eKtab
EN ع
الحيرة والأحلام
Read free sample

الحيرة والأحلام

by د. عبد الحسن حسن خلف

Page 1

عاجل

أحببت الليل، وجدته أنيساً في الوحدة، جليساً على مقاعد الدراسة في الجامعة، أتحدث معه، أناقشه وأجادله، ولا أتردد في افتعال الخصومة معه؛ كنت حديث عهد بالجامعة والحياة كلها بنون وبنات، هنَ ينصتن وهم يتابعون. يتأملن عندما يناقشون وإذا خرجوا من القاعة لا يتفاعلون ولا يعقدون أواصر علاقة أو زمالة، أفواه تتكلم ولكن بعواطف صامتة نامت في ذاكرتي مزحة يرددها البنون، البنات خبر مقدم، والبنون مبتدأ مؤخر، لا يفكرون في الأفق البعيد أيهم سيكون سابقاً أو متأخراً في السباق، أصبح الليل لدي مدينة جامعية، أستفرغ فيها أحلام يقظتي، أسير في ممراتها أحُس الحياة تنبض بالنشاط والحيوية، أتجول في حدائقها أشم شذى العلم والمعرفة وقد رسخت في ذاكرتي فكرة مفادها:

واثق الخطوة يمشي ملكاً، أمشي بهدوء وأجادل بخصام، وألحّ في العناد. أصبحت خلال أسابيع معروفاً لدى الأساتذة والطلاب، يبادرونني بالسلام: صباح الخير ياسين، يشركونني في النقاش باحترام: تفضل ياسين، وينتهي النهار.

آوت الذئاب إلى مضاجعها في الصحراء، وضعت الكلاب أنوفها تحت أرجلها تطلق في الهواء هريراً وعواءً، أغلقت أبوابها كلية الآداب، عطلت فيها برامج الدراسة والتأهيل وتفرق أهلها عنها، ولم يتذكروا ياسين، توزعت أنامل البرد القارس في الهزيع الأخير، وتحرك جيش عرمرم جبار يسبح في الآفاق، يعبر البحار والمحيطات ويخترق الآفاق، لديه سفن وزوارق وبواخر وعبارات، يمتلك طائرات قديمة ذات طراز حديث وصواريخ عابرة للقارات، لا تقهرها سنة التطور والسنن في طريقة مغلوبة مقهورة؛ إذا ما تقطعت الدروب أو طوقت المعابر أو تقطعت الجسور مدت لها في الحال جسور اتصال قضت الإرادة في هذه المرة أن تنقل رسالة مشفرة.

برقية مستعجلة:

المرسل: مجهول

المرسل إليه: ياسين

العنوان: المجموعة الشمسية، الأرض، آسيا، خط عرض 33°

الوقت: الساعة الثانية وخمس عشرة دقيقة ليلاً.

Page 2

صمت وسكون، ولحظة ترقب، أعقبها برق صاعق يخترق المعجزات، جلبـة، أزيـز، عاجـل، اتصال، الخطوط مفتوحة، و/أو حيناً، مخلوق غير مرئي ينفذ من الآفاق، يحطم حواجز الزمان والمكان بسلطان، اقترب مني وأحسّ به من دون أن أراه أو يمسني، كاد أن يهمس في أُذُني دون أن يلامسها، صوت رجل ينقل إليّ عبارة موجزة لا ينقص منها ولا يزيد، مرة واحدة لا يكررها: «زهرة ماتت». تم الاستلام، انقطع الاتصال، رفعت الأقلام وجفت الصحف، أستيقظتُ.

خرجت بالذاكرة والمدارك، أسير في شوارع المدينة العتيقة خائفاً أترقب؛ كان عمري آنذاك ثمانية عشر عاماً، أحدق بالوجوه أحسّ بالناس خائفين يحدقون بالوجوه، يتأملون الحيطان، ينظرون إلى الأبواب، يحذرون، يترقبون، اللافتات والملصقات تشدد الخناق على الجدران، ملصقات ملونة طويلة، عريضة، يظهر فيها شخص محاصر نحو الجدار، يبدو فقيراً خائفاً مغلوباً على أمره يقف أمامه شخص أفندي ذو طلعة بهية، ملابسه أنيقة كأنه رقيب أو مخبر سري، يهمس في أذنه، ويهدده، يحذره، يوجه إليه إنذاراً، يرفع بوجهه سبابته ويشير بها نحو الحائط، والحائط مكتوب عليه بخط عريض: «لا تتكلم، للحيطان آذان». غداً سترفع المشانق، وتقطع الرؤوس في ساحة التحرير. «جواسيس»، ومنذ ذلك الحين كتب علينا الصمت في الحياة، الصمت في النهار كالموت في الأحلام، كلاهما يهمس في الآذان، ماتت أختي «زهرة» قبل ثلاثة أعوام، لا خوفاً من الملصقات أو فزعاً من رعب المشانق ،إنما بفعل تيار كهربائي تركت وراءها ثلاثة أطفال، حزنت عليها، وبكيت، لكن أجواء الجامعة وانهماكي بالتحصيل والجدال طوت على التجربة صفحات النسيان. ماذا يريد الهامس في الآذان؟ هل أصدرالسلطان في الأرض أوامره إلى المخبر السري يحذرني من مغبة التمادي في الجدال؟.

رأيتها جالسة عند الضحى تحت دفء الشمس، تقلب كعادتها كفيها، وتقلم أظفارها؛ سمعتها تردد في الغناء صوت هديل خافت يشبه البكاء: «تمنيت روحي طير ويطير»( (1)).

قلت لها:

سمعتك منذ صباي تحسدين الطير في السماء، تخاطبين الراكبين في الزوارق عندما كنا في القرية، وعندما جئنا إلى بغداد قبل خمس سنوات، أخذت تتوجعين من الفراق وتشتكين المسافات ومتاعب المواصلات، قالت:

ولدي ياسين، تزوجت أباك قبل أربعين سنة، ومنذ ذلك الزمان انقطعت أواصر الاتصال بيني وبين أهلي في قرى ميسان إلّا المسافرين والأحلام. يحتفلون بزفاف أو ولادة طفل أو حصاد، فلا أفرح معهم، أخذ الدهر أبي وأمي فما سمعت بهما إلا بعد أشهر وأحياناً سنة، وللرجال سطوة على النساء كسطوة السلطان على الناس.

شعرت بالأسى وتأنيب الضمير عندما سمعت كلمات الأحلام والاتصال وسطوة السلطان، استدرجت صورة الضعيف يحاصره القوي إلى الجدار:

لا تتكلم للحيطان آذان، وهو صامت لا يتحرك؛ الكلمات والصور تطارد الذاكرة سبعة أيام تنغص عليَّ المطالعة في الكتاب ولذة الجدال في الجامعة. واسيتها، وأعطيتها أفيون «الصبر مفتاح الفرج»، ثم طويت الكتاب في الحقيبة والكلمات مرفقة بالصور في جوانحي، وقررت مراجعتها في الفراش.

خرجت بالذاكرة والمدارك، أبحث في قرى ميسان عن امرأة حمراء في الحقيقة رأيتها منذ صباي، أعرفها، وجهها مدور منور كفرط الرمان، أنفها أذلف قصير وفي عينيها تدوير. أتذكر، في حدقتيها تلوين أصفر من رب العالمين، ناعمة هادئة رقيقة، ذات قوام معتدل لكنه نحيف، يفيض قلبها بالحنان، تشهق، وتتحسر وأحياناً تبكي إذا مرضنا أو أصبنا بأذى. حلقت بأجنحة مشمعة في سماء القرية، تذكرت بيتها جنوب القرية على شاطىء النهر على جهة اليسار، اهتديت اليه في الحال، وضعت أذني على القصب، أنصت، سمعتها تتشاجر مع زوجها حمدان، كان ابن عم لها، بشرته سمراء داكنة، ذو قامة طويلة، على وجهه نقرس، كان كريماً طيب الشمائل أريحياً سمعته يقول لها:

ـ اخفضي من صوتك لا تفضحيني أمام الجيران، ماذا تريدين مني، تتشاجرين معي طوال الليل.

Page 3

ـ تخرج من البيت عند الصباح، ولا تعود إلا عند المغرب، أين تذهب؟

ـ أجلس في الديوان.

ـ لا تكذب، الرجال يجلسون في الديوان في الصباح، ويعودون إلى بيوتهم ظهراً قضيت الوقت كله مع عشيقتك «ابهية».

ـ كيف عرفت؟

ـ الرجال في القرية والنساء يعرفون جيداً، ينقلون لي أخباراً عنك كل يوم.

ـ اذهبي معي إلى الديوان واسألي الرجال.

ـ أنا امرأة لا أستطيع مواجهة الرجال وإقامة الشهود عليك، تريد أن تتآمر عليَّ مع أصدقائك في الديوان، هجرتني منذ سنة، تقضي النهار مع عشيقتك وتأتي في الليل تدعي أنك جالس في الديوان، أتعبتني حرقت أعصابي، لأني ابنة عمك ليس لي أخ، مات أبي وأمي، لم يبق لي إلا أخت في بغداد.

ـ الناس يكذبون عليك، يريدون أن يخلقوا مشاكل بيننا.

ـ أنت كذاب، الناس لا يكذبون، وصلت إليّ أخبار ممن أثق بهم أنك تريد الزواج منها وتتهيأ لخطبتها.

ـ الرجال يتزوجون اثنتين و ثلاثاً وأربع، ماذا يضرك إذا تزوجت، وهو في كل الأحوال كلام كاذب غير صحيح.

ـ أمسك عباءته ثم نهض، رفعها على كتفيه وهمَّ بالخروج.

اعترضته وصاحت به:

ـ أين ذاهب، لا تخرج، انهارت أعصابي، أمسكته من صدره وكأنها تتعلق به.

صفعها على خدها صفعة قوية، وخرج لا يكترث بها.

ألقت بنفسها على الأرض شهقت عدة مرات، أخذت تئن حتى ضجر الأنين، تذكرت كلام أمي: للرجال سطوة على النساء كسطوة السلطان على الناس.

رأيتها في الضحى تخرج من بيتها، تحمل بيدها حزمة من حطب وزنادًا، وفي جيدها إبريق، سلكت طريقاً محاذياً لجدول صغير، حسبتها ذاهبة لقضاء حاجتها، أسرعت في المسير، خفت أن يبعد بها الطريق، وأوجست منها خيفة، ركضت وراءها وأنا أصيح:

ـ يا أبناء القرية، أيها الرجال والنساء أدركوا خالتي ذهبت في أمر مريب، لهثت من الركض، بحُ صوتي من الصياح دون مجيب، حاولت اللحاق بها ولكن، فاتني القطار.

مضت عشر ليال على اتصال عاجل، رجعت إلى البيت ظهراً من الجامعة متعباً أتعثر بالكلمات والصور. بقيت خطوتان حتى أفتح الباب، سمعت خلفي صوتاً خافتاً يناديني عن قرب:

ـ ياسين، ياسين.

التفت، وجدت ابن عم لأمي قادماً من ميسان، صافحته بتلهف، هممت أن أفتح الباب، قلت له:

ـ تفضل، تفضل، سحبني إلى الوراء، زاغت عيناه نحو الشارع والباب، اقترب مني، وهمس في أذني دون أن يلامسها: «ماتت زهرة». بهت و شعرت بصدمة، حملقت بعينيّ إلى السماء وقلت له:

ـ سمعت قبل عشر ليال صوتاً يهمس إليّ بهذا الخبر، حسبته أختي، هز رأسه وهو يتحسر قائلاً:

ـ تشابهت الأسماء والموت واحد، اقترب مني ثانية، همس في أذني وهو يشير بسبابته، نحو الباب:

ـ لا تتكلم للحيطان آذان.

Page 4

دلوبه ذات الأقراط

حلق في أجواء المدينة نسر أسود، لا نعرف أصله إن كان من البدو أو من قبائل المعدان، لسانه في الفصاحة ذَرِب، إذا جاع يصيح “أنا جوعان”، يطلب من الحافي نعالاً، ويسلب العُريان، جنسه أنثى تحررت من مواطن الحب والحنان، وارتقت في مراتب التحصيل والمعاش حتى لحقت بجنس العُقاب في السطو والإقدام، اختارت من المدينة هذه المرة محلة «الإسكان»، تباطأت في خطواتها، تراقب الأبواب، وتقرأ في الحيطان بعينين حمراوين رأت دلوبه من بعيد، تستنشق بأنف ذلف عطر الحياة، تضحك مع الصغار، ويضاحك الشمس في أُذنيها قرطان، تلفتت يميناً وشمالاً، نادتها عن قرب: «تعالي يا حبابه يا حلوة يا أم تراجي». رفعت الطفلة رأسها، انقبض وجهها، كشرت لها عن أسنان مطرزة بالذهب، مسحت على رأسها، قبلتها، مدت يدها إلى قرطيها تداعبها، كان بوسعها أن تنزع سلكاً رفيعاً، لكن العجلة والشيطان وحلاوة الذهب نزعت من قلبها الإشفاق، فخرطت قرطيها، حتى انخرمت أذناها، أطلقت صرخة واحدة. أصفرَّ وجهها، حملقت بعينيها، كاد جسمها البارد أن يفترش الأرض، تلقفتها بمخالب ملطخة، ووخزتها بنظرة، فوجدتها مستسلمة لنعاس سرمدي؛ أخفتها تحت عباءتها، وضمتها إلى صدرها، وأخذت تداعبها، تكشف عن أسنانها فيحسب من يصادفها أو يسير خلفها أنها ابنتها من ترائبها وصلب زوجها، رزقت بها بعد ولادة عسيرة، أسرعت في خطاها واستجمعت قواها، عليها أن تقطع مئات الخطوات حتى تنحدر بها إلى أحشاء الجسر. بعيدة تلك المسافة القصيرة وطويلة تلك الدقائق المعدودة بالنسبة إلى دلوبه والنسر الذي يحملها. مئات من الخطوات تحسبها دلوبه والنسر رحلة طويلة بين الموت والنجاة.

سرت في شارع عريض، تتنازع أشباحه الأنوار الخافتة والظلام، من أجبرني على الخروج من داري؛ تشاجرت مع زوجي؟ لا أتذكر.كانت دلوبه تلعب في الشارع مع صديقتها ليلى، لا أعتقد أنني تركتها نائمة إلى جنبي، شعرت أن قلبي يحترق من عطش شديد وظمأ لا يطاق، وضنك غير مألوف.

وجدت نفسي أبحث عن ماء بارد، والجهة التي أروم الذهاب إليها في الشط الغافي تحت الجسر، يبست شفتاي، وتحرق قلبي، أريد أن أشرب منه، وأسبح فيه، أحسست فجأة بصوت مريب، يلهث خلفي من بعيد، تلفتت عيناي، وتوجس القلب الحرور، رأيت من بعيد كلباً أسود كبيراً يسعى نحوي، شعرت بالخوف والارتباك ماذا أفعل؟ أين أتجه؟ كيف أستطيع الخلاص؟ لم تمض إلا ثوان معدودات، حتى بدأ يقترب مني وينبح بصوت أجش أبح ويلهث فاغراً فاه يخرج لساناً طويلاً أحمر وقد احمرت عيناه. أحسست به يشاركني العطش وكأنه يبحث عن ماء لكنه يقصدني، ويروم اللحاق بي، يطاردني، ويقطع المسالك عليً، استغثت بالصراخ: «ها الاولاد، ها يا أهل الإسكان، يا أبناء الحلال، يا الله، يا من يجيب المضطر إذا دعاه». أصرخ وأستغيث و لا مجيب. الشوارع فارغة والأبواب مغلقة، لا أسمع في البيوت أنساً ولا صوتاً. أحسست بصوتي محبوساً في صدري، لا ينطلق في الهواء من الفزع وشدة العطش، بين لحظة وأخرى يهجم عليَّ بقفزات مرتدة، ويحاصرني باتجاه المتنزه المجاور للجسر، لكنني لا أجد في السور الحديدي منفذاً للخلاص، ثم يعود إلى منتصف الشارع، يركض معي ويتأخر قليلاً عني، ينظر أمامه، ثم يدير وجهه نحوي كأنه يراقبني.أدركت أنه يستدرجني ليفترسني في الشط، لم يبق بيني وبين المصير المجهول إلا مشوار قصير، سمعت دلوبه فجأة تبكي وتصرخ قرب الجسر. تعثرت وسقطت على الرصيف. نهضت في رعب فوجدتها نائمة بجانبي، وكان ذاك هو الخلاص. قصت حكايتها على جارتها أم ليلى في طريق عودتهما عند الضحى من السوق.

سألت جارتها:

ماذا ترين في هذا يا أم ليلى؟ أكابوس هو أم نذير شؤم وبلاء؟ إن ثقافتي وإن كنت معلمة لا تساعدني على معرفة ألغاز الطيف، أجابت أم ليلى وهي تضحك: «متعجبة بدنياج غثتج فد يوم»((2)). أنتِ منشغلة بالعمل بشؤون البيت ولا تعلمين كثيراً ما يدور في أذهان نساء الزقاق وما يعتمل في نفوسهن من متاعب وأوهام؛ كثيرات منهن يشتكين من العوز، وأخريات كثيرات يخفن من الحسد ويتحاسدن، ذوات عيون براقة تجدح وتقدح، عيونهنّ في إصابة المحسود «موازر»((3)).

Page 5

لديك وظيفة، وزوجك ضابط في مكتب التحقيق، وطفلتك ماشاء الله من اللطافة والجمال، بشعرها الأشقر وعينيها العسليتين، وأثوابها المزركشة والمشجرة وأقراطها الذهبية، أرى في حكايتك حسداً ونفساً حارة، طقطقي حرملاً قبل الغروب واخلطي معه بخوراً، إذا رأيت من تشكين فيه الحسد والعين الجاسية تشكّي في وجهه: «الراتب لا يكفينا علينا دين، ابنتي مريضة، تشاجرت مع زوجي البارحة ضربني على رأسي». تأففت أم دلوبه وهي تهز رأسها، ثم قالت: سمعت من غيرك ما تقولين، المدينة ما شاء الله معمورة وعامرة بالحساد والمتخلفين، سأفعل ما توصيني به، وإن كنت لا أحسن الشكوى. بقيت أمامهما خطوات، انحرفتا إلى اليمين لتطلعا إلى الزقاق، ارتعشت الأنامل فجأة، خفق قلباهما واصفر وجهاهما، حشد كبير من الرجال والنساء والصبية والأطفال قرب بيتها، بكاء وصراخ، الرجال يتحركون ولا يدرون أين يذهبون، أصوات تختلط، جلبة، هرج ومرج، ركضت نحوهما مجموعة من الصبية يصيحون: ضاعت دلوبه، اختطفت دلوبه، ماتت دلوبه.

جمدت جوارحها، ألقت بنفسها على الرصيف، أُغمي عليها، لم يبق لها من وسائل الاتصال بالزقاق سوى نفس بطيء وسمع لا يفيد.

أقبل من أقصى الزقاق صبي يسعى، يتعثر بثوبه ويومىء بيديه، توجهت الأنظار إليه، أحسوا به يحمل أخباراً عنها، شق طريقه وسط الُزحمة ووقف يناديهم بصوت عال:

ـ يا أبناء الحارة، رأيت قبل ساعة من الآن امرأة سوداء مربوعة، تحمل طفلة، تلفها بعباءتها، لم يظهر منها سوى قدمين صغيرتين متدليتين وطرف من ثوب مشجر، تداعبها والطفلة لا تجيب، تبدو وكأنها تمازحها، تكشر عن أسنان مذهبة، وعلى وجهها نمش أحمر.

عض الصبي على سبابته، ضرب إحدى راحتيه بالأخرى مرتين، كناية عن الندم لعدم اعتراضه إياها، صاحت امرأة من جانب الرصيف الذي كانت تلعب فيه:

ـ انظروا هذه قطرات يابسة من دمها.

حدث صمت فيه وجوم، وتأمل فيه آسى وحسرة. تقدم أبوها نحو الصبي، قبله وربت على كتفه، قائلاً:

ـ بارك الله فيك، وضعت لنا طريقاً لعله يهدينا إليها، أو نعرف شيئاً عن مصيرها، التفت نحو القوم المحتشدين كأنه يتفقدهم، وقال لهم:

يا أبناء الحارة الكرام، لا تفوتنكم المرأة إذا رأيتموها مرة كما وصفها لكم الصبي لن تنكروها في الثانية، بثوا العيون وأنا من الساعين.

غرقت ميسان في ليل بهيم، أغلقت أبوابها كعادتها قبل العشاء خلت شوارعها بعد الغروب من الباعة والمتسوقين، تعاهد أهلها وأقسموا اليمين ألّا يخرجوا للنزهة والتجوال بعد الغروب، تسلطت على رقابها وأحكمت السيطرة عليها سنوات القهر والتخلف والحروب، أمسى فؤاد أم دلوبه فارغاً، إلا من دمية اشترتها صباحاً من السوق، عبثت الحسرات بقلبها، وأخذ ينخر الأنين في عظامها، كان الكلب الأسود يطاردها البارحة، والليلة يطارد ابنتها نسر كئيب.

وجدت دلوبه نفسها حمامة بيضاء، تحلق في أجواء المدينة، تبحث عن فراش أمها، اشتاقت نفسها إلى جرعة من الحليب لتنام سويعات على صدر أمها ويستقر قلبها من فزع يوم رهيب؛ لكن الشيء الذي نغص عليها حريتها وانطلاقتها نسر أسود يطاردها، يغريها بأن يعيد إليها قرطيها، إلا أنها لا تطمئن إليه، لقد خبرته، واطلعت على أسرار خبثه، وقد زهدت نفسها بالأقراط وجمالها وطبيعة مادتها وارتفاع سعرها، فرحت بقدرتها على الطيران وانتصرت على أعدائها النسور والعقبان والغربان بالأمس كانوا يتربصون بها، ويهددونها باقتلاع جذورها من الأرض بالخوف والرعب، أخذت تصعد في التحليق بأجنحة من نور، نظرت إلى أسفل، رأت النسور والعقبان لا تستطيع التصعيد في التحليق، تقطع مسافة ثم تعود أدراجها إلى الأرض خاسئة، أو تتحرق كأنها رجمت بشواظ من نار، قطعت مسافات لا تبلغها الأبصار، وبسرعة لا تحيط بها الكلمات وصلت إلى سلم التعريج.

خرج أبوها في الصباح الباكر يتجسس، وهو يرتدي ملابس عمال كسبة، كان متوسط القامة ممشوقاً مصمتاً ذا بشرة بيضاء، قادته خبرته في مكتب التحقيق إلى التصميم على أن يبحث عن ضالته في سوق الذهب، ذهب إلى محل كبير لبيع المرطبات، اشترى علبة من الفلين، يستخدمها الباعة المتجولون لحفظ المرطبات، ويوصلون بها حبلاً، يضعونه على رقابهم، وضع أدوات عمله على رقبته، وأيقظ بصره وخبرته وتوكل على الرزاق الذي لا ينام.

يقع السوق في نهاية شارع التربية الضيق المزدحم إلا أنه يختلف عنه باتساع صدره، حتى يوشك أن يشكل ساحة مستطيلة، يضم ما يقارب عشرة محلات لبيع الجواهر وصيدلية، ويقابله سياج طويل لمرآب، يسرح قدميه نحو تفريعات محلة «الجديده» وشارع دجلة، عليه أن ينتظر ثلاثين دقيقة، حتى يتقاطر على السوق زبائنه وهم من النساء عادة، سوداء مربوعة على وجهها نمش أحمر، تكشر عن أسنان مذهبة، كلمات عاشت في صدره وعبثت بفكره يوماً وليلة، تقابلها صورة، تحمل دلوبه، وصورة لا تفارقني حتى النفس الأخير «حسرة إلج بالدلال ظلت لما أموت»((4))، يقصد دلوبه.

دبت حركة في السوق، كلمات دعاء تسمع هنا وهناك: «يا فتاح يا رزاق، يا كافي الشر، يا رازق العباد»؛ أطلق هو كلمات مسموعة: «يارجع يوسف إلى يعقوب» عليه أن يتحرك بامتداد الشارع ذهاباً وإياباً، يتلفت، يحدق في الوجوه، يصيح بين لحظات متباعدة:«موطا، موطا». لا يبيع للنساء الطويلات، كان معجباً بالقصيرات، يعشق الدعيات المربوعات. أقبلت مربوعة من بعيد، من جهة «الجديده»، لم يتأكد على وجه التحقيق إن كانت سمراء أو سوداء، خفق قلبه، ارتعشت قدماه، اعترضها وهو يصيح «موطا، موطا، برد كلبك((5)) يا ولد، بردي كلبج يا حبيبة، يا عروسة يا خطيبة». ضحكت على فطرتها، كشرت عن أسنان صفراء، لم يتبين على وجه التحقيق إن كان ذهباً أم صفرة شاي، ناولها قطعة من المرطبات وقال لها:

ـ إذا لم تكن لديك نقود، كُلي على حسابي.

انطلقت منها ضحكة فطير، وسألته:

ـ أتعرفني؟

ـ يبدو عليك ابنة عشاير، من أي قبيلة أنت؟

ـ «والعباس، وداعة سيد سريوط، أنا من عشيرة جبيره تملأ الهور والزور، من رآهم يخاف من بيوتهم، أهل نخوة وشرف».

Page 6

ضرب طرف لسانه على لثته عدة مرات وهو يهز رأسه ثم قال:

ـ «والنعم»، ثم سألها:

ـ ما هذا النمش على وجهك؟ يبدو أنك تسكنين في منطقة يكثر فيها البق.

ـ لا والله كنت في صغري جميلة، وحسدتني امرأة من العشيرة.

ـ أنت مازلت جميلة ولطيفة، والنمش يضفي على سمرتك الرونق والبهاء. ضحكت، فسألها:

ـ يبدو أنك تحبين الذهب، أتبيعن أم تشترين؟

ـ أنا على باب الله، إذا حصلت على «ذهيبات» أبيع وأشتري. كيف سعر الذهب اليوم في السوق؟

ـ الذهب صاعد سعر المثقال الواحد مائتا دولار.

ـ نحن لا نتعامل «بالديلار» نبيع ونشتري «بفليساتنا الدنانير».

ـ أريد مساعدتك، لدي صديق يشتري منك بسعر غال، ويبيع لك برخص.

ـ رحم الله والديك. أنت ابنة عشاير؟ ماذا لديك؟

ـ «تريجيات مكسورات».

ارتعشت يداه، لكنه تماسك على أعصابه وقال:

ـ سأساعدك ان شاء الله أين هن؟

وضعت يدها على صدرها، وقالت:

ـ في جيبي.

طلب منها أن تخرجها. فترددت قائلة:

ـ «نمشي للمحل وأطلعهن».

مال بها إلى جدار خال من المارة وقال:

يقول لك الصائغ في المحل إنهن من ذهب رديء، ويساومك على سعر رخيص، دعيني أطلع عليهن لأعرف قيمتهن.

أخرجت قرطين عليهما أثار دعك، عرفهما معرفة الأب لطفلته الوحيدة.

سألها: من أين لك هذين؟

ـ «بتي تعاركت مع صديقتها في الشارع، وانخرمت التراجي».

ـ رأيتك صباح أمس تحملين طفلة ترتدي ثوباً مشجراً في محلة الإسكان، اتجهت بها صوب الجسر، أين هي؟.

اصفر وجهها، فتحت فاها حملقت بعينيها، أجابت بارتباك:

ـ «والعباس، وحك هذا السما، العالي، مو أنا»، تراجعت إلى الوراء تحاول الإفلات. أمسكها من رقبتها، فصرخت بصوت عال، استغاثت، حسبت الصراخ والاستغاثة طريقاً للهروب، تجمع الناس، أمسكها بقوة وصاح بالناس من حوله:

ـ إياكم والاقتراب منها، لا تسمحوا لها بالإفلات من يدي، هذه قتلت طفلتي الوحيدة وشرمت قرطيها هذين، أرجوكم تفرقوا؛ انفض الناس من حوله، أحكم الخناق عليها، ناداه شخص واقف:

ـ إذهب بها إلى مركز الشرطة، لتحقق معها.

قال بصوت عال:

ـ أنا ضابط في التحقيق، أعرف علم اليقين، الشرطة والمحاكم لدينا مخترقون، يتأثرون بالرشاوى والعشائر والمحسوبية، لن أتركها تفلت من يدي، ثم قال لها: أخبريني أين دلوبه؟

أجابت: أخاف أن تقتلني.

ـ إذا قلت لي أين هي، لن أقتلك، لكن أترك فيك أثراً ستذكرينه مدى الحياة.

ترددت وتلعثمت، ثم قالت:

ـ ماتت بيدي، رميت جثتها في الشط تحت الجسر، وانصرفت.

ـ اقشعر جلده حملق بعينيه، قبض على أصابع من حديد، لكمها على محجريها عدة مرات، حتى فقأ عينيها.

Page 7

دفتر ذكريات

مشيت نحوها خطوات، رأيتها جالسة على قارعة الطريق، أتذكر أن البياض في إحدى عينيها يغلب على سوادها، وكأنه يأكل من حدقتها، نفسي تعرفها، وتطمئن إليها، لكن عيني لا تتذكر صورتها، متى فارقتها؟ وفي أي وقت عشت معها أو التقيتُ بها؟ الوقت يضايقني، لم يسمح لي بمراجعة دفتر ذكرياتي في غرفة مظلمة، والكهرباء مقطوعة.

سألتني:

ـ أتعرف «صويحب» وأخوته؟

ـ نعم تزوجت أخته «صينية» قبل الأزمة.

ـ هم يشتغلون الآن في شركة، سمعت عنهم أنهم سجلوا إسمك معهم.

ـ في أي مكان يشتغلون؟

ـ في هذه المنطقة، التفتت وأشارت بيدها إلى بيوت وراء ظهرها، وواصلت كلامها: للشركة فروع كثيرة عليك أن ترجع خطوات وتنظر لتذهب إلى عملك.

رجعت بخطوات بطئية متعثرة، راجعت نفسي:

كيف أستطيع العمل معهم وهم عصبة أبناء عشيرة قوية وأهل ثروة، أمضوا حياتهم منذ نعومة أظفارهم في البيع والشراء، حتى تمرسوا فيه، وعرفوا أسراره، وألفوا تقلباته وخبروا أساليب التملص منه والدهاء والتحايل والغدر والسطو والصولة، ليس في قلوبهم مكان للصديق، ولا في نفوسهم مشاعر رأفة بالضعيف، لا يخافون من حرام ولا يقيمون وزناً للحلال، ميزانهم الربح والخسارة، حكومتهم العشيرة وقانونهم السلاح وعدوهم الذي يأخذ حقه منهم هو القوي، وغنيمتهم التي يأخذون حقه منه هو الضعيف. عشت معهم وعاملتهم ومرت بي تجربة معهم، ولا تزال في نفسي حسرة منهم، كيف أستطيع الخلاص منهم، كلما ابتعدت شعرت أنني في مأمن منهم، أدخلوني في ورطة جديدة معهم.

وقفت حافلة صغيره إلى جانبي، وانفتح بابها، صعدت وكأني على موعد معها، وجدت فيها ما يقارب عشرة رجال، بعضهم بهيئة «أفندي» وآخر ملثم، والكثيرون يعتمرون عقالاً وكوفية، التفت السائق نحوي ينظر إليّ بعينين خضراوين، رأسه كبير محلوق نمرة صفر، رحب الجميع بي منذ فتحت الباب كأنني أخوهم وأحب الناس إليهم، فارقوني منذ سنوات، بادورني بتحية تثلج القلب:

ـ «أهلاً وسهلاً حمودي» هلا وكل الهلا، إستريح، استريح، أجلسوني وسطهم:

ـ «الله بالخير، شلونك زين»((6)).

ـ الحمد لله.

Page 8

أخرجت نقوداً من جيبي، ودفعت أجرتي وأجرة اثنين منهم، حسبت نفسي تعرفهما، على آمل أن يرجعوا لي الباقي، أخذوا النقود وبدأوا يعددون:

ـ واصل فلان وفلان.

أخذوا نقودي ولم يتركوا لي بقية، حدقوا في وجهي باشتياق وهم يتبسمون، وبعضهم يطلق ضحكة عالية، ألحوا عليّ بالسؤال:

ـ «شلونك زين، صحتك عويفتك»؟((7))

ـ زين إن شاء الله، الله يحفظكم، الله يستر عليكم.

ـ «بعدك بدويرتك»؟((8))

ـ لا لا والله بعتها وما كدرت شراء غيرها.

ـ «لا، مع الأسف، ما تستأهل، انت خوش ولد».

همس في أذني الشخص الجالس إلى يميني، وحسبته يتعاطف معي، ثم قال مشيراً بيده إلى ثلاثة يجلسون أمامي:

ـ «هذوله((9)): جاسب، وعويجب، وصيهود أخوة صويحب.

ـ والذين وراك: إمعيجل، وإجعيو، وكنيور أبناء عمه».

وضعت يدي على حنكي، وهززت رأسي، وقلت له:

ـ «والنعم، أتشرف بيهم»((10)).

سألوني:

ـ شلون أختنا «صينية»؟

ـ زينة والله، إتسلم عليكم((11)).

ـ «دير بالك عليها، لا تضوجها، ترى نزعل عليك»((12)).

ـ أنا داير بالي عليها، بس شسوي، هي أربع وعشرين ساعة ضايجة((13)).

هزوا رؤوسهم بامتنان، نظروا إلى بعضهم، وكأنهم يتفقدون، سألوني:

ـ «خاف مريضة، نجي ناخذها للطبيب».((14))

ـ «لا، ما تحتاج، أنا على طول، من كل ثلاثة أيام كل أسبوع آخذها للطبيب».((15))

نهض واحد من أبناء عم «صويحب» الجالسين خلفي، وقف أمامي، وقال لي: «أنت نسيبنا، من دمنا ولحمنا، وأحنه أخوتك نحبك، نريد فايدتك، سجلناك معنا بالشركة، نبيع ونشتري، الله رزقنا، العمل دايم ومستمر والفلوس جثيره».((16))

ـ «أشكركم، رحم الله والديكم، بس ديروا بالكم عليّ أنا ما عندي فلوس، ولا أعرف البيع والشراء».

ـ «لا، لا، لاتخاف إحنه نعلمك وندربك وندرسك وكل شيء النسويه سوي مثلنا».

التزمت الصمت، سألوني: «ها، شو سكتت».((17))

ـ رفعت باطن كفي اليسرى قليلاً إلى أعلى، وملت برأسي إلى اليمين:

ـ «هاي هي، جا شسوي».((18))

Page 9

طأطأوا روؤسهم قليلاً ينظرون من واجهة الزجاج المقابل للسائق. رأيت من مسافة سوقاً وناساً كثيرين، رجالاً ونساءً وصبية يعبرون الشارع، يتقاطرون على السوق أو ينصرفون منه، التفتوا إليَّ يضحكون، يحركون أجسامهم وينفضون ملابسهم، كأنهم يتهيأون للنزول. رأيت بعضهم يهمس في أذن صاحبه، التفت يميناً ويساراً وجدت الشوارع والساحات توحي إليّ بأنه سوق «مريدي». انقبض صدري، وشعرت بالغربة والحزن وأحسست بالأسى، أغمضت عيني، وفي لحظة خاطفة شاهدت تجربة في سوق مريدي تشبه الكابوس: «فوت حمودي، فوت، لا توكف، لا تلتفت».((19))

وجدت «صويحب» يسير خلفي، يمسك بكتفي الأيمن، ويدفعني باتجاه السوق ، الممر ضيق، الرجال والنساء يتدافعون، زحمة وصياح، تدافع ومزاح، شجار وعراك، وأحياناً إطلاق نار، رأيت على يميني ساحة صغيرة يطلقون عليها «عكرة البيع»، نساء يشكلن سطراً يفترشن الأرض، يضعن السمك في أوانٍ بيضاء، مدورة عريضة وكبيرة «يسمونها صواني»، جمع «صينية» وبعضهن يضعنه، في سطول من البلاستك عميقة وعريضة والسمك الرائج في السوق لا يعدو الحمري والشلج وأبو زويني، وهو على رداءته وقدمه ورائحته التي تزكم الأنوف لا يقدر البسطاء على شرائه إلا بشق الأنفس، أما «الشبوط ولبُني والكطان» فلا يذوقه إلا الأغنياء من أصحاب العمارات والحرف والحرامية، رأيت الناس ينظرون إليه بعيون غرثى، تشبع منه عيونهم، أما طعمه فعليهم حرام، أسراب من الذباب تحلق وتحوم على «ثروب» السمك المطروحة على الأرض العامرة بالطين، اصطدم بوجهي سرب من الذباب، أحسست به ذباباً من نوع راقٍ، لونه أسود حادّ، أجنحته طويلة وعريضة، وبطونه ممتلئة تشبه كروش الأغنياء ومن حقه كمواطن صالح الاغتناء. يأكل ما لذً وطاب من بطون السمك، وإذا عطش يقفز إلى الضفة المقابلة من الساحة يشرب ما لذً له وطاب من اللبن والقيمر والحليب، المكشوف في «صوانٍ» بيضاء.تأملت على عجل وجوه النساء وبائعات اللبن والحليب الجالسات إلى جانب الصواني، فوجدتهن يشبهن زوجتي «صينية»؛ لكن صويحباً «أخا» صينية «لا يسمح لي بالتأمل والتذكر»، يصيح بي من وراء بما يشبه الزجر: فوت حمودي فوت لا «توكف لا تلتفت». لم يبق أمامنا إلا خطوات لنذوق طعم الهواء النقي، رفع صويحب عن كتفي كفه الثقلية والطويلة، لكنه ما زال يملك حق الوصاية عليً في التجوال، اتجه بي يميناً، مررنا بأصحاب الملابس و قد وضعوا بحسن تدبير يضفون على السوق واجهة مشرقة، ويضعون الملابس على أسرة، تمتلك حيوية يعلقونها على سكة ستائر تحيط بالأسَّره من الجهتين وتشكل ديكوراً يشبه الصالون، ولكل منهم اختصاص؛ منهم من يشتري ويبيع للأفندية وآخر لأبناء العروبة، وثالث للصبيان، وعلى أطرافهم أوعلى مسافة منهم ملابس الأطفال وما أجملها لو كانت مستوردة، لكنها من جلود القرية والمدينة والحارة والزقاق، كلها قديمة، وكثير منها مستهلك وعتيق، ولم يبق للعراقيين شيء جديد، يضفي البهجة على أجسادهم وبيوتهم، وإذا أنصت إلى إعلام السلطة تصفهم في كل وقت ومكان: يرفلون بالعزة والديباج والكرامة والعنفوان، والنصر المؤزر في القتال، يعيدون كتابة التاريخ ويبدأون مراحل التخلف من جديد، والمأخوذ على أمره ساكت لا يجيب، وإذا سألته أجاب: حشر مع الناس عيد.

أنا واحد منهم اسمي «أحمد» في التجنيد، لكن صويحباً وأخوانه وأبناء عمه يسمونني «حمودي»، ولا أعرف بالتحديد الكاره منهم والحبيب.

«إركض حمودي إركض، صيهود يتعارك»، ضربني على كتفي، وانطلق نحو محلات بيع وشراء وتصليح الأجهزة الكهربائية، أسرعت وراءه، رأيت من مسافة رجلاً وامرأة قبالة صيهود يجادله بما يشبه العراك، اقتربت منهم، سمعت الرجل يقول:

«عمي اشتريت منك ثلاجة جديدة بالباكيت بثلاثة ألاف دينار، كلت لي: ماطورها إمريكي، اطيك بيها ضمان سنة تشتغل ما تعطل إشتغلت عندي إسبوع واحد وعطلت، يصير الجديد يعطل باسبوع، والضمان سنة وين صارت»((20)). هز صيهود يده بوجه الرجل: «شسويلها، يجوز شغلتها بدون جهاز حماية».

ـ «من خوفي عليها، اشتريت الجهاز قبل التشغيل، موجود إمش وياي وشوفه».

وضع صيهود كفه على خده، ومال برأسه ثم أطلقها:

ـ «أنا كافلها، أنا صانعها، الكهرباء ما مستقرة، مرة تجي قوية ومرة تجي ضعيفة، واحتركت».

هز الرجل رأسه:

ـ «لا والله الكهرباء في هذه الأيام رحمة من الله، بس كول: ماطورها مستعمل ومجفت، وبعتها جديده عليّ».

هز صيهود يده بقوة وهو يقهقه بتكلف:

ـ «أستغفر الله، أنا رجل مسلم أصوم وأصلي، وابن عشاير، الناس تعرفني، شلون يصير أغشك»؟((21))

ـ لا عمي إذا إنت صادق، تحلف يمين عن الحلال والحرام((22)).

تقدم صيهود نحوه أخذ يهز يده بوجهه كأنه يتهيأ لضربه:

ـ «أحلف شنهي بايك خشول أمك، لو ساطي على هوايشك إمشي إمشي، ترى أصيح عمامي عليك، يترسون بطنك رصاص((23)).

اقشعر جلد الرجل، حاولت المرأة أن تحجز بينهما، تدخل صويحب على أنه غريب يريد إصلاح ذات البين بينهما، تسورت يده أكتاف الرجل كأنه يحنو عليه ويتعاطف معه ثم سحبه جانباً:

ـ «أنت رجل عاقل تعرف الأصول، والعاقل بهذا الوكت يتكفى الشر، هذا رجل شراني عشيرته جبيره عوفه خلّه يولي توكل على الله، أنا مثلك قبل أسبوعين أشتريت ثلاجة جديدة، إسبوع وعطلت وحك هذا الله»((24)).

رفع رأسه يشير بيده إلى السماء، ورفع الرجل هو الآخر رأسه يشير بيده إلى السماء قائلاً:

ـ «ماكو غير الله، بس هو يشوف ويسمع»((25)) وانصرف.

رجع صويحب إلينا يبتسم على أنه كسب الصفقة، أشار بيده إلى أخيه أن ادخل إلى مكتبك، فدخل، تسورت يده كتفي كما فعل مع الرجل، ولكن بهيئة من يريد نفعي ويجلب رزقاً في وقت الحاجة وشدة الأزمة وقال:

ـ «صيهود شغلته رحمة من الله، وهو يحتاج عامل سبع((26)) يساعده في المحل، وأنت نسيبنا عزيز علينا من حقك علينا نشغلك، وأنت عطال بطال لا شغل ولا عمل، شنهي رائيك تشتغل وياه، تبيع بالمحل، وإذا رجعو سلعة عاطلة مثل هاي تنكر وتعتذر وتهدد وإحنه وراك، وإذا طلبوك لليمين تحلف، وبعد يومين تتصدق وتستغفر الله». صعقت على رأسي، أصبت برجفة، وصحت به:

ـ «لا، خوي، لا، أعفوني هاي الشغلة ما أكدر الها»((27)) .

ـ «أشبيك حمودي، إسم الله، شبيك»؟((28)) .

Page 10

فتحت عيني، وجدتهم يتسورونني وينظرون إليّ باستخفاف، يبتسمون، ويضحكون ثم سألوني:

ـ «ها، إشخيرك دخت، مريض ناخذك للطبيب» ((29)) .

ـ «لا، لا، سلامتكم».

تفقدتهم، لم أجد صويحباً معهم ثم نادوا السائق:

«افتح له المسجل، سمعهه غناوة، بلجت يرتاح إشويه»((30))

انطلقت موسيقى وصوت غناء من جهاز:

«الناس ما تعرف ترى

خايف وناري إموجّرة

سافرت من غير اوداع

لا من شاف لا من درى

بويـهْ إشصار بويهْ إشجـــرى

بويـهْ إشصار بويه إشجـــرى

وإنسيـت عشرتنــــا إبســاع

بويهْ إشصار بويه إشجرى» 3

 


الموسيقى راقصة، والأغنية معبرة استجابت لها نفسي وأنفسهم، بدأوا يطوحون برؤوسهم ويهزون أكتافهم ويدقون بأصابعهم يرقصون وهم جالسون. ينظرون إلي، يبتسمون ويضحكون. إذا تأملتهم حسبتهم سكارى، أخذ السكر منهم مأخذه، سايرتهم لعلي أكسب ودهم، ابتسمت لهم، وضحكت معهم، وعلى حين غرًة صحت بالسائق:

ـ «نازل، نازل، رحمة لوالديك».

حدث ما لا أتوقعه، توقفت الحافلة فجأة، فُتح الباب، سألوني:

ـ «ها، تريد تنزل».

ـ «أي والله» .

فسحوا لي المجال، ساعدوني على النزول، قبل أن ألج الباب، وضع أحدهم يده على كتفي، أشار إلى شارع مقابل، ثم قال لي:

ـ «هذا الشارع تاخذه كبل، يذبك على صويحب، يطيك حسابك من البيع والشراء»((31)) .

ـ «رحم الله والديك، الله يكثر من أمثالك».

وطأت قدماي أرض الله، تنفست الصعداء. عبرت الشارع على عجل، ثم وقفت أتلفت وأتفقد المكان رأيت ساحة «خمسة وخمسين» تبعد عني مسافة قصيرة، حدست إلى يساري أبنية من مسافة تؤدي إلى «سوق الحي». ولكن ليس في الشارع أناس ولا أبناء سبيل غيري، أبواب البيوت مغلقة، ومصابيح الكهرباء مضاءة، ومن وضع يده على كتفي لم يكذب عليً، الطريق يوصلني إلى عمارة صويحب، سألقاه يحسب الدنانير في دكانه؟ أم نائماً مع زوجته أم أولاده في الطابق الثاني؟

سرت في الطريق متباطئاً يوخز قدميّ الخوف والتوجس، راجعت دفتر ذكرياتي فوجدت فيه:

«كان يا ما كان»، كان في قديم الزمان: أصابنا قبل عشرين عاماً قحط شديد، أكل الأخضر واليابس، بعنا ما لدينا من جديد وعز علينا شراء القديم، تنكر الأخ لأخيه، ولم يبق للمحتاج فيه صديق، قلّ الدقيق، وازدهرت سوق النخاسة والرقيق، نزع الموظفون ربطة العنق والتحقوا بالعبيد، تركت وظيفتي بحثت عن عمل جديد. جلست في البيت أفكر وزوجتي «صينية» تطلب حاجات وتريد، حتى سئمت وجهها المدور وأنفها الذي يشبه القضيب، يلف محجريها حاجبان كأنهما في الطول عام عصيب، جلست وجلس أخوها صويحب أمامي واقترحا عليّ بما يشبه التهديد:

ـ «كاعد وساكت بالبيت، لا تثرد و لا تغمس، تنام وتكعد، وتاكل وتنام مرتك وجهالك يريدون ياكلون ويشربون»((32)) .

رفعت كفي أمامها، وكأني أطلب منها:

ـ «شسوي، ماكوشغل، صاحلي شغل وما أشتغل»((33)) .

ـ «السوك يعش أكبار وصغار، أخوتي يشتغلون بالسوك ويحصلون فلوس كرف، ليش ما تشتغل وياهم».

قال صويحب:

ـ «لكيتلك خوش شغله بس يرادلها شجاعة وصبر، اليوم التمر بالشورجه الكيلو بخمسمية دينار، ومن يجي رمضان بعد خمس تشهر، يصير الكيلو بتسعمية دينار، وأنتم شفتوها كل سنة، شنهي رأيك تبيع البيت وتشتري بفلوسه كلها تمر، وخلال أشهر تربح بكثر قيمته، تشتريلك بيت والباقي تسويلك بيهن شغلة».

ـ «خاف أخسر»((34)).

ـ «ماطولك تخاف ما يصير براسك خير، اليشتغل ما يخسر، بس اليموت يخسر»((35)).

اقتنعت بعد تردد بترغيب من صويحب وما يشبه التهديد من صينية، بعت الدار بمليون واشتريت بالمبلغ كله تمراً من الدرجة الممتازة، خُيًل لي وأنا أمشي في السوق بأني أصبحت في عداد التجار، أبتسم كثيراً، وأضحك قليلاً حسب سياسة التاجر الرصين، كاد صدري أن يفرغ من الصبر، حتى رأيت الربح يضحك في عيني كصورة الهلال، وقفت في السوق جذلاً أصيح:

ـ «تمر، تمر، خستاوي، الكيلو تسعمية، الله يديمك يارخص، شكرلمة، يا صايم إحمد ربك، تشرب ماي وتاكل تمر».

صخب في السوق وجلبة، صياح لا أفهمه، تدافع الناس في هرج ومرج، انقضوا من حولي. المتسوقات يزغردن، والبائعون في وجوم، صوت ينادي من بعيد: هبط السعر وانفك الحصار. خسرت بيتي والتمور.

مشيت في شوارع المدينة تائهاً أتلفت، أنزع لحيتي من جلدها شعرة شعرة، أعض على أصابعي بأسنان متكلسة.