eKtab
EN ع
القانون ابن الحياة
Read free sample

القانون ابن الحياة

by د. عبد الجبار الجبوري

Page 1
بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

منذ إعلان ميثاق الأمم المتحدة وما جاءت به المادة (55) منه التي تضمنت (أن على الأمم المتحدة أن تعمل على أن تشيع في العالم احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للمجتمع بلا تمييز بسبب العنصر أو الجنس أو اللغة أو الدين) وحتى صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في 10/12/1948 والبشرية عبر مؤسساتها الدستورية وغير الدستورية، الرسمية وغير الرسمية، تعمل على بناء المفاهيم والقيم الإنسانية والمبادئ السامية، التي تنشر العدل والمساواة بين الناس من أجل حياة أفضل للإنسان، من خلال التشريعات المختلفة التي تقنن القوانين في جميع مجالات الحياة العامة والخاصة للإنسان متأثرة بالظروف الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية، التي يمر بها المجتمع في مراحله التاريخية المتطورة عبر الأحداث والمشاكل الفردية والجماعية. فما كان قاعدة وقانوناً في المراحل السابقة أصبح استثناء في هذه المرحلة. وما كان استثناء قد تبدل إلى قاعدة بسبب أن البداهات السابقة التي كنا نعيشها في مرحلة تاريخية معينة قد خرجت على إطار البداهة وأخلت مكانها لبداهات أخرى، لأن البشرية دخلت عصراً جديداً وعالماً جديداً، هذا العالم الذي يقوم على قواعد من المفاهيم والنظريات والقيم الجديدة التي استولت على فكر الإنسان الأخلاقي وسلوكه العملي وجعلته يفكر ويتحرك في محيط جديد من المعاني التشريعية والمفاهيم القانونية لتكون مقبولة من الجميع.

لقد ساهمت في عملية التشريع وتطويره مجموعة من النظريات الاجتماعية والمذاهب القانونية التي يؤمن بها عدد كبير من رجال الفكر والفقه والقانون والتشريع، الذين عملوا على تحويل هذه الأفكار إلى مبادئ ونصوص وقواعد قانونية عن طريق صياغتها صياغة قانونية بواسطة التشريع، الذي يشرف عليه أولئك المشرّعون والفقهاء والفلاسفة في مختلف المجالات الحياتية العامة والخاصة.

ومما ساعد على تطوير المبادئ التشريعية وإنمائها وعملية التقنين، إقدام نابليون في فرنسا على تقنين القانون حيث ساد في فرنسا في ذلك الوقت مذهب (التفسير)، في حين ساد في ألمانيا المذهب (التاريخي) إلى جانب المذهب (الاجتماعي)، الذي يعتمد على الحدث الاجتماعي على اعتبار أن القانون هو حادث اجتماعي (ابن الحياة) بالدرجة الأولى ويجب دراسته عن طريق ملاحظة الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية والعوامل التي تؤثر فيها.

إلى جانب هذه المذاهب التشريعية، هناك المذهب (الإرادي) الذي (يرى أن الظاهرة القانونية ناشئة عن تصرفات إرادة الحكام)، والمذهب (الوضعي) الذي (يرى في الظاهرة القانونية موضوعاً صادراً عن إرادة الحاكم وحده أو بالاتفاق مع الآخرين)(1).

وكان لبعض الفلاسفة والمفكرين في التشريع والقانون والحياة أمثال (أوغست كونت) و(ميكافيلي) و(بودان) و(هوبز) و(لوك) و(روسو).... إلخ أثر كبير في تطوير فلسفة القانون والتشريع في جميع ميادين الحياة، متأثرين بالظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتاريخية التي سادت في تلك المراحل الزمانية والمكانية.

ولحضارة وادي الرافدين جذور تاريخية قانونية قديمة. حملت إلى الإنسانية أول مبادئ العدل والمساواة وحرية الإنسان والموازنة الدقيقة بين حقوق المواطن وواجباته. فتراث العراق التشريعي والقانوني هو (اتصال شرعي حضاري وأخلاقي للمشرع حمورابي الذي حدد مبادئ واضحة ووسائل أخلاقية كفلت حرية الإنسان وضمنت مشاركته في الحياة بكل ميادينها. ورعت حياته وألغت كل وسائل التمييز بين أبناء المجتمع مقدماً لذلك بقوله: (إني حمورابي قد شرعت هذه القوانين حتى لا يستغل القوي الضعيف)(2).

وقد اتصل هذا الجذر التاريخي التشريعي بإرادة الخير التي حملتها طلائع الفتح الإسلامي المتمسكة بقوانين السماء وسيرة رسول الإنسانية محمد (ص) ووصايا الخلفاء الراشدين للولاة والأمصار التي كان مصدرها الوثيقة الدستورية التاريخية التعاقدية المحمدية (وثيقة المدينة) التي تعتبر أول وثيقة دستورية تعاقدية في تاريخ التشريع الإنساني.

واليوم يرتبط هذا الإرث الإنساني في التشريع والتقنين من عصر حمورابي والفتح الإسلامي بمبادئ وأفكار فلاسفة القانون والتشريع من جهة، وشرائع الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي استمدت أصولها من حياة الإنسان والأمم المختلفة من جهة أخرى.

إن تقاليد الحياة وتطورها وظروفها المختلفة أقوى من جميع القوانين السابقة، لأن الحياة قادرة على تغيير كل القوانين التي لا تحترم الإنسان وتشيع الأمن والحرية والسلام في نفسه. ولأن تقاليد وظروف الحياة متطورة فإنها قادرة على فرض القوانين التي تنسجم ومتطلبات تلك الحياة وظروفها، مما يؤدي ذلك إلى تشريع القوانين الواقعية التي تحمل معاناة الإنسان بكل قوتها لتكون تلك القوانين وسيلة لتطوير الحياة التي تطمح إليها كل شعوب العالم.

إن هذا الاتصال الحضاري في التشريع والتقنين لا يتناقض مع ضرورة الاستفادة من التجارب العالمية في التشريع، بل بالعكس (لأن النظام القانوني الأصيل هو الذي يأخذ في الاعتبار الترابط العمودي والأفقي للحضارة الإنسانية).

فالقوانين ظاهرة اجتماعية لها صفة الديمومة والبقاء (فالقانون عندما لا يحقق أهدافه نتجاوزه بقانون وليس بخلاف القانون)(3) ولأن القانون ظاهرة اجتماعية فهو نتاج (ابن الحياة) الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المختلفة التي يمر بها المجتمع. لذلك لا يمكن للقانون أن تكون حياته أطول وجوداً من حياة ووجود المجتمعات والظروف التي تمر بمرحلة تشريع تلك القوانين. لأن المجتمع بطبعه متطور، والظروف بطبيعتها نامية ومتطورة أيضاً. وهذا التطور والنمو والتغيير في الحياة والظروف يفرض قوته على مقاومة الأفكار التي تعتبر القوانين الوضعية بحكم القوانين (الإلهية) مقدسة يتعذر تجاوزها بالتبديل والتعديل والإلغاء عن طريق تشريع وتقنين قوانين جديدة تستحقها المرحلة الحياتية التي يمر بها المجتمع لتعبر عن متطلباته تعبيراً صادقاً بعيداً عن التحجر والجمود والقدسية.

فالقانون الذي يشرع هنا قد لا ينسجم مع مجتمع آخر هناك، والسبب في ذلك أن القانون ابن مرحلته (ابن الحياة) ولأن جدلية الربط بين التشريع والقانون والحياة لم تعد جدلية جامدة تجعل التشريع حقاً مطلقاً لهذا الفقيه دون غيره، أو تجعل التقنين وقفاً لهذه الفلسفة أو تلك. وإنما أصبح التشريع ملكاً عاماً لكل إرادة قانونية واعية متطورة تسعى لتحقيق الحياة الآمنة وخدمة البشرية. إضافة إلى ذلك، إن التقنين وسيلة مشروعة أضافت إلى الفكر القانوني الوضعي ثروة جديدة من المبادئ والمفاهيم القانونية الحضارية المعاصرة التي رافقت عملية التطور والتعديل والإلغاء، وارتبطت بالإرث الحضاري القانوني الذي يعتبر القانون (ابن الحياة) الذي لا ينام على وسادة من الأفكار الجامدة، بل يستيقظ بين فترة وأخرى على منظومة قانونية حية من الأفكار والمبادئ والقواعد العادلة التي تجسد مقولة أن (القانون ابن الحياة) وأن جدلية الربط بين التشريع والقانون والحياة هدف كل رجال الفكر والقانون وفقهاء التشريع، لأن هذا الهدف يحقق تشريع القوانين الإنسانية التي هي وليدة الأفكار والمبادئ والظروف الجديدة من أجل خلق حياة أفضل ومجتمع متطور يخدم البشرية بشكل عام.

المؤلف

1434هـ/ 2013م
Page 2
بسم الله الرحـمن الرحـيم

وقل ربِ زدني علماً

المحور الأول

الـتشـريـع

إنصاف المظلوم والشدة على الظالم والعفو عن الناس. ذلك يدعوهم إلى الطاعة؟

معين الأحكام – الطرابلسي

"وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ"

(البقرة: 179)

"إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ "

(النحل: 90)

"وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ"

(الشورى: 38)

لا يقضي الحكم بين اثنين وهو غضبان.

محمد (ص)

من ابتلي بالقضاء بين المسلمين فليساوِ بينهم في المجلس والإشارة والنظر ولا يرفع صوته على أحد الخصمين أكثر من الآخر.

محمد (ص)

في وصية الإمام علي (ع) إلى واليه على مصر الأشتر النخعي قال: (اختر للحكم بين الناس من أفضل رعيتك في نفسك، فمن لا تضيق به الأمور. وأفسح له البذل بما يزيل عليه ونقل معه حاجته إلى الناس... الخ).

الإمام علي (ع)

نهج البلاغة، ص435

كونوا للظالم خصماً، وللمظلوم عوناً.

الإمام علي (ع)

من كانت له أرض ثم تركها ثلاث سنين فلم يعمرها فعمرها قوم آخرون فهم أحق بها.

الخليفة عمر بن الخطاب (رض)

لا ينبغي للرجل أن يلي القضاء حتى يكون عارفاً بآثار من قضى مستنيراً لذوي الرأي.

عمر بن عبد العزيز (رض)

إنني من الذين يعتقدون أن علم القانون في حاجة إلى إطلالات على العالم الخارجي وإن محاولة الاقتصار على مادته الخاصة ستؤدي لا محالة إلى أن يذبل في ثنايا تفسير بائس أو جدلية جوفاء.

الفقيه الفرنسي رنار

العدالة المجردة من القوة عاجزة، والقوة غير العادلة مستبدة، ويتحتم مزج العدالة بالقوة ليكون العدل قوياً والقوة عادلة.

الفقيه باسكال
Page 3
الباب الأول

التـشـريـع

قال الله تعالى:"لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً"

المائدة: 48

الفصل الأول :التشريع والعرب

المبحث الأول :الوطن العربي

إن أصل الوطن العربي يقوم على استراتيجية متكاملة من حيث التكوين البشري القائم على وحدة الشعب العربي الواحد في أصله ولغته ووطنه وعاداته وتقاليده العربية الواحدة ودينه وحضارته وتراثه ومصيره الواحد وآماله وآلامه وأحلامه وأهدافه ومنطلقاته الواحدة.

وقد أثرت الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والقانونية في أصل تكوينه وبنائه وذلك بسبب الوحدة الجغرافية المتكاملة للوطن العربي التي جعلته يقع تحت تأثيرات تلك الظروف بحيث جعلته ملزماً بالخضوع لعوامل التطور العالمي والإقليمي فكرياً وثقافياً وتشريعياً. والشعب العربي تأريخياً لم يفقد الانتماء إلى قوميته العربية، والولاء لأمته العربية بحيث لم ينس (حتمية) التنظيم السياسي الموحد الذي يضع العرب في مكانهم المنشود من جهة، كما لم ينس الشعب العربي التنظيم القانوني الموحد الذي يؤدي إلى توحيد القوانين والتشريع لتحقيق العدالة والمساواة والحق والضمان الاجتماعي والاستقرار والسلام.

ولا شك في أن أهمية الوطن العربي تاريخياً واقتصادياً وتشريعياً وجغرافياً أدت إلى لفت أنظار العالم الاستعماري حتى تعرض لفتوحات وحملات وغزوات عسكرية استعمارية قديمة وشرسة.

وقد أدت هذه الغزوات إلى حالة من الفوضى والاضطراب السياسي الذي جعل الوطن العربي يعيش حالة من التخلف والاستغلال والاغتصاب وتفكك القوانين والتشريع وتنوعهما، حيث حاولت الدول الغازية أن تصدر تشريعات تهدف إلى خدمة مصالحها وسيطرتها وذلك من خلال تحكمها في القضاء والتشريع باعتبارهما من أهم وسائل الاستقرار والسيطرة على الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتقنين القوانين الخاصة وتشكيل محاكم ذات كيان أجنبي على غرار محاكمها وإعطائها اختصاصات مهمة(15).

إن الوطن العربي يختلف عن المجتمعات الأخرى في العالم الثالث لماضيه السياسي والحضاري الذي أثرت فيه مجموعة من العوامل التاريخية والدينية والتراثية والثقافية والتشريعية التي لا يمكن تجاهلها بأي حال من الأحوال. فإرادة الصمود والتماسك لمواجهة المحن والغزوات، والتطلع إلى تبديل وتغيير الواقع الذي يتعرض له الوطن العربي ليتمكن من المشاركة في بناء التشريع العربي الموحد، إلا أن السيطرة الأجنبية تستنزف عناصر القوة والاتحاد في الأمة ثم تحاول عزلها عن عوامل التطور الثقافي والتشريعي والتفاعل الحضاري. لذلك شهدت الأمة العربية أدواراً مختلفة من الكفاح والنضال التربوي والفكري والتشريعي حتى أدت إلى قيام عدة ثورات في مختلف أقطار الوطن العربي بسبب فرض تقنيات وتشريعات مختلفة هنا وقوانين أخرى هناك حسب مصالح الاستعمار ونفوذه(16).
Page 4
المبحث الثاني :التشريع في بعض الأقطار العربية

كان الوطن العربي، لأهميته، من الأهداف المهمة للدول الاستعمارية ومنها الدولة العثمانية ذات الأهداف التوسعية التي احتلته، وسعت بعد الاحتلال إلى تغيير أوضاع الدولة الاجتماعية والاقتصادية والتشريعية، فحاول سلاطينها إحداث نهضة تشريعية تقوم على إصلاح النظم القانونية التي تقوم عليها الإمبراطورية العثمانية، فأصدر السلطان عبد الحميد في 26 شعبان سنة 1255 هجرية مرسوم الإصلاح المعروف باسم (خط كلخانة) ثم صدرت بعد ذلك بعض التشريعات القانونية الخاصة، حيث صدر سنة 1850 قانون التجارة البرية ثم قانون أصول المحاكمات التجارية سنة 1870، بعدها صدر قانون الأراضي لسنة 1858 لتنظيم أنواع الملكيات العقارية في الأقطار الخاضعة لحكم الدولة العثمانية.

وقد استعان المشرع العثماني في ذلك الوقت بعملية التشريع في التقنينات الغربية ولا سيما التشريعات والتقنينات الفرنسية.

وبعد صدور هذه القوانين صدرت في عام 1869 (مجلة الأحكام العدلية) التي أصبحت القاعدة الرئيسة في المحاكم العثمانية باعتبارها من أهم القوانين التي طبقت في الدولة لشمولها بأحكام المعاملات وفقاً لمذهب أبي حنيفة (رض) ولم تتناول مجلة الأحكام العدلية المعاملات المتعلقة بالأحوال الشخصية (الإنسان) وإنما تركت ذلك للقوانين والتشريعات القديمة.

وقد وجهت لهذه المجلة عدة انتقادات قانونية، موضوعية وشكلية، حيث نظمت وفق الطريقة القديمة في التصنيف كذكر الحلول الجزئية وأحكام العقود بطريقة منفردة ولغة ضعيفة وأسلوب مضطرب في التقنين.

إضافة إلى ذلك تمسكها وانفرادها بوحدانية الفقه الحنفي دون أنواع الفقه الأخرى فجاءت أبوابها وفصولها دون ترتيب أو استناداً إلى نظرية علمية في المعاملات والعقود والأفعال. وسوف نتناول هذه المجلة بشكل تفصيلي في أحد فصول هذا الكتاب باعتبارها من المصادر التشريعية لمعظم الأقطار العربية ومنها العراق.

ولم يتخلص الوطن العربي من الغزوات والاحتلال الأجنبي حيث بدأ الاستعمار الغربي، بعد الاحتلال العثماني يدخل المنطقة العربية خلال القرن التاسع عشر بعد أن كان خاضعاً للسيطرة العثمانية حتى بداية الحرب العالمية الأولى حينما انهارت الإمبراطورية العثمانية.

ونتيجة للحرب العالمية الأولى امتدت السيطرة الاستعمارية الغربية الجديدة البريطانية والفرنسية إلى أجزاء الوطن العربي ومنها المنطقة الممتدة بين البحر المتوسط والخليج العربي(17).

وحاولت القوى الاستعمارية الجديدة العمل على تجزئة الوطن العربي إلى ولايات وإمارات من أجل تفتيت قدراته المادية والبشرية والاقتصادية، فأخذت هذه القوى أشكالاً مختلفة من السيطرة كالضم والإلحاق والانتداب والحماية والوصاية بأساليب غير مباشرة وتحت مسميات وطنية زائفة(18).

وأول ما قامت به القوى الاستعمارية هو العمل على خلق تشريعات تعبر عن مصالحها الرأسمالية في الصناعة وشركات الاحتكار وحماية مصالح رجال الأعمال. فانتقلت القوانين الغربية إلى الوطن العربي وحلت محل القوانين الوطنية الأصلية من أجل نهب ثروات الأمة العربية كالبترول وتمويل أسواقها ومصانعها من خيرات الوطن العربي(19).

وقد لجأت القوى الاستعمارية إلى تزوير القانون الدولي للتعبير عن إرادتها إلى: (إن القانون الدولي يخول القائد العام حق التشريع والإدارة في البلاد التي تحررها قوات الحلفاء من العدو)(20). لقد استمرت الأمة العربية، في ظل هذا الوضع السياسي في اقتباس القوانين والتشريعات من مصادر مختلفة أهمها القانون الفرنسي الذي استندت إليه القوانين في سوريا ولبنان. أما التشريع الانكليزي فكان محصوراً بالدول التي تقع تحت النفوذ البريطاني كالسودان وعدن.

وبعد الحرب العالمية الثانية عملت الدوائر القانونية في الأقطار العربية على تعديل قوانينها من أجل الإفادة من عملية تنويع مصادر التشريع سواء أكانت هذه المصادر أجنبية أم وطنية متأثرة بالمصالح الرأسمالية والاقطاعية، لذلك جاءت أكثر القوانين العربية نتاجاً للمصالح والقيم الإقطاعية والرأسمالية التي سادتها الفلسفة الفردية الصرفة(21).

لقد كان للمناخ السياسي والاقطاعي والاقتصادي الأثر الكبير في السياسة التشريعية ووضع القوانين في الأقطار العربية، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على أن القانون، أي قانون هو ابن مرحلته (ابن الحياة) حيث يولد من رحم الربط الجدلي بين تلك الظروف ومعاناة الإنسان، لذلك نرى أن هذه القوانين تختلف من قطر إلى آخر بسبب اختلاف الظروف والمناخات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتشريعية كما نرى ذلك في بعض الأقطار العربية التالية:
Page 5
1 – الوضع التشريعي في القطر المصري

كان القطر المصري في ذلك المناخ التشريعي السياسي والاقتصادي يطبق الشريعة الإسلامية منذ فتحها من قبل الاستعمار الغربي إلى عصر محمد علي باشا.

ثم استعير لها (قانون نابليون) نفسه وسمي بعد ذلك بـ (القانون المختلط) الذي وضع من قبل أحد المحامين الفرنسيين بأمر رئيس الوزراء في ذلك الوقت(22). علماً بأن القطر المصري لم يمتد إليه الفقه الإسلامي المقنن (مجلة الأحكام العدلية) وإنما بقي يطبق الفقه الإسلامي غير المقنن.

غير أن القطر المصري في عهد محمد علي باشا استقل تشريعياً عن التشريعات العثمانية (مجلة الأحكام العدلية) وصدرت عدة تشريعات مالية وإدارية وجنائية ترجع إلى سنة 1830 ميلادية، وأهم هذه التشريعات (قانون الفلاح الخاص بالحياة الريفية والزراعية).

ثم تعددت التشريعات والقوانين وانتهى الأمر إلى توحيدها في قانون واحد اسمه (قانون المنتجات). وفي العام 1858 صدر أول تشريع خاص بالملكية العقارية. وفي 6 كانون الثاني سنة 1880 صدر الأمر العالي المتضمن الحقوق التي اكتسبها كدفع (الإتاوة) من أصحاب الأراضي الخراجية.

ولما صدر التقنين المدني الوطني الأول سنة 1883 اعتبر حق هؤلاء في حكم المال التام. وفي ظل هذا التقنين المدني تركت الشريعة الإسلامية اقتفاء لأثر القانون المدني المختلط الذي وضع سنة 1875 ويستمد هذان القانونان، القانون المدني الأهلي المصري لسنة 1883 والقانون المدني المختلط لسنة 1875، أحكامهما من القانون المدني الفرنسي المعروف بقانون نابليون(23). وكان المذهب الفردي يسيطر على هذه القوانين.

إذا كانت حركة التشريع في القطر المصري التي عاصرت إنشاء المحاكم المختلطة سنة 1875 تمثل سيطرة الرأسمالية الأجنبية على التقنين، فإن حركة التشريع التي صاحبت إلغاء المحاكم المختلطة سنة 1949 تمثل حركة التشريع التي تعبّر عن حلول الرأسمالية الوطنية محل الرأسمالية الأجنبية، وبعد هذه الصراعات التشريعية في ظل الظروف المختلفة ولد القانون المصري الحالي رقم 131 لسنة 1948 وهو قانون أجنبي المضمون والأصول، مقتبس من قانون نابليون ويتصف بالطابع الرأسمالي الغربي وهو ما زال متمسكاً بأفكار المذهب الفردي ويعكس فلسفة ليبرالية من وجهة نظر ملاك الأرض الزراعية ونفوذ الاقطاع ويشجع على تكوين الملكيات الكبيرة.

ويرى البعض من مفكري القانون في مصر أن هذا القانون الجديد لا يعبّر عن أوضاع مصر الاجتماعية والاقتصادية السائدة فيها، وإنما يعبّر عن المصالح الغربية التي تنظم العلاقات البرجوازية المنقولة من الغرب.

ومن يلاحظ القانون المصري بدقة ومن حيث الجوهر يرَ أنه لم يأخذ بالشريعة الإسلامية بشكل تام وإنما أخذ بأحكام قليلة منها كحقوق الارتفاق وبعض الخيارات في البيع، أما جوهره فهو مقتبس من قانون نابليون(24).

وقانون نابليون، كما يعرف رجال الفقه والتشريع، جاء لتنظيم العلاقات البرجوازية والاقطاعية في ذلك الوقت، كجعل الملكية حقاً مطلقاً، والعقد شريعة المتعاقدين، ولا مسؤولية بدون خطأ. وهذه القواعد تعكس مصالح برجوازية القرن التاسع عشر التي جعلها نابليون ركيزة لنفوذه فأعلن أنه حامي حمى الملكية.

وإلى جانب التقنين والتشريعات التي صدرت علينا أن نعرف دور (الفقه) المصري وقدرته على التأثير في عملية التشريع في مصر. إن الأصول التاريخية للفقه المصري لا تختلف عن أصول التقنين والتشريعات الأخرى من حيث مصادرها وجوهرها، فهو كغيره يرتكز على الفلسفة الليبرالية التي تدعو إلى الحريات الديمقراطية البرجوازية التي ورثتها من الثورة الفرنسية كالذود عن حرية التملك والرأي والتعبير وحرية العبادة وفصل السلطات واستقلال القضاء وسيادة الأمة باعتبارها مصدر السلطات ومبدأ المشروعية وسيادة القانون.

وامتازت الفترة (الفقهية) في مصر، إن صح التعبير، برفض الفقه المصري للاجتهاد والاكتفاء بالاقتباس والتأثر بالثقافة الفرنسية التي ولدت (مدرسة الشروح على المتون) مقتفية سيرة المدرسة الفرنسية التي تهدف إلى خدمة الأغراض الرأسمالية. وفي هذه المرحلة الفقهية المصرية ظهر الدكتور العلامة عبد الرزاق السنهوري بكتابه المشهور (نظرية العقد) سنة 1934 الذي يعبر عن المصالح الرأسمالية المصرية في ذلك الوقت وامتد أثر هذا التشريع إلى الأقطار العربية الأخرى ومنها العراق. وأصبح هذا الكتاب المشروع الأصلي لعملية التقنين لسنة 1949 ثم أصبح المصدر الرئيس للقوانين العربية الأخرى كالقطر السوري والليبي والعراقي وأصبح الأساس للدراسات الفقهية المقاربة في الشريعة الإسلامية والتشريعات الأخرى.
Page 6
2 – التشريع في العراق

كان العراق تابعاً للأمبراطورية العثمانية من الناحية التشريعية، إضافة إلى النواحي الأخرى، حيث كانت تطبق قوانينها على المواطنين كافة.

وبعد الحرب العالمية الأولى خضع العراق لما يسمى (إدارة المناطق العادية المحتلة) أسوة بأجزاء ومناطق الدولة العثمانية التي خضعت للاحتلال البريطاني أثناء الحرب، ولأحكام الاحتلال سيطرته على البلاد المحتلة كانت ترافق القوات العسكرية بعثات وفرق سياسية وفنية وقانونية لإصدار التعليمات والبيانات كل حسب اختصاصه وخصوصاً فيما يتعلق بسريان قوانين وأنظمة الدولة العثمانية، مثل مجلة الأحكام العدلية وأصول المحاكمات الحقوقية العثمانية، وسريان القوانين الأجنبية الأخرى مثل قانون الشركات الهندي(25).

وفي ذلك الوقت صدرت عدة قوانين أخرى مثل قانون العقوبات البغدادي وأصول المحاكمات الجزائية البغدادية ونظام دعاوى العشائر المدنية والجزائية التي تخول السلطات الحاكمة ما يسمى (الحكومة الوطنية) وذلك بتاريخ 16/7/1921.

وبقيت هذه القوانين نافذة بحكم المادتين (113، 114) من القانون الأساسي العراقي. وكانت هذه القوانين وغيرها من قوانين الدولة العثمانية تمثل نظام الحكم المتخلف المتسلط على العراق.

وبعد أن ثارت الجماهير الفلاحية في العراق عام 1920، حاول الاستعمار البريطاني مقاومة الحركة الوطنية من أجل ضمان مصالحه، فعمد إلى سياسة الترغيب والتهديد لشراء ولاء بعض الطبقات الاجتماعية ليخلق منها طبقة حاكمة من تجار المدن وشيوخ العشائر وأفندية وباشوات بغداد من بقايا الحكم العثماني. لذلك بقي التشريع في ظل هذا الحكم قاعدة مساندة لضمان مصالح هذه الطبقات المشاركة في الحكم من جهة والدفاع عما يسمى بالحكم الوطني من جهة أخرى. فكانت قوانين التجارة مطلقة تخضع لها جميع الأعمال التجارية لتكفل للتجارة حرية واسعة للحصول على الأرباح الهائلة على حساب الشعب باسم حرية التجارة وربط تعاملها بالشركات الاحتكارية الأجنبية(26).

ومن خلال هذه القوانين والتشريعات خلق الاحتلال البريطاني طبقات تسانده بصورة مباشرة أو غير مباشرة حتى صدر بيان تحديد وتسجيل الأراضي لسنة 1920 من أجل خلق طبقة اجتماعية جديدة من الإقطاعيين والشيوخ.

إضافة إلى ذلك صدرت عدة بيانات أخرى تتضمن السيطرة على الأراضي وتتدخل في البيوع كقانون البيوع لسنة 1922، وقانون مراقبة أمور الري والسدود لسنة 1923، وقانون التسوية وقانون حقوق وواجبات الزراع لسنة 1933 الذي جعل الفلاح قناً مربوطاً بالأرض.

ومن يلاحظ هذه القوانين يرَ أن تشريعها يستهدف حماية الحكم ومصالح الحكام والطبقات التي تساندهم وتضمن السيطرة على المستغِلين (بكسر الغين)(27). وللقارئ الكريم أمثلة من قوانين تلك المرحلة.

1 – القانون المدني العراقي

في سنة 1933 تشكلت لجنة لوضع مشروع للقانون المدني العراقي، أعقبتها لجنة أخرى ثانية سنة 1936، ثم لجنة ثالثة سنة 1943، واستندت هذه اللجان في وضع مشروعها إلى (مجلة الأحكام العدلية) الصادرة سنة 1876 ووضع الأسس والقواعد اللازمة لذلك المشروع حيث اعتبرت الفقه الإسلامي كلاً لا يتجزأ وأخذت الأحكام من المذاهب الإسلامية كلها، إضافة إلى الاستعانة بأحكام القوانين الغربية ما دامت لا تصطدم مع روح الفقه الإسلامي والقوانين المدنية العراقية(28).

ومما جاء في الأسباب الموجبة للقانون المدني العراقي (وقد أخذت الأحكام الواردة في هذا المشروع من المشروع المصري وفي جملته صفوة مختارة من القواعد التي استقرت في أرقى التقنينات)(29).

ومن يلاحظ القانون المدني العراقي يستنتج بصورة عامة أنه جاء لخدمة الطبقات المالكة ومصالح الطبقات الحاكمة من الاقطاع والرأسمالية في ذلك الوقت. حيث سيطرت عليه النزعة الفردية المطلقة كما نجد ذلك في تنظيم حق الملكية الذي يتضمن سلطة مباشرة على شيء معين يعطيها القانون تشخيصاً معيناً جاء ذلك في المادة (67) منه وعززت المادة (1048) هذا الحق حيث أشارت إلى أن الملك التام من شأنه أن يتصرف فيه المالك تصرفاً مطلقاً في ما يملكه وهذا المضمون والتصرف التام وارد في القوانين الغربية الرأسمالية للملكية، كما يشير إليها القانون المدني الفرنسي لسنة 1804 (قانون نابليون) بقوله (بأنها حق مطلق). وهذا ما جاء في القانون الألماني لسنة 1896.

ومما يؤسف له أن القانون المدني العراقي لا يختلف عن القانون المدني المصري الذي يسعى لتشكيل طبقة اجتماعية من الاقطاع والرأسمالية كما تشير إليه بعض المواد القانونية. فقد أشارت الفقرة (10) من المادة (115) إلى (إذا ردم عراقي جزءاً من البحر بإذن الحكومة مَلَك الجزء المردوم). وإذا كوَّن الطمى أرضاً جديدة كان للمجاورين لها حق أخذها ببدل المثل كما أشارت إليه المادة (1113) من القانون المدني. وإذا انكشف البحر والبحيرات أو الأنهر عن أرض تقرر للمجاورين حق أخذها ببدل المثل كما أشارت إليه المادة (1115) منه.

وإذا اتخذ النهر مجرى جديداً تاركاً مجراه القديم كان لأصحاب العقارات المجاورة حق أخذ هذا المجرى القديم ببدل المثل كما تشير إليه المادة (1116) منه.

وللشريك والخليط والجار حق تملك العقار المبيع بالشفعة ولو جبراً للمشتري. ويهتم القانون المدني العراقي بالشفعة اهتماماً بالغاً وهي مظهر من مظاهر الاقطاع، بحيث تخصص لها عشر فقرات من المواد (1128 – 1144) باعتبارها طريقة فعالة لتضخيم الملكيات الاقطاعية والقضاء على الملكيات الصغيرة.
Page 7
2 – اغتصاب الأرض في القانون المدني العراقي

يعترف القانون المدني العراقي بشرعية اغتصاب الأراضي ويقرر للمغتصب ثلاث دعاوى تحميه مما قام به من عملية سطو تسمى (دعاوى الحيازة) وهي دعوى استرداد الحيازة إذا انتزعت الأرض من المغتصب كما تشير إليه المادة (1150) منه، ودعوى منع التعرض للمغتصب في حيازته كما تشير إليه المادة (1154) منه. ودعوى وقف أي أعمال جديدة تهدد المغتصب كما تشير إليه المادة (1155) منه. ومن يلاحظ هذه المواد يستنتج أن القانون يحمي هذه السيطرة الفعلية على الأرض كما تشير إليه المادة (1146). ومن خلال هذه النصوص القانونية يعترف القانون بشرعية أعمال السطو كما كانت الحال في القرون الوسطى حيث كان سلب الأرض هو الوسيلة العادية لتكوين الاقطاعيات طبقاً لقانون الغاب. ومن هذا المنظور أصبح في إمكان السياسيين أن يستولوا على الأراضي ثم يتوجهوا إلى المصرف الزراعي الذي أنشئ خصوصاً في تلك الفترة وبدأ يمارس أعماله سنة 1946 ويرهنوا الأرض التي ليست هي ملكاً لهم فيحصلوا على القروض لزرعها وإصلاحها.

وبعد سنوات يتحولون إلى كبار الإقطاعيين بجهد الفلاحين وعرقهم بسبب الحصول على تلك المبالغ من المصارف التي أنشئت بأموال الشعب من الفقراء وتحولت إلى الأمراء.

3 – الحقوق العينية في القانون المدني العراقي

وفي هذا الباب أكد القانون المدني العراقي على (تمجيد الملكية الخاصة إذ اعتبر حق الملكية حقاً مانعاً جامعاً يبيح للمالك التصرف المطلق في ما يملكه عيناً وحقيقة واستغلالاً) وهذا أدى إلى حماية وتثبيت الملكيات الكبيرة والنظام شبه الاقطاعي ولم يقيد حجم الملكية بأي قيد.

أما نظرته إلى العقد فهي تلبي مصالح الرأسمالية في مطالبتها بحرية التعاقد فأياً يكن الحل الذي يرد عليه العقد فإن المتعاقد قد يجبر على تنفيذ التزامه كما تشير إليه المادة (145) والنص المتحجر (العقد شريعة المتعاقدين) فإذا نفذ العقد كان لازماً ولا يجوز لأحد العاقدين الرجوع عنه ولا تعديله (م146/1). وإذا استحال على الملتزم تنفيذ التزامه حكم عليه بالتعويض (م168) وأورد القانون المدني تطبيقاً لمطالب الرأسمالية فأجاز شروط الإعفاء من المسؤولية على نطاق واسع (م259/2).

4 – المسؤولية في القانون المدني

وفي نطاق أحكام المسؤولية عن العمل غير المشروع في القانون المدني العراقي الإصرار على حماية الطبقات المالكة تجاه ضحايا نشاطها من المواطنين الأبرياء.

فالقاعدة العامة أن المسؤولية ما زالت قائمة على خطأ يتعين على المضرور (م186/204) ومسؤولية المخدوم عن الضرر الذي يحدثه مستخدموه وهي أهم مجال للمسؤولية في ظل الاقتصاد الرأسمالي حيث يعمل رجال الأعمال في المشروعات الصناعية والتجارية، ومن خلال عدد كبير من التابعين له تقوم إلا إذا كان الضرر ناشئاً عن تعد وقع من المستخدمين أثناء قيامهم بخدماتهم كما تشير إليه المادة (219/1) من القانون المذكور.

وفي هذه الحالة يجوز للرأسمالي التخلص من المسؤولية إذا أثبت أنه بذل ما ينبغي من العناية لمنع وقوع الضرر كما تشير إليه المادة (219/2) من القانون المدني.

وهكذا يغنم الرأسمالي من وراء نشاط تابعيه ثم يتخلص من المسؤولية إذا أضر هذا النشاط بالآخرين. وفي كل الأحوال إذا دفع الرأسمالي تعويضاً فله الرجوع بما دفعه على تابعيه كما تشير إليه المادة (220) من القانون المدني.

أما مصالح المجتمع ومصلحة الفقراء فلم يرد لها أي ذكر سوى ما ذكر في المادتين (71، 72) من القانون المذكور. كما لم يذكر النظام العام إلا في حالة إبطال بعض العقود كما تشير إليه المواد (130، 131) من القانون المذكور.

وخلاصة ذلك، وهذا رأيي، فإن القانون المدني أصبح قديماً لا ينسجم مع هذه المرحلة المعاصرة والسبب في ذلك يعود إلى الصراع القديم بين أنصار مدرسة مجلة الأحكام العدلية التي يسندها النظام الاقطاعي المستبد، وبين البرجوازية الكبيرة التي تسندها الطبقة الحاكمة التي كانت ترى وجوب الأخذ بالتشريعات الحديثة السائدة في الوطن العربي.

ومن أجل ذلك الاختلاف القانوني تمت التسوية بين هذين الاتجاهين وذلك بصدور القانون المدني العراقي الذي هو تسوية بين مدرسة فقهاء المجلة العدلية وعميدها منير القاضي والمدرسة الفقهية البرجوازية وعميدها الدكتور عبد الرزاق السنهوري، وكان نتيجة هذا الصراع تشريع القانون المدني. وقد انعكس اندماج هاتين المدرستين على الفقه والتشريع والقضاء في العراق.

وتبعاً لظروف الحياة الاقتصادية والسياسية والعلاقة الجدلية بينها وبين حياة الإنسان، فقد أثرت هذه العلاقة في المدارس الفقهية الكلاسيكية بحيث فقد الفقه العراقي مكانته القديمة وأصبح تابعاً للفقه البرجوازي المصري كنتيجة للصراع بين هاتين المدرستين. وكذلك الوضع التشريعي في سوريا والكويت والأردن ولبنان والمملكة العربية السعودية والسودان وأقطار المغرب العربي(30).
Page 8
الفصل الثاني :التشريع وإصلاح النظام القانوني العربي

المبحث الأول :التشريع والأيديولوجيا العربية

في العقود الأخيرة من القرن العشرين وأوائل القرن الواحد والعشرين بدأت في حياة الأمة العربية نهضة ظاهرة تحولت فيها مظاهر الحياة العربية تحولاً كبيراً خصوصاً في الميدان التشريعي والقانوني، حيث حددت الأسس التشريعية الجديدة التي تعبر عن عملية الربط الجدلي بين روح القوانين العربية الأصيلة والحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تمر بها الأمة العربية، بحيث تجاوزت من خلالها الواقع العربي القديم إلى المستقبل العربي المعاصر تجاوزاً نوعياً وكلياً مما كان يحفل به الوطن العربي من تطورات ونزاعات وتيارات فكرية.

وكان لأصول ومنابع الأيديولوجيا العربية أثر كبير في عملية تجاوز مخلفات الماضي، حيث كان للتراث القومي العربي والبعد التاريخي للأمة أثر كبير في ولادة وتطوير ونمو تلك الأيديولوجيا التي جسد الإسلام فيها أعمق تجربة روحية وفكرية واجتماعية وسياسية في حياة الشعب العربي، إضافة إلى التجربة النضالية المعاصرة للأمة العربية التي جسدت اليقظة القومية لمقاومة السيطرة العثمانية والاستعمار الغربي، تزامناً مع الثورات المعاصرة التي بدأت بتجربة الإصلاح الديني في أوروبا حتى بلغت ذروتها في ثورة 1917 الاشتراكية التي ساهمت في طرح قضايا الشعوب والأمم المضطهدة والجماهير المسحوقة. ومن خلال هذه الثورات والحربين العالميتين الأولى والثانية، نشأ العالم الجديد على ما طرحته تلك الثورات من تيارات فكرية ونظريات سياسية شملت مختلف جوانب الحياة من قضايا مصيرية تمس مستقبل الإنسانية ومصير الشعب العربي(31).

من خلال ذلك التطور الفكري والسياسي رفضت الأيديولوجيا العربية، كغيرها من الأيديولوجيات الجديدة، التشريعات والقوانين الموروثة التي شرعت في العهود الرجعية التي عبرت عن المصالح الاقطاعية والرأسمالية لرجال الحكم في ذلك الوقت لأنها كانت تعكس الأفكار والمصالح الاقتصادية والسياسية والثقافية السائدة في تلك المجتمعات، خصوصاً التشريعات الموروثة التي تنظم العلاقات الاقتصادية والاجتماعية السائدة في العهود التي صدرت فيها لأنها كانت في غالبيتها تشريعات رجعية أو إصلاحية متخلفة عن روح العصر وتطوراته.

لذلك أصبح من الواجب الوطني والقومي إعادة النظر في جميع القوانين والتشريعات الموروثة منذ عام 1869 حتى اليوم، فيعدل ما يتطلب التعديل، ويبدل ما يتطلب التبديل أو الإصلاح ويلغى ما يستوجب الإلغاء.

إن بقاء التشريعات الموروثة التي أصدرتها الطبقات والفئات المتخلفة أمر يتناقض مع متطلبات التغيير التشريعي والقانوني المعاصر في المجتمعات الحضارية المتقدمة، ومع تصورات بناء المجتمع الديمقراطي الجديد في القرن الواحد والعشرين.

والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا الميدان.. من أين جاءت هذه التشريعات والقوانين الموروثة؟ ومن الذي شرعها وخصوصاً القوانين المدنية؟

إن أغلب القوانين الموروثة انتقلت إلى الوطن العربي في ظروف معينة خاصة. فالقانون المدني، وغيره من القوانين الجزائية والإدارية، بقي إلى اليوم يعبر عن مصالح المراحل التاريخية السابقة التي سادت فيها المصالح الإقطاعية والرأسمالية، وبقيت نصوصه مقدسة لا يأتيها التعديل أو التبديل أو الإلغاء إلا بوحي يهبط على رجال الفكر والقانون والقضاء من السماء إلى الأرض، وإلا ما معنى سيادة النص المطلق على الملكية الخاصة بأنها سلطة مطلقة مقدسة كما نص عليها قانون نابليون، ثم ما معنى التوسع في بناء الاقطاعيات الجديدة من خلال الاستيلاء على الأرض بجميع الوسائل والحيل القانونية؟ ثم ما معنى التوسع في حرية التعاقد ليحكم القوي الضعيف، وتحدد المسؤولية على أسس الخطأ حتى يخرج المضرور خالي اليدين إذا عجز عن إثبات هذا الخطأ.

إضافة إلى هذه النصوص التعسفية في بعض القوانين، فقد تحول القانون التجاري من قانون لخدمة المصالح العامة إلى قانون طبقي يعبر عن مصالح فئات محدودة، يرفع سعر الفائدة كما يشاء، ويسهل طرائق إثبات الحقوق الرأسمالية كما يريد، ويقيم القصاص بين المدينين، ويهيىء منح مهلة للقضاء، وينظم الإفلاس بطريقة تمكِّن إنقاذ الرأسمالي الكبير.
Page 9
ولا بد لنا في هذا المجال أن نبين للقارئ الكريم بعض ما يراه التشريع في الأيديولوجيا العربية فيما يتعلق بموضوع (الملكية) كمثال لرؤية هذه الأيديولوجيا في الإصلاح القانوني. في المنظور القومي العربي الثوري تتحول (الملكية) خصوصاً ملكية وسائل الإنتاج، من ملكية خاصة إلى ملكية عامة للشعب بأسره مع إلغاء الحاجة إلى الوسيط الرأسمالي المستغِل بصورة نهائية، وجعل دخل الفرد يرتبط مباشرة بعمله وكفاءته، كما يسعى هذا التحول إلى إلغاء اقتصاد الربح من أجل خلق وبناء اقتصاد يرتكز على الحاجات(32).

إن الملكية الخاصة بشكلها المطلق غير واردة في المفهوم العالمي الإنساني، وبخلاف هذا الرأي ترى الأيديولوجيا العربية أنها لا بد وأن تكون مستغِلة في نشاطها اليومي.

* * * *

وفي مجال الأرض، يرى التشريع في الأيديولوجيا العربية كمثال آخر، أن (الأرض لمن يحرثها) انسجاماً مع الشريعة الإسلامية، حيث أن هذا الشعار يعمل على تجنب الإصرار على التملك الفردي، كما يرى الخليفة عمر بن الخطاب (رض) عندما قال: (من كانت له أرض ثم تركها ثلاث سنين فلم يعمرها فعمرها قوم آخرون فهم أحق بها)(33). إن الموضوع الجوهري في الرؤية العربية الإسلامية إلى الأرض هو العمل على خلق علاقات إنتاج إنسانية بين الناس، لذلك اهتمت التشريعات الاقتصادية في الأيديولوجيا العربية بإيجاد قوانين وأنظمة تنظم المزارع الجماعية، وتحقق مزارع الدولة والجمعيات التعاونية.

إن العمل على تطبيق هذه التشريعات يؤدي إلى نتائج إيجابية في بناء المجتمع الديمقراطي الاشتراكي من خلال منع نشوء البرجوازية التي يخشى أن تتحول إلى قوة ممانعة من الناحية السياسية كما جرى ذلك في أوروبا.

المبحث الثاني :إصلاح النظام القانوني

نظراً إلى السلبيات التي وجدت في أكثر تشريعات الدول العربية، حاول عدد كبير من رجال الفقه والقانون والقضاء العمل الجاد من أجل إصلاح النظام القانوني في أقطارهم، كمصر والأردن وسوريا ولبنان وليبيا والمغرب والعراق.... إلخ.

لذلك سوف أتناول عملية الإصلاح القانوني في العراق من خلال إقرار ورقة الإصلاح القانوني بموجب القانون رقم 35 لسنة 1977 الذي صدر في 14/3/1977 ونشر في الوقائع العراقية العدد (2576) لأني أرى كرجل قانون، أن ورقة الإصلاح القانوني هذه، تنسجم والظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والإدارية التي يمر بها العراق بشكل خاص والأمة العربية بشكل عام، كرد فعل للتشريعات القانونية السابقة المتخلفة منذ العهد العثماني حتى الآن، ولا سيما أن أكثر القوانين العاملة في العراق اليوم تستند إلى أسس ومفاهيم تلك الورقة الإصلاحية القانونية. وللقارئ الكريم بعض مبادئ ورقة الإصلاح القانوني رقم 35 لسنة 1977.
Page 10
1 – في باب الحقوق العينية

رأت ورقة الإصلاح القانوني لعام 1977 أن منطلقات بعض القوانين، ومنها القانون المدني العراقي، تتضمن بعض النصوص في باب الحقوق العينية يعكس تمجيد بعض الحقوق وتقديسها كما هو في حق (الملكية الخاصة). إذ اعتبر القانون المدني، ولا يزال، حق الملكية حقاً مانعاً جامعاً دائماً يبيح للمالك التصرف المطلق في ما يملكه عيناً ومنفعة واستغلالاً ولم يقيده إلا بما يضر الجار ضرراً فاحشاً أو ينطوي على استعمال غير جائز للحق. ولم يركز اهتمامه على ما يتعلق بالمصلحة العامة بقدر اهتمامه بحماية وتثبيت الملكيات الكبيرة والنظام شبه الإقطاعي، كما لم يقيد الملكية بأي قيد. إضافة إلى ذلك، إن أكثر ما قرره القانون المدني من أحكام ينطلق من تفضيل مصلحة الدائن على مصلحة المدين وتفضيل رأس المال على العمل.

ولما كان القانون (ابن الحياة) فلم يعد القانون المدني في هذا الباب ينسجم مع السياسات العامة للدولة وأهدافها السياسية والاجتماعية والاقتصادية من جهة وعملية التطور الاقتصادي والسياسي في الأمة من جهة ثانية، واختلاف مناخات الزمان والمكان والظروف من جهة ثالثة. وهذا جزء يسير من السلبيات في باب واحد. وسوف أتناول السلبيات الأخرى في الفصول القادمة.

وانطلاقاً من هذا الواقع ينبغي لورقة الإصلاح القانوني تحديد المنطلقات الرئيسة والأهداف العامة التي يراد منها إصلاح العملية التشريعية.

2 – المنطلقات الأساسية لورقة إصلاح النظام القانوني

استناداً إلى عملية الترابط الجدلي بين التشريع والقانون وظروف المرحلة، لا بد أن يعطي ذلك الجدل القانوني بعض الأهداف التي تعمل على إصلاح النظام القانوني ومن هذه المنطلقات:

أ – القضاء على استغلال الإنسان لأخيه الإنسان من خلال القضاء على التناقضات بين مصالح الفرد والمجتمع. ولما كانت العلاقات الناشئة عن الملكية تنعكس على العلاقات العامة في مختلف المجالات، لذلك يجب تحقيق وتثبيت المساواة في الحقوق والواجبات في العلاقات كافة ومنها العلاقات في الحقوق العينية والشخصية، وإقرار مبدأ التعاون والمساعدات التبادلية كأساس مهم لما ينبغي أن تكون عليه أحكام ونصوص الملكية في القانون.

ب – الالتزام التام بمراعاة المصلحة العامة عند استعمال حقوق الملكية شرط أن لا يؤدي هذا الاستعمال إلى عمل مضاد لمصلحة الجميع.

ج – مع تطور العلاقات الاقتصادية وتأثرها بالأنظمة الاشتراكية ينبغي خضوع هذه العلاقات إلى الاقتصاد الموجه الذي يجب أن تمارسه الدولة وفق خطط وأهداف التنمية الوطنية والقومية، لأن وضع مثل هذه الخطط والأهداف يعتبر أساساً للتنظيم القانوني للحقوق والواجبات الناشئة عن الملكية، ولذلك فإن مضمون حق الملكية يتجدد ويتطور وينمو تبعاً لتطور العلاقات الاقتصادية والإنسانية، ووفق خطط التنمية والظروف المحيطة بها، وبالتالي يمكن أن تتخذ الملكية واستعمالها أشكالاً متنوعة، إضافة إلى أن مضامينهما تختلف عما كانت عليه سابقاً.