eKtab
EN ع
الهروب وراء الظلام
Read free sample

الهروب وراء الظلام

by محمد نور عبدالله رمضان

Page 1

الجريمة

بصعوبة بالغة استطاع ترويض الكلمات المستأسدة النافرة والتي حاول مراراً أن يجعلها أسيرة طائعة ولكنها كانت تتمرد دونما سبب غير أن لسانه المربوط لم يتمكن منها فتجد الفرصة مواتية وتهرب وفي أحيان كثيرة تتوارى.
لم يدر بأن السائل الأبيض الشفاف الذي يرشفه من الكأس اللامع كل يوم هو السبب الرئيس في كل ما يحدث له . مرات عديدة عقد مقارنة بين حالتي الوعي واللاوعي التي كان يعيشهما في يومٍ واحد ، إلا أنه لم ير فرق شاسع سوى أن الأولى كانت تشعره بالملل والكآبة والفراغ المقيت أما الأخيرة فكانت تغمره بالسعادة والنشوة.
أيام وليال عديدة أغلق على نفسه غرفته الضيقة الخانقة وذلك ليضع حداً للضياع الذي يعيشه والشعور بالذنب الذي يغزوه حيثُ أن غرفته تلك لا تسع إلا لسرير صغير وطاولة متهالكة يضع عليها ذلك السائل اللعين ويرابط أعلاها كوب صغير لا هو بالنظيف ولا المتسخ.
لم يكن له أصدقاء يخالطهم غير الذين يقابلهم في جلسة الكؤوس النتنة لذا كان يشعر بالرتابة عندما ينفرد بذاته وأن الكلمات التي تتمركز في نفسه تظل داخل سجنها الكبير ، شفاهه التي تنطقها تظل مغلقة تجف العبارات على أعتابها فكان يفتح فاه من وقت لآخر ليتأكد من أنه ما زال قادراً على الحديث.
بيد أنه لم يصمد طويلاً أمام المغريات التي تتراءى له فتلك المرأة التي تعد الخمر تجعلهم يتسابقون للقدوم إلى دارها المشئومة ، فهي توزع لهم ابتسامتها الساحرة بالتساوي كتوزيعها لكؤوس الخمر . الكل يظن بأنها أصبحت ملك فؤاده وخليلته وحده فكانوا يدفعون لها ما يجمعون من مال دونما حساب بل يضعون كل ما يملكون بين يديها وعندما تفيد أي منهم بأن ما يملك من نقود قد نفد لا يتردد في أن يحصل على أموال جديدة بأي أسلوب سواء أكان بالعمل الشاق المُضني تحت هجير الشمس الحارقة أو زمهرير الشتاء القارس أو بالسرقة أو الاحتيال .
جمعت تلك الفاجرة أموالاً دون وجه حق وجنا هؤلاء الأغبياء السراب . وذات يوم وبينما كان الصادق وحيداً سارحاً بخياله وراء الأفق البعيد لمعت فكرة ذكية داخل عقله وقرر أن ينفذها وأعد العُدة لذلك وحشد أفكاره المبعثرة ولم يبقى أمامه إلا الزمن المناسب فكان يعيش صراعاً قوياً.
سلوى بائعة الخمر الملعونة هي الأخرى كانت تخطط لتهرب بعيداً عن هؤلاء السكارى الذين خدعتهم وسلبت أموالهم وعقولهم ولا ينقصها إلا الوقت الملائم أيضاً . القلق يشعرها بالخوف .. يشعرها بأن شيئاً مجهول سيحدث ولكن ما هو ؟ ثمة معطيات تلوح في الأفق وتنذر بأن هناك قنبلة مطمورة ستنفجر وأن دويها سيعم كافة الأرجاء . و لكن متى؟
كانت أعينهم ترصدها حيثُ أنهم شعروا بأنها لم تعد تعاملهم تلك المعاملة اللائقة ، ضحكاتها الرنانة خمدت بمجرد علمها أن لا فائدة ترتجى منهم وأن أجسادهم التي تتفجر طاقة وحيوية غدت أشباح غير قادرة على السير ناهيك العمل .
رحل الليل شامتاً هازئا وجاء الفجر ضاحكاً منتشيا حيثُ جمعت سلوى ما خف وزنه وثقل ثمنه وأصبحت تنتظر الوقت الملائم بلهفة ، أما الصادق فكان الغيظ يملأ قلبه والشر يقدح في عينيه والغضب يعتمل داخل صدره فكان هو الآخر على موعد مع بزوغ شمس الصباح وما أن شاهد ضوء الدنيا يغزو الكون سار بخطوات وئيدة إلى دارها يحدوه أمل أن يجدها وحيدة ويطالبها بكل جنيه أخذته منه وإن رفضت الانصياع إلى طلبه أخذ حقه بالقوة.
في لحظات وجد نفسه أمام دارها فكان الباب مفتوحاً إلى منتصفه ودون أن يؤذن له ولج إلى حيث تسكن ووجدها تتأهب للمغادرة ودون مقدمات دفعها للداخل بعنف ثم قال في نبرة كلها تهديد :
ـ أريد مالي الذي أخذتيه مني في لحظة غياب عقلي ، لا تغادري دارك إلا بعد أن تدفعيه لي كاملاً . إلا أنها كانت أكثر عناداً وأنكرت أنها رأته يوماً وأمام هذا الجحود لم يدر إلا بيده تمتد إلى جيب جلبابه المهترئ الممزق وتخرج سكيناً طويلة فكأنما قوى خارقة انسكبت داخله ومنحته الطاقة اللا محدودة ولم يتوانى وأخرجها من غمدها وغرزها في صدرها بقوة ودفعها لتسقط إلا أن جسمها الضخم ظل ثابتاً ويديها ممسكة بمقبض السكين وفمها يفُتح ويغُلق لا إرادياً تريد أن تقول شيئاً ولكنها لا تستطيع وهو ينظر إليها مشدوهاً ولما رأى علامات الموت غزت نفسها حمل متاعها الذي أعدته للرحيل وهرب لا يلوي على شيء وهو خائف يترقب فكر أن يستقل عربة من داخل القرية إلا أنه عدّل عن رأيه وقرر أن يعبر النهر وينطلق من هناك وسار إليه بخطوات متثاقلة فكلما تقدم خطوة إلى الأمام كان يحس بأن أقدامه تجره خطوتين للوراء . وأن قلبه الثابت بدأ يخفق بعنف وعيونه الجاحظة خرجت من محاجرها وحالة من الذهول قد طغت عليه ونوبة من الهياج قد زارته وسيطرت على قلبه وعقله .

Page 2

الهروب الكبير

ألفى النهر وهو مضطرب كانت هناك حبيبات من الدماء قد تناثرت على جلبابه وحذائه لم يرها في حينها كان جل اهتمامه أن يخرج من المنطقة دون أن يكتشف أحدهم الجريمة الشنيعة التي اقترفها ولما دنا من الشاطئ كان الماء ساكناً هادئاً إلا من صوت مجداف صياد ينثر شباكه هنا وهناك عله يظفر بسمكة يكمم بها أفواه أطفاله الجياع ، وما أن رآه صاح بصوته المبحوح طالباً من الصيّاد أن يوافيه بسرعة ليحمله إلى الضفة الأخرى إلا أن الصيّاد ظل صامتاً ولم يجبه بالنفي أو الإيجاب وهو يجر الشبكة بهدوء وقوة معاً حيثُ تعلق بها شيء ثقيل وهو يحاول جاهداً أن لا يدع هذا الشيء يفلت منه وهو الآخر( المتعلق بالشبكة ) لا يود أن يكون لقمة سائغة سهلة فكان صراعاً عنيفاً يدور بينهما .
****
تقاطرت أعداد غفيرة من الأهالي عندما سمعوا صراخ أحد زبائن سلوى والذي جاء باكراً لاحتساء كأس الصباح ولما دخل منزلها تفاجأ بها مستلقية على ظهرها وسكينة مغروزة في صدرها ونزيف حاد يخرج من جوفها ووجهها الذي يشع نوراً وبريقاً أصبح شاحباً مُصفرا وهي تئن بقوة تعيش لحظات حرجة بين الحياة والموت ، أنفاسها تصعد وتهبط تفتح فمها ثم تغلقه بصعوبة تحاول جاهدة أن تقول شيئاً ولكنها غير قادرة فكأنما جدار من الصمت مشيداً داخل نفسها.
تطوع أحدهم وأتصل بالشرطة والتي جاءت في وقت وجيز رغم وعورة الطريق وبعُد المسافة عن مكان الحادثة . كانت سيارة الإسعاف تتبعهم تتهادى بين البطء والاستعجال وصوت انذارها المميز يخترق آذان الراكبين على السيارات الأخرى والراجلين بعنف، وبعد المسح المبدئي ورسم مسرح الجريمة استطاع أحد المسعفين أن يخرج السكين ويوقف نزيف الدم المتدفق وأفادهم بأنها لم تمت وأخذوها إلى المستشفى على جناح السرعة ، أما الزبون الذي عثر عليها أخذته الشرطة كشاهد عيان لاستجوابه والوقوف على حيثيات القضية وأبعادها.
****
بعد عناء بدني وذهني خارق استطاع الصيّاد الداهية أن يسيطر على السمكة الماكرة وينتصر عليها ويرفعها عن الماء التي كانت ترثي حالها وتشتاق إليها ووضعها على قاربه وهو يبتسم ملء فيه فقد مر عليه زمناً طويلاً لم ير فيه سمكة عِجل بهذه الضخامة والتفت إلى الصادق وقال في انشراح :
ـ ما بك تصيح ؟
وأضاف في سعادة :
كنت ستفسد عليّ كل شيء.
ولو لم أكن فطن لفقدت هذا الصيد الثمين الذي ظفرت به .
قال الصادق في تودد وأشرعة الأمل تتراءى له وهي تنطوي بسرعة:
ـ أرجوك خذني معك إلى الضفة الأخرى .
وقال الصيّاد في عناد وهو يشد حبل المستحيلات البالي الممزق:
ـ لدي شباك كثيرة نثرتها في الماء ويجب أن أطوف عليها جميعاً قبل أن أذهب إلى حيثُ تريد .
وقال الصادق وهو بين المتفائل والمتشائم :
ـ ألا يكفيك هذا الصيد الذي فزت به .
وأردف في رجاء:
لا تكن طماع وأقنع بما قسمه الله لك من رزق.
وقال الصيّاد محاولاً قطع الطريق على الصادق :
ـ أنا لا أعمل في حمل العابرين عليك أن تذهب إلى المُشرع حيثُ يتوقف (البنطون) سيقلك إلى الضفة الأخرى.
وأضاف الصادق وهو يستجدي الصيّاد :
ـ سأدفع لك ما تريد فقد تأخرت . الجدال لا طائل منه .
وأضاف الصيّاد في تحدي :
ـ لا تصعد قاربي هذا إلا إذا دفعت لي عشرة جنيهات .
بحث الصادق في حاجيات سلوى ورأي رزمة من النقود أخرج منها عشرة جنيهات وأشار بها إلى الصيّاد ثم قال:
ـ هذا ما طلبته.
نظر الصيّاد إلى الصادق ملياً ثم قال مبتسماً كأنما ملك الدنيا كلها :
ـ كان عليك أن تدفع جنيهاً واحداً للبنطون وتدخر التسع جنيهات الباقية.
ورد الصادق بقوله :
ـ الزمن .. الزمن أهم من المال .
تناول الصيّاد الورقة ذات العشرة جنيهات ووضعها في قاع جيبه المبتل وداس عليها بأصابعه الجافة وتأكد بأنها لا ترى الشمس ثانية ثم طلب من الصادق أن يصعد وبعد ذلك غرز مجدافه في الطين ودفع قاربه بقوة و شق عباب الماء الساكن كما الصاروخ المنطلق من منصته ولما توغل وسط النهر خفق قلبه الثابت حينما رأى دماء تلطخ جلباب الصادق وحذائه وسأله في دهشة وبصوتٍ مخنوق :
لماذا ترتجف أقدامك هكذا ؟
وأضاف في وجل:
وما سر الدماء المتناثرة على جلبابك وحذائك ؟
لابد أن وراءك خطبٌ عظيم .
قال الصادق بصوت متحشرج بعد أن ابتسم ابتسامة مصطنعة:
ـ حدث شجار عنيف بين مجموعة من الشباب واستخدموا فيها العصي وسالت دماؤهم غزيرة وقد قمتُ بتفريقهم بعد مشقة ومجهود جبار .
وأضاف وهو يرمق الصيّاد بنظرة حائرة :
ـ شباب هذا الزمن يختلفون كثيراً عنا ، كنا في السابق نوقر الكبير ونضع له مكانته ، أما الآن فلا احترام ولا تقدير اختفى كل شيء ولم يعد الحاضر كالماضي .
صمت الصيّاد رغم أنه لم يقنع بالأسباب والحجج الواهية التي ساقها الصادق وظلا هكذا حتى وصلا الشاطئ وآب الصياد إلى عمله في فرحة . أما الصادق فقد ولج السوق ليبدأ رحلة الهروب من هناك.

Page 3

رحلة البحث

ثلاث ساعات مرت على سلوى وحالتها في تحسن رغم أن فمها ما زال ينفتح ويغلق لا إرادياً ، أشارت لأحدهم أن يقترب منها ولما دنا نطقت بكلمات مليئة بالأسى موغلة في الحزن وهي تتلعثم قائلة :
ـ ال.. صا.. دق. ثم صمتت.
ونطق الرجل مذعوراً :
ـ الصادق فعل بك هذا .
وأومأت برأسها موافقة ما ذهب إليه وصرح للمحتشدين بذلك ولما سمعوا حديثه غفلت مجموعة منهم عائدة إلى البلدة للبحث عن الصادق والقبض عليه وتسليمه للشرطة إلا أنهم لم يقفوا له على أثر وطافوا على كل الأماكن التي يتردد عليها ولم يجنوا إلا التعب وأخيراً وبعد أن أضناهم الأرق هداهم تفكيرهم إلى طريق النهر وجهة الخروج الثانية من المنطقة وبالفعل توجهوا ولما ابتعدوا قليلاً عن البلدة وجدوا أثار خطواته المتباعدة تعدو عدوا وهرولوا وأملهم أن يجدوه قبل أن يعبر النهر، رآهم الصيّاد الذي ما زال يعيش فرحة غامرة حيث حصل على مبلغ لم يكن يحلم به ووفق في الإمساك بسمكة ضخمة ترقد وسط قاربه يائسة قانطة ولما اقترب جمعهم الذي يربو على عشرة رجال أو يزيد قال في فزع :
ـ ما بكم ؟
قال الذي يتقدمهم وصوته شبه غائب :
ـ ألم تر رجل قصير أصلع نحيف الجسم ملابسه بالية متسخة مر من هنا ؟
تردد الصيّاد لثوانٍ وتحسس الجنيهات القابعة داخل جيبه ثم قال مضطرباً:
ـ ما به ؟
صاح آخر في غضب :
ـ هل رأيته أم لا ؟
أراد الصيّاد أن ينكر إلا أن ضميره النائم استيقظ ونطق قائلا:ً
ـ نعم رأيته واستحلفني بالله أن أقله وحملته معي إلى الضفة الأخرى لأنه كان في عُجالة ولا يريد أن ينتظر البنطون الذي يجمع عدد كبير من الناس ثم يتحرك ولم يقل لهم بأن الصادق نقده عشرة جنيهات نظير الخدمة التي قدمها له .
وأضاف الصيّاد في استغراب :
ـ وهل فعل شيئاً ؟
قال آخر:
ـ لقد طعن هذا المعتوه امرأة وهي الآن في المستشفى تعيش لحظات عصيبة فهي أقرب للموت من الحياة .
تذكر الصيّاد الدماء التي رآها على جلبابه وحذائه والتي أثارت شكوكه وأيقن بأن من حمله لم يكن إلا مُجرما قاتلاً ولكنه أخفى المعلومة عنهم كما أخفى أمر الجنيهات ثم قال في حيرة محاولاً إبعادهم من أمامه حتى يستطيع أن يهرب هو الآخر :
ـ لا أحسبه ذهب بعيداً فلو كان قاربي يتسع لكم لحملتكم إلى الضفة الأخرى ولكن عليكم أن تذهبوا لمكان توقف البنطون.
كان مكان توقف البنطون شبه خالي والأشخاص الذين ينتظرونه يعيشون لحظات من الضيق والتذمر واستفسروا من أحدهم وأفادهم بأنه معطل وأن الميكانيكي الذي جيء به لتحديد العطل وإصلاحه لم يستطع أن يفعل شيئا وأن الميكانيكي الذي يقوم بإصلاحه في السابق طريح الفراش يعاني المرض.
قرر اثنان منهما أن يعودا إلى صاحب القارب الصغير ليقلهما وعلى البقية الانتظار، إلا أن صاحب القارب لم يصدق عينيه فلحظة انسحابهم من أمامه اختفى بسرعة البرق بعد أن نما لعلمه أنه حمل سفاح ولكيلا يجلب لنفسه الكثير من المتاعب نأى بنفسه بعيداً وحمل سمكته العملاقة على كتفه ومجدافه بيده وسحب قاربه بعيداً عن الشاطئ ووضعه بين العشرات من القوارب المتوقفة واختفى وسط زحام الأحياء الشعبية المكتظة.

Page 4

الأزمة

بعد عبور الصادق للنهر شعر بشيء من الطمأنينة وسار حتى وصل سوق المدينة وأشترى جلباباً جديداً وعمامة ناصعة البياض وسروالاً طويلاً وحذاءاً من الجلد الفاخر وعاد ثانية إلى النهر وخلع ملابسه المتعفنة الملطخة بالدماء وحذاءه القديم وربطهما على حجر كبير كما أخذ النقود من الكيس الذي يخص سلوى وقذف بقية الأشياء في الماء ثم سبح خلفها لمسافة وعاد وارتدى ملابسه الجديدة ، المرة الأولى التي يحس فيها بهيبته وحسن مظهره .
بعد فراغه من الاحتياطات الاحترازية عاد إلى السوق للمرة الثانية ليبدأ رحلة الهروب ثانية . ولحظة سيره بحذر لمح أحد رفقاء الكأس يعبر أمامه داهمه الخوف بقوة وقال وهو يرتعد :
ـ لو التفت لرآن .
لماذا جاء إلى هنا ؟
يبدو انه يبحث عني كما يبحث كل أهل البلد الآن . بالطبع ستكون سلوى قد فارقت الحياة ، وبينما هو في جداله مع نفسه رأي الصياد يمر من أمامه وهو يحمل سمكته وآخر يساومه لشرائها وهو يقول :
ـ تسعون ألف جنيه ولا تريد أن تبيعها أتحسبها خروف . فإذا تركتها حتى منتصف النهار ستتعفن وتفوح منها رائحة نفاذة ويبتعد عنك الناس كما يبتعدون عن الجيفة النتنة .
سمع صوت الصيّاد يقول:
ـ إذا كنت تملك مائة ألف جنيه سوف أبيعها لك وإلا فلا تزعجني.
تعجب الصادق وقال يخاطب نفسه :
ـ يا له من جشع تدفع له تسعون ألف جنيه ويرفضها فلو عملت شهراً كاملاً لما ادخرت هذا المبلغ فلماذا لا اعمل صياد؟
دنا الصادق من الصيّاد محاولاً مطالبته بالتسع جنيهات التي أخذها منه ويذكره بأنه لم يدفعها له إلا في ساعة غفلة منه وعليه أن يأخذ جنيهاَ واحداً ويرد له الباقي ولما رأى نظرات الصيّاد النارية تخترق جسده غير رأيه وانسحب من أمامه بهدوء فقد رأى فيه الصيّاد ملامح الرجل الذي حمله إلا أنه شك في الملابس التي يرتديها لذلك لم يسأله.
****
استطاع الميكانيكي بعد عناء ومشقة أن يحدد العطل وقام بإصلاحه لحظتها كان النهار قد انتصف والشمس الباردة قد زادت حرارتها ، واستقل الجميع البنطون وهم ساخطون وعبروا النهر وهم قانطون فالفترة الزمنية التي تأخروا فيها كافية للمجرم بأن يبتعد ويرحل بعيداً عن المنطقة.