Page 1
الثانية ليلاً
اسخر مني واضحك، واضرب الجدار برأسك، واطلق للياليك الجديدة الرياح، ابحث عني هناك بين الصخب والأضواء وهدير الموسيقى في الليالي التي حملناها تخييلا، وحملتك وحدك، أين أنت الآن؟! أنا هنا، أعود كلص طريد مع آخر الليل، حيث كنت، حيث كنا، وحيدا، الريح تلسعني·· يبرد العرق أسفل ظهري فتشتد آلامه، وتعلو جلدي قشعريرة من البرد، أسمع وحدي صوت قدمي تجوسان الطريق، وحدي أمشي الآن على الشارع المحاذي للجبل، تطل عليّ الآن رؤوس الجنيات الساحرات اللواتي تحب، هناك تتخضب أقدامهن البيضاء الرقيقة بالندى، ويطول شعرهن على مهل، هناك كذلك، كانت يده تظهر أمامنا للمرة الأخيرة، عندما برزت من اهتزاز ذلك اللوح الأحمر الذي تعرف، هناك أتذكر عندما انتشلتها الصغيرة، وقالت لنا: لا تدفنوا أبي··· أرهقنا جميعا بالبكاء، كانت يوما جهنميا أذاقنا موتا أعمق من طقوس الموت، شعرنا ماذا يعني أن تبكي عاجزا، وهامشيا ووحيدا·
كل ذلك الآن أمامي وخلفك، فقط بعض الأضواء الصغيرة تثقب الأفق الأسود أمامي، وأنا ما زلت أمشي، الساعة الآن الثانية ليلا· هل تعرف ماذا يعني ذلك في الليالي التي تقع على البرزخ بين الخريف والشتاء، عندما تختلط الأشياء جميعا بعضها مع بعض، ذلك العشب المصفر على قبره، وذلك العشب اليانع البكر، وتلك المساءات المغلفة بالضباب والبخار والندى على جبل الصنوبر، حيث يخيم الموت، كل ذلك رحلت وتركته لي، كنت تأتي لتوقظني عند آخر الليل لنصعد إلى الجبل، لتشهد صباح الأميرات اللواتي يسكن الكهوف المسحورة على تلك الرئة اليمنى من بلدنا، كنا نتخيل عندما تستفز حرارة الشمس المغمورة خيوط الرطوبة، تتنسل من بين التربة البيضاء، كنا نحلم كيف يمتد ذراع أميرتنا الرائعة من بين أغصان الصنوبر، وينسل ثوبها الأبيض وراءها حتى تصل البركة، فتخلع رداءها··· ويعلو البخار جسدها، كنت تقول لي إن البخار سيظهر بكثافة أكثر أعلى الخصر وتحت الرقبة، وسيبدو كاحلها رقيقا كرقبة السنبلة، هناك كنا نتعرى تماما وكانت أسناننا تحتج بردا وقهرا·
Page 2
أخبرني ماذا تفعل الآن، ها أنا الآن أقف مقابل بيته، وأنظر إلى شجرة التوت التي كنا نمارس سعادتنا في ظلالها، قليل من الشاي وكثير من الموسيقى والغناء وبعض الثمرات، لقد لمّ المساء كل شيء الآن، ولم يبق سوى آثار ضحكاته وبعض الأوراق المدرسية التي تركتها الطفلة التي حملتها يوما ساعة الدفن، كل شيء كبر· لقد شاخت عرائس الجن وكبرت الأعشاب حتى كادت تغطي قبر صديقنا، وليس هذا فحسب، هل تصدق أنني اليوم أكمل الأربعين، ما هذه السخرية؟ لقد بلغت الأربعين، للمرة الأولى أشعر أنه من الممكن أن أشتم رائحة الموت· أربعين سنة وأنا أمارس ما تدعوه تفاهات·
سيتحلقون يوما حول قبر جدك القديم، ليعيشوا ذكرى البطولة والسهر والمناجل·· وأن يقتنعوا أن عرق جدك ودابته صبيحة الحصاد ليس أمرا عاديا، لن أستطيع الخروج من هذه التفاهات يا صديقي، ما زلت حتى اللحظة أنتظر قيام الناس، وأذهب عند شجرة التوت، أدخن سيجارة تلو أخرى، وأستمع إلى صديقنا يقرأ عليّ رسائل حبه، ويحدثني عن تلاقي النظرات عند مفترق الصنوبر الأعلى أيام الحصاد·· وبعدها وقت نضوج العنب والصبار·· أعيش حتى اللحظة بلذة كلامه، وأقرأ تقاسيم وجهه عندما كان يقول: >عندما اقتربت من المفترق ووصلت إلى النقطة الأضيق بيني وبينها، رأيت سواد عينيها للمرة الأولى، عندها ابتسمت وابتسمت، ولا أدري لماذا ضاعت ملامح وجهها من مخيلتي، بمجرد أن تجاوزتها، لم أستطع من النشوة والفرح النظر إلى الخلف، كنت أهرب مستعجلا لألاقي ذكرياتي وأستعيد لون عينيها مع ابتساماتها، وكيف كانت تفرك يديها الرقيقتين على سلة التين، وقتها ذهبت إلى بيت جدتي القديم، جلست على الدرج المعشوشب، وصعدت إلى قبته التي أصبحت خضراء من تراكم الطحالب، جلست حتى مغيب الشمس، كنت وقتها تطلب منه أن يعيد المشهد أكثر من مرة، وكنت تصفق نشوة وسعادة· هل تذكر ذلك؟ أمر الآن عند جسر الحديد الكبير الذي كنا نسهر إلى جانبه حتى ظهور النهار، وصياح الديكة، أتذكر عندما قتلنا الأفعى الكبيرة خلف الجدار الحجري، كنا وقتها قد ذهبنا لنطمئن على عش البلبل، الذي عثرنا عليه عند بطن الجبل، تماما عند المنطقة التي يستقر فيها ظل الواد مع ظل الجبل، حيث تنتشر الطحالب، وتترك المياه النازفة بين البساتين اللون الأسود المخضر على بطن الصخر، كان الحر في بداياته عندما جفل الحمار وسقطت، رأيناها تدخل السلسلة الحجرية، كانت تزفر وتخرج لسانها بشكل جنوني، عندما انكشف رأسها من التراب الرطب حملت حجرا وضربته فأخطأتها، لكننا قتلناها أخيرا، وحملناها إلى جدي لنفخر بإنجازنا، كان ذلك قبل أكثر من خمسة وعشرين عاما، قبل أن أبلغ الأربعين بالطبع، أتمنى للحظة الآن أن أرى شعري خاليا من الشيب، كنت تحسدني دائما على كثافته وسواده الحالك، للمرة الأولى أعرف معنى التداخل بين الحياة والموت، لقد توفي الصابر صديق والدي الحجار، هل تذكر أصابعه الغليظة وشاربيه العريضين؟ لقد عايش الصخر أكثر من أربعين عاما·
Page 3
كان يلف رأسه بكوفيته حتى تتعرق ويتغير لونها، كنا نستمتع ونحن ننظر إليه عندما يشرب، كان يرفع حافة الإبريق الفخاري أعلى شاربيه، وكانت حنجرته تتحرك صعودا ونزولا مع كل شربة ماء، وكان عامدا يترك حافة الإبريق ترشق بعض الماء حتى يختلط شعر صدره الكث مع غبار الصخر والأتربة، هل تذكر عندما كان يأكل، كان يشرب اللبن، ويكتفي بالخبز والبطيخ، لقد توفي قبل أيام وقد تجاوز السبعين، كنت قد عايشته بالفعل وهو يعيش طقوس يومه العادي، سابقا، أتعرف كيف، كان يحاول الحصول على حبة تين من الشجرة التي كانت تظلل محجره، فسقط على حافة الصخرة فانفلق رأسه، هل تصدق· لم أكن أستوعب سابقا أحاديث أبي عندما كان يستعيد بذاكرته أن من ماتوا كانوا يوما أحياء وأقوياء، ويستمتعون بحياتهم، لا أدري ان كنت تشعر شعوري، أم أنك تسخر الآن مني أكثر، مهما سخرت مني وهجرت أعتقد أن الأربعين توحي إليك بما توحي إلي، فكما أن لحسراتي السابقة نهاية، فإن لضجيجك وانتقامك نهاية أيضا···
أصل الآن عتبة بيتنا، لم يتغير شيء، تقول لي أمي، من يدخل غرفتك المقرفة هذه يظن أنك ما زلت مراهقا، من هم في سنك يستعد أبناؤهم للزواج، وأنت تزعجنا بدندناتك الفارغة، لا أدري ماذا أجيب الناس، عندما يسألونني لماذا لم تتزوج، ربما يدفعك هذا الآن إلى قهقهة جنونية، وربما تعر كامل، إنني منهك الآن من مباني المدينة وثقل ذكرياتها، لا أدري ماذا كانت تفعل العجوز خلف السينما، ربما يدفعك هذا الآن إلى الصعود إلى الطابق الأعلى، في البنايات العالية التي تعيش وترمي بنفسك رأسا للمرة الأخيرة· متعب بالفعل وأريد أن أنام·· يا ريت انام·· أسمع الآن خشخشة السماعة تستعد لإطلاق طقوس صلاة الفجر، هل تشهدها هناك، وتذهب إلى الحمام لتنظف أعضاءك وتركض حتى لا تفوتك الصلاة· بالتأكيد نعم، بل وربما تبكي عيناك من خشية الله!! أتمنى فعلا أن أنام·· أتمنى فعلا أن أنام·
Page 4
وداع·· وداع
أذكر الآن اللحظات الأخيرة التي ودعتني فيها، لقد خفت ملاقاتي وقت الزحمة، انتظرت حتى غادر الجميع وجئت تطرق غرفتي في الربع الأخير من الليل، لا أذكر سوى الدموع التي لمعت في عينك، لم تستطع شفتاك الجافة النطق بحرف واحد، رميت رأسك على كتفي بعد عناق حار، وأجهشت أنا وأنت في البكاء، كانت الغرفة مليئة بالدخان، وكانت النوافذ تحجب زخات المطر، لم تستطع المكوث أكثر من دقائق معدودة، ودعتني وغادرت في المطر، كان الضوء يظهر كيف كانت خيوط المطر تضرب كتفيك ورأسك، وأنت ترفع يدك إلى عينيك كل لحظة، غبت عن عيني وأغلقت أنا الباب أحدق إلى الجدار، إلى صورة صديقنا الذي كان قد رحل قبل سنين، فتحت أدراجي واستخرجت بعض القصائد والأوراق، وقليلا من الزعتر البري الجاف، وبعض أوراق الليمون من حديقة بيتنا، غادرت ومشيت بعدك بقليل، غادرت قبل موعدي المقرر بساعات، خشية أن أرى وجه أمي وأبي وإخوتي، أخجل من محبتهم لي، وأرفض فقط أن أكتفي بهذا الحب، نظرت إليهم نياما، سحبت قدمي وأغلقت الباب خلفي بهدوء، كان المطر غزيرا والرياح تجعل من حبات البرد كالشفرات تضرب وجهي، ابتلت حقيبتي، جلست تحت شجرة السرو على الشارع أنتظر قدوم الباص، رحلت أخيرا، ركبت السيارة وألقيت برأسي على مسند المقعد الخلفي، كان المطر والريح، الشيئين الوحيدين اللذين يظهران في ذلك المشهد الأخير، للمرة الأخيرة تجوس عيناي مشهد بلدي، الذي تركت فيه كل شيء؛ لقد حدث تناسخ بيني وبين شيطان ربما، كيف انسللت من جلدي لا أعرف· لم أشأ وقتها أن أنظر إلى الخلف إلا عندما صعدت الطائرة، هناك شعرت للمرة الأولى بالهدوء والنظافة والدفء، دون معنى خلفي لكل المعاني، أريد أن أعيش دافئا ونظيفا وكفى، بمجرد صعودي الطائرة طلبت القهوة الساخنة، كنت نهما كدبّ، كنت ألعن ظهرك والمطر ودموعك، شعرت بشيء من الحزن والشفقة والألم والفخر، كنت أعلم أنك تغادر حزنك المؤقت إلى حزن دائم، ستنام وتصحو مع الفجر البارد، تعيش الملل والوحدة والتذكار، لا أدري ربما كنت أنا جبانا رخيصا لأنني تركتك، لكن شيئاً مجهولاً أمرني بالرحيل، لقد قررت الهروب في كل الاتجاهات دون أي شعور بالجدوى، صحيح أنني مثلك الآن في الأربعين، لكن أشياء كثيرة جعلتني أشعر بحسرة مضاعفة على احتراق العمر أكثر منك، لقد كان صديقنا عظيما ورائعا اكتفى بالحب والتضحية، لكنه رحل وكفى، إنني أهرب هنا في هذه البلاد الباردة، الحارة، الموت كل لحظة، اقترب اكثر، كلما تفتحت مسامات جلدي على الحياة، عندما تنام أنت يبدأ ليلي، أغادر مكان عملي عند الظهيرة، أنام على سريري في شقتي وسط مدينة تبدو شوارعها أنظف من··········، هنا لا يبحثون عن الحزن مثلك، وأنا هنا أمارس خداعا مزدوجا وقذرا، أرفض التذكر للحظة أني هارب من أغلال ذكريات مريرة وسوداء، وأوهم نفسي انني امارس كل اللذائذ هنا بشكل طبيعي، كأنها فطرتي التي فطرت عليها·
Page 5
هنا، يختارون الزهور والموسيقى التي ستوضع على قبورهم، يتعاملون مع الموت كحدث عادي لكنه نهائي، لا يفكرون كثيراً بالأسئلة الغبية الساقطة من السماء، أعرف أنك تشتمني لو عرفت بماذا أفكر، لكن كل شيء في يقول إنني لم أعد شريكا لك في التذكار والاستشراف· كل شيء اختلف·
يبدأ ليلي هنا بعد انتهاء يومك، ألبس أجمل الملابس وأقود سيارتي الفاخرة إلى حيث يستحيل الليل نهارا، كل شيء هنا ملون، الزجاج والأرضيات والزهور والنساء، تلون النساء هنا أعضاءها، يلونّها بالعطور والألوان، وكذلك الدخان هنا حولي، يوجد دخان أحمر وأخضر وأصفر، وموسيقى صاخبة، تمنعك من أي تأمل، سوى أن ترقص وتجن، وتقطف ما تريد من الثغور والرمان والوجوه الجميلة، تماما، كالطائرة، الهدوء والدفء، هنا الصخب والدفء والجمال، لا يعيش أي واحد ممن حولي أية حالة من تأنيب الضمير، بل على العكس كلما زادت لذائذهم زادت نشوتهم، أتمنى بالفعل أن أعود وأعيش اللذة الذي كنت أستشعرها عندما كان صديقنا الراحل يقرأ علينا مراسيل عشقه وغرامه، حدث شيء سري أطفأ هذه الشمعة في روحي، أتمنى ذلك الشعور الغريب الذي يعيشه صديقنا، لكنني أعجز عن استحضار الحالة تلك، فأعيش حالة متناقضة تماما، لا تصبر نفسي على أي تعب، أستبدله باللذائذ، ولا أطيق أي حالة من التأمل والتفكير·
ما الذي حدث لي كي أترك كل الأغاني والأشعار التي كنت أحب، وأركنها في سكني القديم، دون أن أستأجر سيارة لشحنها، شعرت ربما أنه يجب علي ان أتخلص من أي شيء يذكرني بأي شيء، سوى أنني الآن وهنا وحسب، أعيش بنجاح عظيم في شركة مهمة لصناعة برامج الكمبيوتر، أرى كل يوم مئات الزبائن المنفتحين على الحياة، دون أي حكمة سوى المرح، كل شيء يتم ببساطة، لا أرى هنا أحدا يقرأ···· ويضيع وقته في شيء مفترض، ربما كان عالمي وحده هو البعيد عن أي شيء يثير التأمل، لكنه عالمي، ستذكرني بالمسرحية أيام كنا في المدرسة الثانوية، التي لعبت فهيا دور البطل، الذي رفض الخروج من السجن بعد عشرين عاما ليبقى إلى جانب صديقه المقعد، لقد فتح لي وقتها باب السجن وفكت من يدي القيود، لكنني عند العتبة الأخيرة التي تفصلني عن عالم الأحرار، عدت لأحضن صديقي الذي فقد أطرافه وظل وحيدا بعدي، لا أدري ماذا أقول لك لو ذكرتني الآن، حقيقة أعجز عن إجابتك، لكنني هنا الآن لا أفكر بأي شيء سوى الاستغراق في الحياة وقهر الموت·
Page 6
- ألو نعم !
- لا أصدق، هل ما زلت صاحيا حتى هذا الوقت؟
- ماذا تفعل؟
- أفكر ماذا سأكتب لك لو بعثت إليك رسالة؟
- فقط·
- لا طبعا، حولي كثير من النسوة البيض، وأنواع الشراب والمأكولات·
- لا أدري لماذا أصبر نفسي على سماع صوتك بعد هذه السنين، رغم كل ما حدث·
- لم يحدث شيء، أنت ذهبت···
- لا أريد، أن أسمع المزيد، تصبح على خير·
- أصبحنا في الأربعين·
- إلى الجحيم، لماذا تتحسر أنت··
- اخرس وتابع تفاهاتك··· سلام·
قبل أكثر من ثلاثة وثلاثين عاما، ذهبت أنا وأنت إلى المدرسة في يومنا الأول لدخول عالم كان مسكونا بهواجس غريبة، نهضت أمي مبكرا صبيحة ذلك اليوم، سمعت صوت الحطب اليابس يتكسر بين أصابعها، حملت سخان الماء بيدها وسخنت لي الماء، غرقتني في ذلك الوعاء الحديدي الصدئ، غرفت الماء وسكبته على رأسي، كانت قطعة الصابون البيتي كبيرة، كنت أتألم كلما تحركت فوق رأسي، قالت أمي: بمناسبة ذهابك إلى المدرسة سأحممك بصابونة جديدة، لفت رأسي بخرقة قماش، كان رداؤها قد ابتل تماما، حملتني وأجلستني على ركبتها، قالت: إن الماء الذي تحممت به نظيف، لأنك لم تلعب بالأمس، كان والدي قد اشترى لي ملابس جديدة، بلوزة مخططة بالأخضر والأسود بشكل دائري، فرحت بها كثيرا لكنني اعترضت على البنطال، كان خصره مشدودا بمطاط، ولم يكن له مكان لوضع الحزام الجلدي الذي تمنيته، على أية حال، مشطت أمي شعري ووضعت عليه قليلا من زيت الزيتون، طرقت أنت الباب، كانت حقيبتك جلدية، وكانت تفوح منك رائحة العطر، بعد الزيت، علقت لي أمي محرمة جديدة بدبوس أسفل قبة بلوزتي، سألتك: لماذا تحضر الحقيبة!
Page 7
سأحملها حتى يعرف الجميع بأنني دخلت المدرسة، أجبت، لم يكن أبي قد أحضر لي الحقيبة حتى ذلك اليوم·
خرجنا سويا، كانت الشمس بموازاة عيوننا بالضبط، ركضنا بشكل لولبي، كنت أنا أضع السروة بين فخذي وأركبها كحصان، ثم أتركها وأمشي·
عمر الشجرة الآن نحو أربعين سنة، باسقة غليظة، قال جدي إنها ملجأ للأفاعي الرقطاء والغليظة، قالوا: لو أنها تباع خشبا····
ضرب الأطفال صديقنا، ظهيرة ذلك اليوم ضربا مبرحا، كان سمينا بعض الشيء، يلبس بذلة بيضاء، طويل، شعره أسود يسترسل على جبهته، تعلو خديه حمرة خفيفة يزينها بعض النمش الخفيف، ضربه بعض الطلاب لأن المدرس جعله يقف على رأس الصف؛ لأنه كان الأطول، قا ل له أحد الطلبة إنه أطول منه، أوقعوه أرضا، مزقوا حقيبته، امتلأ أنفه بالتراب، تجمد التراب والدم في أنفه، بكى بحرقة، تحولت بذلته البيضاء إلى حمراء، كان خدش عريض قد ظهر من كم قميصه الممزق··
كان الممثل قبل ساعات يجر أمه المصابة، بيده المكسورة، والدم ينزف من جمجمته، كانت النار قد أصابتها بشكل مريع، كان التراب قد التصق بجبهتها وجبهته مع الجلد المحترق، حمل الممثل أمه، وهو يصرخ··· أماه·· أماه·· سنعود إلى البيت، ظل يجرها ويجر نفسه، حتى دخل البيت المحترق، وهناك ألقى نفسه مبتسما على ركبتها وقال: سنعود إلى البيت للمرة الأخيرة·· عندها، ظهرت الكلمة البشعة على شاشة السينما··· The End .
أخذناه إلى دورة المياه بعد أن تعاركنا مع الصبية، لفترة ليست بالقصيرة، غسلنا عنه التراب، وشربنا من >مطرة< ماء كانت في حقيبته·· ابتسم وشكرنا··· وقال:
ما ذنبي أنا، إن الأستاذ يريدني أن أقف أولا·
هل رأيت··· كانت ابنته تنظف يده التي علق بها التراب مع الدماء، لقد جف الدم وترك التراب على راحة يده، جرح كبير قد تخثر فيه الدم والتراب وبعض الحصيات الصغيرة البيضاء، مسكت ابنته يده بعد أن هربت من حضن أمها··· وقالت: لماذا لم يغسل أبي يديه، كما يفعل دائما، أبي، أبي، هيا إلى البيت·· معنا، أخذها أحد المشيعين·· وأعادها إلى أمها التي شرقت بالبكاء، وشرقنا معها، كانت جميلة للغاية، تشبهه عندما كان صغيرا، كان بعض النمش يعلو خديها الناعمين، هل تذكر عندما جاء ذلك الشاعر ليسأل عن صورة لها معنا وهي صغيرة، حتى يسجل ملامحها في سجل البطولة الذي يرصده عن مظاهر البطولة في البلد، قبل ساعات قليلة كان المغني المريض·· بعينيه الغائرتين وأصابعه الرقيقة وعنقه الذي تخططه الشرايين··· يغني:-
وسترجع يوما يا ولدي مهزوما··· مكسور الوجدان··
Page 8
وستعرف بعد رحيل العمر بأنك كنت تطارد خيط دخاااااااان·
أخذنا معه إلى البيت صبيحة ذلك اليوم، أطعمتنا أمه العسل، لا أبالغ إذا قلت إنها كانت المرة الأولى التي أشبع فيها عسلا، شكرتنا بحفاوة، وأعطتنا كل واحد فينا بسكوتة·· وذهبنا إلى البيت، كان اليوم الدراسي الأول، ذهبنا بعدها إلى بيت جدتك، هيا نذهب إلى بيت جدتي، قلت، قبل سويعات كنت هناك· لقد غطى العشب درجه الخلفي الذي يصعد إلى السطح، وبابه الخشبي سقط جانبا، وبدأت الشجيرات الخضراء تنمو وتعلو من بين حجارة جدرانه، حتى قبته الرائعة التي كانت أغلى أمنياتنا صعودها، قد غابت ملامحها وغاب تقوسها من الأعشاب التي علت محيط السقف، وبدأت الطحالب على السقف كأنها حجارة كبيرة ملونة، وحتى (قن) الدجاج الذي كنا نتسابق لجلب البيضات منه·· تشابكت داخله الأشواك وغاب عنه نقيق الدجاج···
أحمل الآن حقيبة جلدية، أرتدي ربطة عنق من نوع فاخر، للتو وقعت عقدا مع شركة جديدة، بعدها دخلت شقتي، كانت امرأة عارية على الشرفة في العمارة المقابلة، أخذت حماما ساخنا، فالحياة هنا باردة دائما·· تجرعت جرعتين من مشروب الروح، اشتريت زجاجة عطر جديدة، لقد امتلأ الدرج بقناني العطر، بعضها هدايا من زبونات، وبعضها اشتريته، وبعضها دعاية، أضع سائلا لامعا على شعري حتى يحفظ تسريحته المميزة، تأكدت من علب السجائر، البرد· البرد، كل شيء هنا بارد، ما إن يفتح لك الباب حتى يلفح الهواء الساخن المحمل ببخار السجائر والمشروبات وجهك، هنا عالم جديد، يشعرك بقيمة البرد والدفء معا· أمامي سيدة حسناء رقبتها بيضاء طويلة تلبس حذاء شفافا·· تحرك بيدها الكأس بشكل دائري، تنظر إلي، تلبس رغم البرد رداء رقيقا، ليظهر ما خفي من التواءات ومنخفضات ومرتفعات في جسمها، كل شيء يمشي بقدر، وأنا هارب من هذا القدر، ألتهم المفاجآت، كما ألتهم السجائر والسندويشات، تظل الذكرى هذه الوجه الآخر للصخب هذا، ما الذي فعلته أنا وأنت والشاعر، وصديقنا حتى يصل كل واحد منا إلى ما هو عليه؟
كان قد ودعنا تلك الليلة كالمعتاد، شرب شيئا من الشاي والقهوة، لم يكن يحب الموسيقى الصاخبة، كان يذهب دائما إلى الصلاة، لم يكن يحاول إقناعنا بمرافقته، في آخر عيد عاشه معنا، اصطحب معه ابنته، كانت تلبس فستانا يغطي ركبتها، احتفل معنا بعيد ميلادها الثالث، قلنا له إن ابنتك أجمل منك، حمل لكل واحد منا هدية، قلماً وزجاجة عطر· لم نكن قد تعودنا هذه العادة فيما بيننا· نامت ابنته، حملها وخرج آخر الليل، قلت له، من المفترض أن تذوق هديتك، فرششت عليه بعض العطر، كان الرذاذ يلمع على لحيته عندما غادر المنزل على الباب تحت الضوء مباشرة، غادرنا وابتسامته تملأ المكان··
Page 9
كل شيء يظهر من النافذة أسود أمامي، إلا بعض بقع الضوء البعيدة، وعواء بعض الكلاب عند بطن الوادي، كانت الضباع كما كان يقول جدي تظهر في الشتاء أكثر، يقولون إنها تتحكم بقوة الإنسان، فيسير خلفها إلى كهفها حتى تلتهمه بهدوء، لكن المرء عندما يصل باب الكهف تصطدم جبهته بأعلى المدخل المنخفض، يصحو ويفر وينجو بحياته، لو أنني تزوجت وأنجبت لأعدت هذه الحكايات على مسامع أبنائي، كان أبي، رحمه الله، يحدثني دائما كأنني رجل كبير، ما الذي فعلته طوال أربعين سنة سوى اجترار الذكريات، مات أبي وجدي، منذ فترة قصيرة، كان أبي يقول عندما يرى شابا لا يعرفه، أنت، سبحان الله، بالأمس كان أبوك يصطحبك إلى معصرة الزيتون، كنت صغيرا تلتصق به وترفض أن تترك يده، أنت الآن شاب، أصبحت أرى ذلك الآن وأشعر به، كل شيء تغير حتى السروة الصغيرة التي كنت أركبها حصانا في ذهابي وإيابي إلى المدرسة، أصبحت ضخمة وغليظة ومسكنا للأفاعي الرقطاء· العصافير، والبوم، والجراذين، حتى الشتاء تغير، لم نعد نشهد تلك الليالي والعاصفة الماطرة، التي كانت تمنعني وإياك من العودة إلى بيوتنا أيام كنا نزور جدتك، فكنا نضطر للمبيت عندها·
كانت تفرش لنا على الأرضية الاسمنتية الملساء فرشتين متجاورتين·· بعد أن تغطي الأرضية بذلك البساط الملون بالأحمر والأسود والأبيض، أذكرها، كانت تعصب رأسها برداء أسود شفاف يلتف حول وجهها، وكان الوشم يمتد كخط أخضر رفيع بين ذقنها وشفتها السفلى، كانت نحيلة، دائمة الحمد والتهليل، كنت أحب زيارتها كثيرا، كانت تطعمنا دوما من حلويات الشتاء التي تعدها على النار، كل شيء كان له مذاق لذيذ ورائحة أخاذة، أتمنى للحظة أن يعود بي الزمن ثلاثين عاما لأستعيد لحظات النشوة، واللذة، في انتظار قرص الخبز المعجون بالزيت والسكر في الشتاء البارد، كانت تحكي حكايات غريبة عن الضبع، وعن شجاعة أجدادنا·
ها هو الصباح··· أسمع خشخشة سماعات المسجد، الصبح ينبلج، أمامي الوادي المسكون بالزيتون والسرو والصنوبر، تعلو غيمات خفيضات يضفن إلى البرد صقيعا مضاعفا، بعض الطيور السوداء تحلق حول رؤوس الشجر، البرد يلسع جسمي، أصابعي باردة جدا، لماذا لم أستطع النوم تلك الليلة، كم مرة سأتذكر تلك المحادثة، رجل في الأربعين ما زال يمارس عادات الصغار في التذكر والأمنيات· كل شيء تغير وتبدل إلا أنا، حتى صديقي الذي كان ظلي بدأ يسخر مني، ما هذه الذاكرة المجنونة، وما هي الحياة المملة العجوز في انتظار الموت؟ هل أغادر وألحق به هناك·· ولكن ما الفائدة؟ كل شيء تغير، وأنا أسير لذلك الموت أشفق على حجارة القبر من البرد، كل شيء تغير·
- ألن تعود؟
Page 10
- أعود، لماذا أعود؟
- يجب أن تعود من أجل الجميع ومن أجلي·
- إلحق بي أنت سأوفر لك عملا، إلحق بي وستنسى كل شيء·
- لا أستطيع، لا يستحق شيء في الحياة هذا التعب والمغامرة·
- إذن قضّي حياتك بانتظار الموت·
- دائما تبدو كحمار كبير·
- أنت تقول ذلك؟!
- سامحني· لكنك تصر على الثبات كحجر·
- هل تنكر أنك تحن إلى بيت جدتك، وإلى قبر صديقنا، وإلى جبل الصنوبر، والسهرات الرائعة بانتظار الجنيات والصباح··
- لا أنكر، لكن سنوات طويلة مرت وأنت على حالك، تقول لي إننا بلغنا الأربعين·
- إنني انتظر الموت كمن يقف على رجل واحدة بانتظار الوصول من رحلة حافلة قصيرة، هل تتخيل أنه مضى على سفرك أكثر من عشر سنوات، وعلى رحيل صديقنا خمس عشرة؟
- لا أنكر لكن خلال هذه السنوات أنجزت الكثير، لدي كثير من الأموال والصديقات، الزحمة في يومي لا تترك لي مجالا لكل ذلك، لكن رسائلك وحدها هي التي تذكرني، بكل ما حدث·
ترى بماذا يحسُّ صديقنا الآن، هل يستشعر الوحل والبرد على قمة ذلك الجبل؟ هل تحول إلى تراب أم إنه عظام، هل يعرف أنني أفكر فيه الآن؟ كم أتمنى أن أحلم به ولو لمرة واحدة، ساوصي بدفني إلى جانبه· لم يبق شيء، لقد مرت السنوات جميعاً كتلك الغيمة، بعد غيمة أخرى سأكون على مشارف الستين، سأوصي بدفني إلى جانبه حتى لا أكون وحيدا في مماتي، لقد تغيرت ملامح وجهي، لم أكن في السابق أرى صلعتي كما الآن، ولم يكن وجهي ممتلئا وضخما، لقد غارت عيناي في بحر من الشحم، وبرز أنفي بشكل كبير، بعد أن خف الشعر أعلى جبهتي، معقول أنني عشت تلك السنوات بالفعل؟