Page 1
أثر القطن
نتعلم من خيبة واحدة ما لا نتعلمه من انتصارات متعددة.
سحر بيّاض
(اليوم الثلاثون)
النهايات التي لا تقدّم نفسها بشكل جيد، لا تستحق الاحترام.
لم أستيقظ من النوم إلا متأخرة. صحوت في تمام الساعة الواحدة ظهراً، وككل أيامي كان سبب تأخر استيقاظي من النوم هو وحشية عبده في الفراش، فلم ننم إلا بعد أن ولجني أربع مرات، في كل مرة أشعر فيها بأنني سأموت ألماً، وقرفاً من رائحة دخانه، فبعد أن سكب كل شهوته في داخلي، دلق على مسامعي سؤاله الأثير ذاك قائلاً:
- هل أنتِ مبسوطة؟
- نعم مبسوطة.
سمع إجابتي تلك ونام بعمق، وشخيره يملأ أرجاء الحجرة، وكأنه كان ينتظر مني جملة كهذه ليدلل بها على فحولته، وينام. تألمت كثيراً حتى أخذني الألم في نوم عميق لم أخرج منه إلا قبل قليل. نمت دون أن أستحم، فقد علّمني عبده هذه الخصلة: أن أنام وأنا عارية دون أن أستحم بعد كل يوم يجامعني فيه، أو لأكن أكثر دقة، فأنا على مدى ثلاثين يوماً عشتها مع عبده لم أكن أنام إلا عارية دون أن أغتسل، ما عدا خمسة أيام كانت أثناء فيضاني.
استيقظت وهو لا يزال يشخر، التقطت منشفتي وردية اللون التي كانت معلّقة في الخزانة بهيبة ووقار، وأخذت أقلب خزانة الملابس التي كانت تملأ شدق الجدار أمامي، تناولت منها بيجاما صفراء كنت أحبها كثيراً، وتناولت معها منشفة رأسي الصغيرة التي تشبه كل التحف التي نراها في زوايا المحلات الفخمة، واتجهت إلى الحمام لأستحم. خرجت منه بعد أن دعكت جسدي كثيراً، وكأنني أتخفف من قذارة ذلك الأسود فوقه، شعرت بعدما أنهيت استحمامي بأنني أحلّق، وأحسست بأنني أخف مما أنا عليه، حينها شعرت بسعادة غامرة. عدت إلى غرفة النوم، التقطت مجفف شعري وذهبت به إلى الصالة، وأدرت جهاز التلفاز، وأخذت أحدق فيه وأنا أعمل على شعري بعناية وجدّية، ولا أدري لماذا كان كل هذا الاهتمام بمظهري في هذا اليوم بالذات؟. كنت أسرّح شعري وأنا أفكر فيما سأقوم به اليوم، كان صوت موسيقى أحد المسلسلات السورية يمتزج مع صوت مجفف الشعر، وعبده يغطّ في نومه في الحجرة المجاورة، وصوت شخيره يرن في رأسي ككابوس.. وقعت عيناي على هاتفي المحمول على الكنبة المجاورة، فتذكرت بأنني تركته البارحة هنا بعدما باغتني عبده، وأنا أمام التلفاز أشاهد فيلماً وثائقياً عن حياة الدلافين.. كان الفيلم يحكي حياة الدلافين بطريقة ممتعة جداً، لأنني منذ أن كنت صغيرة كنت أتوق لمعرفة السبب وراء براءة الدلفين بهذا الشكل؛ فالكائن الذي يرقص كثيراً كائن بريء، لكنه دخل عليّ الصالة وأنا منهمكة في حياة الدلافين هذه، وحملني بين ذراعيه بسرعة كلسعة دبّور، وطار بي إلى غرفة النوم من دون أن يكلف نفسه حتى أن يقول لي مساء الخير، أو يتركني أحوّل نغمة جهازي المحمول على الوضع الصامت على أقل تقدير.
بعدما انتهيت من تجفيف شعري اتجهت إلى غرفة النوم، وتناولت عبوة ماكياجي وذهبت إلى المرآة المعلقة على المغسلة المخصصة لليدين أمام الحمام، ووضعت بعض المساحيق على وجهي، ورسمت شفتي بأحمر شفاه، ووضعت ظلاً على عيني، فبدوت كدمية. فعلت كل ذلك بهدوء لكي لا يصحو من نومه، فقد كنت أبغض كثيراً أن يشاركني عبده قهوتي حينما أستيقظ من النوم، أعدت عبوة الماكياج في مكانها على التسريحة، وذهبت إلى المطبخ الذي كان مرتباً ترتيباً يليق بامرأة حسناء مثلي، فأنا حين أقول امرأة حسناء فإنني أفترض أن ينطبع الحُسن على كل الأشياء حول المرأة الجميلة: حجرتها، ملابسها، بيتها، مطبخها؛ فمنذ أن كنت صغيرة لم أعترف بأن الحسن هو حسن المظهر فقط، فقد علمتني أمي بأن المرأة الجميلة هي التي يكون كل ما حولها جميلاً باستمرار.
لم يكن من عادتي حينما أصحو من النوم أن آكل، إنما يحلو لي أن أتناول قهوة مُرّة أجلس بعدها قرابة الساعة، ثم أعود وأصنع لي ما آكله، لذلك وضعت (كنكة) الماء على النار، وذهبت إلى الصالة لأشاهد التلفاز فيما الماء يسخن. كان التلفاز يبث إعادة لحلقة مسلسل عرض مساء البارحة، التقطت جهاز التحكم وأخذت أحلق في الفضاء. أثناء ذلك وقعت عيناي على هاتفي المحمول الملقى على الكنبة بجانبي، فالتقطته لأنظر إلى الساعة، ففوجئت برسالة قصيرة تتربع شاشته: من سيرسل لي رسالة قصيرة في هذا البلد الذي لا أعرف فيه إلا أصابع يدي؟. فتحت الرسالة، ومن هول ما صُدِمت لم أنتبه فيما بعد للوقت الذي استغرقه الماء وهو يسخن على النار، فقد كانت الرسالة من حبيب حياتي ماهر كتب فيها:
«أهلاً يا قمر، ما هي أخبارك؟ ماذا تفعلين الآن؟ وحشتني كثيراً جداً، أرسل لك هذه الرسالة بعد مضي شهر على زواجك، فأنت لا تعرفين إلى أي مدى أشتاق إليك، لكن تأكدي بأنني سأبقى أحبك إلى أن أموت.. ماهر».
إذن ها هو «ماهر خليل»، لم ينسني كما كنت أظن، فطوال هذا الشهر من زواجي لم أسمع عنه أي خبر، حتى حينما كنت أسأل أختي عنه كانت تقول بأنها لا تعرف عنه شيئاً، وكأنه هاجر من البلاد، أو لحسته السماء؛ كنت موقنة بأن العشاق أكثر الناس هرباً إذا ما تعلق الأمر بفقدانهم لحبيباتهم، لكنني لم أكن أتخيل بأن ماهراً قد نسيني فعلاً، فطوال شهر قضيت أغلبه في السعودية كان معي في كل مكان، حتى أنني كنت أتخيله معي على السرير بدلاً من هذا الأسود، وأحياناً كان يستبد بي خيالي، وأتخيله معي في الحمام يمسح ظهري، ويصب الماء عليّ، ويحتضنني، ونحن تحت صنبور الماء الدافئ نغسل عنا بقايا ليلة حب دافئة، والله من فوقنا يحرس حميميتنا.
نتعلم من خيبة واحدة ما لا نتعلمه من انتصارات متعددة.
سحر بيّاض
(اليوم الثلاثون)
النهايات التي لا تقدّم نفسها بشكل جيد، لا تستحق الاحترام.
لم أستيقظ من النوم إلا متأخرة. صحوت في تمام الساعة الواحدة ظهراً، وككل أيامي كان سبب تأخر استيقاظي من النوم هو وحشية عبده في الفراش، فلم ننم إلا بعد أن ولجني أربع مرات، في كل مرة أشعر فيها بأنني سأموت ألماً، وقرفاً من رائحة دخانه، فبعد أن سكب كل شهوته في داخلي، دلق على مسامعي سؤاله الأثير ذاك قائلاً:
- هل أنتِ مبسوطة؟
- نعم مبسوطة.
سمع إجابتي تلك ونام بعمق، وشخيره يملأ أرجاء الحجرة، وكأنه كان ينتظر مني جملة كهذه ليدلل بها على فحولته، وينام. تألمت كثيراً حتى أخذني الألم في نوم عميق لم أخرج منه إلا قبل قليل. نمت دون أن أستحم، فقد علّمني عبده هذه الخصلة: أن أنام وأنا عارية دون أن أستحم بعد كل يوم يجامعني فيه، أو لأكن أكثر دقة، فأنا على مدى ثلاثين يوماً عشتها مع عبده لم أكن أنام إلا عارية دون أن أغتسل، ما عدا خمسة أيام كانت أثناء فيضاني.
استيقظت وهو لا يزال يشخر، التقطت منشفتي وردية اللون التي كانت معلّقة في الخزانة بهيبة ووقار، وأخذت أقلب خزانة الملابس التي كانت تملأ شدق الجدار أمامي، تناولت منها بيجاما صفراء كنت أحبها كثيراً، وتناولت معها منشفة رأسي الصغيرة التي تشبه كل التحف التي نراها في زوايا المحلات الفخمة، واتجهت إلى الحمام لأستحم. خرجت منه بعد أن دعكت جسدي كثيراً، وكأنني أتخفف من قذارة ذلك الأسود فوقه، شعرت بعدما أنهيت استحمامي بأنني أحلّق، وأحسست بأنني أخف مما أنا عليه، حينها شعرت بسعادة غامرة. عدت إلى غرفة النوم، التقطت مجفف شعري وذهبت به إلى الصالة، وأدرت جهاز التلفاز، وأخذت أحدق فيه وأنا أعمل على شعري بعناية وجدّية، ولا أدري لماذا كان كل هذا الاهتمام بمظهري في هذا اليوم بالذات؟. كنت أسرّح شعري وأنا أفكر فيما سأقوم به اليوم، كان صوت موسيقى أحد المسلسلات السورية يمتزج مع صوت مجفف الشعر، وعبده يغطّ في نومه في الحجرة المجاورة، وصوت شخيره يرن في رأسي ككابوس.. وقعت عيناي على هاتفي المحمول على الكنبة المجاورة، فتذكرت بأنني تركته البارحة هنا بعدما باغتني عبده، وأنا أمام التلفاز أشاهد فيلماً وثائقياً عن حياة الدلافين.. كان الفيلم يحكي حياة الدلافين بطريقة ممتعة جداً، لأنني منذ أن كنت صغيرة كنت أتوق لمعرفة السبب وراء براءة الدلفين بهذا الشكل؛ فالكائن الذي يرقص كثيراً كائن بريء، لكنه دخل عليّ الصالة وأنا منهمكة في حياة الدلافين هذه، وحملني بين ذراعيه بسرعة كلسعة دبّور، وطار بي إلى غرفة النوم من دون أن يكلف نفسه حتى أن يقول لي مساء الخير، أو يتركني أحوّل نغمة جهازي المحمول على الوضع الصامت على أقل تقدير.
بعدما انتهيت من تجفيف شعري اتجهت إلى غرفة النوم، وتناولت عبوة ماكياجي وذهبت إلى المرآة المعلقة على المغسلة المخصصة لليدين أمام الحمام، ووضعت بعض المساحيق على وجهي، ورسمت شفتي بأحمر شفاه، ووضعت ظلاً على عيني، فبدوت كدمية. فعلت كل ذلك بهدوء لكي لا يصحو من نومه، فقد كنت أبغض كثيراً أن يشاركني عبده قهوتي حينما أستيقظ من النوم، أعدت عبوة الماكياج في مكانها على التسريحة، وذهبت إلى المطبخ الذي كان مرتباً ترتيباً يليق بامرأة حسناء مثلي، فأنا حين أقول امرأة حسناء فإنني أفترض أن ينطبع الحُسن على كل الأشياء حول المرأة الجميلة: حجرتها، ملابسها، بيتها، مطبخها؛ فمنذ أن كنت صغيرة لم أعترف بأن الحسن هو حسن المظهر فقط، فقد علمتني أمي بأن المرأة الجميلة هي التي يكون كل ما حولها جميلاً باستمرار.
لم يكن من عادتي حينما أصحو من النوم أن آكل، إنما يحلو لي أن أتناول قهوة مُرّة أجلس بعدها قرابة الساعة، ثم أعود وأصنع لي ما آكله، لذلك وضعت (كنكة) الماء على النار، وذهبت إلى الصالة لأشاهد التلفاز فيما الماء يسخن. كان التلفاز يبث إعادة لحلقة مسلسل عرض مساء البارحة، التقطت جهاز التحكم وأخذت أحلق في الفضاء. أثناء ذلك وقعت عيناي على هاتفي المحمول الملقى على الكنبة بجانبي، فالتقطته لأنظر إلى الساعة، ففوجئت برسالة قصيرة تتربع شاشته: من سيرسل لي رسالة قصيرة في هذا البلد الذي لا أعرف فيه إلا أصابع يدي؟. فتحت الرسالة، ومن هول ما صُدِمت لم أنتبه فيما بعد للوقت الذي استغرقه الماء وهو يسخن على النار، فقد كانت الرسالة من حبيب حياتي ماهر كتب فيها:
«أهلاً يا قمر، ما هي أخبارك؟ ماذا تفعلين الآن؟ وحشتني كثيراً جداً، أرسل لك هذه الرسالة بعد مضي شهر على زواجك، فأنت لا تعرفين إلى أي مدى أشتاق إليك، لكن تأكدي بأنني سأبقى أحبك إلى أن أموت.. ماهر».
إذن ها هو «ماهر خليل»، لم ينسني كما كنت أظن، فطوال هذا الشهر من زواجي لم أسمع عنه أي خبر، حتى حينما كنت أسأل أختي عنه كانت تقول بأنها لا تعرف عنه شيئاً، وكأنه هاجر من البلاد، أو لحسته السماء؛ كنت موقنة بأن العشاق أكثر الناس هرباً إذا ما تعلق الأمر بفقدانهم لحبيباتهم، لكنني لم أكن أتخيل بأن ماهراً قد نسيني فعلاً، فطوال شهر قضيت أغلبه في السعودية كان معي في كل مكان، حتى أنني كنت أتخيله معي على السرير بدلاً من هذا الأسود، وأحياناً كان يستبد بي خيالي، وأتخيله معي في الحمام يمسح ظهري، ويصب الماء عليّ، ويحتضنني، ونحن تحت صنبور الماء الدافئ نغسل عنا بقايا ليلة حب دافئة، والله من فوقنا يحرس حميميتنا.
Page 2
أتذكر حينما كنا معاً في جامعة دمشق، وبعدما توطدت علاقتنا جيداً، وبعد محاضرة في يوم من أيام الشتاء، كانت السماء متخمة بالغيوم كرسمة طفل في المرحلة الابتدائية، وكان الجو ممتعاً للغاية على الرغم من برودته التي تتسرب من بين أكمامنا، طلب مني مرافقته لتناول القهوة، اتجهنا إلى مطعم الكلية مشياً، كانت ساحة الحرم الجامعي تغص بالطلاب والطالبات، فهنا طالب يثرثر باهتمام أمام فتاة يبدو أن البرد قد لفح وجهها ودماغها، فلم تعد تستوعب كل ما يقوله، فكل ما تريده أن تنفك من همّ هذا البرد، وتعود إلى البيت سريعاً، وهنالك شاب وفتاة يمسكان بين أيديهما بكوبين من الشاي، وقد وضعاهما قريباً من وجهيهما يتدفآن بهما، وهما يتحدثان بحميمية مطلقة، وفي الجهة الأخرى مجموعة من الشباب يخطب فيهم شاب يرتدي نظارة طبّية، وكأنه رجل سياسة في بلد لا يعترف بالسياسة إطلاقاً.
حينما دلفنا إلى المطعم كان مزدحماً كلجنة انتخاب برلمانية، ورائحة الطعام تنتشر مع رائحة الأجساد في المكان، لتشكّل مزيجاً لا يطاق، طلبت من ماهر أن يذهب لإحضار القهوة، وأخبرته بأنني سأنتظره في الخارج لأن قسوة البرد أرحم من سطوة هذه الرائحة، إنه صعب جداً أن تبقى تنتظر إنساناً تحبه، ومن حولك رائحة كهذه، رائحة تشبه خطاياك الأولى.
عاد بالقهوة وناولني إياها وأنا لا أدري لماذا لا يشعر العشاق بأي مذاق للأكل والشرب أثناء لقاءاتهم الغرامية؟ أصبحت مع ماهر لا أتذوّق ما أتناوله مطلقاً؛ فجبروت حضوره كان يطغى على كل حواسي، فيحدث أن نتناسى حواسنا دفعة واحدة إذا استطعنا أن ننجز فرضاً من فروضنا العشقية. تحدثنا كثيراً ذلك اليوم، تحدثنا بالشكل الذي كنا نتخيل معه أننا لن نلتقي فيما بعد أبداً، حتى فاتتنا محاضرتنا التالية التي لم نأسف على فواتها إطلاقاً.
كنت أتذكر هذه الحوادث، وكأنني خارجة عن الوعي إلى أن أعادتني رائحة بخار الماء الذي وضعته على النار. كنت أتذكر هذه الذكريات، وصورة ماهر تقف أمامي في آخر لقاء لي معه حينما قلت له:
- لقد خطبني شاب سعودي، وأمي مصرّة على أن أتزوجه، ما رأيك؟
- ما رأيك أنت؟
- أنا لا أريده، لكن أهلي سيرغمونني عليه إن لم تتقدم لي.
- لا أدري ماذا أقول لك، فأنا أحبك، لكنك تعرفين أموري المادية، فلست مؤهلاً للزواج الآن، حاولي أن ترفضي يا سحر.
- سأرفضه حتماً، ولن أتزوج غيرك، حتى لو اضطررت أن أهرب من المنزل، فأنا لن أتزوجه إطلاقاً.
أخذ وجه ماهر يتمدد في مخيلتي حتى استحال إلى غول ضخم، لأتيقن بأن للذاكرة سلطة تشبه الأنظمة السياسية العربية تماماً. أعددت قهوتي وأخذت أتناولها بلذة، وبقيت أمام التلفاز أشاهد ما فاتني من مسلسلات البارحة التي لم أستطع مشاهدتها. كنت طوال هذا الشهر أشاهد أغلب المسلسلات معادة، فعبده لم يكن يتركني أثناء الليل أبداً، كنت أشبه بالحراس الذين يملأون حياة رؤسائهم أمناً أثناء الليل، كنت دائماً ما أملأ حياة عبده أمناً. بقيت على ما أنا عليه، فَرِحة برسالة ماهر، وفي داخلي شهر يعج بالألم، ويعج بالحنين، ويعج بالقهر أيضاً، حتى رأيت شبح عبده يخرج من باب الحجرة عارياً ليناديني ويده على إحدى عينيه: «حبيبتي ألحقيني بملابسي إلى الحمام». ذهب إلى الحمام، وذهبت بدوري إلى غرفة النوم لأختار له أجمل ثيابه، كان يحب اللون الأبيض عادة، فتناولت من الخزانة أفضل ملابسه البيضاء، واستدرت عائدة إلى الحمام، ولم أفاجأ عندما رأيت باب الحمام مفتوحاً، فهو الذي كان يقول لي دوماً «يسعدني أن تشاهديني عارياً!». ناولته ملابسه ومنشفته، واعتذرت منه سريعاً على الرغم من إلحاحه الدائم لي بأن أستحم معه، فقد كنت أعتذر عن الاستحمام معه بحجة أنني لا أحب أن أستحم إلا بمفردي، وأنا أعرف جيداً بأنه لم يكن يصدقني، أنا التي ملأت خيالاتي بذكرى «ماهر خليل» وهو يستحم معي، لكني حينما كنت أرفض، كنت لا أرفض إلا لأنني لم أكن أقبل أن ينتهك أحدهم ذاكرتي لمجرد أن يستحم معي، أو يحب أن أشاهده عارياً.
دخلت إلى المطبخ أريد إعداد طعام الغداء، تناولت دجاجة من الثلاجة ووضعتها في قدر متوسط الحجم، وسكبت عليها ماءً ساخناً، وتركتها لفترة، وبدأت في إعداد الأشياء الأخرى. كان الغداء عبارة عن صينية دجاج في الفرن، وإدام ملوخية، وعبوتي مشروب غازي. جلسنا على السفرة وأنا أحمل همّ أسئلة عبده التي كثيراً ما أمطرني بها خلال هذا الشهر، أسئلة مليئة بالقهر والتملّك، فعندما يغدو طرح الأسئلة انتصاراً رديئاً للكائن المتملّك في داخلك، عندها تصبح الإجابات محاولة هروب بائسة لا معنى لها. كان يسألني كثيراً عن علاقتنا الجنسية مؤخراً، كل ذلك لأنه تحرر من عقدة جمالي الذي كنت على ثقة مطلقة بأنها تسبب له أزمة جلدية، فأي معنى لجمال يغدو في نظر الآخرين أزمة، ولعنة!.
كان حينما ينتهي من غدائه دوماً يستند بظهره إلى الكنبة الموضوعة خلفه، وكنت أعرف جيداً بأن السعوديين لا يأكلون إلا جلوساً على الأرض، يأكلون بأيديهم، ولا ينتابهم القرف من ذلك، أنا التي علمتني أمي أن أجيد جيداً جداً استخدام الملعقة، محاولة ألا يصدر عنها صوت مرتفع عند اصطكاكها بالأطباق، لكن يبدو أن ثمة بعض التجارب تكون لها سلطة أكبر من مجرد عادة، أو أمر علّمتنا إياه أمهاتنا في الصغر، خصوصاً بعدما تزوجت، وأصبحت الملعقة تصدر صوتاً فظيعاً جداً أثناء تناولي للطعام مع السعوديين حين أنظر إليهم وهم يأكلون بأيديهم، ويشعرونني بالقرف. أخذت ألمُّ الأطباق من فوق السفرة وهي على الأرض، وعين عليها، والأخرى تحرس هذا الأسود المستند إلى الكنبة، لم أكن أعرف السبب وراء كرهي له حينما يشبع، كنت كلما رأيته وقد امتلأ كرشه أكلاً أتقزز، فأشعر برغبة ملحة في أن أخرج كل ما في بطني عليه.
في الحقيقة لم يكن «عبده غطفان» حقيراً معي أبداً، ولم يمارس معي دناءته في أي يوم من الأيام طوال هذا الشهر الذي قضيته معه كزوجة، لكنني لا أستطيع تفسير غضبي تجاهه؛ فهنالك بعض الأحاسيس تشبه الأقدار، تأتي أكبر من حجم إرادتنا ككرهي له تماماً. كنت في ذلك الحين أقلّب طبقاً بين يدي تحت صنبور الماء وأغسله، وصوت عبده يصلني قادماً من الصالة كصوت جبريل يقول: «إصنعي لي كوباً من الشاي يا حلوتي». كنت أمقت هذه اللفظة منه دوماً «يا حلوتي»، فكنت كلما سمعتها منه أزداد حقداً على نفسي، فأنا لست حلوته، أنا امرأة تعرف إلى أي حد يمكن أن تكون الأقدار قاسية ومرعبة، لتستحيل من فتاة جميلة عاشقة إلى امرأة تعيش تحت سلطة حيوانات منوية لعبد آبق. أعددت له الشاي وقدمته كما يحب، فهو يحب أن يضع سكّره بنفسه، وذهبت إلى الغسالة أنشغل عن وجوده بغسل الملابس؛ لأنني صرت بعد انتهاء دورتي الشهرية الأخيرة، وقبل عشرة أيام بالتحديد أتهرّب منه، لكنه دوماً ما كان يهزم هروبي ذاك بعد منتصف الليل على السرير.
بعد ساعة أو أقلّ قليلاً، كان عبده عند باب المنزل يودعني؛ لأنه يريد الذهاب للقاء أصدقائه ليحادثهم، فهو كما يقول يشعر بملل كبير هنا، وحين همّ بالذهاب سألني:
- أين تريديننا أن نتناول طعام العشاء؟
- كما ترى.
حينما دلفنا إلى المطعم كان مزدحماً كلجنة انتخاب برلمانية، ورائحة الطعام تنتشر مع رائحة الأجساد في المكان، لتشكّل مزيجاً لا يطاق، طلبت من ماهر أن يذهب لإحضار القهوة، وأخبرته بأنني سأنتظره في الخارج لأن قسوة البرد أرحم من سطوة هذه الرائحة، إنه صعب جداً أن تبقى تنتظر إنساناً تحبه، ومن حولك رائحة كهذه، رائحة تشبه خطاياك الأولى.
عاد بالقهوة وناولني إياها وأنا لا أدري لماذا لا يشعر العشاق بأي مذاق للأكل والشرب أثناء لقاءاتهم الغرامية؟ أصبحت مع ماهر لا أتذوّق ما أتناوله مطلقاً؛ فجبروت حضوره كان يطغى على كل حواسي، فيحدث أن نتناسى حواسنا دفعة واحدة إذا استطعنا أن ننجز فرضاً من فروضنا العشقية. تحدثنا كثيراً ذلك اليوم، تحدثنا بالشكل الذي كنا نتخيل معه أننا لن نلتقي فيما بعد أبداً، حتى فاتتنا محاضرتنا التالية التي لم نأسف على فواتها إطلاقاً.
كنت أتذكر هذه الحوادث، وكأنني خارجة عن الوعي إلى أن أعادتني رائحة بخار الماء الذي وضعته على النار. كنت أتذكر هذه الذكريات، وصورة ماهر تقف أمامي في آخر لقاء لي معه حينما قلت له:
- لقد خطبني شاب سعودي، وأمي مصرّة على أن أتزوجه، ما رأيك؟
- ما رأيك أنت؟
- أنا لا أريده، لكن أهلي سيرغمونني عليه إن لم تتقدم لي.
- لا أدري ماذا أقول لك، فأنا أحبك، لكنك تعرفين أموري المادية، فلست مؤهلاً للزواج الآن، حاولي أن ترفضي يا سحر.
- سأرفضه حتماً، ولن أتزوج غيرك، حتى لو اضطررت أن أهرب من المنزل، فأنا لن أتزوجه إطلاقاً.
أخذ وجه ماهر يتمدد في مخيلتي حتى استحال إلى غول ضخم، لأتيقن بأن للذاكرة سلطة تشبه الأنظمة السياسية العربية تماماً. أعددت قهوتي وأخذت أتناولها بلذة، وبقيت أمام التلفاز أشاهد ما فاتني من مسلسلات البارحة التي لم أستطع مشاهدتها. كنت طوال هذا الشهر أشاهد أغلب المسلسلات معادة، فعبده لم يكن يتركني أثناء الليل أبداً، كنت أشبه بالحراس الذين يملأون حياة رؤسائهم أمناً أثناء الليل، كنت دائماً ما أملأ حياة عبده أمناً. بقيت على ما أنا عليه، فَرِحة برسالة ماهر، وفي داخلي شهر يعج بالألم، ويعج بالحنين، ويعج بالقهر أيضاً، حتى رأيت شبح عبده يخرج من باب الحجرة عارياً ليناديني ويده على إحدى عينيه: «حبيبتي ألحقيني بملابسي إلى الحمام». ذهب إلى الحمام، وذهبت بدوري إلى غرفة النوم لأختار له أجمل ثيابه، كان يحب اللون الأبيض عادة، فتناولت من الخزانة أفضل ملابسه البيضاء، واستدرت عائدة إلى الحمام، ولم أفاجأ عندما رأيت باب الحمام مفتوحاً، فهو الذي كان يقول لي دوماً «يسعدني أن تشاهديني عارياً!». ناولته ملابسه ومنشفته، واعتذرت منه سريعاً على الرغم من إلحاحه الدائم لي بأن أستحم معه، فقد كنت أعتذر عن الاستحمام معه بحجة أنني لا أحب أن أستحم إلا بمفردي، وأنا أعرف جيداً بأنه لم يكن يصدقني، أنا التي ملأت خيالاتي بذكرى «ماهر خليل» وهو يستحم معي، لكني حينما كنت أرفض، كنت لا أرفض إلا لأنني لم أكن أقبل أن ينتهك أحدهم ذاكرتي لمجرد أن يستحم معي، أو يحب أن أشاهده عارياً.
دخلت إلى المطبخ أريد إعداد طعام الغداء، تناولت دجاجة من الثلاجة ووضعتها في قدر متوسط الحجم، وسكبت عليها ماءً ساخناً، وتركتها لفترة، وبدأت في إعداد الأشياء الأخرى. كان الغداء عبارة عن صينية دجاج في الفرن، وإدام ملوخية، وعبوتي مشروب غازي. جلسنا على السفرة وأنا أحمل همّ أسئلة عبده التي كثيراً ما أمطرني بها خلال هذا الشهر، أسئلة مليئة بالقهر والتملّك، فعندما يغدو طرح الأسئلة انتصاراً رديئاً للكائن المتملّك في داخلك، عندها تصبح الإجابات محاولة هروب بائسة لا معنى لها. كان يسألني كثيراً عن علاقتنا الجنسية مؤخراً، كل ذلك لأنه تحرر من عقدة جمالي الذي كنت على ثقة مطلقة بأنها تسبب له أزمة جلدية، فأي معنى لجمال يغدو في نظر الآخرين أزمة، ولعنة!.
كان حينما ينتهي من غدائه دوماً يستند بظهره إلى الكنبة الموضوعة خلفه، وكنت أعرف جيداً بأن السعوديين لا يأكلون إلا جلوساً على الأرض، يأكلون بأيديهم، ولا ينتابهم القرف من ذلك، أنا التي علمتني أمي أن أجيد جيداً جداً استخدام الملعقة، محاولة ألا يصدر عنها صوت مرتفع عند اصطكاكها بالأطباق، لكن يبدو أن ثمة بعض التجارب تكون لها سلطة أكبر من مجرد عادة، أو أمر علّمتنا إياه أمهاتنا في الصغر، خصوصاً بعدما تزوجت، وأصبحت الملعقة تصدر صوتاً فظيعاً جداً أثناء تناولي للطعام مع السعوديين حين أنظر إليهم وهم يأكلون بأيديهم، ويشعرونني بالقرف. أخذت ألمُّ الأطباق من فوق السفرة وهي على الأرض، وعين عليها، والأخرى تحرس هذا الأسود المستند إلى الكنبة، لم أكن أعرف السبب وراء كرهي له حينما يشبع، كنت كلما رأيته وقد امتلأ كرشه أكلاً أتقزز، فأشعر برغبة ملحة في أن أخرج كل ما في بطني عليه.
في الحقيقة لم يكن «عبده غطفان» حقيراً معي أبداً، ولم يمارس معي دناءته في أي يوم من الأيام طوال هذا الشهر الذي قضيته معه كزوجة، لكنني لا أستطيع تفسير غضبي تجاهه؛ فهنالك بعض الأحاسيس تشبه الأقدار، تأتي أكبر من حجم إرادتنا ككرهي له تماماً. كنت في ذلك الحين أقلّب طبقاً بين يدي تحت صنبور الماء وأغسله، وصوت عبده يصلني قادماً من الصالة كصوت جبريل يقول: «إصنعي لي كوباً من الشاي يا حلوتي». كنت أمقت هذه اللفظة منه دوماً «يا حلوتي»، فكنت كلما سمعتها منه أزداد حقداً على نفسي، فأنا لست حلوته، أنا امرأة تعرف إلى أي حد يمكن أن تكون الأقدار قاسية ومرعبة، لتستحيل من فتاة جميلة عاشقة إلى امرأة تعيش تحت سلطة حيوانات منوية لعبد آبق. أعددت له الشاي وقدمته كما يحب، فهو يحب أن يضع سكّره بنفسه، وذهبت إلى الغسالة أنشغل عن وجوده بغسل الملابس؛ لأنني صرت بعد انتهاء دورتي الشهرية الأخيرة، وقبل عشرة أيام بالتحديد أتهرّب منه، لكنه دوماً ما كان يهزم هروبي ذاك بعد منتصف الليل على السرير.
بعد ساعة أو أقلّ قليلاً، كان عبده عند باب المنزل يودعني؛ لأنه يريد الذهاب للقاء أصدقائه ليحادثهم، فهو كما يقول يشعر بملل كبير هنا، وحين همّ بالذهاب سألني:
- أين تريديننا أن نتناول طعام العشاء؟
- كما ترى.
Page 3
- حسناً سأذهب إلى بعض الأصدقاء، وحين أعود سآخذك لنتناول العشاء في الخارج.
وكعادتي كلما خرج عبده إما أن أتجه إلى التلفاز، أو أستلقي على ظهري لأقرأ، أو أقوم بالاتصال بأهلي في دمشق. تناولت هاتفي المحمول واتصلت ببيت أهلي، وبعد مدة ردت ابتهال التي أحبها كثيراً، وسألتني عن أخباري فأجبتها بكلمتي المعتادة «عايشين»، لأنني أعرف بأن وجودي على قيد الحياة بعد هذا الشهر يعد هبة من الله. تحدثنا بوفرة في هذا الاتصال، تحدثنا وكأننا لن نلتقي مطلقاً، لكنني أعرف نفسي جيداً مع ابتهال، هي التي تسرق مني أسراري، وأفراحي، وأحزاني، وخيباتي، وهمومي كقس أركع عند قدميه وأرشيه باعترافاتي. سألتها عن ماهر، وكيف وصل إلى رقم هاتفي؟، فأخبرتني أنها لم تقابله قطّ، فضلاً عن إعطائه رقم هاتفي، وبررت بأن أخته ربما هي من تكون قد أعطته الرقم، لأنها زارتنا قبل يومين. أخبرتها بأن ماهراً أرسل لي صباح هذا اليوم رسالة وقرأتها لها، فضحكت من جنون ماهر؛ كانت تقول لي دوماً بأن ماهراً مجنون لأنه يحبني، فهو لم يختر الفتاة الصحيحة، وكانت تردف بأنها لا تعرف السبب وراء تعلقه بي إلى درجة الجنون، لأنها تجدني إنسانة عادية، وتضحك بهستيريا، وهي لا تعرف بأن الرجال لا يحبون النساء غير العاديات. إن عادية المرأة هي التي تجعل من الرجل مجنوناً، فالنساء يختلفن عن الرجال في هذه الخصلة اختلافاً مطلقاً، فإذا كانت عادية المرأة توصل الرجال إلى الجنون، فإن الرجال الخارقين هم من يدفعون النساء إلى الجنون.
أخذنا نثرثر أنا وابتهال كثيراً، وبدأت تسرد لي حكايات الأصدقاء والصديقات في دمشق، ثم عرّجت على حكايات الجامعة التي تعيد لي شيئاً من شبابي، لأنك تشيخ فجأة إذا جاءت الظروف أقوى من مستوى قدرتك؛ فزواجي من عبده يشعرني دوماً بالشيخوخة، فمعه أحس بالتجاعيد على وجهي، وبتلك الأريكة التي تهتز، وبالخيط والإبرة. كانت ابتهال تثرثر وأنا أسمع، وهي عادتها التي لم تنفك عنها منذ بدأنا نعي، فهي كثيرة الكلام بشكل لا يوصف. كنت أستمع إلى حديثها مسرورة، وأحاول أن أحلب من أحاديثها ذكرياتي الملقيّة في أزقة مدينة دمشق وأرجائها، وبينما أنا منهمكة في سماع أحاديثها دخل عليّ عبده فجأة وقال:
- مع من تتحدثين في الهاتف؟
- مع ابتهال؟
- اتصلت بك لأكثر من ثلاثين مرة، وهاتفك مشغول، بقيت في انتظارك عند الباب لأكثر من نصف ساعة!
اعتذرت من ابتهال سريعاً، وأغلقت خط الهاتف وأنا أسأله:
- ولماذا لم ترسل رسالة؟
- لم أكن أعتقد بأن حضرتك ستطيلين الحديث في الهاتف.
- أنا آسفة.
- إنا لله وإنا إليه راجعون، أفسدت عليّ بهجة أن نذهب لتناول العشاء في الخارج.
- إذا كنت لا تريد أن نذهب، فلا داعي لذلك.
- حسناً، قومي واصنعي لي شاياً لأشربه.
ذهبت إلى المطبخ، وارتمى عبده على الكنبة الحمراء وسط الصالة، انهمكت في تحضير الشاي، وشعور بالفرح في داخلي لأنني لم أضع هاتفي المحمول على خدمة انتظار المكالمات. صحيح بأنني لم أكن شغوفة بالذهاب لتناول طعام العشاء في الخارج، لأن كل زياراتك إلى المطاعم في هذا البلد متشابهة، لكنني شعرت بشيء يشبه الانتصار حين وضعت عبده في الموضع ذاته الذي وضعني فيه ذات يوم، فإنْ بقي عبده نصف ساعة ينتظرني في الخارج، فأنا وقفت على ناصية الخيبة لمدة تزيد عن عقدين من الزمن، لأسقط وتصاب ذاكرتي بالرضوض، وبينما أنا أنتظر أن يسخن الماء سمعت صوت عبده يأتيني من الصالة كالموت يقول: «سحر مع من كنت تتحدثين في الهاتف حينما اتصلت بك؟». استغربت سؤاله هذا مرة أخرى، لكنني لم أرد عليه، وبقيت منهمكة في تحضير الشاي على الرغم من الألم الخفيف الذي شعرت به بعد سؤاله هذا للمرة الثانية، وعندما انتهيت من تجهيز الشاي اتجهت إلى الصالة. نظرت إليه أريد أن أعرف مغزى تكرار سؤاله هذا، وأنا أشعر بالغيظ يتخلّق في داخلي كمسخ، ونيّة عميقة في عدم مجادلته في هذا الموضوع، لأننا لا نحترم الأسئلة التي تكرر نفسها مرتين، وفجأة رأيت الغضب على ملامحه، غضب سنين هروبه كلها، فهالني منظره، فعدلت عن رأيي في عدم الإجابة، وأجبته:
- قلت لك إنني كنت أتحدث مع ابتهال.
- وهذه الرسالة لمن؟
عندها مد لي جهاز هاتفي المحمول، وإذ برسالة حبيبي ماهر خليل تتوسط الشاشة، لم أستطع أن أجيب؛ لأن بعض الصدمات أقوى من حجم ثرثرتنا التقطت الهاتف من يده ومسحت الرسالة وهو يقول:
- إذن هذا هو ماهر؟
- ....
- كنت أعرف بأنه يحبك.
- .....
- هل تحبينه؟
- .....
- كالعادة أنت سورية، والسوريات لن ينظفن أبداً.
عندما سمعت هذه العبارة غزاني مارد ضخم كإعصار، لأن المرأة ربما تتصالح مع من يجرح مشاعرها ذات يوم، لكنها لن تتصالح مع من يمس كرامتها أبداً، أعدت ترتيب الكره الذي يسكنني تجاهه، وقلت له:
- ولماذا تزوجتني ما دمت تراني غير نظيفة؟
- ....
- هل بنات بلدك نظيفات؟
- ....
- أجبني!
- ....
- لماذا لم تتزوج منهن؟ أم أنك لن تجد من تتزوجك!
- ....
- أنتم هكذا يالسعوديين: أنجس شعب على أطهر أرض.
حينما نطقت بحرف الضاد الأخير من جملتي هذه، وفي لحظة تشبه آخر لحظة لنا في هذه الحياة؛ تلك اللحظة التي يتمدد فيها وجه عزرائيل أمامك ليملأ الأفق، سمعت دوي كفه الأيمن على خدي الأيسر، فتأكدت حينها بأن حياتي في مجملها كانت ثلاثين يوماً. سقطت على الأرض، فركلني على جنبي الأيسر بقدمه الأشبه بنيزك، فبدأت أشعر بالإغماء، وبدأت الأشياء من حولي تتداخل، وأصبح العالم من حولي عبارة عن ثنائيات متعددة، وصوت عبده في الأفق يتعالى، يتعالى.. كان يقول كلاماً لم أتبيّنه بالتحديد، كنت أشعر بثقل كفه على خدي، وثقل نفسي على رجليّ كأنبوبة غاز كبيرة، فبدا منظر الأشياء من حولي مثل أن تحدّق في شيء يفصل بينك وبينه كوب من الماء...
وبعد لحظات بسيطة، لم أعد أعي شيئاً مما حولي، فأغمضت عيني.
وكعادتي كلما خرج عبده إما أن أتجه إلى التلفاز، أو أستلقي على ظهري لأقرأ، أو أقوم بالاتصال بأهلي في دمشق. تناولت هاتفي المحمول واتصلت ببيت أهلي، وبعد مدة ردت ابتهال التي أحبها كثيراً، وسألتني عن أخباري فأجبتها بكلمتي المعتادة «عايشين»، لأنني أعرف بأن وجودي على قيد الحياة بعد هذا الشهر يعد هبة من الله. تحدثنا بوفرة في هذا الاتصال، تحدثنا وكأننا لن نلتقي مطلقاً، لكنني أعرف نفسي جيداً مع ابتهال، هي التي تسرق مني أسراري، وأفراحي، وأحزاني، وخيباتي، وهمومي كقس أركع عند قدميه وأرشيه باعترافاتي. سألتها عن ماهر، وكيف وصل إلى رقم هاتفي؟، فأخبرتني أنها لم تقابله قطّ، فضلاً عن إعطائه رقم هاتفي، وبررت بأن أخته ربما هي من تكون قد أعطته الرقم، لأنها زارتنا قبل يومين. أخبرتها بأن ماهراً أرسل لي صباح هذا اليوم رسالة وقرأتها لها، فضحكت من جنون ماهر؛ كانت تقول لي دوماً بأن ماهراً مجنون لأنه يحبني، فهو لم يختر الفتاة الصحيحة، وكانت تردف بأنها لا تعرف السبب وراء تعلقه بي إلى درجة الجنون، لأنها تجدني إنسانة عادية، وتضحك بهستيريا، وهي لا تعرف بأن الرجال لا يحبون النساء غير العاديات. إن عادية المرأة هي التي تجعل من الرجل مجنوناً، فالنساء يختلفن عن الرجال في هذه الخصلة اختلافاً مطلقاً، فإذا كانت عادية المرأة توصل الرجال إلى الجنون، فإن الرجال الخارقين هم من يدفعون النساء إلى الجنون.
أخذنا نثرثر أنا وابتهال كثيراً، وبدأت تسرد لي حكايات الأصدقاء والصديقات في دمشق، ثم عرّجت على حكايات الجامعة التي تعيد لي شيئاً من شبابي، لأنك تشيخ فجأة إذا جاءت الظروف أقوى من مستوى قدرتك؛ فزواجي من عبده يشعرني دوماً بالشيخوخة، فمعه أحس بالتجاعيد على وجهي، وبتلك الأريكة التي تهتز، وبالخيط والإبرة. كانت ابتهال تثرثر وأنا أسمع، وهي عادتها التي لم تنفك عنها منذ بدأنا نعي، فهي كثيرة الكلام بشكل لا يوصف. كنت أستمع إلى حديثها مسرورة، وأحاول أن أحلب من أحاديثها ذكرياتي الملقيّة في أزقة مدينة دمشق وأرجائها، وبينما أنا منهمكة في سماع أحاديثها دخل عليّ عبده فجأة وقال:
- مع من تتحدثين في الهاتف؟
- مع ابتهال؟
- اتصلت بك لأكثر من ثلاثين مرة، وهاتفك مشغول، بقيت في انتظارك عند الباب لأكثر من نصف ساعة!
اعتذرت من ابتهال سريعاً، وأغلقت خط الهاتف وأنا أسأله:
- ولماذا لم ترسل رسالة؟
- لم أكن أعتقد بأن حضرتك ستطيلين الحديث في الهاتف.
- أنا آسفة.
- إنا لله وإنا إليه راجعون، أفسدت عليّ بهجة أن نذهب لتناول العشاء في الخارج.
- إذا كنت لا تريد أن نذهب، فلا داعي لذلك.
- حسناً، قومي واصنعي لي شاياً لأشربه.
ذهبت إلى المطبخ، وارتمى عبده على الكنبة الحمراء وسط الصالة، انهمكت في تحضير الشاي، وشعور بالفرح في داخلي لأنني لم أضع هاتفي المحمول على خدمة انتظار المكالمات. صحيح بأنني لم أكن شغوفة بالذهاب لتناول طعام العشاء في الخارج، لأن كل زياراتك إلى المطاعم في هذا البلد متشابهة، لكنني شعرت بشيء يشبه الانتصار حين وضعت عبده في الموضع ذاته الذي وضعني فيه ذات يوم، فإنْ بقي عبده نصف ساعة ينتظرني في الخارج، فأنا وقفت على ناصية الخيبة لمدة تزيد عن عقدين من الزمن، لأسقط وتصاب ذاكرتي بالرضوض، وبينما أنا أنتظر أن يسخن الماء سمعت صوت عبده يأتيني من الصالة كالموت يقول: «سحر مع من كنت تتحدثين في الهاتف حينما اتصلت بك؟». استغربت سؤاله هذا مرة أخرى، لكنني لم أرد عليه، وبقيت منهمكة في تحضير الشاي على الرغم من الألم الخفيف الذي شعرت به بعد سؤاله هذا للمرة الثانية، وعندما انتهيت من تجهيز الشاي اتجهت إلى الصالة. نظرت إليه أريد أن أعرف مغزى تكرار سؤاله هذا، وأنا أشعر بالغيظ يتخلّق في داخلي كمسخ، ونيّة عميقة في عدم مجادلته في هذا الموضوع، لأننا لا نحترم الأسئلة التي تكرر نفسها مرتين، وفجأة رأيت الغضب على ملامحه، غضب سنين هروبه كلها، فهالني منظره، فعدلت عن رأيي في عدم الإجابة، وأجبته:
- قلت لك إنني كنت أتحدث مع ابتهال.
- وهذه الرسالة لمن؟
عندها مد لي جهاز هاتفي المحمول، وإذ برسالة حبيبي ماهر خليل تتوسط الشاشة، لم أستطع أن أجيب؛ لأن بعض الصدمات أقوى من حجم ثرثرتنا التقطت الهاتف من يده ومسحت الرسالة وهو يقول:
- إذن هذا هو ماهر؟
- ....
- كنت أعرف بأنه يحبك.
- .....
- هل تحبينه؟
- .....
- كالعادة أنت سورية، والسوريات لن ينظفن أبداً.
عندما سمعت هذه العبارة غزاني مارد ضخم كإعصار، لأن المرأة ربما تتصالح مع من يجرح مشاعرها ذات يوم، لكنها لن تتصالح مع من يمس كرامتها أبداً، أعدت ترتيب الكره الذي يسكنني تجاهه، وقلت له:
- ولماذا تزوجتني ما دمت تراني غير نظيفة؟
- ....
- هل بنات بلدك نظيفات؟
- ....
- أجبني!
- ....
- لماذا لم تتزوج منهن؟ أم أنك لن تجد من تتزوجك!
- ....
- أنتم هكذا يالسعوديين: أنجس شعب على أطهر أرض.
حينما نطقت بحرف الضاد الأخير من جملتي هذه، وفي لحظة تشبه آخر لحظة لنا في هذه الحياة؛ تلك اللحظة التي يتمدد فيها وجه عزرائيل أمامك ليملأ الأفق، سمعت دوي كفه الأيمن على خدي الأيسر، فتأكدت حينها بأن حياتي في مجملها كانت ثلاثين يوماً. سقطت على الأرض، فركلني على جنبي الأيسر بقدمه الأشبه بنيزك، فبدأت أشعر بالإغماء، وبدأت الأشياء من حولي تتداخل، وأصبح العالم من حولي عبارة عن ثنائيات متعددة، وصوت عبده في الأفق يتعالى، يتعالى.. كان يقول كلاماً لم أتبيّنه بالتحديد، كنت أشعر بثقل كفه على خدي، وثقل نفسي على رجليّ كأنبوبة غاز كبيرة، فبدا منظر الأشياء من حولي مثل أن تحدّق في شيء يفصل بينك وبينه كوب من الماء...
وبعد لحظات بسيطة، لم أعد أعي شيئاً مما حولي، فأغمضت عيني.
Page 4
(اليوم التاسع والعشرون)
كالعادة بعد كل ليلة حرب أخوضها استيقظت ظهراً، قمت أريد ارتداء ما يستر جسدي العاري، اتجهت إلى الخزانة وإذ بصوت عبده يصلني كأنه مبعوث من قبر: «سنذهب اليوم لتناول الغداء عند أختي صالحة، جهزي نفسك، سنذهب بعد ساعة». لم يكن لي رغبة في الذهاب إلى أحد، كان ثمة ألم طفيف أسفل بطني جعلني أنحني قليلاً إلى الأمام لتبدو مشيتي مضحكة كمشية عبده.. لم أكن أبغض صالحة فهي امرأة جيدة، لكننا لا نريد زيارة كل من نهوى في أي وقت، حينما قابلت صالحة لأول مرة بعد زواجي بعشرة أيام عند وصولنا إلى السعودية، وفي أول يوم تطأ فيه قدمي تراب هذا البلد، قابلتها في منزل خالتي «عائشة» أم عبده؛ كانت ليلة ماجنة، عرفت حينها بأن ذوات البشرة السوداء يعشقن الطرب والرقص، ويملكن حساً جنسياً طاغياً، فهن لم يتورعن في الرقص في ليلة قدومنا، ولم يتورعن أيضاً في السؤال عن بعض الأشياء الحميمية في حياة رجل وامرأة تزوجا حديثاً، وكن يضحكن كثيراً بعد دلق كل سؤال، وهن لا ينتظرن إجابات إطلاقاً.
بعدما انتهيت من الاستحمام كأول فرض إنساني لي بعد الاستيقاظ، بالغت كثيراً في زينتي، حتى إن عبده قال لي وهو يرمقني بنظرة شهوانية: «يبدو أنك لا تريديننا أن نذهب لصالحة!».
وأخذ يضحك...
كان عبده في حوالى السادسة والثلاثين من عمره، رجلاً يملك بنية رياضية، وجسداً قوياً، وروحاً وثّابة تحب المغامرة، على الرغم من عرجته التي تؤثر في مشيته، ويغدو معها شكله مضحكاً، تلك العرجة التي كانت سبباً في تقاعده المبكر من العسكرية كما كان يقول، فهو حين يرتدي ملابسه تظهر تقاسيم جسده لتشكل غواية حقيقية. لقد عرفت فيما بعد بأن السود دوماً ما يملكون أجساداً فاتنة، وهم أكثر الناس امتلاكاً لذائقة عالية جداً في اختيار الملابس والثياب التي تأتي غالباً لائقة جداً، وفاتنة أيضاً؛ فالملابس التي كان يقدمها لي عبده كهدايا كانت تحمل طابعاً غريباً جداً، أشعر معها بأنني فعلاً لا أجيد انتقاء ملابسي بشكل جيد، فمنذ أن عرفت أهل عبده لم أكن أتضايق من زيارتهم لي، أو زيارتي لهم على الرغم من قلّتها، كانوا يسكنون حياً فقيرا جداً يطلقون عليه حي «المنتزه»، وعلى الرغم مما كانت تتناقله أفواه الناس حول هذا الحي بأنه حي مليء بالرذائل إلا أنني كنت أسعد بزيارته، كان حياً بائساً جداً، وكان أغلب من يسكنه من السود، ومن الطبقة المعدمة جداً.
حينما صعدت السيارة مع عبده متجهين إلى منزل أخته صالحة الذي يقبع بجانب بيت خالتي «عائشة» سألته: «هل تشعر بالحياء عندما تدخل حيّكم القديم لاسيما أنك تملك سيارة فارهة؟». كنت أعرف بأن عبده كان يشعر بالضيق إذا ما ذهبنا إلى منزل أمه أو أخته، لأنه دوماً ما كان يحاول أن يتبرأ - وهو لا يشعر - من هذا الحي الذي عاش فيه طفولته وشبابه، وخرج منه رجلاً أعرج يتنكر لأيام العوز دوماً. فردّ عبده على سؤالي باقتضاب: «بالعكس هذا الحي عشت فيه معظم عمري».
كنت أعرف بأنه يكذب؛ لأن إجاباته التي يكذب فيها تأتي مبتورة دوماً، وتحمل طابعاً محايداً إزاء أسئلتي، فلم استمر في سؤاله لأنني لا أريد امتحان ذاكرته، أو وضعه في مواجهة دامية أمامها، لكنني كنت أتعجّب من بعض تصرفاته وعباراته حينما يتحدث عن تاريخه في ذلك الحي، أو عندما يتحدث عن بعض أصدقائه ممن كانوا يشاركونه بؤس الطفولة؛ سكتُّ وأخذت أقرأ لوحات المحال التجارية والإعلانات في الشوارع بصوت شبه مرتفع كما هي عادتي منذ أن عرفت القراءة. لقد كان يعجبني في مدينة تبوك أنها مدينة متقاربة جداً. إنها مدينة هادئة، وعادة ما كنت أجيب عن الأسئلة التي تصلني عن رأيي في هذه المدينة، بأنها مدينة تعجب المتزوجين الجدد لتقاربها وهدوئها، وأنا في قرارة نفسي لا أقصد المتزوجين الجدد إنما أقصد العشاق الجدد، ومن الصعب جداً أن أبوح بهذا الأمر أمام من لا أعرفهم، فلم يكن مني إلا أنني كنت أحوّرها تماماً لتصبح «إنها مدينة رائعة جداً تصلح للمتزوجين الجدد»، وأضحك بخجل.
لم تكن المسافة من بيتنا في حي المروج إلى بيت صالحة في حي المنتزه بعيدة، فربع ساعة كفيلة بقطع تلك المسافة؛ فبِعدد الزيارات التي ذهبت فيها إلى هذا الحي كان منظر القلم الكبير الذي يتوسط الدوار عند مدخل هذا الحي يلفت نظري بشكل لا يوصف... كان منظره يشكل لي غواية لا تصدّق، فكيف جاءت هذه الفكرة في وضع هذا القلم العملاق في هذا المكان بالذات؟ وهل القلم فعلاً يمثّل شيئاً يذكر لأهل هذا الحي الذين لا يهمهم إلا أن يجدوا قوت يومهم، والا يناموا ببطون خاوية؟.
طوال الطريق كان عبده يتحدث عن اجتماعه البارحة مع بعض أصدقائه، وعن رغبته في بدء تجارة بيع السيارات في معارض تبوك، فقد اجتمع كما يقول بأحد العاملين ببيع السيارات في تبوك، وعرض عليه فكرة أن يعملا معاً في هذه التجارة بحيث يقوم بجلب السيارات من «السوق الحرة» في الأردن، ويعمل على بيعها في تبوك. كان يتحدث وأنا غارقة في قراءة لوحات المحال التجارية والإعلانات، وأتأمل وجوه الناس الذين يتكدسون خلف أجهزة تكييف السيارات التي تلفح وجوههم، وسؤال يتنامى في داخلي: لماذا لا يسير الناس على أقدامهم في هذا البلد؟
وصلنا إلى دوار القلم، هذا الدوار الذي أغواني كثيراً، أخذت أتأمله، وهواء جهاز التكييف يلفح غطاء وجهي الذي يضايقني بشدة، جلست أحدق في القلم عن يساري والسيارة تأخذ دورتها الكاملة حول الدوار، عاد عبده ليتجه شرقاً، ثم انعطف يميناً ليلج حي المنتزه من قلبه؛ كان الأسفلت في هذا الحي مليئاً بالحفر والأحجار، وكأنك تسير على طريق غير معبّد، أتذكر عندما سألت عبده عن كثرة الأحجار والحفر في الطريق أجاب ضاحكاً «أهل المنتزه من المغضوب عليهم». سرنا بين الأزقة بهدوء مبالغ فيه حفاظاً على السيارة، بعدما تأكدت بأن ذوي البشرة السوداء يحبون مقتنياتهم كثيراً، لذا أصبحت متصالحة مع حب عبده الفظيع لسيارته. كانت الأزقة ضيقة لدرجة تشعر معها بأنك تختنق، والشوارع خالية من البشر، خالية من الكائنات، فالشمس كانت حارقة في تلك الظهيرة التي تتربع بطن السماء.
كالعادة بعد كل ليلة حرب أخوضها استيقظت ظهراً، قمت أريد ارتداء ما يستر جسدي العاري، اتجهت إلى الخزانة وإذ بصوت عبده يصلني كأنه مبعوث من قبر: «سنذهب اليوم لتناول الغداء عند أختي صالحة، جهزي نفسك، سنذهب بعد ساعة». لم يكن لي رغبة في الذهاب إلى أحد، كان ثمة ألم طفيف أسفل بطني جعلني أنحني قليلاً إلى الأمام لتبدو مشيتي مضحكة كمشية عبده.. لم أكن أبغض صالحة فهي امرأة جيدة، لكننا لا نريد زيارة كل من نهوى في أي وقت، حينما قابلت صالحة لأول مرة بعد زواجي بعشرة أيام عند وصولنا إلى السعودية، وفي أول يوم تطأ فيه قدمي تراب هذا البلد، قابلتها في منزل خالتي «عائشة» أم عبده؛ كانت ليلة ماجنة، عرفت حينها بأن ذوات البشرة السوداء يعشقن الطرب والرقص، ويملكن حساً جنسياً طاغياً، فهن لم يتورعن في الرقص في ليلة قدومنا، ولم يتورعن أيضاً في السؤال عن بعض الأشياء الحميمية في حياة رجل وامرأة تزوجا حديثاً، وكن يضحكن كثيراً بعد دلق كل سؤال، وهن لا ينتظرن إجابات إطلاقاً.
بعدما انتهيت من الاستحمام كأول فرض إنساني لي بعد الاستيقاظ، بالغت كثيراً في زينتي، حتى إن عبده قال لي وهو يرمقني بنظرة شهوانية: «يبدو أنك لا تريديننا أن نذهب لصالحة!».
وأخذ يضحك...
كان عبده في حوالى السادسة والثلاثين من عمره، رجلاً يملك بنية رياضية، وجسداً قوياً، وروحاً وثّابة تحب المغامرة، على الرغم من عرجته التي تؤثر في مشيته، ويغدو معها شكله مضحكاً، تلك العرجة التي كانت سبباً في تقاعده المبكر من العسكرية كما كان يقول، فهو حين يرتدي ملابسه تظهر تقاسيم جسده لتشكل غواية حقيقية. لقد عرفت فيما بعد بأن السود دوماً ما يملكون أجساداً فاتنة، وهم أكثر الناس امتلاكاً لذائقة عالية جداً في اختيار الملابس والثياب التي تأتي غالباً لائقة جداً، وفاتنة أيضاً؛ فالملابس التي كان يقدمها لي عبده كهدايا كانت تحمل طابعاً غريباً جداً، أشعر معها بأنني فعلاً لا أجيد انتقاء ملابسي بشكل جيد، فمنذ أن عرفت أهل عبده لم أكن أتضايق من زيارتهم لي، أو زيارتي لهم على الرغم من قلّتها، كانوا يسكنون حياً فقيرا جداً يطلقون عليه حي «المنتزه»، وعلى الرغم مما كانت تتناقله أفواه الناس حول هذا الحي بأنه حي مليء بالرذائل إلا أنني كنت أسعد بزيارته، كان حياً بائساً جداً، وكان أغلب من يسكنه من السود، ومن الطبقة المعدمة جداً.
حينما صعدت السيارة مع عبده متجهين إلى منزل أخته صالحة الذي يقبع بجانب بيت خالتي «عائشة» سألته: «هل تشعر بالحياء عندما تدخل حيّكم القديم لاسيما أنك تملك سيارة فارهة؟». كنت أعرف بأن عبده كان يشعر بالضيق إذا ما ذهبنا إلى منزل أمه أو أخته، لأنه دوماً ما كان يحاول أن يتبرأ - وهو لا يشعر - من هذا الحي الذي عاش فيه طفولته وشبابه، وخرج منه رجلاً أعرج يتنكر لأيام العوز دوماً. فردّ عبده على سؤالي باقتضاب: «بالعكس هذا الحي عشت فيه معظم عمري».
كنت أعرف بأنه يكذب؛ لأن إجاباته التي يكذب فيها تأتي مبتورة دوماً، وتحمل طابعاً محايداً إزاء أسئلتي، فلم استمر في سؤاله لأنني لا أريد امتحان ذاكرته، أو وضعه في مواجهة دامية أمامها، لكنني كنت أتعجّب من بعض تصرفاته وعباراته حينما يتحدث عن تاريخه في ذلك الحي، أو عندما يتحدث عن بعض أصدقائه ممن كانوا يشاركونه بؤس الطفولة؛ سكتُّ وأخذت أقرأ لوحات المحال التجارية والإعلانات في الشوارع بصوت شبه مرتفع كما هي عادتي منذ أن عرفت القراءة. لقد كان يعجبني في مدينة تبوك أنها مدينة متقاربة جداً. إنها مدينة هادئة، وعادة ما كنت أجيب عن الأسئلة التي تصلني عن رأيي في هذه المدينة، بأنها مدينة تعجب المتزوجين الجدد لتقاربها وهدوئها، وأنا في قرارة نفسي لا أقصد المتزوجين الجدد إنما أقصد العشاق الجدد، ومن الصعب جداً أن أبوح بهذا الأمر أمام من لا أعرفهم، فلم يكن مني إلا أنني كنت أحوّرها تماماً لتصبح «إنها مدينة رائعة جداً تصلح للمتزوجين الجدد»، وأضحك بخجل.
لم تكن المسافة من بيتنا في حي المروج إلى بيت صالحة في حي المنتزه بعيدة، فربع ساعة كفيلة بقطع تلك المسافة؛ فبِعدد الزيارات التي ذهبت فيها إلى هذا الحي كان منظر القلم الكبير الذي يتوسط الدوار عند مدخل هذا الحي يلفت نظري بشكل لا يوصف... كان منظره يشكل لي غواية لا تصدّق، فكيف جاءت هذه الفكرة في وضع هذا القلم العملاق في هذا المكان بالذات؟ وهل القلم فعلاً يمثّل شيئاً يذكر لأهل هذا الحي الذين لا يهمهم إلا أن يجدوا قوت يومهم، والا يناموا ببطون خاوية؟.
طوال الطريق كان عبده يتحدث عن اجتماعه البارحة مع بعض أصدقائه، وعن رغبته في بدء تجارة بيع السيارات في معارض تبوك، فقد اجتمع كما يقول بأحد العاملين ببيع السيارات في تبوك، وعرض عليه فكرة أن يعملا معاً في هذه التجارة بحيث يقوم بجلب السيارات من «السوق الحرة» في الأردن، ويعمل على بيعها في تبوك. كان يتحدث وأنا غارقة في قراءة لوحات المحال التجارية والإعلانات، وأتأمل وجوه الناس الذين يتكدسون خلف أجهزة تكييف السيارات التي تلفح وجوههم، وسؤال يتنامى في داخلي: لماذا لا يسير الناس على أقدامهم في هذا البلد؟
وصلنا إلى دوار القلم، هذا الدوار الذي أغواني كثيراً، أخذت أتأمله، وهواء جهاز التكييف يلفح غطاء وجهي الذي يضايقني بشدة، جلست أحدق في القلم عن يساري والسيارة تأخذ دورتها الكاملة حول الدوار، عاد عبده ليتجه شرقاً، ثم انعطف يميناً ليلج حي المنتزه من قلبه؛ كان الأسفلت في هذا الحي مليئاً بالحفر والأحجار، وكأنك تسير على طريق غير معبّد، أتذكر عندما سألت عبده عن كثرة الأحجار والحفر في الطريق أجاب ضاحكاً «أهل المنتزه من المغضوب عليهم». سرنا بين الأزقة بهدوء مبالغ فيه حفاظاً على السيارة، بعدما تأكدت بأن ذوي البشرة السوداء يحبون مقتنياتهم كثيراً، لذا أصبحت متصالحة مع حب عبده الفظيع لسيارته. كانت الأزقة ضيقة لدرجة تشعر معها بأنك تختنق، والشوارع خالية من البشر، خالية من الكائنات، فالشمس كانت حارقة في تلك الظهيرة التي تتربع بطن السماء.
Page 5
وصلنا إلى منزل صالحة ذي الباب الواحد، فقد تعودت منذ وصولي إلى السعودية أن يكون للمنازل هنا بابان، واحد يدخل منه الرجال، والآخر تدخل منه النساء، لكن منزل صالحة هو المنزل الوحيد الذي أعرفه في هذا البلد الذي كان بباب واحد؛ فالسعودية بلد يدلل التصنيف، ويربيه منذ أن تعي. طرق عبده الباب مرتين ليطل علينا رجل أسود يكتسي وجهه بالكثير من الندوب والبثور. إنه زوج صالحة بالتأكيد، كان دميماً ضخم الجسم، يحمل فماً شبه فارغ من الأسنان. استقبلنا بحفاوة ومرح غير عاديين وهو يصرخ: «أهلاً وسهلاً بنسيبي، وعريسنا الجديد». سلم على عبده بحرارة، ودعانا للدخول، وأنا لا أزال أذكر كلمته لي عندما تخطت قدمي عتبة الباب من الداخل، حينما قال:
- الله يحييك يا عروسة.
وبينما كان عبده يسير برفقته أمامي، ألم يكن مني إلا أن قلت بعفوية «شكراً لك». كان منزل صالحة عبارة عن مدخل يفتح على صالة متوسطة الحجم، وعن يمينك وأنت تمر في وسط تلك الصالة حجرة عرفتُ فيما بعد بأنها مجلس للرجال، وعن يسارك باب مغلق دوماً هو باب لدورة مياه، وعن يمينه مغسلة لليدين تقبع فوقها مرآة مكسورة زاويتها اليمنى من الأعلى، ويقف قبالتك باب يفصل قسم الرجال عن النساء، حين تتجاوزه تجد صالة أخرى أكبر من الصالة الأولى من حيث الحجم، تفتح عليها عدة غرف؛ فإلى الأمام مباشرة يقع مجلس النساء، وعن يمينك يقبع مطبخ شبه متهالك، وعن يسارك باب صغير بجانبه مغسلة يدين، وفي الركن الأيمن قبالتك تقع غرفة يبدو أنها حجرة لأطفال صالحة، ملاصقة لها تماماً حجرة أخرى هي غرفة نوم لصالحة وزوجها، لكن ما يلفت النظر حقاً هو جمال القسم النسائي في هذا البيت وترتيبه مقارنة بقسم الرجال، فقد كانت الصالة مؤثثة بكنب فاخر، وجدرانها مطلية بطريقة فاتنة، وكأن هذا القسم خارج من رسمة من تلك الرسومات التي تعطينا تصوّراً عن قناعة الناس البسطاء. حينما دلفت القسم النسائي استقبلتني رائحة السمك المنبعثة من المطبخ، وصوت صالحة الذي يتسابق مع أطفالها، وهي تقول «يا مرحباً بأم مهند عروستنا الجميلة».
كانت تحب صالحة مناداتي دوماً بأم مهند، لأنها تتمنى أن ترى ابن عبده كيف يمكن أن يكون، هل سيأتي مثل خؤولته أم مثل عمومته؟ لأتيقن فيما بعد بأن البشرة لدى السود هاجس يشكل عقدة نقص لا يمكن الخروج منها، ولأعرف بأن الزمن قذفني في تجربة لن أنساها ما حييت، فزواجي هذا لا يمكن أن يكون علاقة زوجية وكفى، إنه حياة لا يمكن أن يعيشها أصحاب البشرة البيضاء إلا استثناء.
كانت هذه هي المرة الأولى التي أقوم فيها بزيارة بيت صالحة، لكنني اعتدت على أهل عبده، وعلى صالحة بالتحديد تلك التي تشبه أمها بشكل لا يصدّق حتى في الحلية الذهبية التي تعلقها في أنفها والتي يطلقون عليها هنا مسمى «زمام». قبّلتني صالحة على خدي، وطلبت مني الجلوس في الصالة أمام جهاز التكييف مباشرة، وذهبت إلى المطبخ. في تلك الأثناء دخل عليّ أطفال صالحة، فأردت أن أكون لطيفة معهم فسألت الذكر منهم:
- ما اسمك؟
- حسن.
ثم نظرتُ إلى الفتاة الصغرى فسألتها:
- وأنت يا حلوة ما اسمك؟
لم ترد، فشعرت لوهلة بأنها لا تجيد الحديث، أو أنها تخجل من مخاطبة الغرباء، أولئك الذين لا تشعر بانتماء حقيقي لهم مثلي أنا البيضاء تماماً، لكنني مدركة بأنها كانت مدهوشة من فتاة بيضاء جميلة ربما تكون هي المرة الأولى التي ترى مثلها، فرد أخوها حسن عليّ بقوله: «اسمها آمنة». كنت أعرف أسماء ولدَي صالحة، لكنه لم يكن أمامي بعدما ذهبت صالحة للمطبخ إلا أن أختلق مثل هذه الأسئلة السخيفة لأسوّغ لهما وجودي، مثل من يكذب ليجد لنفسه مقعداً في مكان ما يثرثر فيه. دخلت عليّ صالحة بعد ذلك، وأنا ألاعب ابنتها آمنة التي كانت خجلى أكثر مما ينبغي، كانت تحمل في يديها طبقاً كبيراً فيه ثلاجة تمتلئ بالقهوة العربية، وطبقاً صغيراً فيه بعض من تمرات.
تآلفت كثيراً مع الطريقة السعودية في التعاطي مع الضيوف، صبّت لي صالحة فنجاناً من قهوتهم العربية، ومدته لي بيدها السوداء التي تظهر فيها عروق خضراء بطريقة غير منطقية، وسألتني: «هل تعوّدت على أجوائنا الحارة مقارنة بدمشق؟»، وكأنها كانت تدرك إلى أي مدى أمقت الأجواء الحارة التي تجعلني أكره نفسي وأعضائي؛ ففي الجو الحار فقط تشعر بأن أعضاءك حملٌ زائد يجب التخفف منه. قلت لها مبتسمة:
- لا يختلف كثيراً طقس تبوك عن طقس دمشق. ربما لتقارب المسافة.
ربما كانت تعرف بأنني أكذب، فقد لمحت هذا الشيء في عينيها لأنها لم ترد، ولا يمكنني أن أكون قاسية على أناس حتى أنّ الطقس قاس عليهم. أخذنا نتحدث بحميمية وبهجة إلى أن سمعت صوت الباب الفاصل بيننا وبين الرجال يدق، قامت صالحة لتفتحه، وحينما انفتح كان زوجها بجسمه الضخم يقف قبالتي، رمقني بنظرة غريبة، وطلب منها كوب ماء، فصكّت الباب خلفها واتجهت نحو المطبخ لتلبي طلبه، وحينما توارت في الداخل رأيت الباب ينفتح رويداً رويداً، وعيون زوجها تطل من ورائه كوحش من وحوش الرسوم المتحركة. أخذ يحدّق بي بدهشة، فلم يكن مني إلا أن طأطأت رأسي خجلاً، وارتشفت من فنجان القهوة بين يدي، وبعد لحظة رفعت رأسي لأنظر إليه، لكنني لم أره خلف الباب. عادت صالحة وفي يدها اليمنى كوب كبير مملوء بالماء، وفي يدها اليسرى كوب صغير فارغ.. كانت تمشي وقميصها البيتي الوردي ملتصق بجسدها، وأكثر من ثلاثين عاماً تمتلئ أنوثة، فذوات البشرة السوداء يحملن من الأنوثة ما يعوض عنهن دمامة ملامحهن، فهن دوماً ما يتهمن الفتيات اللاتي يحملن بشرة بيضاء بأنهن خاليات من الأنوثة، وباردات في الوقت ذاته، مثلما قالت امرأة سوداء في عرس حنان قبل أسبوع:
- سيفرح زوج حنان بها كثيراً، فهي فتاة حارة منذ أن ولدت، ليست كالبنات البيض الباردات اللاتي يجبرن أزواجهن على الخيانة.
عادت صالحة وهي تطلب مني أن أتناول قهوتي، وتحثني على أكل تمرة ناولتني إياها بيدها... كنت أعرف بأن صالحة تريد أن تبيّن لي مدى ما تكنّه لي في داخلها من حب، لكنني لم أفش لها هذا الأمر على مر هذا الشهر الذي عرفتها فيه، كنت أتأمل حركتها وهي ذاهبة من أمامي إلى المطبخ، وعائدة منه نحوي، وبين فينة وأخرى تتصل بأختها الصغرى حسينة وتخبرها بأنني وصلت، وتحثّها هي وأمها على المجيء سريعاً، فهي مشغولة بتجهيز الغداء، ولا تريد أن تتركني بمفردي. كنت أتابع حركة شفتيها وطريقة وضع يدها على خصرها، وهي منهمكة في الحديث مع حسينة تتساءل عن سبب تأخرهما، وتطلب منهما الحضور في أسرع وقت ممكن. كانت صالحة تملك روحاً جميلة على الرغم من أنني أشعر بأن سواد بشرتها يشكل لها عائقاً نفسياً في التماهي مع الحياة كأنثى فاتنة، ففي حضوري أشعر بأنها تبالغ كثيراً في الوقوف أمام المرأة، وتكثر من الأسئلة التي تدلقها عن جمالها.
- الله يحييك يا عروسة.
وبينما كان عبده يسير برفقته أمامي، ألم يكن مني إلا أن قلت بعفوية «شكراً لك». كان منزل صالحة عبارة عن مدخل يفتح على صالة متوسطة الحجم، وعن يمينك وأنت تمر في وسط تلك الصالة حجرة عرفتُ فيما بعد بأنها مجلس للرجال، وعن يسارك باب مغلق دوماً هو باب لدورة مياه، وعن يمينه مغسلة لليدين تقبع فوقها مرآة مكسورة زاويتها اليمنى من الأعلى، ويقف قبالتك باب يفصل قسم الرجال عن النساء، حين تتجاوزه تجد صالة أخرى أكبر من الصالة الأولى من حيث الحجم، تفتح عليها عدة غرف؛ فإلى الأمام مباشرة يقع مجلس النساء، وعن يمينك يقبع مطبخ شبه متهالك، وعن يسارك باب صغير بجانبه مغسلة يدين، وفي الركن الأيمن قبالتك تقع غرفة يبدو أنها حجرة لأطفال صالحة، ملاصقة لها تماماً حجرة أخرى هي غرفة نوم لصالحة وزوجها، لكن ما يلفت النظر حقاً هو جمال القسم النسائي في هذا البيت وترتيبه مقارنة بقسم الرجال، فقد كانت الصالة مؤثثة بكنب فاخر، وجدرانها مطلية بطريقة فاتنة، وكأن هذا القسم خارج من رسمة من تلك الرسومات التي تعطينا تصوّراً عن قناعة الناس البسطاء. حينما دلفت القسم النسائي استقبلتني رائحة السمك المنبعثة من المطبخ، وصوت صالحة الذي يتسابق مع أطفالها، وهي تقول «يا مرحباً بأم مهند عروستنا الجميلة».
كانت تحب صالحة مناداتي دوماً بأم مهند، لأنها تتمنى أن ترى ابن عبده كيف يمكن أن يكون، هل سيأتي مثل خؤولته أم مثل عمومته؟ لأتيقن فيما بعد بأن البشرة لدى السود هاجس يشكل عقدة نقص لا يمكن الخروج منها، ولأعرف بأن الزمن قذفني في تجربة لن أنساها ما حييت، فزواجي هذا لا يمكن أن يكون علاقة زوجية وكفى، إنه حياة لا يمكن أن يعيشها أصحاب البشرة البيضاء إلا استثناء.
كانت هذه هي المرة الأولى التي أقوم فيها بزيارة بيت صالحة، لكنني اعتدت على أهل عبده، وعلى صالحة بالتحديد تلك التي تشبه أمها بشكل لا يصدّق حتى في الحلية الذهبية التي تعلقها في أنفها والتي يطلقون عليها هنا مسمى «زمام». قبّلتني صالحة على خدي، وطلبت مني الجلوس في الصالة أمام جهاز التكييف مباشرة، وذهبت إلى المطبخ. في تلك الأثناء دخل عليّ أطفال صالحة، فأردت أن أكون لطيفة معهم فسألت الذكر منهم:
- ما اسمك؟
- حسن.
ثم نظرتُ إلى الفتاة الصغرى فسألتها:
- وأنت يا حلوة ما اسمك؟
لم ترد، فشعرت لوهلة بأنها لا تجيد الحديث، أو أنها تخجل من مخاطبة الغرباء، أولئك الذين لا تشعر بانتماء حقيقي لهم مثلي أنا البيضاء تماماً، لكنني مدركة بأنها كانت مدهوشة من فتاة بيضاء جميلة ربما تكون هي المرة الأولى التي ترى مثلها، فرد أخوها حسن عليّ بقوله: «اسمها آمنة». كنت أعرف أسماء ولدَي صالحة، لكنه لم يكن أمامي بعدما ذهبت صالحة للمطبخ إلا أن أختلق مثل هذه الأسئلة السخيفة لأسوّغ لهما وجودي، مثل من يكذب ليجد لنفسه مقعداً في مكان ما يثرثر فيه. دخلت عليّ صالحة بعد ذلك، وأنا ألاعب ابنتها آمنة التي كانت خجلى أكثر مما ينبغي، كانت تحمل في يديها طبقاً كبيراً فيه ثلاجة تمتلئ بالقهوة العربية، وطبقاً صغيراً فيه بعض من تمرات.
تآلفت كثيراً مع الطريقة السعودية في التعاطي مع الضيوف، صبّت لي صالحة فنجاناً من قهوتهم العربية، ومدته لي بيدها السوداء التي تظهر فيها عروق خضراء بطريقة غير منطقية، وسألتني: «هل تعوّدت على أجوائنا الحارة مقارنة بدمشق؟»، وكأنها كانت تدرك إلى أي مدى أمقت الأجواء الحارة التي تجعلني أكره نفسي وأعضائي؛ ففي الجو الحار فقط تشعر بأن أعضاءك حملٌ زائد يجب التخفف منه. قلت لها مبتسمة:
- لا يختلف كثيراً طقس تبوك عن طقس دمشق. ربما لتقارب المسافة.
ربما كانت تعرف بأنني أكذب، فقد لمحت هذا الشيء في عينيها لأنها لم ترد، ولا يمكنني أن أكون قاسية على أناس حتى أنّ الطقس قاس عليهم. أخذنا نتحدث بحميمية وبهجة إلى أن سمعت صوت الباب الفاصل بيننا وبين الرجال يدق، قامت صالحة لتفتحه، وحينما انفتح كان زوجها بجسمه الضخم يقف قبالتي، رمقني بنظرة غريبة، وطلب منها كوب ماء، فصكّت الباب خلفها واتجهت نحو المطبخ لتلبي طلبه، وحينما توارت في الداخل رأيت الباب ينفتح رويداً رويداً، وعيون زوجها تطل من ورائه كوحش من وحوش الرسوم المتحركة. أخذ يحدّق بي بدهشة، فلم يكن مني إلا أن طأطأت رأسي خجلاً، وارتشفت من فنجان القهوة بين يدي، وبعد لحظة رفعت رأسي لأنظر إليه، لكنني لم أره خلف الباب. عادت صالحة وفي يدها اليمنى كوب كبير مملوء بالماء، وفي يدها اليسرى كوب صغير فارغ.. كانت تمشي وقميصها البيتي الوردي ملتصق بجسدها، وأكثر من ثلاثين عاماً تمتلئ أنوثة، فذوات البشرة السوداء يحملن من الأنوثة ما يعوض عنهن دمامة ملامحهن، فهن دوماً ما يتهمن الفتيات اللاتي يحملن بشرة بيضاء بأنهن خاليات من الأنوثة، وباردات في الوقت ذاته، مثلما قالت امرأة سوداء في عرس حنان قبل أسبوع:
- سيفرح زوج حنان بها كثيراً، فهي فتاة حارة منذ أن ولدت، ليست كالبنات البيض الباردات اللاتي يجبرن أزواجهن على الخيانة.
عادت صالحة وهي تطلب مني أن أتناول قهوتي، وتحثني على أكل تمرة ناولتني إياها بيدها... كنت أعرف بأن صالحة تريد أن تبيّن لي مدى ما تكنّه لي في داخلها من حب، لكنني لم أفش لها هذا الأمر على مر هذا الشهر الذي عرفتها فيه، كنت أتأمل حركتها وهي ذاهبة من أمامي إلى المطبخ، وعائدة منه نحوي، وبين فينة وأخرى تتصل بأختها الصغرى حسينة وتخبرها بأنني وصلت، وتحثّها هي وأمها على المجيء سريعاً، فهي مشغولة بتجهيز الغداء، ولا تريد أن تتركني بمفردي. كنت أتابع حركة شفتيها وطريقة وضع يدها على خصرها، وهي منهمكة في الحديث مع حسينة تتساءل عن سبب تأخرهما، وتطلب منهما الحضور في أسرع وقت ممكن. كانت صالحة تملك روحاً جميلة على الرغم من أنني أشعر بأن سواد بشرتها يشكل لها عائقاً نفسياً في التماهي مع الحياة كأنثى فاتنة، ففي حضوري أشعر بأنها تبالغ كثيراً في الوقوف أمام المرأة، وتكثر من الأسئلة التي تدلقها عن جمالها.
Page 6
مع الوقت أيقنت بأنني في المكان الخطأ كزهرة نبتت على الأسفلت، فالمرء لا يشعر بأنه في المكان الخاطئ إلا إذا تيقن بأنه في وسط لا يمثّله البتة. في بداية الأمر شعرت بأن جمالي سيكون دافعاً لهن لاحترامي فوق العادة، لكنني ومع مرور الوقت تأكدت إلى أي مدى يمكن أن يكون الجمال لعنة، فما أصعب أن تستفز أقواماً في دمامتهم!. صحيح أن عبده وأسرته لم يعاملوني بجفاء إزاء جمالي يوماً، لكن ما أقسى أن تجد امرأة بين الفينة والأخرى تردد عليك سؤالاً واحداً لا غير: «هل تعتقدين بأنني جميلة هكذا؟».
خرجتُ حينها من جوهر هذياني على أصوات الكعوب التي تحدث دوياً على بلاط البيت لألتفت وأجد خالتي أم عبده وابنتها الصغرى حسينة قبالتي، كانتا في أجمل ثيابهما، متأنقتين بشكل مهيب جداً، قبّلتهما مبتسمة، وحين طبعت قبلة على خد حسينة البالغة من العمر ثمانية عشر عاماً أو تزيد قليلاً همست في أذنها «أنت جميلة جداً». نظرت إلي فَرِحة، نظرت إلي كطفل سعيد بهدية، ولم يكن منها إلا أن قبّلتني مرة أخرى على خدي بقوة لدرجة شعرت معها بأثر هذه القبلة بعد منتصف الليل حينما أردت أن أنام، فأكثر ما يبهج المرأة أن تدلل جمالها بعبارات مقتضبة، فإن كانت الدمامة شيئاً يدخل الحسرة في النفس، فالإطراء على الحسن شيء يدخل في النفس بهجة لا تضاهى.
بدأ توافد الضيوف، وبين الفينة والأخرى تدخل امرأة أو اثنتان حتى امتلأت الصالة، وبدأت اشتمّ رائحة النميمة، لقد كن على العموم من جيران صالحة وأم عبده. لم يكن العدد لافتاً، لكنني كنت على ثقة بأن الله يغفر للنساء نميمتهن، لأنهن خلقن هكذا، لذا لم أكن أشعر بأن الأحاديث التي يدلقنها النساء في مجالسهن سيأخذها الله على محمل الجد. بقينا نتحدث لأكثر من ساعة، أنا البيضاء الوحيدة في هذا السائل الذي يشبه القار، لكن ما كان يدهشني حقاً أناقة النساء آنذاك، وطريقتهن في اختيار ملابسهن، على الرغم من التكرار الفظيع جداً للون الأبيض في كل ما يلبسنه.
جاءت صالحة بالأطباق بعد أن ناولت زوجها الطعام من خلف الباب، وبعدما فرشت أختها الجميلة حسينة سفرة على الأرض في الحجرة المجاورة.. أردت أن أساعدهن في تحضير الغداء لكن خالتي أم عبده أقسمت عليّ بألا أقوم، فالبنات كما تقول سيحضرن الطعام. كان الغداء عبارة عن طبق سمك كبير، وأرز أسود يطلق عليه السعوديون اسم «صيادية»، وعدد من الإدامات، وأكلة شعبية يعجنّ فيها الخبز مع الموز يطلقون عليها مسمى «معصوب». وكان ثمة فواكه متعددة، وعبوتان كبيرتان لمشروب غازي، وحشد هائل من النساء. بعدما تم تجهيز السفرة، دعتنا خالتي للجلوس، وتناول الطعام، وطلبت مني أن أسمي الله، وأبدأ في الأكل، فترددت قليلاً، فعرفت صالحة أنني أواجه أزمة يصعب عليّ الخروج منها، فأنا لا آكل بيدي، فقفزت إلى المطبخ وجاءتني بملعقة مغسولة بشكل جيد. أخذنا نأكل ونتحدث، لكنني لا أنسى ما قالته إحدى الموجودات موجهة كلامها لي:
- لا داعي لأن تتكلفي في الأكل، كوني على سجيّتك، بإمكانك أن تأكلي بيدك، ووضع هذه الملعقة جانباً.
وحينما أردت أن أرد عليها سمعت صوت صالحة يأتيني ضاحكاً:
- يبدو أنها المرة الأولى التي تأكلين فيها أكلات شعبية سعودية يا سحر.
فنظرت إليها مبتسمة، وقد عرفت بأنها تريد تغيير مجرى الحديث فقلت:
- نعم هي المرة الأولى، لكنه أكل لذيذ فعلاً، أنت تجيدين الطبخ بشكل لا يقاوم.
وابتسمت. عندها قالت إحدى الحاضرات:
- تعالي لزيارتي في أي وقت، وستدركين بأن طبخ صالحة غير لذيذ مقارنة بما أطبخه.
- أتشرف بذلك.
فردت عليها صالحة بطريقة لا تخلو من الضيق قائلة:
- لو أن طبخك لذيذ كما تقولين ما كان زوجك دائم التواجد عند حسين – تقصد زوجها – لاسيما في أوقات الوجبات!
فقالت تلك المرأة متعجبة:
- ماذا تقصدين؟ وما دخل تواجده عندكم بما أطبخه؟
خرجتُ حينها من جوهر هذياني على أصوات الكعوب التي تحدث دوياً على بلاط البيت لألتفت وأجد خالتي أم عبده وابنتها الصغرى حسينة قبالتي، كانتا في أجمل ثيابهما، متأنقتين بشكل مهيب جداً، قبّلتهما مبتسمة، وحين طبعت قبلة على خد حسينة البالغة من العمر ثمانية عشر عاماً أو تزيد قليلاً همست في أذنها «أنت جميلة جداً». نظرت إلي فَرِحة، نظرت إلي كطفل سعيد بهدية، ولم يكن منها إلا أن قبّلتني مرة أخرى على خدي بقوة لدرجة شعرت معها بأثر هذه القبلة بعد منتصف الليل حينما أردت أن أنام، فأكثر ما يبهج المرأة أن تدلل جمالها بعبارات مقتضبة، فإن كانت الدمامة شيئاً يدخل الحسرة في النفس، فالإطراء على الحسن شيء يدخل في النفس بهجة لا تضاهى.
بدأ توافد الضيوف، وبين الفينة والأخرى تدخل امرأة أو اثنتان حتى امتلأت الصالة، وبدأت اشتمّ رائحة النميمة، لقد كن على العموم من جيران صالحة وأم عبده. لم يكن العدد لافتاً، لكنني كنت على ثقة بأن الله يغفر للنساء نميمتهن، لأنهن خلقن هكذا، لذا لم أكن أشعر بأن الأحاديث التي يدلقنها النساء في مجالسهن سيأخذها الله على محمل الجد. بقينا نتحدث لأكثر من ساعة، أنا البيضاء الوحيدة في هذا السائل الذي يشبه القار، لكن ما كان يدهشني حقاً أناقة النساء آنذاك، وطريقتهن في اختيار ملابسهن، على الرغم من التكرار الفظيع جداً للون الأبيض في كل ما يلبسنه.
جاءت صالحة بالأطباق بعد أن ناولت زوجها الطعام من خلف الباب، وبعدما فرشت أختها الجميلة حسينة سفرة على الأرض في الحجرة المجاورة.. أردت أن أساعدهن في تحضير الغداء لكن خالتي أم عبده أقسمت عليّ بألا أقوم، فالبنات كما تقول سيحضرن الطعام. كان الغداء عبارة عن طبق سمك كبير، وأرز أسود يطلق عليه السعوديون اسم «صيادية»، وعدد من الإدامات، وأكلة شعبية يعجنّ فيها الخبز مع الموز يطلقون عليها مسمى «معصوب». وكان ثمة فواكه متعددة، وعبوتان كبيرتان لمشروب غازي، وحشد هائل من النساء. بعدما تم تجهيز السفرة، دعتنا خالتي للجلوس، وتناول الطعام، وطلبت مني أن أسمي الله، وأبدأ في الأكل، فترددت قليلاً، فعرفت صالحة أنني أواجه أزمة يصعب عليّ الخروج منها، فأنا لا آكل بيدي، فقفزت إلى المطبخ وجاءتني بملعقة مغسولة بشكل جيد. أخذنا نأكل ونتحدث، لكنني لا أنسى ما قالته إحدى الموجودات موجهة كلامها لي:
- لا داعي لأن تتكلفي في الأكل، كوني على سجيّتك، بإمكانك أن تأكلي بيدك، ووضع هذه الملعقة جانباً.
وحينما أردت أن أرد عليها سمعت صوت صالحة يأتيني ضاحكاً:
- يبدو أنها المرة الأولى التي تأكلين فيها أكلات شعبية سعودية يا سحر.
فنظرت إليها مبتسمة، وقد عرفت بأنها تريد تغيير مجرى الحديث فقلت:
- نعم هي المرة الأولى، لكنه أكل لذيذ فعلاً، أنت تجيدين الطبخ بشكل لا يقاوم.
وابتسمت. عندها قالت إحدى الحاضرات:
- تعالي لزيارتي في أي وقت، وستدركين بأن طبخ صالحة غير لذيذ مقارنة بما أطبخه.
- أتشرف بذلك.
فردت عليها صالحة بطريقة لا تخلو من الضيق قائلة:
- لو أن طبخك لذيذ كما تقولين ما كان زوجك دائم التواجد عند حسين – تقصد زوجها – لاسيما في أوقات الوجبات!
فقالت تلك المرأة متعجبة:
- ماذا تقصدين؟ وما دخل تواجده عندكم بما أطبخه؟
Page 7
فقالت صالحة:
- اسألي نفسك!
عندها لم يكن من خالتي أم عبده إلا أن قالت:
- استعذن من الشيطان، ودعونا نأكل!
بعدما تناولنا طعام الغداء، جاءت صالحة بقالب كبير من الحلوى، وبدأت بتوزيعه على الحاضرين، فتناولته بلذة بادية. صدقاً كان لذيذاً بشكل لا يمكنني نسيانه، وفي أثناء أحاديثنا وثرثراتنا سمعت صوت أغنية صاخبة من الغرفة المجاورة التي كانت غرفة نوم صالحة، كانت الأغنية راقصة بشكل جنوني. التفتّ لأجد حسينة مع فتاتين أصغر منها سنا يتراقصن في الحجرة بطريقة فاتنة، فكن يتمايلن بأجسادهن بطريقة سلسة ورائعة، لكنني تفاجأت حقاً حينما طلبت صالحة من حسينة أن تقوم برفع صوت جهاز التسجيل. رفعت هذه الأخيرة الصوت عالياً، فقامت صالحة بالتراقص أمامنا وهي تضحك بهستيريا وتقول: «هيا قومي وارقصي يا سحر». حاولت أن تمسك بيدي، لكنني رفضت بشدة، وخجل ضخم غير مرئي يتربع كياني، وقلت:
- أتمنى أن تعذريني، فأنا لا أجيد الرقص الخليجي.
كنت أعرف بأنها حجة واهية، لأن الحقيقة كانت في أنني لا أريد تهشيم الإطار الجميل الذي صنعته لنفسي برقص رديء مقارنة برقصهن، فأحببت أن أبقى محافظة على كبريائي وجمالي في أعينهن، لأنه ليس هنالك أسوأ من السقوط من عينيّ امرأة. بدأ بعض النساء في الرقص تجاوباً مع صالحة، أخذت أنظر إليهنّ بغبطة، كن يرقصن بشكل فاتن حقاً، فقد سعدت كثيراً بذلك، وأم عبده تنظر إليهنّ، وهي ترتشف من كوب الشاي الذي في يدها، وبعد رقص طويل، وثرثرة أطول سمعت صوت عبده من خلف الباب ينادي:
- هيا يا سحر.
انطلقت صالحة نحو الباب تطلب من عبده أن يبقيني حتى المساء هنا، لكنه رفض بحجة أن لديه عملاً، فسيصطحبني إلى البيت، ومن ثمّ سيذهب، ولن يعود إلى المنزل إلا في وقت متأخر من الليل كما يزعم. عادت إلي وطلبت مني الانتظار حتى تأتي بعباءتي التي لم أعرفها في حياتي إلا لشهر واحد، وأنا أتساءل الآن: كيف تستطيع النساء هنا تحمل هذا اللباس الأسود على أجسادهن إلى أن يمتن؟!. ناولتني صالحة عباءتي وغطاء وجهي الذي لا أُحسن وضعه، ثم ودعتها، وقبّلت حسينة وخالتي أم عبده، وصافحت المتبقيات من النساء، عندها همستْ صالحة في أذني ضاحكة:
- يبدو أن مفعول السمك بدأ يتحرك في داخل زوجك!
(اليوم الثامن والعشرون)
- لدي موعد مع أصدقاء لي، يبدو أننا سنتشارك في مشروع تجاري، سأنتهي بعد صلاة المغرب وسنتناول العشاء في الخارج.
- سأكون في انتظارك.
أغلقت الباب وراء عبده بعدما ألقى هذه الكلمات على مسامعي كجندي أَمْنٍ، وعدت إلى الصالة أقلّب القنوات الفضائية، وأتابعها بدون شغف في الاستمرار. شعرت بالملل، فتناولت جهاز كمبيوتري المحمول، وبدأت أفتش في الانترنت. كان الملل ينتاب كل أعضائي، ملل دفعني للكتابة في محرك البحث كلمة «العبيد»، فخرجت لي آلاف الصفحات، شعرت بشغف يتسرّب إلى داخلي بتؤدة؛ ذلك الشغف الذي يغدو معه الملل حامضاً، بدأت أقرأ وأنا مندهشة حقاً، هل إلى هذه الدرجة يشكّل الرق همّاً إنسانياً على البشرية؟. كنت على ثقة مطلقة بأن أجداد عبده كانوا قبل عشرات السنين عبيداً، ليس لبشرتهم السوداء فحسب، إنما لأن الرق يشيع في النفوس شعوراً بالدونية، وحباً للتملك فيما بعد، فعبده دائماً ما يشعرني بأنني مملوكة له فعلاً، وفي أحيان كثيرة أشعر بدونيته التي تؤلمني حد الاشمئزاز من نفسي، مثلما حدث البارحة حينما عدنا إلى المنزل، فكان لا يجامعني إلا بعد أن يمصّ أصابع قدمي كلها، عندها أتأكد من أنني مقبلة على فصل جنسي عنيف لا يقاوم!.
كل ما كان مكتوباً في الصفحات يثير الدهشة، فالرق سمة إنسانية لم تكن حكراً على العرب فقط، وهذا ما يجعل الناس يتقاطعون معها في كل الأرض.. كنت أقرأ وأنا لا أدري ما صحة ما هو مكتوب، فما يكتب في صفحات الانترنت يعد وجهة نظر لا تعني الحقيقة أبداً، قرأت كثيراً إلى أن بدأت أشعر بهمّ هذه الصفحات يثقل على روحي، ففتحت بريدي الإلكتروني هرباً من ذاكرتي التي ستمتلئ بكل ما كان مدوّناً؛ فأن تصبح أسيراً لذاكرة معبأة بالصدأ، فحتماً سيأتي اليوم الذي ستتآكل فيه روحك شبراً شبراً. لم أجد في البريد أية رسالة ذات أهمية، وجدت رسائل عدة من شركة إعلانات تسوّق لمنتج جديد لها، فأغلقت البريد، وفتحت موقع جريدة الثورة السورية، مع أنني كنت أمقت التزلف الواضح للنظام السوري في بلد يدّعي بأنه ديمقراطي، فتحت صفحة الثقافة في الجريدة فوجدت نصاً قصصياً بعنوان «شيء يأتي ويذهب» لكاتب سوري شاب، كان النص يحكي قصة شاب وفتاة أحبا بعضهما بعضاً في إحدى المحافظات السورية، لكن قسوة الحياة حوّلت ذلك الشاب النزيه إلى مختلس بعد أن التحق بوظيفة حكومية، ومن خلال التحقيقات أجاب بطل القصة عن سبب اختلاسه قائلاً: «إن الدافع الحقيقي وراء هذا الاختلاس هو أنني كنت سأضمن من خلال هذه السرقة أن يكون لي مكانة في هذا البلد فيما بعد!»، وأنهى الشاب قصته، وسؤال يلح عليّ: هل صحيح بأننا كسوريين نعاني من أزمة في ضمائرنا تجاه الماديات؟. في تلك الأثناء بدأت أتذكر ماهراً، حبيبي الذي هجرته منذ أكثر من شهر، فهل حاولت اختلاس نبله، ووفائه، وحبه، وهاجرت إلى بلاد النفط؟ وهل أنا حقيرة فعلاً لأنني وضعت نفسي تحت إمرة رجل لا يمكن أن يرقى إلى مستواي لمجرد أنه يملك حفنة من النقود؟ وهل المال هو كل شيء في هذه الحياة؟. يا الله كم هو قاس أن تدرك فجأة وجع قراراتك الخاطئة، وأنت في غمرة نتائج هذه القرارات، لكنك لا تستطيع أن تغير شيئاً!. ماهر ذلك الشاب الوسيم، اللذيذ الوعي، الذي حمل حبه لي لأكثر من خمس سنوات، فأنا متأكدة من أنني كنت قاسية معه لدرجة بدأت أشعر معها بأنني قاسية مع نفسي أيضاً، حينما قلت لأمي بعد إلحاح غير طبيعي : «حسناً يمكنكم أن ترتبوا أمور الزواج، فأنا موافقة»، فهل يمكننا نحن البشر أن نستمر في القسوة على أنفسنا بهذا الشكل؟.
- اسألي نفسك!
عندها لم يكن من خالتي أم عبده إلا أن قالت:
- استعذن من الشيطان، ودعونا نأكل!
بعدما تناولنا طعام الغداء، جاءت صالحة بقالب كبير من الحلوى، وبدأت بتوزيعه على الحاضرين، فتناولته بلذة بادية. صدقاً كان لذيذاً بشكل لا يمكنني نسيانه، وفي أثناء أحاديثنا وثرثراتنا سمعت صوت أغنية صاخبة من الغرفة المجاورة التي كانت غرفة نوم صالحة، كانت الأغنية راقصة بشكل جنوني. التفتّ لأجد حسينة مع فتاتين أصغر منها سنا يتراقصن في الحجرة بطريقة فاتنة، فكن يتمايلن بأجسادهن بطريقة سلسة ورائعة، لكنني تفاجأت حقاً حينما طلبت صالحة من حسينة أن تقوم برفع صوت جهاز التسجيل. رفعت هذه الأخيرة الصوت عالياً، فقامت صالحة بالتراقص أمامنا وهي تضحك بهستيريا وتقول: «هيا قومي وارقصي يا سحر». حاولت أن تمسك بيدي، لكنني رفضت بشدة، وخجل ضخم غير مرئي يتربع كياني، وقلت:
- أتمنى أن تعذريني، فأنا لا أجيد الرقص الخليجي.
كنت أعرف بأنها حجة واهية، لأن الحقيقة كانت في أنني لا أريد تهشيم الإطار الجميل الذي صنعته لنفسي برقص رديء مقارنة برقصهن، فأحببت أن أبقى محافظة على كبريائي وجمالي في أعينهن، لأنه ليس هنالك أسوأ من السقوط من عينيّ امرأة. بدأ بعض النساء في الرقص تجاوباً مع صالحة، أخذت أنظر إليهنّ بغبطة، كن يرقصن بشكل فاتن حقاً، فقد سعدت كثيراً بذلك، وأم عبده تنظر إليهنّ، وهي ترتشف من كوب الشاي الذي في يدها، وبعد رقص طويل، وثرثرة أطول سمعت صوت عبده من خلف الباب ينادي:
- هيا يا سحر.
انطلقت صالحة نحو الباب تطلب من عبده أن يبقيني حتى المساء هنا، لكنه رفض بحجة أن لديه عملاً، فسيصطحبني إلى البيت، ومن ثمّ سيذهب، ولن يعود إلى المنزل إلا في وقت متأخر من الليل كما يزعم. عادت إلي وطلبت مني الانتظار حتى تأتي بعباءتي التي لم أعرفها في حياتي إلا لشهر واحد، وأنا أتساءل الآن: كيف تستطيع النساء هنا تحمل هذا اللباس الأسود على أجسادهن إلى أن يمتن؟!. ناولتني صالحة عباءتي وغطاء وجهي الذي لا أُحسن وضعه، ثم ودعتها، وقبّلت حسينة وخالتي أم عبده، وصافحت المتبقيات من النساء، عندها همستْ صالحة في أذني ضاحكة:
- يبدو أن مفعول السمك بدأ يتحرك في داخل زوجك!
(اليوم الثامن والعشرون)
- لدي موعد مع أصدقاء لي، يبدو أننا سنتشارك في مشروع تجاري، سأنتهي بعد صلاة المغرب وسنتناول العشاء في الخارج.
- سأكون في انتظارك.
أغلقت الباب وراء عبده بعدما ألقى هذه الكلمات على مسامعي كجندي أَمْنٍ، وعدت إلى الصالة أقلّب القنوات الفضائية، وأتابعها بدون شغف في الاستمرار. شعرت بالملل، فتناولت جهاز كمبيوتري المحمول، وبدأت أفتش في الانترنت. كان الملل ينتاب كل أعضائي، ملل دفعني للكتابة في محرك البحث كلمة «العبيد»، فخرجت لي آلاف الصفحات، شعرت بشغف يتسرّب إلى داخلي بتؤدة؛ ذلك الشغف الذي يغدو معه الملل حامضاً، بدأت أقرأ وأنا مندهشة حقاً، هل إلى هذه الدرجة يشكّل الرق همّاً إنسانياً على البشرية؟. كنت على ثقة مطلقة بأن أجداد عبده كانوا قبل عشرات السنين عبيداً، ليس لبشرتهم السوداء فحسب، إنما لأن الرق يشيع في النفوس شعوراً بالدونية، وحباً للتملك فيما بعد، فعبده دائماً ما يشعرني بأنني مملوكة له فعلاً، وفي أحيان كثيرة أشعر بدونيته التي تؤلمني حد الاشمئزاز من نفسي، مثلما حدث البارحة حينما عدنا إلى المنزل، فكان لا يجامعني إلا بعد أن يمصّ أصابع قدمي كلها، عندها أتأكد من أنني مقبلة على فصل جنسي عنيف لا يقاوم!.
كل ما كان مكتوباً في الصفحات يثير الدهشة، فالرق سمة إنسانية لم تكن حكراً على العرب فقط، وهذا ما يجعل الناس يتقاطعون معها في كل الأرض.. كنت أقرأ وأنا لا أدري ما صحة ما هو مكتوب، فما يكتب في صفحات الانترنت يعد وجهة نظر لا تعني الحقيقة أبداً، قرأت كثيراً إلى أن بدأت أشعر بهمّ هذه الصفحات يثقل على روحي، ففتحت بريدي الإلكتروني هرباً من ذاكرتي التي ستمتلئ بكل ما كان مدوّناً؛ فأن تصبح أسيراً لذاكرة معبأة بالصدأ، فحتماً سيأتي اليوم الذي ستتآكل فيه روحك شبراً شبراً. لم أجد في البريد أية رسالة ذات أهمية، وجدت رسائل عدة من شركة إعلانات تسوّق لمنتج جديد لها، فأغلقت البريد، وفتحت موقع جريدة الثورة السورية، مع أنني كنت أمقت التزلف الواضح للنظام السوري في بلد يدّعي بأنه ديمقراطي، فتحت صفحة الثقافة في الجريدة فوجدت نصاً قصصياً بعنوان «شيء يأتي ويذهب» لكاتب سوري شاب، كان النص يحكي قصة شاب وفتاة أحبا بعضهما بعضاً في إحدى المحافظات السورية، لكن قسوة الحياة حوّلت ذلك الشاب النزيه إلى مختلس بعد أن التحق بوظيفة حكومية، ومن خلال التحقيقات أجاب بطل القصة عن سبب اختلاسه قائلاً: «إن الدافع الحقيقي وراء هذا الاختلاس هو أنني كنت سأضمن من خلال هذه السرقة أن يكون لي مكانة في هذا البلد فيما بعد!»، وأنهى الشاب قصته، وسؤال يلح عليّ: هل صحيح بأننا كسوريين نعاني من أزمة في ضمائرنا تجاه الماديات؟. في تلك الأثناء بدأت أتذكر ماهراً، حبيبي الذي هجرته منذ أكثر من شهر، فهل حاولت اختلاس نبله، ووفائه، وحبه، وهاجرت إلى بلاد النفط؟ وهل أنا حقيرة فعلاً لأنني وضعت نفسي تحت إمرة رجل لا يمكن أن يرقى إلى مستواي لمجرد أنه يملك حفنة من النقود؟ وهل المال هو كل شيء في هذه الحياة؟. يا الله كم هو قاس أن تدرك فجأة وجع قراراتك الخاطئة، وأنت في غمرة نتائج هذه القرارات، لكنك لا تستطيع أن تغير شيئاً!. ماهر ذلك الشاب الوسيم، اللذيذ الوعي، الذي حمل حبه لي لأكثر من خمس سنوات، فأنا متأكدة من أنني كنت قاسية معه لدرجة بدأت أشعر معها بأنني قاسية مع نفسي أيضاً، حينما قلت لأمي بعد إلحاح غير طبيعي : «حسناً يمكنكم أن ترتبوا أمور الزواج، فأنا موافقة»، فهل يمكننا نحن البشر أن نستمر في القسوة على أنفسنا بهذا الشكل؟.
Page 8
أغلقت جهاز الحاسوب الذي يشبه حبلاً دائماً ما يشنق ضميري لدرجة أشعر معها أن ضميري سيموت حتماً، لكنه في آخر لحظة يكشر عن لؤمه، ويتركه مترنحاً يسعل، ويستفرغ دماً من دون أن يموت؛ فهنالك مواقف في الحياة تصبغنا بخبثها، ودناءتها، وإفرازاتها القذرة لمجرد أنها تذكرنا برداءتنا كزواجي من عبده بالضبط، وكتعامل خالي مع زواجي هذا على أنه صفقة تجارية، حتى حينما وجدني أبكي في حجرتي بعد أن ضغطت عليّ أمي بقبول عبده كزوج، فقد قال لي:
- يا سحر، يا حبيبتي، أنا أريد لك الخير، ولو لم أر في زواجك من هذا الرجل خيراً ما سعيت فيه.
- لكنني لا أريده، أنا أحب ماهر، ولن أتزوج سوى ماهر.
- وماذا سيقدم لك ماهر؟ فالحب وحده لا يكفي لمواجهة الحياة يا سحر.
- أنا لا أحب هذا الرجل، وهو فوق هذا رجل أسود، فهل يرضيك أن أتزوج من رجل أسود؟
- هذا الرجل الأسود سيقدم لك ما يعجز عنه حبيبك ماهر، يمكنك أن تطلبي منه أي شيء ليوفره لك.
- أرجوك كفى يا خال...
وانخرطت في بكاء حامض مثل من يلعق دمه، وأنا أتذكر كلمة خالي وصفي «الحب وحده لا يكفي لمواجهة الحياة يا سحر»، فهل ما قاله صحيحاً؟ أم أن الخيبات تجعلنا نعيد النظر في العبارات التي يدلقها علينا الآخرون ولا نتنبه لها؟ لا أدري بالضبط. كان الوقت عصراً، ودوماً ما تغزوني مرارة ذكرياتي في هذا الوقت؛ فالعصر هنا طويل جداً، وليس لديك من عمل إزاء طوله هذا إلا أن تتجرع هزائمك، وتلعق جراحك. اتجهت إلى الحجرة وخلعت كل ملابسي وتناولت منشفتي من الخزانة، وسرت عارية إلى الحمام. ملأت حوض الاستحمام ماءً حاراً، وتمددت في الحوض مسترخية أتأمل جسدي تحت الماء، وأطراف شعري تعوم فوق صفحته، وبين الفينة والأخرى أحرك ساقي لأنني لا أحب أن أشاهد عانتي بوضوح بعد أن ولغ منها ذلك الأسود. بقيت لأكثر من نصف ساعة ممددة في هذا الحوض، وكنت خلالها أتذكر عدة مواقف حصلت لي مع ماهر، فذات يوم خرجنا عصراً من الجامعة، وطلب مني الذهاب معه للتسكع في أرجاء دمشق، هذه المدينة المتهالكة مدنياً مقارنة بالإرث التاريخي العظيم الذي تحمله، تلك المدينة التي أحبها، أحبها لأنها المدينة التي حفظت طفولتي، وربّتها، وتمددت فيها مراهقتي، ليشتد عودها، وتصير أكثر فتنة، فالمدن مثل البشر دوماً ما تحمل في داخلها جوانب نبيلة.
ركبنا (السيرفيس) متجهين إلى سوق «الحميدية»، كان يمتلئ بالناس الحقيقيين غير المزيفين، كنت أشعر بأنني إنسانة حقاً حينما أسير هناك، فنحن لا نشعر بإنسانيتنا في الأماكن الفاخرة المليئة بالزيف، إنما نحس بها حين نسير في الأزقة الضيقة. كان منظرنا غريباً وسط السوق، ونحن نحمل مذكراتنا الجامعية في أيدينا، وننظر هنا، ونضحك لرؤية ذاك. كنا نقلب البضائع بين أيدينا، ونسأل عن أسعارها، ولا نية لدينا في الشراء؛ فثمة شعور يلازمني حينما أسأل عن أسعار البضائع ولا نية لي في الشراء مثل شعور الممثل الكوميدي حين يقف على خشبة المسرح ليُضحِك الآخرين، وهو لا يثق بوعيهم، وعقولهم. سحبني ماهر من يدي، ودخلنا إلى محل لبيع البوظة، اشترينا منها وجلسنا في زاوية المطعم نتناولها بلذة، ولا أنسى أنني أكلت آخر ملعقة من صحن ماهر بعدما مدها لي بيده.
كانت ثمة حكايات كثيرة تنبعث من ذاكرتي كخيط من الليزر، وليس هنالك أصعب من البقاء مع الذاكرة في حوض استحمام!. قمت من الحوض أتقاطر ماء وذكرى، توجهت إلى حجرة النوم دون أن أكلّف نفسي عناء أن أنشّف جسدي، كنت أسير حافية القدمين على ذلك السيراميك البارد الذي يشبه وخز ألم الأسنان. وقفت عارية أمام المرآة أنشف شعري، بعدها بدأت في ارتداء ملابسي، ووضع زينتي بهدوء مطلق؛ فالحياة علمتني كامرأة بأن التزيّن بالنسبة للمرأة يشبه الطبخ تماماً، يحتاج إلى نار هادئة في كثير من الأحيان. لا أذكر بالضبط كم بقيت أمام المرآة أرتدي ملابسي، وأتزيّن، لكنني على يقين من أنّ الوقت الذي استغرقته يتجاوز الساعة والنصف، عندها التقطت هاتفي المحمول الذي كان على (الكوميدينة) لأجد رسالة من أم حسين جارتي التي تقطن الطابق العلوي كتبت فيها:
«مساء أبيض يضمّك حيل بأحضانه...
مساء يهدي أمل وردي لأجمل وأعذب إنسانة».
تذكرت زيارتي لها مساء البارحة. لقد كانت امرأة جيدة، لكنها لم تخفِ كونها سعودية تملك الحقيقة المطلقة للأشياء، فالسعوديون يشعرونك دوماً بأنك غريب عنهم بسبب تلك الدهشة التي لا تفارق أعينهم إذا رأوك، أو تعاملوا معك، أو بدأوا ينصتون إليك حينما تتحدث. كنت أنوي أن أرد عليها برسالة، لكنني أجّلت ذلك لوقت لاحق. فتحت رسالة جديدة وكتبت لعبده «لقد مللت وأنا أنتظر في المنزل، حاول أن تعود سريعاً، فأنا جاهزة في انتظارك». انتظرت لأقل من ثلاث دقائق لتصلني رسالة من عبده كتب فيها «أنا آسف يا حياتي، سأكون عندك بعد نصف ساعة، اشتقت إليك».
كنت بكامل زينتي وسط الصالة كامرأة في بداية ليلة حب، مددت يدي إلى كتاب كان فوق الرف الذي يحتضن مستقبل القنوات، كنت أقرأ فيه عصر أمس، فدوماً ما يشعرني وقت العصر بأنه أثقل أوقات اليوم، فهو يشبه حضور السياسيين ثقيلاً، ومملاً، ومليئاً بالزيف. كان الكتاب عبارة عن رواية لروائية صينية شابة، فتحتها من حيث انتهيت البارحة وبدأت أقرأ، غرقت في عالم «شنغهاي» الذي كتبت عنه تلك الروائية إلى أن أعادني رنين هاتفي المحمول بجانبي، لقد كان المتصل عبده، رددت عليه:
- أهلاً.
- أهلاً يا حلوتي، أنا أنتظرك عند باب البيت.
- حسناً، سألبس عباءتي وأوافيك.
أغلقت الخط لأكتشف أنني انتظرت عبده لمدة تزيد عن ساعة منذ وصول رسالته الأخيرة، سارعت في ارتداء عباءتي التي كنت أشعر معها بأنني فتاة مسيحية مجبورة على حضور قدّاس الأحد أسبوعياً، خرجت لأجد عبده في السيارة أمامي، أحكمت إغلاق الباب خلفي ورأيته يمد يده من مكانه ليفتح لي الباب عن يمينه، ويدفعه جهتي، ولجت السيارة وحينما استقررت في المقعد كان هواء التكييف ينبعث بشدة ليصدمني، وكانت تنبعث كلمات غزلية من فم عبده، تزامن ذلك كله مع صوت أغنية كانت تخرج من جهاز التسجيل في السيارة، وصوت مؤذن مسجد الحي يقيم لصلاة المغرب.
- يا سحر، يا حبيبتي، أنا أريد لك الخير، ولو لم أر في زواجك من هذا الرجل خيراً ما سعيت فيه.
- لكنني لا أريده، أنا أحب ماهر، ولن أتزوج سوى ماهر.
- وماذا سيقدم لك ماهر؟ فالحب وحده لا يكفي لمواجهة الحياة يا سحر.
- أنا لا أحب هذا الرجل، وهو فوق هذا رجل أسود، فهل يرضيك أن أتزوج من رجل أسود؟
- هذا الرجل الأسود سيقدم لك ما يعجز عنه حبيبك ماهر، يمكنك أن تطلبي منه أي شيء ليوفره لك.
- أرجوك كفى يا خال...
وانخرطت في بكاء حامض مثل من يلعق دمه، وأنا أتذكر كلمة خالي وصفي «الحب وحده لا يكفي لمواجهة الحياة يا سحر»، فهل ما قاله صحيحاً؟ أم أن الخيبات تجعلنا نعيد النظر في العبارات التي يدلقها علينا الآخرون ولا نتنبه لها؟ لا أدري بالضبط. كان الوقت عصراً، ودوماً ما تغزوني مرارة ذكرياتي في هذا الوقت؛ فالعصر هنا طويل جداً، وليس لديك من عمل إزاء طوله هذا إلا أن تتجرع هزائمك، وتلعق جراحك. اتجهت إلى الحجرة وخلعت كل ملابسي وتناولت منشفتي من الخزانة، وسرت عارية إلى الحمام. ملأت حوض الاستحمام ماءً حاراً، وتمددت في الحوض مسترخية أتأمل جسدي تحت الماء، وأطراف شعري تعوم فوق صفحته، وبين الفينة والأخرى أحرك ساقي لأنني لا أحب أن أشاهد عانتي بوضوح بعد أن ولغ منها ذلك الأسود. بقيت لأكثر من نصف ساعة ممددة في هذا الحوض، وكنت خلالها أتذكر عدة مواقف حصلت لي مع ماهر، فذات يوم خرجنا عصراً من الجامعة، وطلب مني الذهاب معه للتسكع في أرجاء دمشق، هذه المدينة المتهالكة مدنياً مقارنة بالإرث التاريخي العظيم الذي تحمله، تلك المدينة التي أحبها، أحبها لأنها المدينة التي حفظت طفولتي، وربّتها، وتمددت فيها مراهقتي، ليشتد عودها، وتصير أكثر فتنة، فالمدن مثل البشر دوماً ما تحمل في داخلها جوانب نبيلة.
ركبنا (السيرفيس) متجهين إلى سوق «الحميدية»، كان يمتلئ بالناس الحقيقيين غير المزيفين، كنت أشعر بأنني إنسانة حقاً حينما أسير هناك، فنحن لا نشعر بإنسانيتنا في الأماكن الفاخرة المليئة بالزيف، إنما نحس بها حين نسير في الأزقة الضيقة. كان منظرنا غريباً وسط السوق، ونحن نحمل مذكراتنا الجامعية في أيدينا، وننظر هنا، ونضحك لرؤية ذاك. كنا نقلب البضائع بين أيدينا، ونسأل عن أسعارها، ولا نية لدينا في الشراء؛ فثمة شعور يلازمني حينما أسأل عن أسعار البضائع ولا نية لي في الشراء مثل شعور الممثل الكوميدي حين يقف على خشبة المسرح ليُضحِك الآخرين، وهو لا يثق بوعيهم، وعقولهم. سحبني ماهر من يدي، ودخلنا إلى محل لبيع البوظة، اشترينا منها وجلسنا في زاوية المطعم نتناولها بلذة، ولا أنسى أنني أكلت آخر ملعقة من صحن ماهر بعدما مدها لي بيده.
كانت ثمة حكايات كثيرة تنبعث من ذاكرتي كخيط من الليزر، وليس هنالك أصعب من البقاء مع الذاكرة في حوض استحمام!. قمت من الحوض أتقاطر ماء وذكرى، توجهت إلى حجرة النوم دون أن أكلّف نفسي عناء أن أنشّف جسدي، كنت أسير حافية القدمين على ذلك السيراميك البارد الذي يشبه وخز ألم الأسنان. وقفت عارية أمام المرآة أنشف شعري، بعدها بدأت في ارتداء ملابسي، ووضع زينتي بهدوء مطلق؛ فالحياة علمتني كامرأة بأن التزيّن بالنسبة للمرأة يشبه الطبخ تماماً، يحتاج إلى نار هادئة في كثير من الأحيان. لا أذكر بالضبط كم بقيت أمام المرآة أرتدي ملابسي، وأتزيّن، لكنني على يقين من أنّ الوقت الذي استغرقته يتجاوز الساعة والنصف، عندها التقطت هاتفي المحمول الذي كان على (الكوميدينة) لأجد رسالة من أم حسين جارتي التي تقطن الطابق العلوي كتبت فيها:
«مساء أبيض يضمّك حيل بأحضانه...
مساء يهدي أمل وردي لأجمل وأعذب إنسانة».
تذكرت زيارتي لها مساء البارحة. لقد كانت امرأة جيدة، لكنها لم تخفِ كونها سعودية تملك الحقيقة المطلقة للأشياء، فالسعوديون يشعرونك دوماً بأنك غريب عنهم بسبب تلك الدهشة التي لا تفارق أعينهم إذا رأوك، أو تعاملوا معك، أو بدأوا ينصتون إليك حينما تتحدث. كنت أنوي أن أرد عليها برسالة، لكنني أجّلت ذلك لوقت لاحق. فتحت رسالة جديدة وكتبت لعبده «لقد مللت وأنا أنتظر في المنزل، حاول أن تعود سريعاً، فأنا جاهزة في انتظارك». انتظرت لأقل من ثلاث دقائق لتصلني رسالة من عبده كتب فيها «أنا آسف يا حياتي، سأكون عندك بعد نصف ساعة، اشتقت إليك».
كنت بكامل زينتي وسط الصالة كامرأة في بداية ليلة حب، مددت يدي إلى كتاب كان فوق الرف الذي يحتضن مستقبل القنوات، كنت أقرأ فيه عصر أمس، فدوماً ما يشعرني وقت العصر بأنه أثقل أوقات اليوم، فهو يشبه حضور السياسيين ثقيلاً، ومملاً، ومليئاً بالزيف. كان الكتاب عبارة عن رواية لروائية صينية شابة، فتحتها من حيث انتهيت البارحة وبدأت أقرأ، غرقت في عالم «شنغهاي» الذي كتبت عنه تلك الروائية إلى أن أعادني رنين هاتفي المحمول بجانبي، لقد كان المتصل عبده، رددت عليه:
- أهلاً.
- أهلاً يا حلوتي، أنا أنتظرك عند باب البيت.
- حسناً، سألبس عباءتي وأوافيك.
أغلقت الخط لأكتشف أنني انتظرت عبده لمدة تزيد عن ساعة منذ وصول رسالته الأخيرة، سارعت في ارتداء عباءتي التي كنت أشعر معها بأنني فتاة مسيحية مجبورة على حضور قدّاس الأحد أسبوعياً، خرجت لأجد عبده في السيارة أمامي، أحكمت إغلاق الباب خلفي ورأيته يمد يده من مكانه ليفتح لي الباب عن يمينه، ويدفعه جهتي، ولجت السيارة وحينما استقررت في المقعد كان هواء التكييف ينبعث بشدة ليصدمني، وكانت تنبعث كلمات غزلية من فم عبده، تزامن ذلك كله مع صوت أغنية كانت تخرج من جهاز التسجيل في السيارة، وصوت مؤذن مسجد الحي يقيم لصلاة المغرب.
Page 9
لم يكن ثمة خيارات عدة أمامنا للعشاء، فتبوك مدينة تعرف كيف تربي أهلها على تناول عشائهم في المنزل، لذلك كان مطعم «ميس الريم» هو أول خيار مطروح أمامنا، لأنه يمنحنا خصوصية تامة كما يدّعي عبده، فثمة بعض البلدان تجبرك على التخفي واللصوصية كالسعودية تماماً، فأنا منذ عرفت هذا البلد لم أشعر يوماً بأنني أمارس حقي الطبيعي في التعايش كامرأة، فهو بلد يسلب من المرأة حرية التعايش والتماهي مع المجتمع بحجة أن المرأة جوهرة ثمينة ينبغي أن نصونها.
لا أنكر أنني كنت أبذر الريبة في وجه كل من يصادفني برفقة عبده، سواء في السوق، أو في المطعم، أو عند إشارة ضوئية، ولا أنكر ابتسامة النادل يوماً حينما دخلنا إلى مطعم لتناول العشاء، فلم يكن منه حينما رأى عينيّ البيضاوين، ويدي وهي تخرج من أكمام العباءة برفقة رجل أسود كهذا إلا أن ابتسم ابتسامة مروجي المخدرات الذي نراهم في الأفلام السينمائية، ووضعنا في زاوية قصيّة من ذلك المطعم؛ لأنه يريدنا أن نمارس أشياءنا بشكل مريح. ولأن الوقت لا يزال مبكراً على العشاء أخذ عبده يتسكع بي في مدينة تبوك، ويعيد نفس الأحاديث المكرورة ذاتها التي اعتدتها:
- أحس وأنا معك بأنني أسعد مخلوق في هذا الكوكب.
أو:
- تأكدي يا حياتي بأن كل ما أفعله لأجل إسعادك؛ لأن سعادتك تهمني كثيراً.
أو:
- ماذا هنالك؟ لماذا كل هذا السكوت؟ تكلمي، قولي شيئاً.
وأنا منهمكة في قراءة لوحات المحال التجارية، أو الإعلانات في الشوارع بصوت خفيض، ولكن عندما يصل إلى هذا الحد من الحديث أمسك بيده، وأقوم بالضغط عليها برفق، ومثل كل مرة يحاول أن ينفث ذكاءه أمامي كلاعبي الخفّة فيقول «أدرك حجم الخجل الذي تشعرين به من جراء كلامي هذا، حسناً لا تتكلمي!»، فيقوم بعدها بلعبته المشهورة فيقول: «هيا يا حلوة دعينا نلعب، أريد أن أرى مدى قوة ذاكرتك». عندها يبدأ بسؤالي عن معالم المدينة التي نتجوّل فيها، عن أسمائها، وبعدما عرّفني بمعظم معالم مدينة تبوك، قال:
- ما هذا المَعْلم عن يمينك؟
- إنه معلم معروف، فهو مصلى العيد.
تقدمنا قليلاً إلى أن وصلنا إلى الإشارة الضوئية، فسكتُّ قليلاً فأضاءت خضراء، فسار بهدوء وسأل:
- عند الإشارة التي أمامنا الآن ماذا سيكون على يميننا، دون أن تنتظري لتقرأي اسم ذلك المعلم؟
- أعتقد أنه مستشفى الملك فهد.
- والحي الذي يقع فيه هذا المستشفى ما اسمه؟
- لا أعلم.
- حي شمال الجمرك يا ذكيّة.
وقفنا عند الإشارة الضوئية التي كانت في مواجهة مستشفى الملك فهد، وحينما أضاءت الإشارة باللون الأخضر انعطف عبده يساراً، وسألني:
- هذا المبنى الذي يقع عن يمينك ما هو؟
- لم أره جيداً.
- هذا مبنى الأحوال المدنية بمنطقة تبوك.
دخلنا إلى شارع متوسط الحجم، ولا أدري ما سر الرهبة التي تملكتني حينما دخلنا إلى هذا الشارع، لكن عبده فسر لي هذه الرهبة دون أن يعلم بها حينما قال:
- هل ترين هذا المسجد عن يسارك، هو مسجد الملك فهد، وفيه مغسلة الموتى، وعادة ما يصلون على الموتى في هذا المكان.
وكمن صفعني على وجهي أخذت أحدّق في هذا المسجد، والموت يتعملق في مخيلتي، فدوماً ما كنت أخشى الموت وأنا بكامل زينتي، لأن كائناً مثل الموت مرعب بهذا الشكل لا ينبغي أن يتمتع بالجمال أبداً. بقيت صامتة في السيارة وعبده يثرثر، شعرت بضآلة حقيقية، فنحن حينما نتذكر الموت نصمت؛ ليس لأن الموت مرعب، إنما لأننا نكتشف إلى أي مدى نحن ضعفاء حينما يأتينا كائن غريب وخفي، ليأخذنا على حين غرّة ويمضي. أخذني هاجس الموت كثيراً إلى أن عدت إلى وعيي بعد إلحاح عبده عليّ بالسؤال:
- هل تريدين أن نذهب إلى أحد المقاهي لتناول القهوة حتى يحين موعد العشاء؟
- لا فأنا جائعة، وأعرف بأنني لو شربت قهوة فستسد نفسي عن تناول العشاء.
اتجه عبده شرقاً ناحية الطريق المؤدي إلى المدينة المنورة بعدما سمع ردي هذا، وكنت طوال الطريق أحدق في لوحات المحال التجارية والإعلانات في الشوارع، واقرأها بصوت أعلى من السابق، وعندما وصلنا إلى دوار «الرمانة» على مشارف مدينة تبوك شرقاً قال عبده:
لا أنكر أنني كنت أبذر الريبة في وجه كل من يصادفني برفقة عبده، سواء في السوق، أو في المطعم، أو عند إشارة ضوئية، ولا أنكر ابتسامة النادل يوماً حينما دخلنا إلى مطعم لتناول العشاء، فلم يكن منه حينما رأى عينيّ البيضاوين، ويدي وهي تخرج من أكمام العباءة برفقة رجل أسود كهذا إلا أن ابتسم ابتسامة مروجي المخدرات الذي نراهم في الأفلام السينمائية، ووضعنا في زاوية قصيّة من ذلك المطعم؛ لأنه يريدنا أن نمارس أشياءنا بشكل مريح. ولأن الوقت لا يزال مبكراً على العشاء أخذ عبده يتسكع بي في مدينة تبوك، ويعيد نفس الأحاديث المكرورة ذاتها التي اعتدتها:
- أحس وأنا معك بأنني أسعد مخلوق في هذا الكوكب.
أو:
- تأكدي يا حياتي بأن كل ما أفعله لأجل إسعادك؛ لأن سعادتك تهمني كثيراً.
أو:
- ماذا هنالك؟ لماذا كل هذا السكوت؟ تكلمي، قولي شيئاً.
وأنا منهمكة في قراءة لوحات المحال التجارية، أو الإعلانات في الشوارع بصوت خفيض، ولكن عندما يصل إلى هذا الحد من الحديث أمسك بيده، وأقوم بالضغط عليها برفق، ومثل كل مرة يحاول أن ينفث ذكاءه أمامي كلاعبي الخفّة فيقول «أدرك حجم الخجل الذي تشعرين به من جراء كلامي هذا، حسناً لا تتكلمي!»، فيقوم بعدها بلعبته المشهورة فيقول: «هيا يا حلوة دعينا نلعب، أريد أن أرى مدى قوة ذاكرتك». عندها يبدأ بسؤالي عن معالم المدينة التي نتجوّل فيها، عن أسمائها، وبعدما عرّفني بمعظم معالم مدينة تبوك، قال:
- ما هذا المَعْلم عن يمينك؟
- إنه معلم معروف، فهو مصلى العيد.
تقدمنا قليلاً إلى أن وصلنا إلى الإشارة الضوئية، فسكتُّ قليلاً فأضاءت خضراء، فسار بهدوء وسأل:
- عند الإشارة التي أمامنا الآن ماذا سيكون على يميننا، دون أن تنتظري لتقرأي اسم ذلك المعلم؟
- أعتقد أنه مستشفى الملك فهد.
- والحي الذي يقع فيه هذا المستشفى ما اسمه؟
- لا أعلم.
- حي شمال الجمرك يا ذكيّة.
وقفنا عند الإشارة الضوئية التي كانت في مواجهة مستشفى الملك فهد، وحينما أضاءت الإشارة باللون الأخضر انعطف عبده يساراً، وسألني:
- هذا المبنى الذي يقع عن يمينك ما هو؟
- لم أره جيداً.
- هذا مبنى الأحوال المدنية بمنطقة تبوك.
دخلنا إلى شارع متوسط الحجم، ولا أدري ما سر الرهبة التي تملكتني حينما دخلنا إلى هذا الشارع، لكن عبده فسر لي هذه الرهبة دون أن يعلم بها حينما قال:
- هل ترين هذا المسجد عن يسارك، هو مسجد الملك فهد، وفيه مغسلة الموتى، وعادة ما يصلون على الموتى في هذا المكان.
وكمن صفعني على وجهي أخذت أحدّق في هذا المسجد، والموت يتعملق في مخيلتي، فدوماً ما كنت أخشى الموت وأنا بكامل زينتي، لأن كائناً مثل الموت مرعب بهذا الشكل لا ينبغي أن يتمتع بالجمال أبداً. بقيت صامتة في السيارة وعبده يثرثر، شعرت بضآلة حقيقية، فنحن حينما نتذكر الموت نصمت؛ ليس لأن الموت مرعب، إنما لأننا نكتشف إلى أي مدى نحن ضعفاء حينما يأتينا كائن غريب وخفي، ليأخذنا على حين غرّة ويمضي. أخذني هاجس الموت كثيراً إلى أن عدت إلى وعيي بعد إلحاح عبده عليّ بالسؤال:
- هل تريدين أن نذهب إلى أحد المقاهي لتناول القهوة حتى يحين موعد العشاء؟
- لا فأنا جائعة، وأعرف بأنني لو شربت قهوة فستسد نفسي عن تناول العشاء.
اتجه عبده شرقاً ناحية الطريق المؤدي إلى المدينة المنورة بعدما سمع ردي هذا، وكنت طوال الطريق أحدق في لوحات المحال التجارية والإعلانات في الشوارع، واقرأها بصوت أعلى من السابق، وعندما وصلنا إلى دوار «الرمانة» على مشارف مدينة تبوك شرقاً قال عبده:
Page 10
- لقد كان هذا الطريق ملاذي الوحيد في هذه المدينة، فحينما أشعر برغبة في العزلة كنت استقلّ سيارتي وآتي إلى هنا، أقود السيارة صامتاً، وأتحدث مع نفسي.
كنت أعرف بأن كل البشر في هذه الحياة يحتاجون إلى أن يختلوا بأنفسهم يوماً حتى السود منهم؛ فضغط الحياة أحياناً يشعرنا بتقزمنا وضعفنا، لذا نرغب دوماً في البقاء وحدنا ولو للحظات. كان عبده يقود السيارة في هدوء، قابلتنا إشارة ضوئية فتوقفنا أمامها، وسألت عبده سؤالاً دون معرفة ما السبب وراء امتطاء ذلك السؤال قلت:
- لماذا تزوجتني يا عبده؟
نظر إليّ باهتاً للحظات، ثم بدأ يضحك، وأجاب:
- طبعاً لأنني أحبك.
- أنت لم تعرفني مسبقاً بالشكل الجيد، لماذا لم تحب امرأة من بلدك وتتزوجها؟
- لم يخطر ببالي أن أتزوج من بلدي.
- لماذا؟
- لا أدري.
سكتّ مترددة قليلاً بعدما سمعت إجابته الأخيرة هذه، بقيت تحت وطأة الضمير في أن أجرحه بسؤال آخر، لكنني تجاسرت وقلت:
- هل من الممكن أن أسألك سؤالاً، وأتمنى ألا تفهمني خطأ؟
- تفضلي يا حياتي.
- هل لون بشرتك له دخل في اختيارك لامرأة من خارج هذا البلد كزوجة؟
- لا أبداً، كان بإمكاني أن أتزوج امرأة من هنا من دون أية مشاكل.
- يعني لو تقدمت لامرأة بيضاء هنا لتتزوجها، فهل سيوافق أهلها عليك؟
- هل تريدين الصدق، لا أعتقد لأنه التفكير يختلف إذا تعلّق بلون بشرتك.
عندما سمعت هذه العبارة تبادر إلى ذهني كلام أم حسين مساء البارحة، فَلُذت بالصمت، وأخذت أحدق فيما خلف الزجاج بجانبي دون أن أميّزه إلى أن وصل عبده إلى مجمع تجاري ضخم، وقف وطلب من أحد العمال أن يملأ السيارة بالوقود، وأثناء ذلك سألني مرة أخرى:
- هل تريدين شيئاً من هذا الكوفي شوب الذي بجانبنا؟
- أريد ماء فقط.
بعدما نقد عامل المحطة حساب الوقود اتجه إلى محل القهوة الذي كنا بمحاذاته، وطلب منه قهوة تركية بالحليب، وقارورتي ماء. أخذنا نسير في الطريق الموصل إلى المدينة المنورة حتى غابت عنّا أضواء المدينة، وبدأت العتمة تتمدد في المكان كبقعة زيت عملاقة، وعبده يثرثر، ويلح عليّ بأسئلته وحكاياته. كنت دوماً ما أطلب منه أن يرفع صوت جهاز التسجيل في السيارة إذا ازدادت حدة أسئلته، فعندما طلبت منه رفع صوت جهاز التسجيل هذه المرة خرجت أغنية عبدالمجيد عبدالله «هلا بش» بلحنها الراقص، فلم يتمالك عبده نفسه وأخذ يتراقص في المقصورة، فابتسمت جرّاء ذلك ابتسامة تشبه ترضية طفل، فلم يعد يذهلني منظره وهو يتراقص، فقد تآلفت مع هذه الخصلة، لأن كل من يملك بشرة سوداء ذو خصلة فرائحية عالية الجودة.
عدنا إلى المطعم، وتناولنا طعام العشاء، ومن ثم اتجهنا إلى المنزل، وفي الوقت الذي رمى فيه عبده شماغه وعقاله في الصالة، دخلت أنا إلى غرفة النوم لأبدل ملابسي، وحينما نزعتها لارتداء قميص نوم مناسب سمعت صوت باب الحجرة يُفتَح، ويدخل عبده مبتسماً بشهوانية غريبة، احتضنني بشدة، وأخذ يقبّل خدي ورأسي وفكي الأسفل، ويده اليمنى موغلة في أحلامي، فبدأت أدوخ، وشعرت بغفوة طويلة.. لم أكن أشعر بجسمي حينما دفعني على السرير، ولم أشعر بأي شيء آخر، كانت تلك اللحظات تشبه التأمل في الجنة، لم أخرج منها إلا حينما ولجني بقوة وعنف، شعرت حينها بأنني سأموت، وعدت إلى وعيي لأكتشف بأن من فوقي هو هذا الأسود الثقيل كبرميل نفط، كان عنيفاً، وعنفه هذا يؤلمني لدرجة أشعر معها بأنني معتقلة في سجن سياسي، ولم ينتهِ فصل العذاب هذا إلا والدموع تجري على خدي. الغريب أن سلوكه السادي هذا كان يتكرر دوماً.
كنت أعرف بأن كل البشر في هذه الحياة يحتاجون إلى أن يختلوا بأنفسهم يوماً حتى السود منهم؛ فضغط الحياة أحياناً يشعرنا بتقزمنا وضعفنا، لذا نرغب دوماً في البقاء وحدنا ولو للحظات. كان عبده يقود السيارة في هدوء، قابلتنا إشارة ضوئية فتوقفنا أمامها، وسألت عبده سؤالاً دون معرفة ما السبب وراء امتطاء ذلك السؤال قلت:
- لماذا تزوجتني يا عبده؟
نظر إليّ باهتاً للحظات، ثم بدأ يضحك، وأجاب:
- طبعاً لأنني أحبك.
- أنت لم تعرفني مسبقاً بالشكل الجيد، لماذا لم تحب امرأة من بلدك وتتزوجها؟
- لم يخطر ببالي أن أتزوج من بلدي.
- لماذا؟
- لا أدري.
سكتّ مترددة قليلاً بعدما سمعت إجابته الأخيرة هذه، بقيت تحت وطأة الضمير في أن أجرحه بسؤال آخر، لكنني تجاسرت وقلت:
- هل من الممكن أن أسألك سؤالاً، وأتمنى ألا تفهمني خطأ؟
- تفضلي يا حياتي.
- هل لون بشرتك له دخل في اختيارك لامرأة من خارج هذا البلد كزوجة؟
- لا أبداً، كان بإمكاني أن أتزوج امرأة من هنا من دون أية مشاكل.
- يعني لو تقدمت لامرأة بيضاء هنا لتتزوجها، فهل سيوافق أهلها عليك؟
- هل تريدين الصدق، لا أعتقد لأنه التفكير يختلف إذا تعلّق بلون بشرتك.
عندما سمعت هذه العبارة تبادر إلى ذهني كلام أم حسين مساء البارحة، فَلُذت بالصمت، وأخذت أحدق فيما خلف الزجاج بجانبي دون أن أميّزه إلى أن وصل عبده إلى مجمع تجاري ضخم، وقف وطلب من أحد العمال أن يملأ السيارة بالوقود، وأثناء ذلك سألني مرة أخرى:
- هل تريدين شيئاً من هذا الكوفي شوب الذي بجانبنا؟
- أريد ماء فقط.
بعدما نقد عامل المحطة حساب الوقود اتجه إلى محل القهوة الذي كنا بمحاذاته، وطلب منه قهوة تركية بالحليب، وقارورتي ماء. أخذنا نسير في الطريق الموصل إلى المدينة المنورة حتى غابت عنّا أضواء المدينة، وبدأت العتمة تتمدد في المكان كبقعة زيت عملاقة، وعبده يثرثر، ويلح عليّ بأسئلته وحكاياته. كنت دوماً ما أطلب منه أن يرفع صوت جهاز التسجيل في السيارة إذا ازدادت حدة أسئلته، فعندما طلبت منه رفع صوت جهاز التسجيل هذه المرة خرجت أغنية عبدالمجيد عبدالله «هلا بش» بلحنها الراقص، فلم يتمالك عبده نفسه وأخذ يتراقص في المقصورة، فابتسمت جرّاء ذلك ابتسامة تشبه ترضية طفل، فلم يعد يذهلني منظره وهو يتراقص، فقد تآلفت مع هذه الخصلة، لأن كل من يملك بشرة سوداء ذو خصلة فرائحية عالية الجودة.
عدنا إلى المطعم، وتناولنا طعام العشاء، ومن ثم اتجهنا إلى المنزل، وفي الوقت الذي رمى فيه عبده شماغه وعقاله في الصالة، دخلت أنا إلى غرفة النوم لأبدل ملابسي، وحينما نزعتها لارتداء قميص نوم مناسب سمعت صوت باب الحجرة يُفتَح، ويدخل عبده مبتسماً بشهوانية غريبة، احتضنني بشدة، وأخذ يقبّل خدي ورأسي وفكي الأسفل، ويده اليمنى موغلة في أحلامي، فبدأت أدوخ، وشعرت بغفوة طويلة.. لم أكن أشعر بجسمي حينما دفعني على السرير، ولم أشعر بأي شيء آخر، كانت تلك اللحظات تشبه التأمل في الجنة، لم أخرج منها إلا حينما ولجني بقوة وعنف، شعرت حينها بأنني سأموت، وعدت إلى وعيي لأكتشف بأن من فوقي هو هذا الأسود الثقيل كبرميل نفط، كان عنيفاً، وعنفه هذا يؤلمني لدرجة أشعر معها بأنني معتقلة في سجن سياسي، ولم ينتهِ فصل العذاب هذا إلا والدموع تجري على خدي. الغريب أن سلوكه السادي هذا كان يتكرر دوماً.