eKtab
EN ع
القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان
Read free sample

القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان

by وهبة بن مصطفى الزحيلي

Page 1

تقديم :حول معالم البحث

الحمد لله الذي كرَّم الإنسان، وعلَّمه البيان، والصلاة والسلام على نبي الرحمة العدنان، وعلى آله وصحبه سادة الأنام، وبعد:

فإنه كلما استبدت الأهواء والشهوات الجامحة في أصقاع العالم، وتفاقمت المشكلات والفتن والحروب، وضاق الناس ذرعاً أو هماً بما يحدث، واضطربت المعايير وازدوجت، وكأنهم في جحيم ويأس وقنوط؛ وجَدُوا في رحاب الهدي الإلهي، ولدى نخبة من حكماء العالم ومفكريهم وأئمة العلم، طريقَ الإنقاذ، وأمل النجاة، وسبيل السعادة إذا أرادوا الخلاص.

وهذا يدعونا إلى المزيد من التشبث برصيد الإنسانية السامية وعطاءات المحبين الرحماء، ومعرفة شعاعات الخالدين الذين هم أقوى وأصلب عزيمة من الظَّلَمة والقساة، وأبعد فكراً، وأسمى مقصداً، وأكثر حرصاً على مستقبل الحياة الإنسانية من أولئك العابثين بالقيم الخيرة، والمبادئ العليا، لتخفيف آلام البشرية، وتطويق ويلات الحروب والنزاعات الصاخبة، سواء في العلاقات الدولية وقت السلم والحرب، أم في صعيد الحياة الداخلية أو الإقليمية التي يكتوي الضعفاء والمعذبون بنيران الثورات فيها، وإفرازات الإرهاب والجرائم في أنحائها، ولبعث الآمال العذبة والبشائر المفرحة المثلجة للصدور، والمفرِّجة لهموم النفوس.

وإن العالم الإسلامي، بما لديه من رصيد خالد عظيم من الأوامر والتوصيات والزواجر والروادع الإلهية، وبسبب أن المسلمون يُعدون في وقتنا الحاضر خمس سكان العالم، فهم مطالبون ببيان نظام شريعتهم الربانية، لبيان الفرق الشاسع بين وسط الأشقياء في متاهات الظلم والظلمات، والتهديد بمصير مشؤوم، وبين منارات السعداء ومشاعرهم، والتعلُّق بأحلام الأخيار وعقيدتهم، كما أخبر الله تعالى في كتابه المجيد: {فَأَمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (*) خالِدِينَ فِيها ما دامَتْ السَّماواتُ وَالأَرْضُ إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ (*) وَأَمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتْ السَّماواتُ وَالأَرْضُ إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} [هود: 11/106-108].

وهذا التحذير أو الترهيب، والتشويق أو الترغيب، إنما هو من أجل تفادي مخاطر (نار الدنيا) والظفر بنعيم (جنة الدنيا) قبل نعيم عالم الآخرة.

ومما ينبغي العلم به أن في شريعة الإسلام الخالدة والمجيدة أصولاً ومعالم خمسة توازي تماماً مقاصد الشريعة التي هي: (الدين، والنفس، والعقل، والنسب أو العرض، والمال)، وهي:

(الحق، والعالمية، والخلود، والخاتمية، والإنسانية).

Page 2

- فالإسلام دين الله الخالد الثابت، قائم في معطياته وميزاته الكبرى، في مجال موازنته مع اليهودية العنصرية المغلقة، والمسيحية دين المحبة والسلام، على أنه ضد الباطل المهزوم؛ ألا وهو أنه دين الحق المنصور، والشامخ الشامل للأحكام التشريعية القائمة على مقتضى الحكمة والرشد والسلامة العامة، قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ *} [الصف: 61/9][1].

- والإسلام: دين ذو نزعة عالمية ، يحمل في طياته الخير والسعادة والنجاة لجميع العالم في الدنيا والآخرة، من غير أي شائبة نفع خاص أو مصلحة مادية قاتمة، على عكس «العولمة» الأمريكية الغربية المشوبة بأطماع التسلط والفوقية والمادية الطاغية ولطحن الثقافات المحلية، في ألوانها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، قال الله تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا *} [الفرقان: 25/1] .

- والإسلام هو الدين الخالد الباقي إلى يوم القيامة، بشموله وغناه وتشريعاته العقدية، قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ *} [الحجر: 15/9] .

- والإسلام هو خاتمة الأديان السماوية، الذي جسَّد الله فيه أقوم وأعدل وأسمى ما اشتملت عليه اليهودية والمسيحية، ليظل الشرع الدائم الصالح لكل زمان ومكان إلى يوم القيامة، قال تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا *} [الأحزاب: 33/40] .

- والإسلام هو حامي حمى الإنسانية السامية وحقوق الإنسان. فكل الأصول أو المعالم السابقة: «الحق، والعالمية، والخلود، والخاتمية والإنسانية»، إنما هي من أجل رعاية مصالح الإنسان السوي السعيد، وتلك الرعاية هي غاية تنزيل القرآن الكريم، فلولا (الإنسان) وتكريمه، لما وجد الكون، وكان كل ما في الكون من أجل الإنسان. والدلالة على ذلك سورة مستقلة في القرآن هي سورة الإنسان أو سورة الدهر (1 - 31)، وقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 2/29] ، ولولا رحمة الله بالإنسان ورسالة الإسلام لما بقي العالم؛ لقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ *} [الأنبياء: 21/107] .

ومن أجل الإنسان شرع الله له تنظيم العلاقات الإنسانية الاجتماعية في قوله سبحانه: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ *} [الحجرات: 49/13] .

ولأننا أصحاب رسالة إلهية، علينا أن نسهم بقدر الوسع في احترام العمل بالقواعد الإنسانية وتفعيله من أجل خير الإنسان وحماية مستقبله، وهذا هو الدافع الأساسي لتصنيف هذا الكتاب.

ومنهجي أو خطتي في هذا الكتاب على النحو الآتي؛ في ثلاثة أبواب:

الباب التمهيدي- الإسلام وتكريم الإنسان وحقوقه وضماناتها.

الباب الأول- القانون الدولي الإنساني في الإسلام والأعراف والاتفاقيات الدولية. (مفهومه ومشتملاته ومصادره وتطوره وتطبيقه وخصائصه).

الباب الثاني- المقارنة بين قواعد الشريعة الإسلامية والاتفاقيات الدولية في الإطار الإنساني والعمل على تنفيذها واحترامها.

والله يحب المحسنين

Page 3

الباب التمهيدي: الإسلام وتكريم الإنسانوحقوقه وضماناتها

نتناول في هذا الباب ثلاثة مباحث: الإسلام وتكريم الإنسان، وحقوق الإنسان، وضمانات حقوق الإنسان، علماً بأن الكلام في هذه المباحث له ارتباط وثيق بالقانون الدولي الإنساني العرفي، لأن حمايةَ الإنسان حجرُ الزاوية في كل منهما.

Page 4

المبحث الأول- الإسلام وتكريم الإنسان

الإنسان أياً كان دينه أو مذهبه، أو انتماؤه السياسي، أو أصله وعرقه الذي خلقه الله عليه، هو صبغة الله، وهو أكرم مخلوق في الكون، بل أفضل من أكثر الملائكة ما عدا الخواصَّ منهم؛ كجبرائيل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل عليهم السلام؛ لأن الملائكة مفطورون مجبولون على الخير، أما البشر ففيهم نزعة الخير ونزعة الشر، قال الله تعالى عن البشرية: {الرَّحْمَنُ (*) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (*) خَلَقَ الإِنْسانَ (*) عَلَّمَهُ الْبَيانَ} [الرحمن: 55/1-4]، {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ *} [البقرة: 2/138] . وبمقدار تغليب نزعة الخير على نزعة الشر، يسمو الإنسان.

وكرَّم الله تعالى في قرآنه الإنسان تكريماً أبدياً، وأعلن تفضيله في قوله سبحانه: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً *} [الإسراء: 17/70] .

وهذا المبدأ القرآني في إعلان تكريم الإنسان يعد مفخرةً للإنسانية، وتجاوزاً لكل أوصاف النظرة الضيقة من عنصرية، وطائفية، وعرقية، وجنسية وغيرها، ليشعر المجتمع الإنساني أن البشر إخوة متساوون في أصل الخلق والانتماء، ومن جنس واحد، فقال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً} [النساء: 4/1] ، وتؤكدها آية أخرى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ *} [الحجرات: 49/13] .

وأعلن نبي الإسلام في خطبة حجة الوداع وثيقة الإنسانية على أساس من المساواة بين جميع البشر في الخَلْق أو الأصل، بقوله: «يا أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى»[2].

وتكريم الله تعالى للإنسان يتطلب -على سبيل الإلزام- حماية الكرامة الإنسانية، والحفاظ على حق الحياة، وتمكين كل إنسان، صحياً وجسدياً، من ممارسة شؤون حياته، وأداء رسالته، وإشعاره بأنه عضو أساسي نافع لمجتمعه وأمته، أياً كانت منزلته الاجتماعية ومهنته، حتى يعيش المجتمع الإنساني والأسرة الإنسانية في عزة وكرامة، ورخاء وأمن واستقرار وسعادة، دون إخلال بمقوِّمات الحياة الضرورية العزيزة، إلا إذا وجد مسوِّغ أو مقتضٍ مؤكد لعقابه على ما يرتكبه من جنايات أو مخالفات.

هذا، مع العلم بأن حماية الكرامة الإنسانية لأي إنسان مسلم أو غير مسلم هي أصل كل حق أو واجب، في تقدير الإسلام.

Page 5

المبحث الثاني- حقوق الإنسان

في العاشر من كانون الأول/ديسمبر 1948م صدر ميثاق حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، واعتبر ذلك اليوم حدثاً عظيماً بارزاً، وعيداً عالمياً؛ لإحساس الناس قاطبة بالراحة الكبرى، وتوقع استقرار الأمن والسلم الدوليين بعد حربين عالميتين؛ الحربِ العالمية الأولى في عهد عصبة الأمم من 1914-1918م، والحرب العالمية الثانية في عهد الأمم المتحدة من 1939-1945م، وانتظرت البشرية انتهاء الحروب وتصفية الاستعمار البغيض، وتحقق ذلك ببطء في النصف الثاني من القرن العشرين.

لكن الواقع كان خلاف الأمل، فحدثت حروب باردة وساخنة، إقليمية ودولية. وأدرك المجتمع البشري أن حقوق الإنسان صارت مجرد شعارات، وظهر ما يسمى بالقانون الدولي الإنساني العرفي الذي لم يزل بحاجة إلى قوة تنفيذية ملزمة، ظهرت بوادرها في إنشاء المحكمة الجنائية الدولية سنة 1998م.

وأصبحنا بين الميثاق الإنساني وبين الجنائية الدولية نترقب احترام حقوق الإنسان بالفعل، لكن من بداية القرن الحادي والعشرين إلى الآن، عاصرنا تدخلاً سافراً أمريكياً وأوربياً في مظلة (حلف الناتو) في شؤون العراق وأفغانستان والصومال، وغيرها من الدول، وكذلك حرب الصرب ضد مسلمي البوسنة والهرسك وكوسوفو، حيث وقعت مجازر دموية سنة 1995م ذهب ضحيتها عشرة آلاف من المسلمين، ومعاملة روسيا الشنيعة لأهل إقليم الشيشان، وقبلها قتل أكثر من نصف مليون مسلم في عهد ستالين، وقتل اليوغسلاف نصف مليون من المسلمين، وحرباً ضروساً في الربع الأخير من القرن العشرين بين الهند والباكستان، فضلاً عن الانتهاكات الصارخة المستمرة من (دولة إسرائيل) ضد أصحاب الحق في فلسطين، ومنها شن حرب عاتية ووحشية على إقليم غزة سنة 2008م، وقبلها على لبنان سنة 2006م. مما يعد تدميراً كاملاً شاملاً لحقوق الإنسان، برعاية أمريكية وأوربية فاضحة.

وكل هذه الظواهر وغيرها دليل قاطع على انتهاك مبادئ حقوق الإنسان من الدول الكبرى والصغرى، مما يجعلنا نحن المسلمين في العالم الإسلامي، وغيرنا أيضاً، ننادي بضرورة احترام هذه الحقوق.

وعكف الدارسون والباحثون والمفكرون على إثراء المناداة بحقوق الإنسان وبيان خصائصها فيما يأتي:

Page 6

1- أساس حقوق الإنسان

برز اتجاهان فكريان في الدساتير والمواثيق العالمية لحقوق الإنسان في بيان أساس هذه الحقوق:

الاتجاه الأول: أن أساس حقوق الإنسان هو العدل، فيجب على الدولة توفيره، للقضاء على ألوان الظلم والاستغلال والاستعباد.

والاتجاه الثاني: أن الأساس هو الحرية ، فبغير الحرية لا يوجد العدل، وبالحرية يشعر الإنسان بوجوده، والعدل يتطلب المساواة، وفي ظلال الحرية يبرز السلام الذي يبني السلام والأمن الدوليين.

وأما في الشريعة الإسلامية فأساس حقوق الإنسان هو تكريم الله تعالى للإنسان ، لأن تكريم الإنسان تكريم للمجتمع، ومنشأ كل الحقوق: صلاح الإنسان والمجتمع، وهذا التكريم الإلهي للإنسان منصوص عليه في القرآن المجيد في الآية الكريمة: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء: 17/70] .

فحقوق الإنسان في الإسلام ذات ارتباط وثيق بالدين والأخلاق، والقيم العليا القائمة على الإيمان الحق بالله تعالى، والمساءلة أمامه، والخوف من عقابه. ومنشأ جميع الحقوق والحريات العامة وحقوق الإنسان من مبدأ الكرامة الإنسانية المقررة أصلاً عاماً للبشرية كافة، كما تقدم.

وتبدو معالم هذه الحقوق في الإنسان فيما يعرف بمقاصد الشريعة الخمسة؛ وهي: الدين، والنفس، والعقل، والنسب أو العرض، والمال. وهي الكليات والأصول التي أقرتها جميع الأديان السماوية، والتي عبرت عنها الآية القرآنية: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لاَ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ *} [الممتحنة: 60/12] . ولا خصوصية للنساء، بذلك، بل الآية تشمل الرجال، لأن خطاب كل جنس في التشريع الإسلامي يشمل الآخر، والآية نصت على حق التدين والاعتقاد، وحق الحياة، وحقوق النفس الذاتية والأخلاقية، وحق احترام الأعراض والكرامات، وحق الأموال كسباً وإنفاقاً.

Page 7

2- أنواع حقوق الإنسان

حقوق الإنسان كلٌّ لا يتجزأ، ويكمل بعضها بعضاً، وصيانتها كلِّها واجب محتم في الإسلام والقوانين والأعراف الدولية، ويمكن تصنيفها علمياً بثمانية أنواع؛ وهي[3]:

الحقوق الأساسية، والحقوق السياسية، وحقوق اجتماعية للأسرة والجماعة، وحقوق التربية والتعليم والتثقيف، وحقوق العمل والضمان والتكافل الاجتماعي، وحقوق الاقتصاد تملكاً وكسباً، وحقوق المواطنة والجنسية، والانتقال واللجوء والتقاضي، والحقوق الدولية.

أ) الحقوق الأساسية

هي حق الحياة، والحرية، والمساواة، والتدين والاعتقاد.

- أما حق الحياة: فهو أساس الحقوق والوجودِ الإنساني، ومنطلق كل نشاط للإنسان، وأغلى شيء وأخطره، فيحظر المساس به، ويحرم الاعتداء على أي إنسان مهما كان أصله وانتماؤه؛ لقوله تعالى: {مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 5/32] ، وفي السنة النبوية: «قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا»[4].

ويحرم أيضاً على الإنسان ذاته الانتحار ، لأنه اعتداء صارخ على صنع الله تعالى، وعقوبتُه الخلود في نار جهنم، لحديث: «بَدرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة»[5]، أي بادر إلى قتل نفسه. وتحرم المبارزة إلا في حال الحرب، أو تعلم الفروسية بشرط انتفاء الأذى، ويحرم الإذن أو الأمر أو الرضا بالقتل ولو بالإشارة، كما يحرم إجهاض الجنين منذ بداية تكوّنه، فهو الموءودة الصغرى، بتعبير فقهاء المالكية والظاهرية.

وتعد جريمة إفناء الجنس البشري أو الإبادة الجماعية من الجرائم الكبرى الخاضعة لعقاب المحكمة الجنائية الدولية، وجاء في الإعلان الإسلامي لحقوق الإنسان (م 2/2): «يحرم اللجوء إلى وسائل تفضي إلى إفناء النوع البشري».

ويحظر شرعاً التمثيل بالقتلى، لانتهاك حرمة الإنسان . ونصَّت المادة الثالثة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن «لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه».

وكذلك نصّت الاتفاقية الدولية لحقوق الإنسان المدنية في المادة (3) على أن «لكل إنسان الحق الطبيعي في الحياة، ويحمي القانون هذا الحق، ولا يجوز حرمان أي فرد من حياته بشكل تعسفي».

ونصت المادة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة على أن من أُولى مقاصده «تحقيق التعاون الدولي على حل المسائل الدولية ذات الصبغة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإنسانية، وعلى تعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس جميعاً، والتشجيع على ذلك، إطلاقاً بلا تمييز بسبب الجنس أو اللون أو اللغة أو الدين، ولا تفريق بين الرجال والنساء».

- وأما حق الحرية: فهو حق كل إنسان في ممارسة أعماله المادية والمعنوية كما يشاء، دون مصادمة مع حريات الآخرين، إلا أنها تخضع عند الانحراف عن هدي القيم الدينية والأخلاقية للمساءلة والعقاب؛ للآية الكريمة: {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا *} [الكهف: 18/29] .

إن الحرية -كما أوضحت في كتابي: حق الحرية في العالم- حقٌّ فطري غريزي مقدس لكل إنسان، ما دام في الوجود، والأصل العام في الإنسان الحرية، وتتطلب هذه الحرية العيش في أفق عام دون مضايقة ولا إزعاج ولا مصادرة ولا تعطيل إلا بجريمة، ومن أطيافها أو ألوانها حرية الرأي والتعبير والنقد البنّاء والتظاهر السلمي، وكذلك حرية الاعتقاد والتدين، وحرية العمل، والحركة والتنقل، ورعاية حرمة المساكن والمنازل ومنع الدخول إليها أو تفتيشها إلا في حال الضرورة أو ارتكاب الجرم المشهود، أو بموجب إذن من صاحبها أو بأمر قضائي؛ لقول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ *} [النور: 24/27] .

ومن المعلوم أن حرية التدين والاعتقاد مكفولة، فلا يُكره أحد على قبول دين أو اعتقاد؛ لقوله تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة: 2/256] .

والحرية السياسية والاجتماعية مصونة في الإسلام، قال عمر بن الخطاب: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟».

ونصَّت المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان المؤلَّف من ثلاثين مادة على أنه «يولد جميع الناس أحراراً متساوين في الكرامة وفي الحقوق، وقد وُهبوا عقلاً وضميراً، وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضاً بروح الإخاء».

وهو إقرار لحق الحرية والمساواة الأصيلة للبشر منذ الولادة، وبيان لصفة الإنسان الاجتماعية القائمة على الإخاء.

Page 8

وهذا هو أساس حقوق الإنسان في الإسلام، كما تقدم، وكما يأتي.

- وأما حق المساواة - كما ذكرت في كتابي (الإسلام دين الشورى والديمقراطية)-: فيعني تساوي الناس في الحقوق والواجبات، من غير تفضيل أحد على غيره بسبب الأصل أو الجنس أو العرق أو الطائفة أو القبيلة أو الدين أو المذهب أو اللون أو الدم أو الطبقة الاجتماعية، ونحو ذلك، مما يحظر التفرقة العنصرية، لأن الناس من أب واحد وأم واحدة، لا تمييز بينهم إلا بالتقوى (التزام الأوامر واجتناب النواهي أو المحظورات)، أو بالعمل الصالح الشامل لبذل الجهد أو العطاء أو العلم أو الابتكار، ونحو ذلك؛ لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ *} [الحجرات: 49/13] ، وقوله سبحانه: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً} [النساء: 4/1] ، فهذه الآية والتي قبلها نص صريح في إعلان المساواة الإنسانية والأخوة البشرية.

والمساواة في الإسلام محقَّقة بين الرجل والمرأة تماماً في كمال الأهلية (أهلية الوجوب وأهلية الأداء بعد الرشد)، وفي استقلال الذمة المالية وحرية التصرف في الحقوق الخاصة الطبيعية والفطرية، والتكاليف الإلهية والمنازل والدرجات الأخروية في الجنة.

وأما وجود بعض التفاوت في الأحكام الشرعية، فلا علاقة له بالتكريم والأهلية والقضايا الأساسية؛ وإنما لاعتبارات أخرى تحفظ كيان المرأة، ولإعفائها من تحمل المسؤوليات الخطيرة، كالرئاسة العامة، والقضاء، والشهادة في الجنايات، أو لمراعاة ظروفها وقلة خبرتها بشؤون الحياة العملية في مجال الشهادة في المعاملات، فيضم إليها شهادة امرأة أخرى، وتقبل شهادتها وحدها فيما لا يطلع عليه الرجال، وفي رؤية الهلال. وأما ميراثها فلأنها لا تطالب بالإنفاق على أحد، سواء أكانت أماً أم بنتاً أم أختاً أم زوجة، ومع ذلك قد تكون مساوية للرجل؛ مثل تساوي أولاد الأم في الحق الإرثي، وقد يكون نصيبها أكثر من الذكر، بسبب كونها صاحبة فرض شرعي مقدر؛ كالنصف للبنت الواحدة، والثلثين لاثنتين، وغيرها من العصبات من جهة العمومة؛ إذ يأخذ العصبة ما أبقى ذوو الفروض المقدرة، وتكون هي صاحبة الفرض الواجب أخذه أولاً كبنت أو أخت أو بنتين أو أختين، مع وجود أعمام أو أولاد عم.

وفي مجال التنظيم الدولي: أقرت الدول المعاصرة، إلى جانب المساواة بين الأفراد، المساواة بين الدول في السيادة الداخلية والخارجية وسائر الحقوق باعتبارها أحد مقومات استقلالها. والسيادة الداخلية: حق الدولة في فرض سلطتها على المواطنين، والسيادة الخارجية: عدم خضوع الدولة لأي سلطة خارجية، والسيادة بنوعيها تفرض المساواة في الحقوق بين الدول صغيرها وكبيرها، وتوجب تحريم تعدّي بعضها على البعض، أو تدخلها في شؤون غيرها الداخلية، وتحريم اغتصاب الأراضي بالقوة، وذلك كله وارد في ميثاق الأمم المتحدة في المادة الثامنة من ديباجة الميثاق.

ومن حقوق الإنسان: حق الشعوب في المعاملة الإنسانية ؛ بأن تتمتع الشعوب بالمحافظة على كيانها وشخصيتها وحياتها الحرة في بلاد آمنة ثابتة، لذلك كان الاضطهاد الجماعي بطريق الإبادة أو التشريد أو التهجير أو المعاقبة، من الأمور المنافية لهذه الحقوق[6].

ومن حقوق الإنسان: منع العقوبات الجماعية[7]، فلا يجوِّز قانون العقوبات الداخلي، ولا القانون الدولي، الانتقام الجماعي رداً على الاعتداء الفردي، مما يدل على تجريم الكيان الصهيوني على كل ما فعله مع الفلسطينيين في النصف الثاني من القرن العشرين؛ من الطرد من وطنهم والتشريد في البلاد الأخرى، ومن الاعتداء الوحشي على قطاع غزة سنة 2008م، وفي كل وقت على الضفة الغربية، مع تهديد القدس كلها بالتهويد وغيره.

والإسلام يقر هذه الحقوق كلَّها، ويعترف بحقوق الدول الأخرى في سيادتها وحقوقها ومعاملتها الإنسانية، ومنع العقوبات الجماعية المصادم للمبدأ القرآني: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 6/164] .

- وحق التدين: يتطلب ضرورة احترام بيوت العبادة، وعدم المساس بها، سواء المساجد والكنائس والبِيَع[8]؛ لقوله تعالى في إقرار حرمة هذه الأماكن: {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} [الحج: 22/40] .

وحق التدين يتطلب التسامح واللين والجدال بالأحسن أو الحوار والحكمة، والموعظة الحسنة، وذلك واضح تمام الوضوح في تاريخ المسلمين، إذ لم يقم أي دليل على إكراه أحد على الدخول في الإسلام، وتم إبرام وثائق كثيرة مع غير المسلمين لحماية دور عبادتهم وحريتهم، مثل صحيفة المدينة المنورة، ومثل صلح أهل نجران الذي أبرمه النبي r معهم، وصلح خالد بن الوليد لأهل الحيرة، والوثيقة العمرية التي أبرمها عمر بن الخطاب مع أهل إيلياء (القدس).

أما صحيفة المدينة ، أو الوثيقة السياسية بين المسلمين (المهاجرين والأنصار) واليهود، فقد جاء فيها في بند (25): «وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم وأثم، فإنه لا يُوتغ إلا نفسه وأهل بيته»[9].

وأما صلح نجران ففيه: «ولنجران وحاشيتها، جوار الله وذمة محمد النبي رسول الله، على أموالهم وأنفسهم ومِلّتهم، وغائبهم، وشاهدهم وعشيرتهم، وبيَعهم، وكلِّ ما تحت أيديهم من قليل أو كثير، لا يغيَّر أُسقُف من أُسقفيّته، ولا راهب من رهبانيته، ولا كاهن من كهانته، وليس عليهم دنية ولا دمُ جاهلية، ولا يُحشَرون ولا يُعشَرون، ولا يطأ أرضهم جيش، ومن سأل منهم حقاً، فبينهم النَّصف غير ظالمين ولا مظلومين»[10].

وأما كتاب خالد لأهل الحيرة فيتضمن: «وشرطت عليهم أن عليهم عهد الله وميثاقه الذي أُخذ على أهل التوراة والإنجيل: ألاَّ يخالفوا، ولا يعينوا كافراً على مسلم من العرب ولا من العجم، ولا يدلّوهم على عورات المسلمين، عليهم بذلك عهد الله وميثاقه الذي أخذه، أشدَّ ما أخذه على نبي من عهد أو ميثاق أو ذمة[11]، فإن هم خالفوا فلا ذمة لهم ولا أمان. وإن هم حفظوا ذلك ورَعَوْه وأدّوه إلى المسلمين، فلهم ما للمعاهد، وعلينا المنع لهم، فإن فتح الله علينا فهم على ذمتهم، لهم بذلك عهد الله وميثاقه.. إلخ».

«وجعلت لهم: أيما شيخ ضعُف عن العمل، أو أصابته آفة من الآفات، أو كان غنياً فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه، طُرحت جزيته، وعُيِّل من بيت مال المسلمين وعيالُه، ما أقام بدار الهجرة ودار الإسلام. فإن خرجوا إلى غير دار الهجرة ودار الإسلام، فليس على المسلمين النفقة على عيالهم»[12].

وهذا أمثل وأكرم ما توصل إليه العصر الحديث مما يسمى بالضمان الاجتماعي.

وأما العهدة العمرية ، أو معاهدة عمر مع أهل إيليا (بيت المقدس)، فتشتمل على ما يأتي:

«بسم الله الرَّحمن الرَّحيم. هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيليا من الأمان. أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانهم، وسقيمها وبريئها وسائر ملتها، أنه لا تُسكن كنائسهم ولا تُهدَم، ولا ينتقص منها ولا مِن حيِّزها، ولا من صليبهم، ولا من شيء من أموالهم، ولا يُكرهون على دينهم، ولا يضارّ أحد منهم، ولا يَسْكن معهم أحد من اليهود»[13].

هذه مواثيق من العهد الإسلامي الأول، فيها بيان صريح للحرية الدينية وحماية الشعائر الدينية، والحفاظ على الكنائس، ولله در عمر حين التفت إلى عدم مساكنة اليهود للنصارى في القدس!

وكذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان نص في المادة الأولى منه على: «يولد جميع الناس أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق»، وفي المادة الثانية على أن: «لكل إنسان حق التمتع بكافة الحقوق والحريات الواردة في هذا الإعلان دون أي تمييز، كالتمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي، أو الميلاد، أو أي وضع آخر دون أي تفرقة بين الرجال والنساء»[14].

- وأما حرية الرأي والتعبير: فهي قدرة الإنسان على التعبير بمختلف الوسائل لمعرفة سياسة الدولة والوصول إلى ما هو خير للأمة.

والإسلام يتفق مع غيره من الأنظمة في بيان أن حرية إبداء الرأي والتعبير متممة لحرية الفكر والضمير والعقيدة، لذا أجازت الشريعة الاجتهاد، ولا سيما في القضايا المعاصرة، وهو المنهج النبوي والراشدي، قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلاَ تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا *} [النساء: 4/105] ، وقال النبي r: «إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ، فله أجر»[15]. وأقر النبيُّ r معاذَ بن جبل حين أرسله إلى اليمن قاضياً حين سأله، إذا لم يجد حكماً في الكتاب والسنة فقال: «أجتهد برأيي ولا آلو»[16]، أي لا أقصر في الاجتهاد.

ويجب الإقرار بحرية الرأي والتعبير في مجال الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو بقصد المجاهرة بالحق والمطالبة بالعدل[17].

ومن أشهر الأمثلة على حرية التعبير موقف عمر رضي الله عنه حينما أراد وضع حد لغلاء المهور، فاعترضته امرأة وهو على المنبر قائلة: أيعطينا الله وأنت تحرمنا؟ فقال قوله المأثور: «أصابت امرأة وأخطأ عمر»[18]، مما دل على حرص عمر على العدل وحرية الرأي والتعبير.

وجاء في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (م19): «لكل فرد الحق في حرية الرأي والتعبير، التي تنطوي على حقه في عدم إزعاجه بسبب آرائه، وعلى حقه، دون اعتبار الحدود الجغرافية، في استقصاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت من وسائل التعبير».

Page 9

ب) الحقوق السياسية

من أهمها في مجال الحرية حرية الشعوب في الاستقلال، والمساواة في الحقوق بين الدول، وفي حقها في تقرير المصير، إعمالاً لمبدأ الكرامة الإنسانية التي هي عماد حرية الأفراد وحرية الشعوب، وذلك لإعلان حرية الشعوب في تقرير مصيرها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي[19]، وهو مطلب حق يقره الإسلام ويؤكده كما تقدم من الاعتراف بحرية الأمم الأخرى، وهو ما نوَّه به ميثاق الأمم المتحدة في أولى مواده، فقد ذكر: أن من مقاصد الأمم إنماء العلاقات الودية بينها «على أساس احترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب، وبأن يكون لكل منها تقرير مصيرها».

ثم أوضحت ذلك المادة الأولى من العهدين الدوليين الخاصين بالحقوق المدنية والسياسية وبالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إذ جاء فيها:

«1- تملك جميع الشعوب حق تقرير مصيرها، وتملك بمقتضى هذا الحق حرية تقرير مركزها السياسي، وحرية تأمين إنمائها الاقتصادي والاجتماعي والاقتصادي».

ثم أصدرت الجمعية العمومية للأمم المتحدة بتاريخ (14) كانون الأول/ديسمبر سنة 1960م قراراً بعنوان (الإعلان بمنح الاستقلال للبلاد والشعوب المستعمرة).

ومن الحقوق السياسية العامة والخاصة: حق الشورى ، وهو الحق الثاني الخطير من هذه الحقوق بعد حرية الرأي والتعبير.

والشورى في منطق الحكم السياسي: استطلاع الحاكم آراء الأمة أو ممثليها في القضايا العامة. أو: المشاركة في اتخاذ القرار السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو العلمي، لمعرفة الحق أو الصواب، ولتحقيق المصلحة العامة.

والمشاورة في القضايا العامة ضرورة حتمية ملزمة، لمعالجة الأوضاع والأحوال، وتقديم الأولويات، واتخاذ القرارات السليمة أو السديدة.

وقد أشاد الإسلام بمبدأ الشورى وقرره بصفة عامة، في قول الله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} [آل عمران: 3/159]، وقوله سبحانه في بيان خصائص أهل الإيمان: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 42/38] .

وكانت ظاهرة الشورى هي الظاهرةَ السائدةَ في العهدين النبوي والراشدي، ومتّبعة في الجملة في عهود الخلفاء والدول الإسلامية المتتابعة (الأموية والعباسية والعثمانية)، وإن وجدت مخالفات كَوِلاية العهد إلى ولد أو ولدين أو أكثر من الخلفاء.

قال أبو هريرة: «ما رأيت أحداً أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله r»[20].

وقال ابن عطية في تفسيره: والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، من لا يستشير أهل العلم والدين، فعزله واجب، هذا مما لا خلاف فيه، وقد مدح الله المؤمنين بقوله: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 42/38][21].

وفي النظام الدولي الحديث وجد النظام الديمقراطي بديلاً مفضلاً عن الأنظمة الاستبدادية، واعتبر من مقوّمات الحكم الديمقراطي أن يكون الشعب مصدر السلطات، ومن ثم اعتبار اشتراكه في الحكم من الحقوق الأساسية، وبخاصة ممارسة حق الانتخاب وحق تولي المناصب[22].

أما حق الانتخاب: فمظاهره واضحة في إيجاد نظام البرلمانات أو مجالس الشعب أو الأمة، سواء المجلس الواحد أم المجلس النيابي أم نظام المجلسين: النيابي، ومجلس الشيوخ أو مجلس الشورى. وفي تكوين المجالس الإدارية أو البلدية (الإدارة المحلية) على قدم المساواة بين الرجل والمرأة، ولدى نظام القضاء، ولا سيما في الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوربية.

وأما حق تولي المناصب: فلكل مواطن الحق في تولي الوظائف العامة، بضوابط معينة؛ كالأهلية القانونية المتعلقة بالسن إما سن الحادية والعشرين، أو سن الثامنة عشرة، والثاني هو الغالب.

وهذا ما نص عليه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (م 21)، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (م25)، فقد ورد فيهما:

1- لكل شخص الحق في الاشتراك في إدارة شؤون بلده العامة، إما مباشرة وإما بواسطة ممثلين يختارون اختياراً حراً.

والديمقراطية ما لم تكن علمانية أو لتقرير سلطة تشريعية مطلقة للبرلمانات، شبيهة بمبدأ الشورى المطلوب شرعاً في الشريعة الإسلامية كما تقدم بيانه.

والديمقراطية أو الشورى تؤدي غالباً إلى حكم الأكثرية الشعبية، وأصبحت الديمقراطية اليوم من الثوابت القانونية والدستورية، ما لم تكن في المنظور الإسلامي صورية أو قائمة على أساس التعيين في المجالس النيابية، أو هيمنة أجهزة الأمن على كل شيء، أو سيطرة الحزب الواحد، وما لم تقيد السلطة التشريعية بنصوص الشريعة الإسلامية الصريحة، لا الاجتهادية من ذوي الأهلية.

وذلك لأن الأساس الشرعي أو الفقهي هو: بناء الدولة على أساس الشورى أو الديمقراطية السليمة من أي ضغوط أخرى، وعلى واجب التقيد بالأحكام الشرعية.

Page 10

ج) الحقوق الاجتماعية للأسرة والمجتمع

فهي مقررة صراحة في القرآن والسنة النبوية، بدءاً بالزواج وإنجاب الذرية والعلاقة الأسرية المعبر عنها بأولي أو ذوي الأرحام، وانتهاء بفعالية كل إنسان في نشاطه الإنساني المشروع.

أما الزواج: فمرغوب فيه شرعاً بضوابط وقيم أخلاقية تكفل سلامة الأعراض وطهر الأنساب وتكافل الأسرة فيما بينها من أبوين وزوجة وأولاد، لقول الله تعالى: {وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور: 24/32] . والأيامى: كل من لا زوج له من الذكور والإناث.

وأمر الإسلام بحسن المعاشرة بين الزوجين في قول الله تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 4/19] ، وانفرد الإسلام من بين الشرائع والنظم بإيجاب المهر على الزوج، والإنفاق على الزوجة، والنفقةُ تشمل الطعام والشراب، والكساء، والسكنى، فقال تعالى: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا} [الطلاق: 65/7] ، وقال عز وجل: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلاَ تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ} [الطلاق: 65/6] .

وفي تقرير الحقوق المشتركة بين الزوجين قال تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 2/228] ، وذلك في حدود تسيير المصلحة المشتركة بقيادة الرجل أو حق القِوَامة، لقوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [النساء: 4/34] .

وأقر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان حق الزواج، وحرمة العائلة، وحق المرأة في الحياة والأمن والحرية، وحقوق الأمومة والطفولة[23].

وفي الحياة الاجتماعية: المواطنون متساوون أمام القانون، ولا تمييز بينهم بسبب العنصر أو اللون أو الدين أو المذهب السياسي، وللشعب كله حق الاشتراك في الحياة العامة وفي تولي المناصب، وحق الأمن الاجتماعي، وحق التمتع بالجنسية والمواطنة، وحرية التنقل، واختيار المنزل فراراً من الاضطهاد، وذلك في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وهو موافق لما قرره الفقه الإسلامي من كون «الوحدة الوطنية أساس المواطنة، وأن الوطن للجميع» لا لفئة خاصة.

وفي مبدأ (الشرعية)[24]: قرر الفقه الإسلامي ضرورة وجود الدولة وسلطتها التنفيذية والقضائية لحماية الحقوق من كل تسلط أو اعتداء. ووضع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أن الأصلَ في الإنسان براءةُ الذمة، ومنه حظر الاستبداد في إلقاء القبض والحبس والنفي، وحق التقاضي العلني النزيه، والتزام الشرعية في التجريم والعقاب، وهذا موافق للشريعة كما تقدم.

وفي العدالة الاجتماعية أكد الإعلان حقَّ العمل وحق الراحة، ومجانية التعليم، وإنماء الشخصية في التربية، والحق في مستوى العيش الكريم، وهذا مطابق لما نادى به الإسلام منذ العهد النبوي.

وفي الواجبات الاجتماعية: صرح الإعلان بضرورة التزام الفرد بأداء هذه الواجبات بهدف تطوير شخصيته، ومنه تقييد الحقوق إلا بما يفرضه القانون لتوفير حقوق الآخرين وحرياتهم، وتحقيق ما تقتضيه الديمقراطية والأخلاق والنظام العام، والامتناع عن كل ما ينافي أغراض الأمم المتحدة[25].

وصدر عن الأمم المتحدة ومثيلاتها إعلانات ومعاهدات دولية تفصيلية، منها ما يؤكد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، كالاتفاقين الدوليين المهمين اللذين صادقت عليهما الجمعية العمومية للأمم المتحدة بتاريخ 16 كانون الأول/ديسمبر سنة 1966م، وهما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في (53 مادة)، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في (31 مادة)[26].

- حقوق المرأة في الإسلام والأنظمة الدولية المعاصرة

الواقع أن للمرأة حقوقاً مساوية لحقوق الرجل، بغض النظر عن بعض الإشكالات المثارة بين الحين والآخر، وهي لا تتعلق في الحقيقة بمبدأ المساواة، وإنما ترتبط بحكمة التشريع وفلسفة الإسلام التي تراعي طبيعة المرأة، وضرورة رعايتها، وتمكينها من أداء رسالتها في الحياة، بحيث لا يضاف عليها عبء آخر بسبب انزلاقها في زحمة العمل، وتخفيفاً عليها وإعفاء لها من تحمل مسؤوليات جسيمة وخطيرة، علماً بأنها في مظلة الإسلام ذات قدر كبير واحترام عظيم، تحسدها عليه المرأة الغربية. وما قد يُظن من تمييز في الحكم الشرعي بين المرأة والرجل فمنشؤه اعتبارات أخرى حققت لها المجد، والتفوق، والسلامة، والأمن والسكينة، ويتبين هذا فيما يذكر هنا.

علماً بأن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وميثاق الأمم المتحدة لعام 1945م نظر كلاهما إلى قضية مساواة المرأة والرجل نظرة ظاهرية مادية، بغض النظر عن أي اعتبارات أخرى يتمسك بها السطحيون والمقلِّدون لمنطق الغرب وأتباعه.

ففي المادة (16) من الإعلان ما يلي: «للرجل والمرأة متى بلغا سن الزواج حق التزوج، وتأسيس أسرة دون أي قيد بسبب الجنس أو الدين، ولهما حقوق متساوية عند الزواج، وأثناء قيامه، وعند انحلاله».

وفي المادة السابعة عشرة: «كل الناس سواسية أمام القانون، ولهم الحق في التمتع بحماية متكافئة منه، دون أية تفرقة، كما أن لهم جميعاً الحق في حماية متساوية ضد أي تمييز يخل بهذا الإعلان، وضد أي تحريض على تمييز كهذا».

ثم أعلنت منظمة الأمم المتحدة إعلانين متعلقين بحقوق المرأة، وهما:

الأول: اتفاقية حقوق النساء السياسية عام 1953م وفيها (11 مادة) تصرح بأن المرأة لها حق التساوي بالرجل دون أي تمييز، وذلك في ثلاثة حقوق أساسية؛ وهي حق الانتخاب، وأهليتها لانتخابها في عضوية الهيئات المؤسسة على الانتخاب، وحقها في تولي المناصب العامة وممارسة الوظائف العامة.

الثاني: إعلان إزالة التمييز ضد النساء الذي وافقت عليه الجمعية العمومية للأمم المتحدة في 7/ 11/ 1967م وفيه (11 مادة) أيضاً، تذكر مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في جميع الحقوق، وإزالة كل تمييز بينهما.

فما موقف الإسلام من مبدأ المساواة بين المرأة والرجل؟

هذا الموقف واضح من خلال المبدأ النبوي: «إنما النساء شقائق الرجال»[27]. وفي ضوء هذا، المرأة كالرجل في تمام الأهلية والتكاليف الشرعية والدرجة في الجنان، وفي مطالبتها بالتعليم والتثقيف، لعموم حديث: «طلب العلم فريضة على كل مسلم»[28]، وفي رواية: «ومسلمة»، ومع ذلك، كل الخطابات التشريعية يتساوى فيها الرجل والمرأة، لأنهما من جنس واحد.

لكن راعى الإسلام طبيعة المرأة وضعفها وظروف اندماجها في الحياة العملية الصاخبة، فلم يلزمها بالعمل، وإن أجازه لها ما دامت محتشمة قوية الشخصية والإرادة فلا يطمع بها الطامعون، ولا تتجاوز ظروف العمل، ولا تلين في الكلام، وأعفاها من المسؤولية الخطيرة في تحمل توابع القرارات العامة ذات الأهمية البالغة؛ وهي رئاسة الدولة، والفصل القضائي في القضاء الجنائي من جرائم القتل والفواحش، وطالبها الإسلام في أداء الشهادة في المعاملات المدنية بضم شهادة امرأة أخرى، لقلة الاطلاع والخبرة لديها: {فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى} [البقرة: 2/282] .

وأما الحوادث أو الجرائم الجنائية الخطيرة كالقتل وسفك الدم وبتر الأعضاء مثلاً، فالمرأة لا تطيق بطبيعتها النظر إليها لرقتها وعاطفتها وعدم قدرتها على رؤية أحداثها المريعة. وللمرأة حق المشاركة في الأمور السياسية انتخاباً وترشيحاً، بضوابط تصون كرامتها ومستقبلها، في رأي جماعة من المعاصرين، كالدكتور مصطفى السباعي، ولها حق منح الأمان للعدو كالرجل.

وهي سيدة البيت الأولى إن كانت زوجة، فتحفظ المال، وتعنى بتربية الأولاد، وتراقب سلوكهم، وتؤهلهم ليكونوا جيل المستقبل، وتطالَب بإحسان تحمل المسؤولية في ذلك الجانب القيادي ذي البعد الإنساني العظيم الأثر، فقال النبيr: «كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، الرجل راع في أهله، وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها، وهي مسؤولة عن رعيتها»[29]. وهي ذات حقوق مساوية للرجل، بل قد تتفوق عليه، فالزوج مسؤول عن المهر والإنفاق عليها؛ زوجة أو أماً أو أختاً أو بنتاً. وإذا كان حظها في الميراث نصف الرجل فلأنها تدخر ما تأخذه كله، ولا تنفق منه شيئاً، على عكس الرجل المكلف بمتابعة النفقة حتى الكفاية من دون ادخار في الغالب، وهي في الواقع المشاهَد تحتاج إلى حماية الرجل والدفاع عنها ووقايتها من إلحاق الأذى والضرر بها في مناسبات معينة وبخاصة في الليل، بل تحتاج أيضاً إلى حماية المجتمع والدولة كما جاء في المادة (23) من الاتفاقية الدولية المتعلقة بالحقوق المدنية والسياسية، ونصها: «العائلة: هي الوحدة الاجتماعية الطبيعية والأساسية في المجتمع، ولها الحق بالتمتع بحماية المجتمع والدولة..».

وأما تعدد الزوجات: فهو بموافقة المرأة نفسها للضرورة أو الحاجة، أو مراعاة ظروف كثرة النساء في أعقاب الحروب، وأما جعل الطلاق بيد الرجل فلأنه أكثر انضباطاً وتقديراً للعواقب وخسارةِ نفقات الزواج، على عكس المرأة التي تغلب عليها عاطفتها، فتلجأ إلى الطلاق لأتفه الأسباب. ومع ذلك؛ فللمرأة حق المطالبة في المحاكم بفسخ الرابطة الزوجية عن طريق المخالعة (ببذل شيء من مالها)، بشرط التراضي بين الجانبين، بسبب عدم النفقة، أو غياب الرجل مدة أكثر من سنة عن المنزل، أو للحبس، أو لتفادي ضرر بها أو إيذاء لها، أو للشقاق والنزاع، أو لسوء العشرة، أو التفريق للعيب، أو بحكم الشرع والقانون كالتعسف في استعمال الحق.

وقد منح الإسلام المرأة ذمة مالية مستقلة عن زوجها، تتصرف بأموالها كيف تشاء، بعد أن كانت في الماضي قبل الإسلام محرومة من حق الإرث.

وأما المطالبة بتحرير المرأة في الأوساط الغربية والشرقية وإطلاق حريتها من دون ضوابط، والمتاجرة بها في الإعلانات والدعايات، وتكليفها بالعمل كالرجل، فذلك إساءة بالغة للمرأة، إذ تتحمل عبء العمل وعبء المنزل.

وللمرأة الحق المطلق والكريم في الأمومة والطفولة، ومراعاة ظروف العجز والشيخوخة.

وكل ذلك يتفق مع نصوص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فقد نصت المادة (25/2) على القول: «للأمومة والطفولة الحق في مساعدةٍ ورعاية خاصتين..»، وكذلك المادة العاشرة من الاتفاقية الدولية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 1966م ونصها: «وجوب منح الأمهات حماية خاصة خلال فترة معقولة قبل الولادة وبعدها، ففي خلال هذه الفترة يجب منح الأمهات العاملات إجازة مدفوعة، أو إجازة مقرونة بمنافع مناسبة من الضمان الاجتماعي».

وأصدرت الجمعية العمومية للأمم المتحدة (إعلان حقوق الطفل سنة 1959م) مشتملاً على مقدمة وعشرة مبادئ، منها[30]: «التأكيد على حق الطفل في التمتع بهذه الحقوق على قدم المساواة دون تمييز لسبب يتعلق بشخصه أو أسرته أو عِرْقه».

واعتبرت الأمم المتحدة سنة 1979م سنة الطفل العالمية.

وتميز الإسلام عن الأنظمة الغربية ذات الطابع الفردي بتقوية نظام الأسرة والعلاقات الأسرية بما يعرف بحق القرابة وصلة الأرحام بالنفقة عند الحاجة، وبالرعاية والعناية بالرحم زيارة وتفقداً وعناية، وهو ما نص عليه الإعلان الإسلامي لحقوق الإنسان في المادة (7/3) التي تنص على ما يلي: «للأبوين حق على الأبناء، وللأقارب حق على ذويهم، وفقاً لأحكام الشريعة».