروا بها لتدعيم سياستهم وتقوية شوكة مواطنيهم، فعمدوا الى تجميع السلطات المملوكة للمحاكم القنصلية بين يدي المحكمة الفرنسية، والقنصليات المتفرعة عنها، بمقتضى القانون الفرنسي المؤرخ في السابع والعشرين من اذار/1883 والنافذ المفعول في الثامن عشر من نيسان/ 1883(32).اما الباي فكانت سلطته اسمية، لكن الفرنسيين ادعوا بأن للباي حق التشريع وهو صاحب السلطة المطلقة فيه، وبالتالي له حق تفويضها لمن يشاء، وبموجب معاهدة المرسى، فقد فوض الباي المقيم العام الفرنسي حق تشريعها، ولذلك فهو يشرع المراسيم ثم يصدرها بعد توقيع الباي عليها.وقد وجد الاحتلال الفرنسي في أول عهده منذ عهد علي باي (1882-1901) منفذاً طليقاً لسياستها(33).
وقسمت تونس الى (19) قيادة، وألحق بكل واحدة قائد عسكري، ومشرف مدني فرنسي، في حين تولت السلطات العسكرية ادارة المناطق الجنوبية بصورة مباشرة، الى أن هدأت المقاومة التونسية التي بدأتها القبائل العربية، فقسمت هي الاخرى الى قيادات مدنية سنة 1894(34).
أما عن وظائف الدولة، فقد تغلغل الفرنسيون في أصغر الوظائف غير مراعين اختلاف طبيعة نظام الحماية عن المستعمرة (35)، حيث جعلت الحكومة الفرنسية جميع الوظائف ذات الاهمية في الادارة بيد الفرنسيين وشجعت الفرنسيين عن طريق منحهم علاوات مختلفة (سكنية وتعليمية وصحية وتعويضات سفر الخ..) والموظف الفرنسي العامل في تونس كانت له (ثلاثة واربعون) صنفاً من العلاوات التي تبلغ 75% من ميزانية الدولة التونسية(36).
ان الحماية الفرنسية حالت دون مشاركة التونسيين في أي نشاط سياسي واداري والمظهر الوحيد لاشراك التونسيين في الحياة العامة يتمثل في قيام المجالس البلدية في المدن بقاعدة مناصفة المقاعد بين الجالية الاوربية والتونسيين.وفي عام 1896 أسس مجلس شورى يؤخذ رأيه في سبيل الاستشارة في سياسة البلاد الاقتصادية وظل هذا المجلس مقتصراً على المستوطنين فيختارون ممثليهم من بين اعضاء الغرف التجارية والصناعية واعضاء المجالس البلدية، وحين سمح للتونسيين بدخول هذه المجالس للمرة الاولى سنة 1907 جعل تمثيلهم بالتعيين فيختار المقيم العام (16) منأهل البلاد (37)، وعلى الرغم من كونهم أقلية في المجلس فقد لوحظ ارتفاع أصوات المعارضة في وجه الممثلين الاوربيين لذلك تقرر جعل هذا المجلس قسمين يجتمع كل منهما على حدة وظل الفصل بين الاعضاء التونسيين والاوربيين هو القاعدة التي سارت عليها المجالس البلدية والتشريعية في تونس(38)، واستمر هذا الوضع قائماً الى أن ظهر ضغط الحركة الوطنية بعد الحرب العالمية الاولى (1914-1918) فأدخلت بعض التعديلات على هذه المجالس لكنها كانت بعيدة عن الاستجابة للرغبات الوطنية(39).
Page 7
ب: الهجرة والتجنيس:
شجعت فرنسا منذ بداية احتلالها لتونس، مواطنيها على الهجرة الى تونس بعد أن وضعت أمام أعينهم كل المغريات المادية، ولما كانت ايطاليا أقرب الى تونس فقد تعرضت البلاد للهجرة الجماعية من كلا البلدين، ناهيك عن هجرة أعداد كبيرة من المالطيين.وقد استمرت الهجرة والاستيطان الاجنبي والفرنسي والايطالي خاصة طوال سنوات الاحتلال.ويوضح الجدول ذو الرقم -1- أعداد المهاجرين من فرنسا وايطاليا ومالطا(40).
(41)
وبعد عام 1926 تزايدت أعداد المهاجرين من فرنسا وايطاليا خاصة، حتى وصلت الى (160) ألف مستوطن فرنسي و(89220) ألف مستوطن ايطالي (42). كان التوسع في سياسة الهجرة الاوربية شديد الخطورة على تونس نظراً لقلة كثافة السكان، فلم يزد التونسيون منذ بداية الاحتلال وحتى قبل الحرب العالمية الاولى عام 1914 عن مليون ونصف(43).
قام الاوربيون بالاستيلاء على قسم كبير من الاراضي الزراعية وقد حال ذلك دون تقدم التونسيين المادي وحتى عهد قريب اذ كانت تتكرر المجاعات بصورة منتظمة، وخاصة بعد الحرب العالمية الاولى(44). ولم يكتف المستوطنون الفرنسيون بالاستيطان والاستيلاء على الارض بوجودهم فيها بل نافسوا التونسيين في الوظائف حيث بلغ عدد الموظفين الفرنسيين (60) ألفاً في حين لايزيد عدد التونسيين على الخمسة الاف، الى جانب هؤلاء كان يوجد الايطاليون والمالطيون الذين تزايدوا تدريجياً (كما وضح في جدول-1-) مما أثر سلباً في حالة الاقتصاد التونسي وعرض البلاد للازماتالاقتصادية(45).أضف الى ذلك محاولة جعل تونس فرنسية من خلال (قانون التجنيس).
أصدرت فرنسا في عام 1865 قانوناً يبيح لكل تونسي مسلم أن يتمتع بحقوق المواطن الفرنسي اذا تقدم بطلب ذلك، وفي هذه الحالة يصبح خاضعاً للقانون المدني الفرنسي في جميع أحكامه.ومعنى ذلك أن التونسي اذا أراد أن يباشر حقوقه السياسية فعليه أن يتنازل عن القواعد والحقوق التي جاءبها الاسلام وجرى بها الشرع والعرف بين المسلمين في جميع الانحاء على اختلاف العصور (46)، ومنذ عام 1897 أعطت فرنسا تسهيلات كبيرة في منح الجنسية الفرنسية حيث تمكن الاقامة في تونس للاجانب مدة (3) سنوات بعدها يمنح حق التجنس بالجنسية الفرنسية، ثم حاولت الحكومة الفرنسية اصلاح هذا القانون في سنة 1919 فاشترطت للتمتع بحقوق المواطن الفرنسي أن يكون التونسي عزبآ أو متزوجاً من واحدة فقط كما اشترطت الا يقل العمرعن (25) سنة، وأن يكون قد أدى الخدمة العسكرية في الجيش الفرنسي، وأن يكون ملماً بالقراءة والكتابة باللغة الفرنسية،أو موظفاً عاملاً في الحكومة أو بالمعاش(47).
أصدرت فرنسا في حزيران عام 1898 القانون القاضي بأن الفرنسية التي تتزوج من أجنبي لاتتبع جنسية زوجها الا اذا كانت قوانين الدولة التي ينتمي اليها الزوج تنسب اليها جنسيته، علماً بأن تونس ليس في وسعها اصدار قانون سحب جنسية الزوجة الفرنسية المتزوجة من تونسي (48).
وفي عام 1921 سحبت الجنسية التونسية وومنحت بدلاً منها الفرنسية للاجانب الذين ولد أجدادهم بتونس عدا الايطاليين الذين أبقيت لهم امتيازات قانونية خاصة، ومثل هذه الاجراءات قصد بها الاستلاب والتغريب المفروضة على الشعب التونسي(49)، وفي العشرين من كانون الاول/ 1923صدر في تونس قانون بفتح التجنيس لكل من يبعث طلباً يظهر فيه عواطف فرنسية، واعداً اياهم بالتمتع بالامتيازات التي يتمتع بها الفرنسيون(50)، وحاولت فرنسا تجنيس التونسيين بصورة جماعية فضلاً عن تجنيس الجاليات الاوربية الموجودة في تونس(51).وكان المقصود من اعلان القانون وتنفيذه الاجهاز على الوطنية والشخصية العربية الاسلامية لتونس بشكل قانوني، لاتمام عملية الدمج والالحاق المفروض بالقوة.
ولما تعذر على فرنسا تطبيق مبدأ ((الفرنسة))بحذافيره اضطرت أمام ضخامة المشروع أن تعمد الى سياسة أخرى أقل عمقاً من سياسة التجنيس والادماج وهي سياسة المشاركة، ولا تتطلب هذه السياسة أن يتنازل التونسي عن قانون أحواله الشخصية لكي يصبح مواطناً فرنسياً، بل تركت له أن يجمع بين الميزتين وقد أرادت فرنسا بهذا النظام أن تجتذب الصفوة الممتازة من الاهالي فتحملهم على ((التفرنس)) وتترك سواد الشعب يتقدم على مهل، مع العمل على اعمام اللغة الفرنسية وتحسين مستوى الشعب الاجتماعي بقدر ما تسمح به الظروف(52).
ان الشعب التونسي كان واعياً لخطر التجنيس، ولشدة تمسكه بلغته ودينه وقوة اعتزازه بحضارته الاسلامية، فوت الفرصة على تمرير الخطة الاستعمارية الخبيثة، وانكشفت دوافعها بسهولة، فقاومها الرأي العام واعتبر المتجنس من أبناء البلاد مرتداً عن الدين، بل حتى اذا مات لايدفن في المقابر الاسلامية ولايصلى عليه (53). وبذلك لم تنجح عملية التجنيس بالرغم من قوة السلطة التي خططت لها وذلك لان الشعب كان واعياً ومعتزاً بانتمائه الحضاري العربي الاسلامي.
Page 8
ج:الاقتصادية
يعد الاستغلال الاقتصادي من أول دوافع السيطرة الاستعمارية على البلدان فكانت مهمة الاستعمار في مستعمراته هي تثبيت أقدامه فيها وابقاؤه على معالم المجتمع القديم والقضاء على امكانيات الشعب لتطوير اقتصاده وبناء قاعدة صناعية مستقلة، ما عدا تطوير بعض مراكزه الاقتصادية التي تكون له أسواق لتصدير منتوجاته وتنشيط تجارته، لقد تميز الاقتصاد التونسي في العهد الاستعماري بشدة ارتباطه بالاقتصاد الفرنسي، ومن ذلك ان التجارة الخارجية كانت أساساً مع منطقة الفرنك، بوجه عام وفرنسا بوجه خاص اذ تضمن تصدير المواد الخام واستيراد المواد المصنعة(54).
ان غاية الاستعمار هي الاستيلاء على ثروة البلاد وتوجيه السياسة الاقتصادية فيها، من انتاج وتداول وتوزيع نحو تحقيق دولة الاحتلال على حساب البلد المحتل، وللوصول الى هذه الغاية تستقي النظم والقوانين الملتوية، وتتخذها أداة لتنفيذ أغراضها الاستعمارية، وقد بادرت فرنسا منذ احتلالها لتونس الى وضع يدها على عناصر الانتاج والتداول، وأطلقت يد الفرنسيين والاجانب في تونس مهيئة لهم سبل اغتصاب ثروة البلاد والدخل القومي، مما أدى الى اختلال التوازن الاقتصادي وانخفاض مستوى المعيشة بين الاهالي، وقد شمل التدخل الفرنسي من هذه الناحية جميع فروع الانتاج الزراعة والصناعة والتجارة(55).
ولما كانت فرنسا مهد القانون الحديث وعليه فان مشرعيها لم يعدموا الحيلة القانونية لانتزاع الاراضي من العرب، فاتخذوا القانون مطية لتنفيذ أغراض الجشع الاستعماري وانتهجت سياسة السلب والنهب في تونس وألبستها ثوباً من المشروعية، ولاجل أن تسيطر فرنسا كلياً على الحياة الاقتصادية في البلاد وجهت همها الى الاستيلاء على الاراضي الزراعية، واتخذت كافة الوسائل ومن ضمنها اصدار القوانين والتشريعات لانتزاع الاراضي من يد أهلها الاصليين(56).
واكتفت فرنسا في أول الامر بتشجيع الاستعمار الحر وكانت المشكلة في ايجاد وسيلة تطمئن الراغبين في استغلال الاراضي على ثبوت ملكيتهم وحريتهم في التعامل عليها، وفي سنة 1885 تقرر تطبيق نظام تورنر(57)، وبمقتضاه يستطيع المالك لقطعة الارض أن يضمن ملكيته لها من خلال تسجيلها في محكمة مختلطة، والمحكمة أنشئت خصيصاً لهذا الغرض وذلك بعد بيان حدودها ثم الاعلان عنها (58)، ويحتفظ بصورة من صحة الملكية في سجل خاص بالمحكمة للرجوع اليه في حالة ارادة المالك التصرف في قطعة الارض بالبيع، وبهذا يطمئن المشتري الجديد على عدم امكان ادعاء شخص آخر ملكية العقار(59).وعلى الرغم من هذه التسهيلات فقد وجد أن نظام الاستعمار الحر لم يشجع سوى عدد قليل من الفرنسيين على الهجرة والعمل في المجال الزراعي فضلاً عن أن هذا العدد القليل كان ينتمي الى كبار الرأسماليين الذين يشترون مساحات واسعة من الاراضي ويؤجرونها للسكان الاصليين أو للاوربيين أو من الاجناس الاخرى(60).
مكنت الادارة الفرنسية للمعمرين الفرنسيين أيضاً الحصول على مساحات شاسعة من الاراضي والغابات، اذ بيعت لهم بأسعار زهيدة ويكون الدفع طويل الامد، واتخذت السلطات الفرنسية فضلاً عن ذلك خطوات منها اصدار مرسوم عام 1892 الذي يقضي بضم الاراضي البور الى ملكية الدولة،وقد أدى ذلك الى الاستيلاء على مساحات شاسعة من الاراضي في الجنوب حول صفاقس، حيث استطاع الاوربيون أن يشاركوا في انتاج الزيتون وهو أهم مورد للسكان الاصليين قبل الاحتلال(61).
بلغت مساحة الاراضي التونسية الصالحة للزراعة سبعة ملايين من الهكتارات من مساحة تونس التي تقدر بـ(12) مليون ونصف من الهكتارات، وكانت هذه الاراضي قبل الاحتلال تحت تصرف أهل تونس يعيشون على انتاجها، ومن تربية المواشي في مراعيها، وكان بعضها ملكاً للدولة أوللافراد أو للقبائل أو للاوقاف العامة والخاصة، ومع احتلال الفرنسيين لتونس فانهم أخذوا يفكرون في أحسن الوسائل لهجرة العنصر الاوربي اليها واستيطانها من دون مراعاة اختلاف الوضع القانوني بين الحماية والمستعمرة(62)، ولكن لم يكن من المعقول أن تلجأ الحماية الى سياسة الاستعمار الرسمي في حين هي تريد أن تثبت للرأي العام الفرنسي أن تونس لاتكلف حكومتهم شيئاً (63)، ومن الطبيعي أن تؤدي سياسة الاستعمار الرسمي الى ضرورة مساعدة الدولة ماليآ لاستعمار تونس، ففي سنة 1897 أنشئ صندوق لمساعدة صغار المهاجرين، ثم اعتمدت الجمعية الوطنية مبلغسبعة ملايين ونصف فرنك لتغطية نفقات الهجرة والاستغلال، ومع ذلك فان نتائج الاستعمار الزراعي في تونس كانت ضئيلة حتى الحرب العالمية الاولى، اذ بلغ عدد المشتغلين في الزراعة 1708في عام 1911، وكان المقصود من هذه الهجرة الرسمية هي موازنة العنصر الايطالي(64).فقد روعي في توزيع الاراضي الزراعية على أكبر عدد ممكن من المراكز مما حال دون قيام قرى اوربية خالصة.
Page 9
تمكن المستوطن الاوربي الذي كان يستخدم الايدي العاملة التونسية، من استغلال (ممتلكاته) الكبيرة الى أبعد مدى بحيث لم يتناسب نصيبه في الانتاج من المساحة التي كان يستغلها، فقد بلغ مجموع الملكيات الاوربية في تونس نحو 770.500 هكتار وهو مايعادل ربع الاراضي المزروعة التي تقدر مساحتها بـ 3.866.000هكتار، ومع ذلك فان نصيب الاوربيين من المنتجات الزراعية كان نحو 35% من مجموع الثروة الزراعية اذ قدرت قيمة الانتاج الاوربي سنة 1946بـ 6 مليار و707 مليون فرنك مع ملاحظة أن المنتفعين بهذه القيمة لايزيدون عن خمسة الاف شخص في حينيعتمد معظم الشعب التونسي في معاشه على ثروة بلاده الزراعية(65).
أدت سيطرة رجال الادارة الفرنسية الذين بيدهم توجيه السياسة المالية في البلاد، الى أن أصبح الشعب التونسي مهدداً بالفقر أمام هذه القوى التي تساندها السلطة التشريعية والتنفيذية في تونس(66).فاحتكرت فرنسا التجارة الخارجية لتونس، اذ أنها لم تسمح بأن تستورد من دول أخرى الا بواسطة الشركات الفرنسية وبذلك ترتفع الاسعار وتصبح غالية على المستهلك التونسي، في الوقت الذي تستفيد فيه الشركات الفرنسية من التصدير والاستيراد والبيع بالجملة والمفرد(67).و سارت فرنسا في سياستها الاستعمارية في المغرب العربي على وفق خطة منظمة صريحة، أساسها أن يبقى الحكم بيد الفرنسيين، وأن تهيأ المستعمرات أولاً وأخيراً لخدمة فرنسا وحدها. فمن الوجهة الاقتصادية يجب أن يكون معظم صادراتها ووارداتها لمصلحة فرنسا، فكانت فرنسا تشتري قبل الحرب من مجموع صادرات تونس مايعادل 56% وتبيع لتونس من مجموع الواردات ما يعادل 62% وكان يهم فرنسا من الوجهة الحربية وهي تعاني اطراد النقص في مواردها أن تلتمس العوض من ذلك بتجنيد رجال المستعمرات من دون أية تفرقة بين فرنسي أو اوربي أو تونسي، وبذلك استطاعت فرنسا أن تحتفظ بمكانتها بوصفها دولة كبرى أمام منافساتها من الدول التي تباهي بكثرة سكانها ووفرة مواردها(68).
وساعد نظام الحماية على سرعة استغلال المستوطنين الفرنسيين لامكانيات تونس وبقوة خاصة أنه قد جعل منهم رعايا الدولة المتفوقة في البلاد وأعطاهم الحماية اللازمة للقيام بعملهم وعضدهم أمام أية منافسة يقوم بها أي اوربي آخر.فاذا أضفنا الى هذا شعور الفرنسيين بالاطمئنان والثقة للعمل في منطقة تخضع لحماية بلادهم وعمل السلطات الفرنسية على تمهيد الطريق أمام التوسع الاستغلالي الفرنسي، لوجدنا أن الظروف اجتمعت لوضع تونس بأكملها تحت سيطرة الاستغلال الاستعماري الفرنسي(69).
وفي مجال التجارة الخارجية أيضآ أدخلت فرنسا تحسينات على النظام الكمركي لفائدة فرنسا، اذ تستورد مواد أولية من تونس وتصدر لها منتجات مصنعة مما أدى الى عجز اقتصادي أخذ باالاستفحال مع تزايد عدد سكان البلاد التونسية، وتغير الاذواق وتصاعد الرغبات(70).أما بخصوص التجارة الداخلية فقد شهدت تطوراً كبيراً، اذ كان ينميها الاوربيون أو الوسطاء اليهود الذين سرعان ما تفرنسوا(71). ومن أسباب تطور التجارة شبكة الطرق والمواصلات، التي تطورت بفضل الاعتمادات والقروض اذ ما لبث أن مدت خطوط السكك الحديد عبر انحاء البلاد، لخدمة المناطق التي توجد فيها مستوطنات زراعية، وفي المناطق المنجمية.فقد تم مد 200 كيلو متر، ثم مدت شبكة من الطرق المعبدة طولها حوالي 9 الاف كيلو متر (72)، وجهزت الموانئ بتجهيزات حديثة اذ أظهرت فرنسا اهتمامها ورغبتها في أن تدخل على بحيرة بنزرت تحسينات عام 1897، وكلفت لجنةخاصة بضبط مصاريف هذه الاشغال التي قدرت نفقاتها بـ860000 فرنك، وبفضل هذه التحسينات أصبحت بنزرت قاعدة بحرية حيوية صالحة لصد الهجمات(73).
أما في مجال الصناعة فقد عمل الفرنسيون على محاربة الصناعات الوطنية التي كانت مزدهرة قبل احتلالهم البلاد، وكان الهدف من ذلك هو فتح السوق التونسي على مصراعيه أمام الصناعة الاجنبية ولاسيما الفرنسية وتحويل تونس بأكملها الى مجال لتصريف انتاجها، و بدأ المستعمرون في تطوير قطاع صناعي خاص بالصناعات الاستخراجية وأخذوا يطورون بعض المرافق الضرورية كاالموانئ والسكك الحديدية، و اهتم الفرنسيون في أن ينفردوا في هذا المجال والعمل على استبعاد أهل البلاد عن تملك أية مشروعات لها قيمة في هذا الصدد(74).
وساعد تطور الالات في عهد الثورة الصناعية على سرعة رأس المال وبالنهاية سرعة وصول الربح وتكدسه في أيدي رجال الاعمال، مما أغراهم بالاندفاع الى حب المغامرة فيما وراء البحار وخاصة في المناطق القريبة من فرنسا ولاسيما أفريقيا، فأصبح أوائل صغار المستغلين والمهاجرين والمستوطنين شبه المعدمين الذين وردوا الى الجزائر قبل تونس بأربعين سنة من أصحاب الاموال والنفوذ (75).
وعملت فرنسا على اصدار تشريعات وقوانين لرعاية مصالحها وازدياد تفوق نفوذها، وأعطت لوجودها لوناً قانونياً يصعب الجدل فيه، مادام قد صدر باسم الباي وتوقيعه.فعلى اساس ذلك قام الفرنسيون باستغلال الثروة المعدنية في وسط البلاد وجنوبها، خاصة بعد أن تمكنت سلطات الاحتلال من اعلان الوديان والغابات والمناجم ملكاً للدولة التونسية، فتمنح حقوق استغلالها لمن تشاء، ومهدت بذلك الطريق لمنح الامتيازات والاستغلال للفرنسيين فقط، مانعة بذلك التونسيين، والاجانب من غير الفرنسيين من النزول الى هذا الميدان، فاستولت على انتاج الفوسفات والحديد والرصاص والنحاس مما أدى الى افلاس الخزينة التونسية، وأدى الى انخفاض أجرة العامل وانخفاض مستواه المعاشي وانتشار الفقر والحاجة بين أبناء الشعب التونسي، اذ يعمل في قطاع التعدين نحو 24.000 عامل وتعد تونس رابع دولة في انتاج الفوسفات وتصدر منه نحو 60% الى الاسواق الغربية فيما يصدرالباقي الى اوربا الشرقية والصين (76)، وكانت نتيجة هذه السياسة الاقتصادية تزايد الشعور بسوء الحالة الاقتصادية نتيجة السيطرة الاستعمارية، مما دفع الشعب الى مقاومتها.فظهرت حملات صحفية ومظاهرات في الشوارع والمقاطعات بين سنة 1920-1921 ضد هذه السياسةومطالبة الحكومة الفرنسية بتغييرها (77)، لان الاراضي التي عثر فيها على مناجم الفوسفات أو الحديد وغيرها من المعادن التي كانت تنتجها تونس، ضمت الى الاملاك الاميرية، ثم تنازلت عنها الدولة لشركات الاستغلال الفرنسية نظير عوائد بسيطة، وأدى هذا الى تفجير الوضع(78).
أما الصناعة التحويلية التي كانت محدودة في البداية، لكنها بدأت تتنوع منذ سنة 1930 مثل( الصناعات الغذائية والاسمنت والاحذية والدباغة) وبدأت تظهر أولى وحدات الصناعة المعدنية والكمياوية، ولكن بعد الحرب العالمية الثانية وبفضل الاجراءات التحفيزية التي اتخذها السلطات العمومية، تقدم قليلاً القطاع الصناعي بعد انشاء مؤسسات جديدة داخل الفروع الغذائية مثل(صناعة البسكويت وصناعة الجعة) والكمياوية مثل( صناعة الصابون والدهون) والمعدنية مثل (مصانع الحديد والحزم الحديدية والنسيج)ومع ذلك فقد تميزت الصناعة التونسية في عام 1956 بالتبعية لفرنسا،وللمؤسسات الصناعية، اذ أن 75% من الوحدات الصناعية التي تشغل أكثر من 50 عاملاً كانت موجودة في العاصمة تونس، و 7% في بنزرت، و 13% على الساحل، و7% في صفاقس و6% في سوسة(79).
Page 10
د:الاستيلاء على الاوقاف
تحقيقآ لاغراض فرنسا الاستعمارية، في احكام سيطرتها على تونس ونهب خيراتها، قامت بالاستيلاء على الاوقاف الخيرية، وحتى تخفف من وقع الصدمة على التونسيين الذين يعيشون من هذه الاوقاف، تجنبت مؤقتاً الاستيلاء على الاوقاف الاهلية، ولما كانت هذه الاوقاف غير قابلة للبيع، بحث الفرنسيون في الفقه الاسلامي عن حل يجيز للمستوطنين الاستيلاء على هذه الاراضي بالاساليب الملتوية، فتمسكوا برأي ضعيف في المذهب المالكي يبيح الاجارة المستديمة للاراضي الموقوفة، وبرأي آخر في المذهب الحنفي يبيح جواز استبدال العقار المؤقت الموقوف بأخر، اذا كان ذلك في مصلحة الواقف(80).وبهذا أصبح المستوطنون يمنحون ألف هكتار سنوياً من أراضي الاوقاف الشاسعة التي تغطي الاراضي المزروعة في شمال تونس وذلك نظير ايجار سنوي ضئيل، لكن المستوطنين لم يحترموا شروط الاستغلال، اذ قدموا اقتراحاً عام 1904بانتزاع الاوقاف الاهلية وكفواعن الايجار سنة 1905(81).
وقامت السلطات الفرنسية بالتوسع في تفسير الاملاك الاميرية، اذ كانت أملاك الدولة لاتتجاوز مئة ألف هكتار وسرعان ما أخذها المستعمرون الفرنسيون وأخذوا بالبحث عن مصادر جديدة، فصدرت مراسيم بضم المراعي والعيون الى الاملاك الاميرية مما أدى الى الاصطدام بالقبائل التي تنتفع بالمراعي في شمال تونس، وحتى تقطع على القبائل أية دعوة في ملكية هذه المراعي، صدر حكم من محكمة العقارات بأنه ليس للقبيلة شخصية معنوية يمكن أن تستند اليها في ادعاء الملكية(82).ثم ألحقت فرنسا قراراً آخر عام 1890 يقضي بضم جميع الغابات والاحراش الى أراضي الحكومةوأضافت اليه عام 1898 جميع أرضي الاوقاف التي تقدر مساحتها بـ4 ملايين هكتار، فاستولت على معظم الاراضي الزراعية وحولتها للمهاجرين الفرنسيين بأسعار زهيدة(83).
هـ: التعليمية والثقافية العامة
سيطرت فرنسا على التعليم الرسمي وأخضعته لنظمها، أما التعليم الخاص فقد ترك حراً، فكان ثمة مكان لـ134.000 طالب وطالبة في المدارس الرسمية حتى أصبح الطالب التونسي يتقن اللغة الفرنسية وأسرارها أكثر من العربية، حيث قضت فرنسا على المعاهد الاهلية التي كانت تخرج علماءاللغة والشريعة وأبقت الشيء القليل منها، في محاولة لجعل تونس خاضعة للثقافة الفرانكفونية(84)، وقامت فرنسا بمحاربة كل المؤسسات الدينية لدى الشعب التونسي وعملت على القضاء على اللغة العربية وشيدت مدارس ومعاهد فرنسية باعتبار أن مساحة تونس صغيرة فتمكنت من بسط نفوذها بسرعة على جميع الاراضي(85).
واتجهت سياسة فرنسا التعليمية منذ فرض الحماية الى محو الروح الوطنية، وذلك بمحاربة اللغة العربية والاستعاضة عنها باللغة الفرنسية، وبتطبيق برامج خاصة لاخراج الجيل الناشئ عن قوميته العربية الاسلامية وقطع الصلة بينه وبين ماضيه وتاريخه لتتمكن من دمجه في الثـقافة الفرنسية(86)، فأسس الفرنسيون عام 1883 ادارة العلوم والمعارف ووضعوا برنامجآ لانشاء المدارس الابتدائية الفرنسية للاوربيين والعرب على غرار المدارس الموجودة في فرنسا نفسها(87)، اذ كانت فكرة مدير العلوم والمعارف وهو موظف فرنسي أن ينشئ شبكة من المدارس في كل المدن يؤمها الاطفال سواء كانوا تونسيين أم جاليات أجنبية لينشئهم نشأة فرنسية.فلم يكن هناك نصيب للغة العربية في برامج الادارة الفرنسية، لكن سمح بتدريس اللغة العربية في مدارس خاصة وجعلت هذه المادة اختيارية، وقد أدرك الشعب التونسي خطر هذه السياسة ولم يكف منذ البداية عن المطالبة بتعليم وطني أساسه العربية، وكان لجامعة الزيتونة وغيرها من المؤسسات الثـقافية والدينية الصغرى من الكتاتيب والزوايا التي تشتمل على كثير من التلاميذ الذين يتلقون الثقافة العربية على الطريقة القديمة الدور الكبير في الدفاع عن اللغة العربية وثقافتها(88). ان التونسيين من المثقفين وعلماء الدين لم يرضهم هذا الحال، فعملوا على انشاء المدارس الخاصة فوضعت العراقيل أمامها حتى لم يتعد عدد مدارسهم عام1930 12 مدرسة لكن ازداد هذا العدد في عام 1936الى 46 مدرسة وأنشئت على غرارها مدارس صناعية.أما التعليم العالي فاقتصر على جامع الزيتونة فهو ابتدائية وثانوية وعالية ولا يهتم الا بالتعليم الديني، ومصاريفه من الاوقاف وعدد طلابه عشرة الاف طالب، ولذا بلغ عدد التونسيين الذين وصلوا سن التعليم في سنة 1946الى700.000 طالب لم يدخل المدارس منهم سوى 74.557 طالباً أي أن نسبة من يتلقى التعليم لاتزيد عن 10% في حين كانت المدرسالفرنسية متاحة للفرنسيين حتى في أصغر القرى، وقد وصلت نسبة من يتلقى التعليم من أبنائهم الى 85%(89).
كان جامع الزيتونة منهل العلوم والمعارف ومعقل العربية وحامل أمجاد الاسلام فقد غرس في نفوس طلابه الروح الادبية فاصطبغ خريجوه بصبغة الولاء لمجد العروبة والاسلام، ومن هنا كانوا هم رواد وطلائع القوى الوطنية لشق طريق الجهاد ضد المستعمر الفرنسي فيما بعد.
كان جامع الزيتونة ممثلاً بعلمائه وأبنائه وخريجيه في الصف الامامي على خط المواجهة مع المستعمر، اذ أجج شعلة الجهاد ضد الفرنسيين فور احتلالهم تونس.وهنا لايجب نسيان دور البشير صفر(90) في مقاومة الاستعمار وثقافته، فقد دعا الى بعث الجمعية الخلدونية وانشاء المدرسة الخلدونية والمدرسة الصادقية لنشر العلوم الحديثة(91)، فكانت مقصداً لطلاب العلوم العصرية من كيمياء ورياضيات وجغرافية ولغات، وكانت الغاية من بعث هذا المعهد العلمي لتتكامل معارفه العصرية مع التعليم الزيتوني من أجل تحقيق نهضة حقيقية للبلاد التونسية. وقد تدخل الفرنسيون في تعليم جامعة الزيتونة اذ الزموا الطلبة بتعلم اللغة الفرنسية ولا شهادة بدون امتحان ونجاح في لغتهم(92).