الفصل التمهيدي: اشكالية المفهوم
تحظى الحركات الاسلامية اليوم باهتمام الكثير من الباحثين والدارسين مما انتج العديد من الدراسات التي اضافت كما هائلا من المعلومات والبيانات ، الا ان هذه الدراسات لم تستطع ان تتوصل الى تعريف عام شامل للحركات الاسلامية يتفق عليه الجميع ، ومن هنا ظهرت اشكالية المفهوم .
اصبح مفهوم الحركات الاسلامية مفهوما شائكا _ وليس مفهوما غامضا كما يصفه البعض _ وياتي ذلك من تداخله بالكثير من المفاهيم التي استخدمت لوصف هذه الحركات سواء من المؤيدين او من المعارضين ، او نتيجة اختلاف الرؤية الخاصة بكل باحث او دارس ، فعالم الاجتماع اصبح يطلق عليها حركات اسلامية ، ويسميها البعض من خبراء السلطة حركات متطرفة . والغرب يطلق عليها الاصولية بينما عدها باحثون آخرون حركات سلفية وهكذا .
قد يكون سبب هذا الاختلاف في استخدام المفاهيم هو ان الحركات الاسلامية تتميز بتنوعها النابع من اختلافها في التفسير والاجتهاد ، فهذه الحركات ليست متناغمة او متفقة تماما فيما بينها بل تتخللها اجتهادات متباينة تتراوح مابين الاعتدال والتطرف سواء على مستوى الأطر الفكرية والنظرية او فيما يخص برامجها العملية على الساحة السياسية ([1]). الا ان احدا لايمكنه ان ينكر وحدة هذه الحركات سواء من حيث مرجعها الى الاسلام دين الله تعالى ، او من حيث دعوتها الى قيام المجتمع الاسلامي العالمي ([2])
لقد جرت محاولات عديدة لتعريف الحركات الاسلامية فهناك من حاول تعريف الحركة الاسلامية من خلال ربطها بمفهوم الحركة في القانون الطبيعي . وفقا لهذا القانون لابد للحركة _ أي حركة كانت _ " من دافع او محرك ولابد لكل حركة من اتجاه ولامناص من وجود مقاومة لهذه الحركة متى ابتدأت وبالتالي فأن سرعة حركة اية كتلة تتوقف على حجم هذه الكتلة وعلى مقدار القوة الدافعة لها وعلى مدى المقاومة التي تلاقيها " ([3]) . ويسري هذا القانون الطبيعي _ حسب رأيه _ على الحركات الحسيه والحركات المعنوية بوجه عام مع بعض الاختلاف فلكل حركة اسلامية دافع او حافز تنعدم الحركة بدونه ، ولابد لها من اتجاه يأخذ سمته من زاوية الدفع له ، متأثرا بما يتعرض له من تيارات تغير من اتجاهه ، وما ان تبدأ الحركة حتى تتولد المقاومة من البيئة المحيطة بها ، وتتوقف سرعة الحركة على قوتها الدافعة ، وقدراتها الذاتية وعلى المقاومة التي تتعرض لها ([4]) .
ويعرف احد الاسلاميين الحركة الاسلامية بأنها " ذلك العمل الشعبي الجماعي المنظم للعودة بالاسلام الى قيادة المجتمع وتوجيه الحياة كل الحياة " ([5]) . فالحركة عنده ترتبط بالعمل وشرط ذلك العمل هو ان يكون عملا شعبيا وجماعيا ومنظما ، ويقصد بالعمل هو ان لايكون مجرد كلام يقال او خطب او محاضرات او كتب او مقالات وان كانت هذه الامور مطلوبة لكنها وكما يقول " جزء من الحركة وليس هو الحركة " ([6]) . وان يكون هذا العمل شعبيا أي ان لايكون عملا حكوميا رسميا لانه اذا كان كذلك _ أي انه عمل تقوم به الحكومة _ ففي هذه الحالة سوف يدور في فلك السياسة الداخلية للدولة التي تجعله يتحرك وفق هذه السياسة وفي هذه الحالة لايعبر عن الاسلام الخالص وان يكون هذا العمل جماعيا أي انه ليس عملا فرديا ذلك ان العمل الفردي _ وكما يذكر _ لايكفي لسد الثغرة في واقع الامة الاسلامية وتحقيق الامل المرتجى . بل لابد من عمل جماعي وهذا مايوجبه الدين ويحتمه الواقع . ولابد ان يكون هذا العمل عملا منظما أي ان يكون قائما على اساس وجود قيادة مسؤولة ، وقاعدة مترابطة ، ومفاهيم واضحة تحدد العلاقة بين القيادة والقاعدة على اساس من الشورى الواجبة الملزمة ، والطاعة المبصرة اللازمة . وهذا مايؤكد عليه الاسلام ([7]).
وفي تعريف اخر للحركة الاسلامية هي " تحرك جماهيري في اتجاه تحقيق وتطبيق مبادئ القرآن . وبما انها تصنف مع الحركات الشعبية ، فيمكن لها ان تتباين اساليبها وفقا لطبيعة واساليب وظروف كل فصيل من فصائلها ، للوصول الى مكاسب اكبر للاسلام والمسلمين . لهذا لايمكن ان يدعي أي تيار من تيارات الحركة الاسلامية بأنه يمتلك الحقيقة الكاملة المطلقة … لان ذلك يؤدي الى الفرقه ، ومصادرة الرأي الاخر ، وكبت الحريات ، وتكفير الناس دون وجه حق " ([8]) .
هناك من يرى ان هذه المفاهيم والتسميات انما تعبر عن مفهوم واحد ويقصد بها تلك الحركات التي تجعل من الاسلام المرجعية الوحيدة لها ، اما اختلافها فينشأ حول الاساليب والوسائل فقط ([9]) . لذلك فقد حاولوا جمع كل ما استخدم من مصطلحات للاشارة الى الحركة الاسلامية في تعريف واحد لها . فقد عدت الصحوة هي الحركة وهذه الحركة هي حركة اسلامية تقوم على اساس الايمان الديني الذي يوحد حركة الانسان في الحياة ويرد الاجر كله الى الله . وهي حركة اصولية تعتصم بالقرآن والسنة فلا تعطل من نص الشريعة ولاتأخذها بتأويل فاسد اتباعا للهوى او اقتفاءا لاثار الحضارات الوضعية التي تحيط اليوم بالمسلمين . وهي حركة تجديدية تقدر الفجوة الهائلة التي وقعت نتيجة الخمول الذي اعترى حياة المسلمين وفكرهم فتخلف عن التطور الهائل في مختلف مناحي الحياة في اطار الواقع المادي البشري . وهي حركة شمولية وواقعية تؤم كل اهداف الدين في مجال العلم والاعتقاد والسلوك ، وفي مجال الاجتماع والسياسة والاقتصاد . وهي حركة تزكيه للفرد وتعبئة للجماعة . وهي حركة تغيير اجتماعي عام لاتستغني بجهد الفرد ولاتقتنع باصلاح امره الخاص . وهي حركة دعوة اصلاح وفي الوقت نفسه حركة جهاد . وهي حركة محلية وعالمية في الوقت ذاته([10]) .
من اكثر التسميات التي اصبحت شائعة الاستخدام للدراسة بشأن الحركات الاسلامية هي الظاهرة الاسلامية ، الصحوة الاسلامية ، الحركات المتطرفة ، الحركات الاصولية ، حركات الاسلام السياسي. ان اختلاف هذه التسميات للتعبير عن مفهوم الحركات الاسلامية انما يبتعد عن الرؤية الصحيحة والدقيقة عن مفهوم الحركات الاسلامية الحقيقي فكل تسمية من هذه التسميات وكل مفهوم من هذه المفاهيم يصف حالة قد تختلف عن الحالة الاخرى ولها مايميزها عن غيرها ، وسنتناول بشيء من التفصيل كل من هذه المفاهيم .
الظاهرة الاسلامية
يعد مفهوم الظاهرة الاسلامية المفهوم الاوسع والاشمل الذي يستوعب داخله كل المفاهيم الاخرى ، فالحديث عن الظاهرة الاسلامية يقصد به " حركة امه وليس جماعات وتنظيمات واحزاب ، بل ان الاخيرة مجرد طلائع لهذه الظاهرة في القطاع السياسي "([11]).
تشمل الظاهرة الاسلامية قطاعات مختلفة في المجتمع حددها البعض وفقا لمواقفها السياسية بـ ([12]) :_
1 _ قطاع منظم ومسيس يتمثل في جماعة الاخوان المسلمين وجماعة الجهاد في
مصر والجبهة الاسلامية القومية في السودان ، والاتجاه الاسلامي في تونس .
2 _ قطاع منظم وغير مسيس يتمثل بالطرق الصوفيه وجماعة التبليغ والسلفيين .
3 _ افراد برزوا في الساحة لاينتمون الى اية تنظيمات لكن لهم دورهم الفاعل في
تشكيل العقل الاسلامي الراهن .
4 _ قطاع غير مسيس وغير منظم ، يتمثل في جموع المتدينين المتنامية التي تملأ
المساجد وتتعلق بمختلف شعائر التعبد دون ان يدفعها احد الى ذلك ، وهذا
القطاع ينمو تلقائيا ويوجه نفسه ذاتيا ، ويضم جموع المسلمين الذين يشكلون
القاعدة الحقيقيه للظاهرة الاسلامية ، وهو المنبع الذي تستمد منه كافة الفصائل
الاخرى عناصرها سواء اكانت تلك الفصائل مسيسه معتدلة او متطرفة او غير مسيسه .
في حين حددها البعض الاخر وفقا للاسلوب الذي تتبعه بـ([13]):-
1 _ التيار الثوري الذي يمكن ان يضم تنظيم الجهاد وبعض فصائل الجماعات
الاسلامية.
2 _ التيار الاصلاحي الذي لايقف الموقف الجذري لسابقه ، ويتخذ منهج التدرج
والانتقال السلمي ويضم الاخوان المسلمون والسلفيين وجماعة التبليغ .
3 _ التيار الفكري التنويري ويعد بمثابة العقل المركزي للظاهرة الاسلامية الذي
يقود معاركها الفكرية على مستوى رفيع من حيث النقد والتأصيل .
4 _ التيار الرسمي او الحكومي اوشبه الرسمي الذي يضم الازهر والاوقاف وبعض
الجماعات مثل الجمعيه الشرعيه والطرق الصوفيه .
في ضوء ما تقدم تكون الظاهرة الاسلامية مفهوم أوسع من مفهوم الحركات الاسلامية ذلك لان الظاهرة الاسلامية لاتمثل جماعة او فصائل بذاتها فهذه الجماعات والفصائل هي جزء من الظاهرة الاسلامية ،" ربما يكون الجزء الاكثر تحديدا او الاعلى صوتا او الاوفر قدرة على الحركة "([14]) .
الصحوة الاسلامية والتجديد
اذا كان البعض يعد الصحوة الاسلامية مؤشرا على يقظة المسلمين بعد اغفاءة طالت في عصور التخلف والعنف ([15]) . فأن البعض الاخر رفض ان يصف ماعرفته اقطار عربيه او اسلامية من حركات وتيارات تتبنى الدعوة الى تطبيق النظام الاسلامي بأنه صحوة اسلامية لان ذلك يوحي بأن الاسلام كان قبل ذلك ( نائما او غائبا ) في حين ان الاسلام سواء كعقيدة وشريعة او كمثل اعلى للحياة لم ينم يوما ولم يغب لا عن وجدان المسلمين ولا عن سلوك كثير منهم([16]) .
لهذا فأن هذا الفريق يعد كلمة ( الصحوة )هي غريبه عن القاموس الاسلامي او انها على الاقل لاتتناسب لا مع ماهو كائن ولامع ماينبغي ان يكون ([17])وهي _ أي الصحوة _ اطلاق اجنبي ([18]) .
بناء عليه اذا كان من الضروري التكلم عن الصحوة فان هذه الصحوة لاتتعلق بالاسلام وانما تتعلق بصحوة المسلمين والشعوب ، يقول الدكتور حسن الترابي " يصيب المسلمين ذبول في دوافع الايمان وضوابطه وخمول في الفكر والفقه وجمود في الحركة والجهاد وتضربهم الابتلاءات الداخلية والخارجية فينحط كسبهم التأريخي ، ثم تستفزهم ازمة السقوط عن مثلهم العليا ويحضهم الوعي بالانحطاط عن امجاد سالفه والذل ازاء تحد خارجي فينهضوا من جديد . يحيا الايمان وينتعش الفكر وتنشط الحركة " ([19]) .
من هذا المنطلق يفضل بعض الكتاب الاسلاميين امثال راشد الغنوشي وحسن الترابي ومحمد عابد الجابري استخدام كلمة تجديد بدلا من صحوة ، ويرجعون ذلك الى كون الصحوة تعني الانفعال في حين يعني التجديد الفعل والمسلمون مطالبون بالفعل وليس بمجرد الانفعال ، لان الانفعال لايفي بما هو مطلوب من المسلمين في هذه الظروف التي تتحداهم فيها الحياة المعاصرة بمختلف مظاهرها وتعقيداتها ([20]) . كما ان هذا التفضيل لكلمة التجديد على الصحوة يرجعه الجابري الى ان البعد الذي تحيل اليه الكلمتان ليس واحدا . فالصحوة _ كما يقول الجابري _ " تحيل الى بعد سطحي وظرفي وفي الغالب ان الذين استعملوا عبارة ( الصحوة الاسلامية ) من الاجانب قصدوا بها وصف ظاهرة ظرفية . واذا اخذت هذه الظاهرة في ظرفيتها بقيت تتحرك على سطح التأريخ وليس في اعماقه . اما ((التجديد)) فهو بالعكس من ذلك يحيل الى عمل بعيد الاغوار ينزل بكل ثقله على المستقبل ، ولذلك فهو يقع في اعماق التأريخ ، في صلبه يواكب صيرورته ويوجهها ويطمح في التحكم بها "([21]).
ويستشهد هؤلاء الكتاب بالحديث النبوي الشريف " ان الله يبعث لهذه الامة على رأس كل مائة سنه من يجدد لها دينها " ([22]) . فالله يقيض لهذه الامة كلما بلى دينها وكلما سكنت الى صورة من صور التدين _ تدين الوجدان او تدين الفكر او تدين العمل فداهمتها تحديات جديدة _ يقيض لها قيادة جديدة تجدد امر دينها باحياء الوجدان المؤمن او تنشيط الاجتهاد الفقهي او اثارة النهضة المادية ([23]) ، وهذا يعني ان التجديد لايخص امور الدين وحدها وانما امور الدنيا ايضا لان الاسلام لايفصل بين الدين والدنيا بل بالعكس من ذلك انه يربط صلاح امور الدين بصلاح امور الدنيا . هكذا نرى راشد الغنوشي يؤكد ان التجديد للدين هو اعادة الوصل بينه وبين مجرى الحياة المتدفق فكرا وثقافه ومع مختلف مجالات النشاط الانساني ، وهذا الوصل الوثيق هو شرط تجدد الدين وقيادته للحياة كما هو شرط استمرار تطور الحياة وارتقائها في الاتجاه السوي ([24]).
ويرجع الغنوشي سبب الانحطاط الذي اصاب الفكر الاسلامي هو ذلك الترهل الذي اصاب هذا التواصل والتفاعل سواء اكان ذلك جمودا على صور قديمه من التدين فقدت اساسها الاجتماعي الذي انتجها فتحول الدين من منهج في العدل وتكريم الانسان والتحرر من الظلم الى طقوس فارغة لا دور لها غير تحذير الناس وصرفهم عن مجاهدة الظلمه والطغاة ([25]) . فكان لابد من التحرر والعودة الى منبع الحقيقة من اجل ادارة حوار مستأنف بينها وبين الواقع المستجد بحثا عن معادلة جديدة تؤسس مجددا للعدل ومقاومة الظلم حتى لايوصف الدين بأنه عائقا لحركة التطور لاسيما ممن اتهموا الدين بالجمود ([26]) .
بذلك تكون الصحوة الاسلامية التي امتدت في العالم الاسلامي هي اوسع واشمل من الحركة الاسلامية لان المجال الذي تؤطره الحركات الاسلامية هو اقل بكثير من مجال الصحوة الاسلامية ويمكن تفسير ذلك ان للصحوة مظاهر منها([27]):-
اولا - مظاهر رسميه تتعلق بما قامت به الحكومات وفي ماتخذته من اجراءات
قانونية تتضمن التمسك بمبادئ الشريعة والدين او العنايه الرسمية بشؤون
الدين في الهياكل الحكومية وما اقامته الحكومات الاسلامية من وزارات او
ادارات مختصه بالشؤون الدينيه او اهتمام وزارات التعليم العالي والبحث
العلمي بالجامعات الاسلامية وغيرها .
وثانيا - مظاهر اخرى يمكن ان نقول عنها انهـا غير رسميـة تتمثل بالسلــوك
الاجتماعي ، ويقصد بها سلوك الشعـوب الاسلاميـة واضطلاع الجماهير
الشعبيه المسلمه ببعض الاعمال كبناء المساجد والانفاق على احياء الكتاتيب
وتنظم جمعيات تحفيظ القرآن الكريم والتطوع للجهاد فـي سبيـل الاسلام،
كما تتمثل ايضا بانشاء الحركات والاحزاب والتجمعات الاسلامية وماتقوم
فيه من دور في التأثير على نسق الحياة العامة وعلى مواقف الحكومات.
لذلك تعد الحركة الاسلامية مظهر من مظاهر الصحوة التي انتشرت في البلاد الاسلامية والتي شملت هياكلها الرسمية وغير الرسمية . ويؤكد الشيخ يوسف القرضاوي هذا الفرق بين الحركة والصحوة حيث يقول " ان الحركة تعبرعن جماعة منظمة ذات اهدف محددة ، ومناهج مرسومة . اما الصحوة فهي تيار عام دافق يشمل الافراد والجماعات المنظم وغير المنظم فبينهما _ يقول علماء المنطق _ عموم وخصوص مطلق ، فكل حركة صحوة ، وليست كل صحوة حركة ، والصحوة اذن اوسع دائرة من الحركة واكثر امتدادا ، وهكذا ينبغي ان تكون الصحوة مدد ورافد للحركة وسند لها، والحركة دليل وموجه للصحوة ، فكل منهما يؤثر ويتأثر بالاخر ويتفاعل معه " ([28]) .
هذا يعني ان هناك صحوة واحدة شملت العالم الاسلامي وهي التي تدعو الى العودة الى الاسلام في اعادة تنظيم شؤون حياة المسلمين بعد ان غيب عن الحياة العامة، لكن لايمكن ان يكون هناك حركة اسلامية واحدة وذلك بسبب الاختلاف في الرؤى والتصورات والاستراتيجيات والتكتيكات في القيام بمظاهر الصحوة مما يدعو الى تعدد التنظيمات والجماعات حتى اصبح من الصعب التكلم عن وجود حركة اسلامية وانما حركات اسلامية .
الفرق بين كلمة الحركة وكلمة الصحوة يظهر ايضا من حيث تأريخ نشأة كل منهما فكلمة الحركة هي سابقه على الصحوة حيث يرى البعض ان الصحوة الاسلامية الحالية هي اهم ثمرة حققتها الحركات الاسلامية وغذاها الفكر الاسلامي ([29]) . الاخوان المسلمون مثلا كانوا يقولون عن دعوتهم ( الحركة الاسلامية او الفكرة الاسلامية ) اما كلمة الصحوة فلقد شاعت بعد نجاح الثورة الايرانية ([30]) .
الحركات السلفية
يقصد بالسلفيه "الرجوع بالدين الى أصله الاصيل ومصدره النقي لتزيح عنه كل ماألصقته الاجيال به من آثار الجمود والجحود وماغطت به حقائقه الناصعة وتأويلات المتطفلين وتحريضات الجاهلين" ([31]) . وهي بهذا المعنى لاتخالف من سبقها من السلفيين .
استخدم هذا المصطلح بشكل واسع منذ منتصف القرن التاسع عشر والربع الاول من القرن العشرين ، فمنذ ذلك العهد تصاعدت دعوات المفكرين السلفيين التي بدأها الافغاني ومن بعده محمد عبده والكواكبي ورشيد رضا وآخرون ([32]) . تلك الدعوات التي كان يجمعها قاسم مشترك هو تنقيه وتطهير الاسلام من الشوائب التي علقت به في التطبيق الفردي والجماعي ومن الخرافات والاساطير التي جمعها على امتداد تطوره عبر العصور والعودة به الى السلف الصالح وهو اولا النص القرآني ثم سيرة الرسول فأعمال الخلفاء الراشدين .
قد يختلف السلفيون حول المدى الذي يصل اليه اعتمادهم على هذه المصادر الا انه يبقى (( صدر الاسلام )) هو العصر الذهبي والنموذج الذي يهتدي به السلفيون على اختلاف مشاربهم ([33]) . هذا يعني ان السلفيون حاولوا ايجاد صورة مثالية عن الفترة الاسلامية الاولى لمقارنة تلك الفترة بالفترة الفاسدة التي تلتها ([34]) .
ان تطهير الدين وتنقيته كان يعني بالاساس خلق الشروط الموضوعية المناسبة لجعل مايمكن تسميته بالوعي الاسلامي على صعيد المجتمع ناضجا ومتبلورا قادرا على اكساب الدين صبغه عصريه ([35]) .
اتخذت السلفيه في بادئ الامر شكل حركة دينيه سياسية اصلاحيه،تنادي بالتجديد وترك التقليد، أي الغاء كل التراث المعرفي والمنهجي والمفهومي المنحدر من عصر الانحطاط والحذر في ذات الوقت من السقوط فريسه للفكر الغربي ، أما التجديد فيعني بناء فهم جديد للدين ، عقيده وشريعة ، انطلاقا من الاصول المباشره والعمل على تحيينه ، أي جعله مواكبا للعصر ([36]). لهذا حاول علماء السلفيه التقرب من المدنيه الحديثه والابتعاد عنها في الوقت نفسه أي الاقتباس منها والاخلاص لاسس الشريعة في الانفتاح عليها،والخوف من ابتلاعها وهذا ماجعل خاصية( التوفيقية) هي التي تطبع فكر هؤلاء ([37]).لذا فقد بدأت محاولاتهم في مد الجسور الى الغرب ، اصرارا على تحقيق هذا التمدن والاستفادة من هذه المدنيه الحديثه ، الا انهم تفاوتوا في درجة تقبل هذه المدنيه من التقبل كمبدأ الى الانفتاح كضروره واما هذه المدنيه كهدف منشود كل ذلك ظل غايتهم جميعا ([38]).
لقد اعتمدت حركات الاصلاح الديني اساسا على التربيه والتثقيف والفتاوي من خلال قنوات الدولة ( المدارس _ المعاهد _ الازهر _ القضاء الشرعي ) وجميعها تتوجه اولا ، الى تربية الشخصية الاسلامية على مبادئ الاسلام لان صلاح الامة يقوم على صلاح دينها في دنياها ([39]) . وثانيا ، تتوجه الى التوفيق بين هذه القيم والمبادىء الاسلامية العامه وقيم الحضاره الحديثه ( كما قدمها الغرب ) عن طريق تفسير جديد للقرآن ([40]) .
هكذا فان الحركات الاسلامية المعاصرة تختلف عن الحركات السلفيه والمدارس الاصلاحيه وذلك لان الاخيرة يغلب عليها الطابع الفكري وليس الطابع السلوكي الذي تتميز به الحركات الاسلامية الحالية ، ودعاة الاصلاح يختلفون عن قادة الحركات الاسلامية . قال حسن البنا عن دعات الاصلاح " انهم لم يكونوا جميعا سوى مصلحين دينيين واخلاقيين تنقصهم النظرة الى شمول الاسلام … وان فشل الازهر كان راجعا الى انه اخرج متدينيين يقرأون ويكتبون ولم يخرج قادة روحانيين " ([41]) . فقادة هذا الاتجاه هم من المفكرين والمصلحين وليسوا من القادة الجماهيريين على عكس قادة الحركات الاسلامية التي جاءت بعدها التي ابتدأت بالاخوان المسلمين فكل من حسن البنا وسيد قطب شخصيتين كانت تتوافر لكليهما صفة ( المصلح ) وصفة ( الزعيم ) في وقت واحد ([42]) .
السبب في هذا الاختلاف بين الحركات الاسلامية الحالية والحركات السلفيه على الرغم من اجتماعهم على هدف واحد _ وهو العودة الى الجذور الاسلامية الاولى _ هو اختلاف الظروف العامة التي احاطت بكل منهما " فالتحديد المنهجي يقتضي في المقام الاول تحديد الظاهرة في ظروفها العامه ، المباشرة وغير المباشرة ، وربطها بواقع تطورها التأريخي وآفاق ذهابها المستقبلي " ([43]) .
الحركات الاصولية
اطلق تعبير الاصوليه fundamentalism ([44]) على الاتجاهات الدينيه المسيحية المتشدده في مسائل العقيده والاخلاق ، والمصطلح هو امريكي غربي الاصل ارتبط وجوده بالتيارات البروتستانتيه المحافظه التي ظهرت في الولايات المتحدة الامريكيه في اربعينيات القرن التاسع عشر . يؤمن اتباع هذا الاتجاه بالعصمة الحرفيه للكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد الذي قدم _ كما يرون _ حلولا لمجمل قضايا الحياة بما فيها الشؤون والقضايا السياسية ([45]) . وابتداء من منتصف القرن العشرين اصبحتالاصولية تعني انها خصم للحداثه ، ومدافعه عن البقاء على الاصول بتمامها وعلى العقيده والتراث الكنسي الكاثوليكي بكامله ([46]) .
أي ان الاصوليين بدأوايمثلون " اولئك الذين لايستطيعون التعامل مع التحديات الفكرية والنفسيه لـ (( الحداثه )) " ، لايقصد هنا الجانب العلمي التقني للحداثه هو الذي يتعارض مع الاصول الايمانيه للاصوليين وفقا لفهمهم اياها . وفي الاتجاه نفسه يذهب روجيه غارودي في تحديد المكونات الاساسية للاصوليه وهي : " رفض التكيف جمود معارض لكل نمو ، عوده الى الماضي ، انتساب الى التراث والجذور ، المحافظه وعدم التسامح ، التحجر المذهبي ، تصلب ، كفاح ، عناد " ([47]) .
منذ عام 1975 بدأت المحاولات لادخال هذا المصطلح على المجال الاسلامي وكانت جريدة ( اللوموند ) اول من استخدم ذلك في عددها الصادر في 6 كانون الاول 1978 ، في اشارة الى ( صحوة الاصولية الاسلامية ) . كما استخدمها ج . زيجلر في كتابه ( الاستيلاء على افريقيا ) قائلا ان " البنا هو زعيم حركة اصوليه دينيه " ([48]) .
لقد حاول الغرب توظيف هذا المفهوم _ الذي لايرتبط بخصائص الحركة الاسلامية وسماتها الذاتيه _ في الكثير من كتاباتهم ودراساتهم في محاولة لتشويه صورة الاسلام عامة والحركة الاسلامية بصوره خاصة . فغالبا ماتؤكد الدراسات الغربية على ان الجماعات الاصوليه الاسلامية تدعوا الى التشدد والتمسك بالقديم وترفض _ بل تعادي _ العلم والحداثه . هذا يعني ان ادخالها على الاسلام كان مقصودا ومستحدثا .
لم يحظ مفهوم الاصوليه بقبول الكثير من الكتاب لاسيما المسلمون منهم وفي هذا الصدد يقول السيد محمد حسين فضل الله ان الاصوليه " مفهوم غربي ينطلق من خلال الاصوليه المسيحيه التي كانت تتحرك على اساس الغاء الاخر ، وعلى اساس العنف ضد الاخر ، اننا لانتبنى مصطلح الاصوليه لان الاسلام ليس حركة عنف ضد الاخر ، وانما العنف يمثل محورا يتحرك فيه المسلمون في مواجهة القوى التي تريد ان تقهرهم او تلغي حريتهم ، وهكذا فأن الاسلام لايلغي الاخر ولكنه يحاور الاخر ، …. لكن التخطيط السياسي الغربي حاول ان يضع هذه الكلمه كعنوان للحركة الاسلامية "([49]) ويحدد السيد فضل الله الاسباب التي تدفع الغرب الى اضفاء هذه الكلمه على الحركات الاسلامية هو حتى يتمكنوا من عزل " الرأي العام عن التعاطف مع هذه الحركة ليعتبرها حركة عنف وارهاب والغاء للاخر وتجميدا له ، بأعتبار ان هؤلاء يريدون ان يعيدوا التأريخ الى الوراء ليفرضوا على الواقع المعاصر ماكان يعيشه الناس في عصر الجهل وما الى ذلك من التعابير والكلمات ، وهكذا فأن اعطاء الاصوليه عنوانا للحركة الاسلامية ينطلق من اساس محاصرة كل حركة وانتفاضه " ([50]) .
ينفي حسن الترابي ايضا صفة الاصوليه عن الحركات الاسلامية حيث يقول " لايوجد في الحقيقه مرادف لهذا التعبير في اللغات الاسلامية او في اللغة العربية بشكل خاص . فقد استخدم هذا المصطلح لوصف ظاهرة مسيحية حدثت في الغرب عقب الحرب ، وتتمثل بالنزعة الى التزام النص الحرفي للكتاب المقدس . اما في الاطار الاسلامي ، فأن هذه الحركة تشبه ، اكثر ماتشبه ، النهضة في اوربا ، كحركة تجديد ثقافي شامل تسعى في النهاية الى ان تترجم الى اصلاح اجتماعي فاعل ،…… وبالتالي فان هذا المصطلح تضليلي "([51]). وفي الاتجاه نفسه يذهب الدكتور اسبوزيتو الذي يرفض توظيف مفهوم الاصوليه ذي الاصول المسيحيه في الاسلام لانه وكما يقول يشوه الرؤيه الاسلامية ويفضي الى سوء فهم جدلية الفكر الاسلامي المعاصر في العالم الحديث الذي يرى فيه قدرته على استيعاب القوى الليبراليه والديمقراطية لانه فكر متفتح ومتقدم ([52]) .
على الرغم من الرفض لهذا المصطلح الا ان اللافت للنظر انه استخدم من بعض الكتاب العرب ومن المسلمين انفسهم . قد يكون ذلك عائدا الى عدم ادراك لحقيقة الطرح الغربي ، او ان مصطلح الاصوليه فهم بصورة اخرى غير التي اريد منها . فالاصوليه تعني لدى هؤلاء العودة الى الاصوليات والتمسك بالماضي واعادة اظهاره في قالب ديني ، فهي تلك الحركات التي تجعل من العقيدة والشعائر الاسلامية مرجعها العام ، منطلقه منها لعمل سياسي يهدف الى تغيير الاوضاع في البلدان الاسلامية لصالح تطبيق الشريعة الاسلامية ([53]) . والاصوليه وفق تصورهم هي حركة سلفيه تدعوا الى الرجوع الى المنابع الاسلامية الاولى بصفائها ونقائها وليس الرجوع الى الوراء والانغلاق والعزلة عن العالم كما فهمها الغرب في نظرته الى الاصولية الاسلامية . أي ان الاصوليه لاتعارض العصرنه والحداثه والتقدم ([54]) . ويرى هؤلاء ان وصف الاسلام بالاصوليه لايقلل من مكانة الاسلام عند المسلمين لان الاصوليه عندهم تعني التمسك بمبادئ وتعاليم الاسلام .
وفي هذا الاتجاه يذهب مصطفى محمود -كاتب وطبيب مصري- حيث يقول " ان كل مسلم حقيقي …اصولي " ([55]) . ان هذا الخلط في استخدام المفاهيم لايعبر الا عن وجود ازمة حقيقية يواجهها المسلمون في فهم الاصوليه والاصوليين والا كيف نطلق كلمة الاصولية ، التي تعني اولئك الذين يقاومون التقدم والحداثة على كل مسلم تقي يعرف دينه ويلتزم بتعاليه . هذه العبارة التي اطلقها مصطفى محمود هي دليل على ان هناك عدم دراية او معرفة كافيه بالدين الاسلامي وجوهره.
كما جرى استخدام المصطلح من كتاب اخريين على الرغم من ادراكهم المعنى الحقيقي للاصوليه منطلقين من فكرة ان مفهوم الاصوليه مصطلح له "طابع عام وكونه وصف او فسر ظاهرة خاصة في وقت ما ومكان معين لايعني عدم احتوائه على عناصر لها صفة العموميه ، وبالتالي يمكن سحبه على حالات متقاربة او متشابهة ، قد لاتكون متطابقه كوقع الحافز " ([56]) . فالاصوليه عند حيدر ابراهيم علي مثلا تعني " رؤيه للعالم تقف ضد العقلانيه العلمانيه ، وضد الميل الى النسبيه والتسامح الديني وقبول الاخر المختلف ، كما ترفض الفرديه والحداثه ، وتصدر هذه الرؤيه من الايمان المطلق بان الدين (( النقي )) يحمل للانسان الوعود والامل بحل جميع مشكلاته الخاصه والعامه ، ويقود الى السعاده في الدنيا والاخرة فالاصوليه ترفض دور الانسان والعقل في صنع التاريخ ، لان الدين يعطي الحقيقه المطلقه المقدسه من دون أي تدخل انساني الا بمقدار مايحقق المشيئه الالهيه ([57]) . على الرغم من فهمه للمصطلح بهذا الشكل الا انه يؤكد انطباق معنى الاصوليه على الحركات الاسلامية . كما انه وان كان يقر بان الحركات الاسلامية تسعى جاهدة لتأكيد عصريتها ومواكبتها الواقع الا ان ذلك وكما يقول لايمنع من ان الحركات الاسلامية هي اصوليه فكرا وممارسة وهذه نقطه اختلافها وتمايزها مع الاخرين والتي تحاول كثيرا طمسها في مواقف الدفاع عن الذات ([58]) .
في ضوء ذلك لايمكن ان تطلق صفة الاصولية على كل الحركات الاسلامية المعاصره . صحيح ان هذه الحركات تجعل من الرجوع الى مبادئ وقيم الدين الاسلامي هو العامل المحرك الاساس لها، الا ان هذا الرجوع لاينتج اصوليه بالشكل الذي يطرحه الغرب وهو المفهوم المرادف للتخلف وعدم مواكبة العصر والتأخر عن ركب الحضارة وانما هو عمليه تجديديه أي عملية ينبثق عنها منهج متجدد في التعامل مع الواقع تتصف بالنشاط والمرونه وقدرة جديده على مواجهة التحديات وهذا مايؤكده حتى المؤيدون لمصطلح الاصوليه بمفهومه الغربي كما لاحظنا في كلام حيدر ابراهيم علي .
الحركات المتطرفة
التطرف في اللغه هو البعد عن الوسط والوقوف في الطرف ([59]) ، يرجع اصل كلمة التطرف الى الكلمه الانكليزيه dogmatism ذات الاصول الكاثوليكيه وتعني الجمود العقائدي والانغلاق العقلي ، وهذا هو جوهر الفكر الذي تتمحور حوله كل الجماعات المسمات المتطرفة ([60]) .
بهذا المعنى فأن التطرف يعني اسلوبا مغلقا للتفكير يتسم بعدم القدرة على تقبل اية معتقدات تختلف عن معتقدات الشخص او الجماعة او التسامح معها . ويتسم هذا الاسلوب بنظرة الى المعتقد تقوم على ان هذا المعتقد صدق مطلق يصلح لكل زمان ومكان لذا فليس هناك مجال لمناقشته ولا البحث عن ادلة تؤكده او تنفيه فهو معتقد يشمل على معرفه تخص كافة قضايا الكون ، كما ان اصحابه يكون لهم استعداد لمواجهة الاختلاف في الرأي او حتى التفسير بالعنف وفرضه بالقوة على الاخرين ([61]) .
والمتطرف ([62])، بهذا المعنى هو من " يفرض فرضا ان غيره ليس مكافئا له لانه يقول بمجرد رأي . اما هو فينطق بنطق مقدس . هو لايفرق بين العقيدة وبين الفكر الديني ، بين النص المقدس وتعدد المعنى ، بل يقيم مطابقه مطلقه بين مايقوله هو وبين النص المقدس . ملغيا المسافه بين النص والتأويل وهو ماقامت عليه المذاهب والفرق الدينيه في كل زمان . يرفض المتطرف كل التجربه التأريخيه ، وما ادت اليه من تجديد مستمر للصله بين نص آمر وواقع متغير " ([63]) . والمتطرف باسم الدين " لايحاور ، بل يأمر . وهو لايعتبر غيره مكافئا له من حيث المبدأ بل يعده دونه عليه ان يصغي ويأتمر . فهو اذن ينسف امكانيةقيام الحوار في الاساس " ([64]) . هذا يعني ان المتطرفين يسلمون بفكر واتجاه لايقبل النقاش ويرفضون رفضا قاطعا الرأي الاخر ويكرهون من يحمل هذا الرأي .
اقترن التطرف في الشريعة بالغلو والتشدد أي مجاوزه الحد وتكليف الناس مالايطيقون . وكلها امور نهى الشرع عنها وحذر الاسلام منها . الاسلام دين وسط يدعو الى منهج الاعتدال في كل الامور ، في العبادات التي تحكم العلاقه بين الفرد وربه والمعاملات التي تنظم العلاقة بين الناس بعضهم ببعض ، والتشريع الذي يضبط امور المجتمع . فالوسطيه والاعتدال هما خصيصه من خصائص الاسلام([65]).
والتطرف لايعني الايمان والالتزام الديني، لان الايمان والالتزام بتعاليم الاسلام تختلف عن التطرف ، والمجتمعات المؤمنه هي ليست بالضرورة بيئه صالحه للتطرف كما يعتقد البعض وذلك لان الايمان موجود حتى في صفوف غير المتطرفين ([66]) .
وقد يرى البعض ان التطرف ينتج عن التمسك بالايديولوجيه المتشدده والثوريه التي تسمح لها بالقيام باعمال عنيفه ([67]) . لكن هل يمكن ان نصف العديد من الثورات وحركات المقاومة التي تبنت الالتزام الايديولوجي والعمل المسلح وسيلة للوصول الى حقوقها المشروعة بانها متطرفة ([68]) . كما ان مايعد تطرفا في وقت من الاوقات قد ينظر اليه لاحقا على انه الاعتدال بعينه ويتبناه المجتمع كارضيه وسطيه يتفق عليها الجميع . وهذا حال معظم الحركات التي تسعى الى تغيير مجتمعاتها ، فالدعوة الاسلامية مثلا شكلت في بدايتها لكفار قريش تطرفا وخروجا عن المألوف وعن ماوجد عليه اباءهم واجدادهم ([69]) .
ان من الخطأ تعميم مصطلح او صفة التطرف على كل الحركات الاسلامية قد توجد بعض الجماعات المتطرفة في الفكر والممارسة التي تتبنى العنف والعمل المسلح وسيلة للوصول الى اهدافها . الا ان مثل هكذا تنظيمات لايمكن ان تحسب على الحركات الاسلامية.اما السبب الذي يدفع البعض الى وصف الحركات الاسلامية بانها متطرفة هو لجوئها للعنف كرد فعل نتيجة القمع الذي تتعرض له من الانظمة السياسية لدولةا وعدم اعطائها أي دور في تسيير شؤون حكوماتها وعدم السماح لها بالمشاركة في الحياة السياسية .
وبذلك لايمكن اطلاق مصطلح حركات التطرف على الحركات الاسلامية . لان مفهوم التطرف يمثل دائما حنينا الى الماضي والعودة الى الوراء ، فهو ذا منحى رجعي او محافظ في احسن الاحوال ، يؤدي الى وجود علاقات اجتماعية باليه لاتتناسب مع تقدم العصر ، كما يرتبط التطرف دائما بالتعصب الاعمى والعنيف ، الامر الذي يؤدي الى وجود صراعات مدمرة داخل المجتمع ويرتبط التطرف دائما بالتدهور الثقافي والفكري والعلمي والفني أي انه قتل للانسان باعتباره كائنا مبدعا ([70]) . في حين تمثل الحركات الاسلامية حركة تغيير وتنميه سياسية واجتماعيه تعتمد في وجودها اساسا على التراث الاسلامي الذي يرفض الظلم والقهر وعدم المساواة ويدعو الى تحرير الانسان ليمارس انسانيته في عمارة الارض واحقاق العدل .
حركات الاسلام السياسي
يعد رشيد رضا اول من استخدم مصطلح ( الاسلام السياسي ) في التعبير عن الحكومات الاسلامية التي سماها ( الاسلام السياسي ) وهي تعني لديه " الذين يسوسون الامة في اطار الامة الاسلامية " ([71]) . الا ان المصطلح استخدم فيما بعد من المفكرين والدارسين للدلالة على تلك الحركات الاسلامية المشتغله بالسياسه ، أي تلك الحركات العامله بطريقه حزبيه من الناحيه التنظيميه ، التي تسعى للوصول الى السلطة في البلدان العاملة فيها ،او معارضة السلطات القائمه و ارغامها على تحقيق بعض المطالب ذات الطابع السياسي ذي الخلفيه الرمزيه ([72]) .
تضمنت عبارة الاسلام السياسي منذ بدأ استعمالها موقفا رافضا للحركات الاسلامية ومعاداتها والطعن في ارائها واجتهاداتها . فكان اول من تبنى استخدام المصطلح بهذا الشكل هم انصار التيار العلماني لاسيما في مصر ، الذين كانوا ينظرون الى الحركات الاسلامية على انها حركات تستغل الدين من اجل غايات سياسية ([73]) . أحد هؤلاء الكتاب العلمانيين يقول ان الحركات التي تسمي نفسها (( اسلامية )) _ يضع قوسين حول كلمة اسلامية _ هي مجرد مجموعات حركيه سياسية هدفها الوحيد الاستيلاء على السلطة باي وسيلة . وان ارتداءها ثوب الاسلام جاء بقصد استغلال عواطف مجتمعنا المسلم وتمسكه الشديد بدينه وتعاطفه الفطري مع كل ماهو اسلامي . فهي _ وكما يرى هذا الكاتب _ حركات سياسية تستخدم الخطاب الاسلامي بهدف مداعبة مشاعر المسلمين والتأثير عليهم من خلال اهدافها التي تتبناها والوسائل التي تستخدمها لتحقيق تلك الاهداف ، فأنه من الواضح ان هذه الحركات انما هي حركات سياسية غائيه لاتتلاقى في ممارساتها مع أي مبدا اسلامي ومن ثم فان الوصف الذي شاع لها في الاعلام وصف لاينطبق عليها ([74]) .
ان اصحاب هذا الرأي انطلقوا من فكرة ان أغلب قادة هذه الحركات هم ليسوا من العلماء ولايعرفون الاحكام الشرعية ولايتعلمونها _ كما يقولون _ ولاهم من الدعاة وان الغالب الاعم ان هذه الحركات تتجه الى القوى الشبابيه التي ليس لديها علم بالفقه ولا بأحكام الشرع . بناءا على ذلك فهم يرون انها ليست حركات اسلامية وانما حركات سياسية ([75]) ، هذا من جانب . اما من الجانب الاخر . فان هؤلاء المعارضين يؤكدون حتى لو كانت تلك الحركات هي حركات اسلامية فان عليها ان لا تتدخل في الشؤون السياسية منطلقين من فكرة ان الدين ينبغي ان يكون شأنا فرديا بين العبد وربه لادخل له في الحياة العامة ولاسيما السياسية منها التي يرون ان تكون متروكه لما يراه الناس ([76]) . وهناك ايضا من ظن من اصحاب هذا الاتجاه ان الدعوه الى الحكم بما انزل الله تعالى أو الدعوه الى اقامة الدولة الاسلامية ظاهرة جديده لم تكن في الاسلام من قبل مستشهدين ببعض الدراسات التي تؤكد ان الدين خرج من دائرة الاطار المرجعي أي مجرد البنيه الذهنيه الجماعية التي تحدد عددا معينا من العلاقه ( الدنيويه والدينيه ) ليصبح اسلاما سياسيا يطلب المشاركة ويلح في طلبها ، بل لايرى مانعا من الترشيح لانتخابات في هياكل ومؤسسات قد لايقبلها خطابه السياسي . لذلك فمن المناسب ان توصف هذه الحركات بالاسلام السياسي تمييزا له عن الاسلام الديني التقليدي([77]) .
ان هذا الكلام عن وجود إسلامين اسلام سياسي واسلام دين يجزأ الاسلام وهذا مالاتريده الحركات الاسلامية التي تنظر الى الدين الاسلامي بوصفه عقيده شاملة للحياة وانه يمثل مؤسسة منظمة لها قوة سياسية ولها انظمتها واحزابها وحركاتها السياسية ومجموعاتها الاجتماعيه والفكرية التي تربطها مصالح مختصه واتجاهات سياسية خاصة ([78]) .
لقد رفض هذا المصطلح من بعض المختصين بالدراسات الاسلامية لان فيه شبه اختزال للاسلام في السياسه ، فلا يوجد اسلام بدون سياسة . ولان السياسة من الفروع وليست من امهات الاعتقاد ولا من الاركان ولا من المبادئ الاساسيه للاسلام فلا يمكن ان نسمي الاسلام بأنه سياسي ، بمعنى ان نختزل الاسلام في السياسة والا اختزلناه في فرع من فروعه وليس في عقائده وفي اركانه وبنيانه الاساسي " ([79]) . كما يؤكدون انه ليس هناك مشتغل بالاسلام وبالفكر الاسلامي بعيد عن ان يكون له موقف سياسي لان السياسة ليست فقط للذين يشتغلون بالاحزاب السياسية ، انما هي " مطلق التدابير التي تسوس حياة الناس وتدبرها " . ففي المنزل سياسة ، وفي الاجتماع سياسة وفي الاقتصاد سياسة ، وفي العلاقات الدولية سياسة ، السياسة موجوده في كل امر من الامور ، لكنها في الرؤيه الاسلامية من الفروع وليست من الاصول ([80]).
على الرغم من هذا الرفض للمصطلح الا ان ذلك لم يمنع انه استخدم من كتاب وباحثين معروفين لم يقصدوا رفض الحركات الاسلامية من وراء استخدامه ، وانما انطلقوا في استخدامه من الفكره نفسها وهي ان الدين الاسلامي ارتبط دائما بالسياسة وعلى مر العصور . فهؤلاء يؤكدون ان نشأة العلوم الاسلامية كانت كلها نشأه سياسية اجتماعيه في بيئه سياسية ([81]) . وان أي ادعاء بان لادين في السياسة ولاسياسة في الدين يقصد به عزل الدين عن السياسة ، لكي يأمن المتسلط أي حركة معارضه بأسم الدين تقضي عليه ، وحتى يفعل النظام السياسي مايشاء طبقا لمصلحة النخبه السياسية دون مراعاة لشريعة او قانون . فالدين وسيلة لتحرير البشر ، والسياسة اداة لتنفيذ شرائعه ([82]) .
ومما يلفت النظر _ ويؤكد هذا الرأي _ ان هذه الحركات لم تحظ باهتمام الجماهير في اول الامر عندما كانت تحمل شعارات عامة لكنها ومنذ ان بدأت تتدخل في الحياة السياسية والاقتصاديه بان خطرها على الانظمة وبدأت تكسب التأييد الشعبي ([83])
وتلافيا لهذه الاشكالية التي قد تقع فيها تسميه ( حركات الاسلام السياسي ) رأى البعض بما ان الاسلام هو اسلام واحد ، فلا يمكن ايجاد اكثر من حركة اسلامية واحده . من هنا فهم ينصحون بازالة كلمة الاسلامية عن هذه الحركات .
ان اضفاء صفة السياسي على الاسلام يحدث خلطا وتشويشا ،لأن هذا المصطلح ( الاسلام السياسي ) يعطي دلالات غير معبرة بدقه عن حقيقه فكر هذه الحركات وعملها وتعدد فصائلها ، كما ان هذا المصطلح _ كما ذكرنا _ مصطلح يجزء الاسلام كدين ، وهو امر لايمكن الاخذ به لان الحركة الاسلامية ، وكما يؤكد انصارها ومؤيديها، ليست مشروعا سياسيا فحسب بل هي في خطتها العامه مدرسه فكريه اجتهاديه تسعى للارتقاء بالفكر الاسلامي . والانطلاق به لتجديد الحياة الاسلامية بما يواكب مشكلات العصر وتحديات الحضارة ([84]) .
الحركات الاسلامية
يعد مصطلح الحركات الاسلامية من المصطلحات الاكثر شيوعا وانتشارا بين اوساط الكتاب والباحثين والسبب يعود الى ان هذا المصطلح اطلق من الحركات الاسلامية نفسها لذا فهو من المصطلحات المقبولة لديها .
عندما نتكلم عن الحركات الاسلامية فاننا نقصد بها نلك الحركات التي تنشط في الساحة السياسية ، وتنادي بتطبيق الاسلام وشرائعه في الحياة العامه والخاصه ولاتشتمل هذه التسميه على الجماعات الاسلامية التي لاتنشط في المجال السياسي مثل الجماعات الصوفيه او الاحزاب التقليديه ذات الخلفيه الاسلامية مثل حزب الاستقلال في المغرب ([85]) . وهذا يعني ان الحركات الاسلامية تسمية اطلقت على تلك الحركات التي وضعت الدعوة والدولة في برنامجها " ان اية حركة لاتسعى من اجل الحكم او لاتسعى من اجل شمولية الاسلام لكل الواقع الذي يعيشه الانسان ليست حركة اسلامية في المصطلح وان كانت ذات نشاطا اسلاميا في الواقع " ([86]).
فهي تؤمن انها لن تستطيع تحقيق اهدافها دون الاشتغال بالسياسة فاحد الاسلاميين يوجه نداءه الى المسلمين قائلا " لن تنهض الامة الاسلامية ولن تقام الخلافه الاسلامية وترجع الدولة الاسلامية الا بالاشتغال في السياسة على اساس الاسلام " …… التاريخ كله اعمال سياسية والسياسه تشتغل الدنيا كلها في الحاضر ……. ولهذا فان توعية الامة سياسيا ، والقيام بالاعمال السياسية شرطان لحمل الدعوة الاسلامية …فالتثقيف السياسي بالمبدأ وبالسياسة هو الذي يجعل الامة الاسلامية تضطلع بمهمتها الاساسيه ووظيفتها الاصليه الا وهي حمل الدعوة الى العالم " ([87]) .
وهناك من طالب الحركة الاسلامية ان تصبح حركة سياسية لان مافقده الاسلام منذ بداية الغزو الاوربي الحديث هو نظامه السياسي . وبما انه لايمكن حل اية مشكلة اسلامية حلا اسلاميا الا في ظل نظام اسلامي لذا فأن الحركة الاسلامية مطالبة ان تصبح حركة سياسية او بعبارة اخرى ان تكتسب تنظيمات الحركة الاسلامية خصائص التنظيمات السياسية لكي تتمكن من تقرير مصير العالم العربي او العالم الاسلامي ([88]) .
فهذه الحركات لم تقدم نفسها بصفتها حركة احياء ديني وانبعاث حضاري بل بصفتها حركة اصلاح سياسي اجتماعي وفكري حتى وان كانت مسائل ذاتيه الهوية الاسلامية من شمولات فكرها ومن فقرات نصها الاسلامي . بهذا المعنى ، كان طغيان المسألة السياسية لدى اصحاب هذه الحركات استجابه تلقائيه لتحد هو في جوهره سياسي . متعاملين مع مسألة الدولة بوصفها " ام مسائل السياسه وأس الاسس في الاصلاح " ([89]) .
في حين يرى احد قادة الحركات الاسلامية ان الحركة الاسلامية هي حركة اصلاح تستهدف الفرد والجماعة وتبتغي اعادة بناء المجتمع الاسلامي واحيائه " واسلمته " . وهي الى جانب ذلك حركة تحريرمن التغريب والاغتراب الثقافيين من الاستغلال الاقتصادي والفساد الاخلاقي استنادا الى المبادئ الاسلامية في المساواة والعدل الاجتماعي "([90]) .
يفضل البعض استخدام مصطلح ( الحركات السياسية الاسلامية ) بوصفها الحركات التي تحاول اعادة دور الاسلام الى الحياة السياسية وارتضت العمل في المجال السياسي لتمييزها عن باقي الحركات الاسلامية . يعد هذا المصطلح افضل من مصطلح ( حركات الاسلام السياسي ) الذي يجزأ الاسلام كدين . وان كان البعض يقصرون تسميه الحركات السياسية الاسلامية على الحركات الاسلامية التي قبلت المشاركة في ساحة العمل السياسي المشروع والتعامل مع النظام السياسي القائم ولايقصدون بها عموم الحركات الاسلامية التي تباينت وتعددت مواقفها من العمل السياسي ([91]) .
في ضوء ما تقدم يمكن تعريف الحركات الاسلامية انها مجموعة التنظيمات المتعددة التي تنتسب الى الاسلام والتي تنشط في ميدان العمل السياسي في اطار نظرة شموليه للحياة البشريه وتجاهد من اجل اعادة صياغتها لكي تنسجم مع توجهات الاسلام فهي تحاول التأثير في كل نواحي الحياة من اجل اصلاحها واعادة تشكيلها وفق المبادئ الاسلامية . بعبارة اخرى هي تلك الحركات التي لها اهداف سياسية وتمتلك برامج سياسية والتي تنظر الى الاسلام بوصفه منهجا للحياة وتتخذ المبادئ الاسلامية ايديولوجيه تتمسك بها بدلا من المبادئ الفكرية والسياسية السائده التي تصفها بانها غير اسلامية ، فهي ترى في الاسلام علاجا لكل المشكلات التي يعاني منها المجتمع .
وهذه الحركات هي التي ستكون مجال بحثنا هذا _ وكما ذكر في المقدمة _
نشأة الحركات الاسلامية وتطورها في دول المغرب العربي
كان للاهمية والمكانة الكبيرة التي يتمتع بها الدين الاسلامي في دول المغرب العربي اثرها العظيم في ظهور ما عرف بالصحوة الاسلامية وتصاعد دعوات الاصلاح والتجديد الديني في هذه المنطقة بصورة اوسع من تلك التي شهدتها دول المشرق العربي . على الرغم من ان دول المغرب العربي كانت قد تأثرت بصورة كبيرة بموجة الاصلاح التي اجتاحت المشرق العربي في وقت سابق ، كما تأثرت بأفكار المفكرين والمصلحين الشرقيين وتبنت آرائهم وأفكارهم .
أن تأثير افكار المصلحين كانت قد شجعت على ظهور العديد من الجمعيات والتنظيمات التي تبنت الدعوة الى اصلاح الواقع المتردي لمجتمعات المغرب العربي لاسيما في وقت كانت هذه المنطقة تعاني كثيرا من مخلفات الاستعمار الفرنسي الذي ترك آثاره على الواقع المغربي بشكل واضح .
فيما بعد تضافرت مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية كانت وراء تحول تلك التنظيمات الداعية الى الاصلاح الى حركات اسلامية وجدت في دخول العمل السياسي سبيلها الوحيد للاصلاح.
المبحث الاول: مكانة الدين في دول المغرب العربي
يعد الدين في المجتمعات البدائية منها والمتحضره من النظم الاساسية المكونة للنظام الاجتماعي العام – المجتمع – وضمن هذا النظام العام نجد ان كل نظام رئيسي يعتمد على غيره من النظم الاخرى ويؤثر ويتأثر بها ، ولذلك نجد ان العلاقه بين الدين والنظم الاجتماعية الاخرى مترابطة متبادلة لايمكن الفصل بينهما اذ انه لم يكن الدين في يوم من الايام منفصلا عن الحياة اليوميه للمجتمعات ومظاهرها الاخلاقيه والسياسية الاسريه والتربويه والاقتصادية … الخ ([92]) .
يؤدي الدين الاسلامي دورا بارزا في تحديد الهوية الحضارية للمجتمعات العربية والاسلامية ولهذا فقد اتصل مباشرة بالاوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحتى التربوية التي شهدتها وتشهدها هذه المجتمعات . لقد كان الدين مصدر القوة التي استند اليها شعبنا العربي في اغلب تجاربة النضالية عبر التأريخ وكان المسجد بمثابة الجامعة التي يلجأ اليها في التعليم والعبادة والمدرسة التي تخرج منها جموع المناضلين الوطنيين ضد الاستعمار . وهذا ماذهب اليه هنتينغتون حيث يؤكد على ان الدين يعد القوة المركزية التي تحرك الناس وتحشدهم خاصة في العالم الحديث ([93]) ، وبالطبع فأن الدين الاسلامي هو الاكثر قوة وقدرة على ذلك .
ضمن هذا الوصف فقد كان الاسلام حاضرا في جميع التطورات السياسية لدول المغرب العربي ليس لكونه يمثل دين الغالبية العظمى من السكان ولكن لكونة يشكل اساس الوحدة والتضامن الوطني والاساس الذي استندت اليه حركات التحرر الوطني في تصديها للاحتلال الفرنسي فقد كانت المواجهة حضارية بين استعمار استيطاني حاول ان يسلب الجوهر الروحي لاقطار المغرب ، وبين شعب استمد من القوة الروحية التي منحتها أياها شخصيته الاسلامية سر نجاحه في كفاحه وصموده التأريخي أمام هذا النوع من السلطة الاستعمارية الغازية ، معنى ذلك ان الصراع كان قد أخذ بعدا دينيا . لذلك عد الاسلام ولا زال الدعامة الاساسية للحياة المجتمعية والسياسية لدول المغرب العربي .