eKtab
EN ع
القاتل الخفي ونقابة المجرمين
Read free sample

القاتل الخفي ونقابة المجرمين

by آجاثا كريستي

Page 1
القاتل الخفي

قنبلة فى المنـزل

طرقتْ باب ( لوبين ) فى منـزله الكائن فى شارع (الستراند) فى لندن ، وفى صباح ذات يوم من أيام الخريف ، امرأة بدينة تدل هيئتها على الفقر والمسكنة ..
واستقبلها لوبين بعطف وحفاوة كما يستقبل أمثالها من الفقراء المعدمين ، وراح يستمع إلى قصتها ، والسبب الذى دعاها إلى زيارته ...
وكانت المرأة بادية القلق ظاهرة الاضطراب ، وقالت لما أخذت مجلسها على المقعد الذى قدمه لها اللص الظريف فى حجرة الاستقبال :
- إنى أدعى مدام شوان .. يا مستر لوبين ..
- أهلاً وسهلاً يا مدام شوان ..
- وقد قصصت قصتى على أحد رجال البوليس ممن يسكنون فى منـزل مجاور لمنـزلى ، فنصحنى بزيارتك ، وأخبرنى أنك لا ترد مظلومًا إذا قصدك وطرق بابك ..
وأحنى لوبين رأسه ، وقال :
- تفضلى يا سيدتى فقصى علىّ قصتك ..
- لقد حضرت إليك يا سيدى بشأن زوجى ..
ولم يقل لوبين شيئًا وتركها تمضى فى قصتها ، واكتفى بأن هزّ رأسه يشجعها على المضى فى حديثها ..
ومضت المرأة تقول لما شاهدت سكوته وتشجيعه :
- لقد رأيته فى الليلة الماضية كما أراك ..
فقال لوبين :وماذا فى ذلك ؟
فمضت المرأة باهتمام تقول :
- لقد هجرنى منذ أكثر من عام دون أن يودعنى بكلمة واحدة على الرغم من كل ما فعلت لأجله .. وحتى على الرغم من عودته إلى البيت قبيل الفجر .. وعلى الرغم من انقطاعه عن العمل ، واضطرارى لإرهاق نفسى بالشغل لإطعام أولادنا..
إن لى يا مستر لوبين ستة أولاد يرتدون ثيابًا رثة بالية ، وأنا التى أطعمهم وأكسوهم .. ويساعدنا فى ذلك أخى ألبير ، رغم أن أخى هذا ضعيف الموارد ، وله زوجة طريحة الفراش .. وألبير شاب مسكين وعنده أولاد مثلى ..
قال لوبين : وماذا تريدين منى أن أفعل ؟
فعادت إلى قصتها الماضية تقول :
- لقد رأيته فى الليلة الماضية ، رأيته بعد أن هجرنى عامًا كاملاً دون أن يودعنى بكلمة واحدة .. حتى لقد خطر لى بعد أن طال غيابه ، بأنه قد مات وذهب لمآبه .. ولكنى رأيته بالأمس على قيد الحياة ..
ولما شاهدها لوبين تحاول أن تعيد ما سبق أن ذكرته له قاطعها قائلاً :
- ألم تركضى خلفه ؟
- بلى .. جريت خلفه ، فدخل البيت المجاور للمنـزل الذى أتردد عليه .. وأوصد الباب فى وجهى ، فلما قرعت الجرس لم يجبنى أحد .. ولكنى لبثت هناك وقتًا طويلاً أدق الجرس فى غير فائدة .. لقد جعلنى النذل أجرى وهو يعلم أننى مصابة بالروماتيزم وأن الروماتيزم داء وبيل يشتد ..
فقال لوبين مكملاً فى لهجة ميكانيكية :
- .... ألمه إلى درجة تجعلك تبكين .
- تمامًا .. ولقد حذرنى الطبيب من الجرى .. ولما يئست من أن يلبى رنين الجرس قلت لنفسى : « حسنًا .. سأكون أمكر منك يا شوان » ... وفى صباح اليوم التالى عدت إلى المنـزل مبكرة ودققت الجرس ففتح زوجى الباب .. دون أن يخطر له أنى أنا الطارقة .. فما كاد يرانى حتى اشتد غضبه وأخذ ينهال علىَّ باللوم والتعنيف .. كأنى لم أكن أكمل الزوجات وخيرهن .. وكأنى أستحق منه هذا الهجر وأنا التى ...
- .... لم أغضبه يومًا بكلمة قاسية .
- نعم.. لم أغضبه يومًا بكلمة قاسية .. ولقد صاح بى يقول:
Page 2
« أتريدين أن تفسدى كل شىء ؟ » فقلت له : « فليكن .. إنى لا أبالى بما أفسد .. إنى أعلم أنك تقيم مع امرأة تضحك منك وتبتز نقودك وتهجرنى بعد كل ما فعلت من أجلك .. ودون أن تترك لى شيئًا من المال » .
فقال لى : « هاك بعض المال .. وفى وسعى أن أنقدك سواه إذا لزمت الصمت ولم تلاحقينى .. فإن ظهورك كفيل بأن يفسد خطتى » .
ثم دس فى يدى ثلاث أوراق مالية ودفعنى إلى الخارج وأوصد الباب ، فحضرت إليك على الفور ..
فحمد لوبين ربه لأن الظواهر أنبأته بأن الحكاية وشيكة على الانتهاء وقال :
- ولماذا حضرت إلىَّ ؟
وكان يعلم أنه بإلقاء هذا السؤال سيفتح أمام مدام شوان بابًا جديدًا للثرثرة .. ولكن الموقف كان يحتم عليه أن ينطق بهذه الجملة .. غير أن مدام شوان لم تعد إلى ثرثرتها وإنما دست يدها فى صدرها وأخرجت من بين طيات ثيابها ثلاث أوراق مالية دفعتها إليه قائلة :
- من أجل هذا حضرت إليك ..
وتناول لوبين أوراق البنكنوت منها ونشرها فوجد أن كلاً منها من فئة الخمسة جنيهات فقال لها :
- أهذه هى الأوراق التى أعطاها لك ؟
- هى بعينها يا سيدى . وهذا هو ما أثار ريبتى .. لقد خيل إلى أن زوجى لا يمكن أن يحصل على مثل هذا القدر من المال إلا إذا جاءه عن طريق غير شريف .
- ما مهنة زوجك ؟ أعنى ما المهنة التى كان يزاولها قبل أن يهجرك على الرغم مما فعلت من أجله .. ودون أن يودعك بكلمة واحدة ؟
- لم يكن له عمل ثابت يا سيدى .. فى بعض الأحيان كان يشتغل سمسارًا لمراهنات الخيل .. سمسارًا غير رسمى .. وهذا - كما تعلم - عمل يحظره القانون .. وفى بعض الأحيان كان يختلف إلى نوادى السباق ، ولست أدرى ما الذى كان يفعله هناك .. ولكن ما أعلمه على وجه التحقيق هو أن من المستحيل أن يحصل على مثل هذا القدر من المال بطريق شريف .. وأنا يا سيدى لا أحب أن يكون زوجى رجلاً غير شريف ما دام فى الدنيا هذا العدد الهائل من رجال البوليس .. ومادام له ستة أطفال ...
- ما العنوان الذى رأيته فيه ؟
- المنـزل رقم 6 ميدان الملكة . إنه مجاور للمنـزل الذى أتردد عليه ، والذى يقيم فيه الشابان اللذان يعهدان إلى بتنسيق مسكنهما .. إنهما يا سيدى شابان ظريفان ودائمًا يسألانى عن الروماتيزم فإنى ..
ولكن لوبين نهض واقفًا إذ لم يكن فى نيته أن يصغى إلى حديثها عن الروماتيزم وقال :
- حسنًا .. اتركى لى هذه الأوراق وهاك غيرها .. ويمكنك أن تمرى علىّ بعد بضعة أيام لأنبئك بما فعلت . هذا إذا استطعت أن أفعل شيئًا ...
لم يعلق لوبين أهمية على الحديث الذى دار بينه وبين مدام شوان .. إذ لم يكن فيما ذكرت ما يسترعى الانتباه .. فخيل إليه وهو يشيعها إلى الباب أن الأمر لا يعدو أن يكون خلافًا بين زوجين أدى إلى فرار الزوج ثم اندماجه فى عمل غير مشروع ..
ولكنه فى تلك الليلة بالذات عرف أنه كان مخطئًا فى ظنه ، وأن ذلك الحديث القصير قد تكشف عن مغامرة رهيبة مليئة بالحوادث المفزعة ..
فحين رجع لوبين إلى داره عند منتصف الليل لقيه البواب قائلاً :
- إن عمال التليفون قد فرغوا من تصليح الجهاز ..
فاستقل لوبين المصعد وهو يفكر فيما سمع .. وقد اشتد عجبه بعمال التليفون الذين يخفّون إلى تصليح الأجهزة .. دون أن يستدعيهم أحد ..
ووقع فى روعه على الفور أن هؤلاء العمال أعداء حضروا إلى مسكنه لغرض خاص ..
وكان لوبين خبيرًا بمثل هذه الزيارات التى لا داعى لها .. وتوقع أن يكون هؤلاء العمال قد دبروا له مكيدة تؤذن بالقضاء عليه إذا ما دخل مسكنه .. فرأى على سبيل الحرص والحذر أن لا يدخل من الباب العام .. فتسلق سلم الحريق ووثب منه إلى الحمام وأخرج مصباحه الكهربائى وأرسل من ضوئه شعاعًا بدد الظلمات ومكنه من أن يرى ما حلّ بمسكنه ..
كان كل شىء على عهده المألوف .. ولكن لوبين الدقيق البصر ، أيقن على الفور أن شطرًا كبيرًا من المقاعد زُحزح من موضعه ثم أعيد إلى مكانه .. ولكن الذى أعاده لم يكن دقيقًا فى رده إلى مواضعه الأصلية ..
وحين بلغ لوبين باب المسكن من الداخل وجد خلفه صندوقًا صغيرًا مقفلاً يبرز منه سلكان يتصلان بمركز التيار الكهربائى ويمتد منه إلى الباب .
وكان واضحًا أنه بمجرد فتح باب المسكن يهتز السلكان .. وكان من المؤكد أتن هذا الاهتزاز سيؤدى إلى اتصال كهربائى فتكون نتيجته انفجار القنبلة المخبأة فى الصندوق ....!
وأخذ لوبين يسائل نفسه عن السبب الذى يدعو إلى اغتياله، وقد كان فى ذلك الوقت عاطلاً عن العمل لا يشتغل بشىء من المغامرات .
وأسرع إلى الصندوق فقطع السلكين المتصلين بالمركز الكهربائى . ثم حمله فى حذر وحرص وذهب به إلى نهر التايمز فألقاه فى جوفه إذ ليس كالماء يفسد مفعول القنابل ..
ولما رجع ثانية إلى مسكنه وفحص محتوياته .. أيقن أن الشىء الوحيد الذى سرق منه إنما هو أوراق البنكنوت الثلاث التى أخذها من مدام شوان .
وفى الصباح التالى .. حين طالع الصحف عرف أن مدام شوان لن تشكو بعد اليوم من الروماتيزم !
* * *
رأى بوليس النهر جثة مدام شوان طافية على سطح الماء فأخرجها .. ولم تكن هناك فائدة من إجراء الإسعافات الأولية لأنها كانت قد فارقت الحياة .. كما لم يكن هناك أثر يدل على العنف إلا ذلك الكدم الظاهر بجبينها .. ولكن البوليس علل هذا الأثر بأن من المحتمل أن يكون ناجمًا عن اصطدام الجثة بعمود من عمد الجسور القائمة على النهر .
Page 3
وفى اليوم نفسه جاء المفتش ( تيل ) يزور أرسين لوبين كما كانت عادته أن يفعل إذا ما أحدقت به الملمات .
واستهل ( تيل ) حديثه بقوله :
- لقد جئت أسألك عما فعلت فى مسكن ( المروج الكبير ) .. أعنى المفتش بروكيه ..
- لا شىء .. إذ إنى كنت فى رفقتك .
- ولكنك تحدثت تليفونيًا مع أعوانك طبعًا .. فحين فتشنا البيت لم نجد شيئًا من الجواهر أو المال ..
فابتسم لوبين وقال :
- ألا يكفيك يا عزيزى أنى أتيتك بالمروج الكبير .. حتى تأتى لتحاسبنى على كمية لا تذكر من الجواهر ..!
ثم غير لوبين دفعة واحدة مجرى الحديث بأن قال :
- وعلى فكرة .. هل عرفت بحكاية تلك المرأة المدعوة مدام شوان التى وجدت جثتها طافية فى النهر ...؟
فقال المفتش تيل مجيبًا :
- نعم .. وقد ثبت أنها انتحرت .. لقد هجرها زوجها منذ عام فكانت مضطرة إلى إرهاق نفسها بالعمل لكى تطعم أطفالها الستة .. وقرر جيرانها أنها كانت بادية الاهتياج فى الليلة الماضية .. وكانت تتحدث فى كلمات مقتضبة عن مقابلتها لزوجها .. وأنه طردها وأبى أن يعود إليها .. فإذا كان ذلك الكلام صحيحًا ففيه ما يفسر إقدامها على الانتحار .. وإذا لم يكن صحيحًا فهو دليل على أن عقلها قد اختبل ..
وابتسم لوبين وأخذ نفسًا طويلاً من سيجارته ثم قال :
- نعم .. إن كلامها صحيح .. ولكنه لا يفسر إقدامها على الانتحار .. بل هو على النقيض يثبت أنها لم تنتحر ..
ولو أن شخصًا آخر هو الذى ألقى بهذا الرأى لسمع من (تيل) ما لا يرضيه .. ولكن (تيل) تعود على أن يسمع من لوبين آراء تبدو شاذة عجيبة للوهلة الأولى . ثم لا تلبث الأيام أن تبرهن على صحتها ولهذا قال متسائلاً : وكيف عرفت ذلك ؟
- لأن مدام شوان زارتنى صباح الأمس .. وقصت علىَّ نفس هذه الحكاية فوعدتها بأن أمدّ إليها يد المعونة ..
- إذن فأنت تعتقد أنها لم تنتحر وإنما قُتلت ؟
فهزَّ لوبين كتفيه فى استخفاف وقال :
- لقد وعدتها بأن أهتم بالأمر وأحاول أن أجلو ما غمض من اللغز .. وطلبت إليها أن تحضر لزيارتى بعد يومين أو ثلاثة .. فإذا كان قد بلغ من ثقتها بى أن تحضر لمقابلتى لتفضى إلىَّ بمتاعبها فإن مما يثير الغرابة أن تعمد إلى الانتحار عقب خروجها من عندى دون أن تنتظر نتيجة بحثى ..
فظهر على وجه تيل ما يدل على اقتناعه بهذا الكلام وقال :
- هل جاء فى حديثها ما حملك على الاعتقاد بأنها مهددة بالموت ؟
- كلا على الإطلاق .. ولكنى أعتبر نفسى ملومًا ومسئولاً عما أصابها .. لقد قُتلت عقب خروجها من عندى وأكبر ظنى أن مصرعها إنما كان بسبب زيارتها لى .. وأنا نفسى كدت أصبح جثة هامدة فى الليلة الماضية ..
- حقًا ..؟
فضحك لوبين وقال : نعم .. ويمكنك أن تلمسنى حتى تتأكد من أنى لست شبحًا ..
- وهل تعتقد أن محاولة اغتيالك ترجع إلى ما قصته عليك مدام شوان ؟
- يجوز .. كل ما هنالك أنى وجدت قنبلة خلف باب مسكنى فلو لم أدخل من النافذة لانفجرت القنبلة ونسفتنى ..
كان المفتش تيل يذكر دائمًا أن للوبين فضلاً عظيمًا عليه .. إذ طالما أماط اللثام عن ألغاز غامضة وظل مختفيًا وراء الستار ... وتركه ينتحل المجد لنفسه ، فالآن ولوبين يشير إلى أن مدام شوان ماتت مقتولة لا منتحرة كما يعتقد البوليس .. فهذه فرصة سانحة يحسن به أن يغتنمها لكى يظفر بقضية جديدة يحلها له لوبين فيضيف بذلك مجدًا جديدًا إلى اسمه ..
ولكن كبرياءه كانت تحول دونه وسؤال لوبين فى صراحة عن سر مصرع مدام شوان فقال مراوغًا :
- إن البوليس يعتقد أن مدام شوان انتحرت .. فإذا كنت تعتقد أنها قتلت فهذا شأنك .. إذ ليس فى وسعنا أن نأخذ بهذه النظرية مادمنا لا نملك من المعلومات ما يدعونا إلى تعديل رأينا .. إلا إذا كنت تنوى أن تمدنا بهذه المعلومات ..
ففكر لوبين برهة .. وكانت طريقته فى إمداد تيل بالمعلومات أن طلب هو نفسه معلومات من تيل .. فقال متسائلاً :
- ما الذى يعرفه البوليس عن زوج مدام شوان ؟
- لا شىء أكثر من أنه من لصوص القمار .. يلاعب الأغنياء ويغشهم ويسرق أموالهم .. وفى كثير من الأحيان يندس فى القطارات المسافرة إلى ميادين السباق ، ويغرى الركاب بالمراهنة غير المشروعة .. وكان من الممكن أن يقدم إلى المحاكمة لولا أنه لا يختار ضحاياه إلا من السكارى .. فإذا ما أفاقوا نسوا أوصافه وعجزوا عن إرشاد البوليس إليه .. فهل فى هذا ما يتفق مع نظريتك ؟
فابتسم لوبين وقال :
- صدقنى يا تيل إذا قلت لك إنى لم أكون نظرية بعد .. ولكنى أعدك بأن أطلعك على رأيى إذا ما انتهيت إلى رأى معين ..
والواقع أن لوبين كان صادقًا فيما قال .. لقد أفضى إلى تيل بكل ما يعرف .. ولم يكتم عنه إلا شيئًا واحدًا هو عنوان البيت الذى شاهدت فيه مدام شوان زوجها .. ولم يفطن تيل إلى هذه الحقيقة .. إلا بعد أن رجع إلى إدارة الأمن العام .. وعجب كيف غفل عن أن يسأل لوبين عن هذا العنوان .. ولكن عزاءه الوحيد هو أنه كان موقنًا من أن لوبين لن يذكر له هذا العنوان .. مهما ألح عليه بالسؤال ..
Page 4
وما انصرف تيل حتى استقل لوبين سيارة وأمر السائق بأن يذهب به إلى ميدان الملكة .. وهناك أخذ يتمشى على الرصيف حتى انتهى إلى البيت رقم 6 ... فتقدم إليه فى غير تردد وقرع الجرس ..
ولم تكن لدى لوبين أية معلومات تمكنه من انتهاج خطة أخرى .. كل ما يعلمه أن هناك زوجة قتلت .. وأن هناك زوجًا هاربًا .. وأن هذا الزوج الهارب يقيم فى المنـزل رقم 6 بميدان الملكة .. فكانت الخطة العملية الوحيدة هى أن يسعى إلى دخول هذا البيت .. ليتبين ما يجرى وراء أبوابه المغلقة .
وفتح الباب وظهر على عتبته رجل ضئيل الجسم نحيف البنية، فقال له لوبين دون مواربة :
- إنى أريد مقابلة مستر شوان ..
ولم يكد يوجه هذا السؤال حتى أدرك على الفور أن هذا الرجل هو مستر شوان بعينه .. ولكنه دهش حين رأى الرجل يعترف بذلك فى غير تردد .. وقد كان يتوقع منه الإنكار :
- أنا شوان .. وأنت مستر لوبين .. أليس كذلك ؟
فأخذ لوبين نفسًا طويلاً من سيجارته أتاح له فرصة للتفكير ثم قال :
- وكيف عرفت أنى لوبين أيها الصديق العزيز ؟
فتنحى الرجل عن الباب يدعو لوبين إلى الدخول وهو يقول:
- كان فى نيتى أن أزورك اليوم .. فإن لدى شيئًا أحب أن أفضى به إليك .. فهل تتفضل بالدخول ؟
ودخل لوبين ولكنه وضع يده فى جيبه ممسكًا بمسدسه استعدادًا للطوارئ ..
وقاده الرجل إلى غرفة داخلية عارية من الأثاث ليس فيها إلا منضدة ومقعدان .. وجلس الرجل على أحد المقعدين .. وأشار إلى المقعد الثانى يدعو لوبين إلى الجلوس ، فلم يكن للوبين مجال للاختيار واضطر أن يجلس على هذا المقعد .. فصار ظهره إلى باب داخلى يقوم فى ركن الغرفة .
وقال شوان يسأله : هل لك فى كأس من الخمر ؟
فارتسمت على شفتى لوبين ابتسامة خفيفة وقال :
- كلا ، وشكرًا .. لماذا كنت تنوى أن تزورنى ؟
فقال شوان : كنت أريد أن أتحدث إليك فى شأن زوجتى .. لقد هجرتها منذ سنة تقريبًا . ويجب أن أعترف فيما بينى وبينك أن لزوجتى مساوئ لا حصر لها .. وليس معنى هذا أنى ممن يذكرون الأموات بسوء ..
فرفع لوبين حاجبيه مستفسرًا فقال الرجل مجيبًا :
- نعم .. لقد عرفت أنها انتحرت .. لقد قرأت الخبر فى صحف الصباح .. إنى أحبها ولكنى اضطررت إلى هجرها لأنها ثرثارة لا تعرف كيف تمسك لسانها .. كان رجال البوليس يبحثون عنى فى كل مكان بسبب مكيدة دبرها لى أحد أعدائى .. فلو أن زوجتى عرفت مقرى لانطلق لسانها يتحدث بمخبئى .. ولكان ذلك سببًا فى وقوعى فى أيدى البوليس .. ولهذا هجرتها وكتمت عنها مقرى ..
وأدرك لوبين من لهجة الرجل وطريقة إلقائه أنه يحفظ هذه الحكاية عن ظهر قلب ، كأنه ممثل حفظ الكلمات التى يقتضيها دوره .
وقال لوبين يسأله فى غير اهتمام : وما هذه المكيدة ؟
- إنك تعلم طبعًا أنى أندس بين هواة المراهنة على الخيل وأحاول أن أغريهم بالمراهنة غير المشروعة ، وأحيانًا ألاعبهم القمار أثناء سير القطار .. وفى ذات يوم ادعى أحدهم أنى أغش فى اللعب فثار بيننا عراك .. فما كان من زميلى إلا أن ضرب هذا اللاعب بهراوة من الخشب فقتله لساعته .. لست أنا القاتل طبعًا وإنما هو زميلى .. ولكن رجال البوليس ظنوا خطأً أنى أنا القاتل فشرعوا يبحثون عنى بهذه التهمة ..
وكان لوبين يصغى إلى هذه الحكاية وهو يبتسم ثم قال :
- حكاية لطيفة .. لقد كنت أتحدث منذ برهة عنك مع المفتش تيل .. فلم ينبئنى أنك مطلوب بتهمة القتل ..
وظهر على وجه شوان أنه بوغت بهذا القول .. واستولت عليه الحيرة .. ولكنه ما لبث أن استرد ثباته وقال :
- وهل كنت تنتظر يا سيدى من المفتش تيل أن يطلعك على هذه الأسرار .. ؟ نعم .. إن البوليس يطلبنى وهذا هو ما دعانى إلى الاختباء فى هذا ...
وكان لوبين فى خلال هذا الحديث يرقب شوان مراقبة دقيقة فرأى أن نظرته مرسلة وراءه .. ورأى أن فى عينيه قلقًا ولهفة .. وكانت عضلات وجهه متقلصة تدل على أنه يتوقع شيئًا ويترقبه .
وأدرك لوبين أن هناك شيئًا يجرى خلفه ..
وفى سرعة البرق انحرف إلى اليمين ودار على عقبيه وهب واقفًا فى نفس اللحظة التى رأى فيها يدًا تهوى بهراوة ضخمة على الموضع الذى كان جالسًا فيه ، فلو أنه ظل مكانه لأصابت الهراوة رأسه وسقط صريعًا فى الحال .. ولكن الهراوة بسبب الحركة التى أتاها أصابت المقعد ..
وقبل أن يتمكن لوبين من إخراج مسدسه كان صاحب الهراوة قد وثب إلى الباب الداخلى ومرق منه .. فلما عالجه لوبين ألفاه موصدًا من الخارج ..
وتراجع لوبين إلى الخلف ودفع الباب دفعة قوية حطمت القفل فانفتح ..
Page 5
ولكنه وجد الغرفة خالية .. وكان فيها باب آخر ألفاه موصدًا فحطمه كما فعل بالباب السابق ، ولكنه لم يجد المعتدى فى الغرفة الثانية .. فلما رجع إلى الغرفة التى كان فيها من قبل .. وجد أن شوان قد اختفى بدوره .. فأمضى بعض الوقت يفتش البيت.. فلم يسفر هذا التفتيش عن أثر يستدل منه على شخصية الرجل الذى اعتدى عليه .. ولا السر الذى يحيط بشوان .
* * *
لما عاد لوبين إلى داره بادرته باتريشيا :
- لقد سأل عنك تيل .. وهو يرجوك أن تتصل به بمجرد عودتك .. ترى .. هل وقعت فى متاعب جديدة ؟
فضحك لوبين وقال :
- طبعًا .. كالعادة .. ولكن المتاعب ليست مع ( تيل ) فى هذه المرة .. إنى لا أدرى حتى الآن نوع هذه المتاعب وكل ما هنالك أنهم حاولوا أن يقتلونى مرتين فى خلال اثنتى عشرة ساعة.
- ومن هم الذين حاولوا ذلك ؟
- هذا هو السؤال الذى ما فتئت أوجهه إلى نفسى دون أن أجد له جوابًا .
ومضى إلى التليفون فاتصل بتيل فقال له هذا :
- أكنت جادًا فيما ذكرته لى عن مسألة القنبلة ؟
- طبعًا .
- صفها لى .
- كانت موضوعة فى صندوق صغير يتصل به سلكان كهربائيان .. إذا فتح الباب وقع الاتصال فتنفجر القنبلة .
- أما زلت تحتفظ بها ؟
فضحك لوبين وقال : وهل تعتقد أن الاحتفاظ بالقنابل شىء مرغوب فيه ؟
« إنى لا أحتفظ بها فحسب وإنما أتسلى منذ ساعة باللعب بها .. وبلغ من غرامى بهذه اللعبة أنى وضعتها فى الفرن ، وجلست عندها لأرى كيف تنفجر ... » .
ولاذ ( تيل ) بالصمت مليًا ثم قال :
- لقد وجدت قنبلة من هذا الطراز فى منـزل المستر (ريباى) فى قرية ( ستار ) القريبة من لندن .. فهل لك أن تنتظرنى فى منـزلك فإنى فى طريقى إليك ..
Page 6
رصاص فى الحديقة

أدرك لوبين بعد الحديث الذى سمعه من صديقه المفتش تيل ، أن هناك من يسعى لإراحته من متاعب هذه الحياة ...
وأدرك أيضًا أن هذه المساعى لا تتعلق به وحده ، وأن هناك رفيقًا سوف يرافقه فى هذه الرحلة الأخيرة ..
ولكن الشىء الذى أذهله أن يكون هذا الرفيق هو المستر (ريباى) المليونير المشهور ..
إن لوبين يحب الملايين بالتأكيد .. ويحب أيضًا أصحاب الملايين على طريقته الخاصة ..
ولكنه يحبهم أحياءً لا أمواتًا، ويحبهم فى الدنيا لا فى الآخرة .
ولما حضر ( تيل ) لمقابلته كما وعد أن يفعل سأله اللص الظريف :
- إذن فهناك من يحاول أن يغتال المليونير ريباى ؟
فأحنى تيل رأسه قائلاً : لقد نجا بمعجزة ..
وشرع تيل يقص على لوبين تفاصيل هذا الحادث . فقال :
كان فى نية ( ريباى ) أن يمضى عطلة الأسبوع فى بيته الريفى فى قرية ( ستار ) .. واعتزم أن يمضى إليه فى هذا المساء . ولكنه ذكر فى صباح اليوم .. أنه نسى هناك سجلاً كان فى حاجة إليه فأرسل السائق ليأتى به .. فلما وصل السائق إلى القرية أدرك أنه نسى المفتاح ولم يحضره معه .. فبدلاً من أن يعود ليأتى به .. آثر أن يدخل من إحدى النوافذ الخلفية .. ولما همّ بأن يخرج من الباب وجد القنبلة موضوعة خلفه . وكانت متصلة بالباب بأسلاك فكان انفجارها مؤكدًا إذا ما فتح الباب .. وكان من المؤكد أيضًا أنها ستقتل أول رجل يفتح الباب ، ولما كان من المعروف أن ( ريباى ) لا يستصحب معه إلى بيته الريفى من الخدم غير سائق السيارة والطباخ .. فقد كان المفروض أن يكون ( ريباى ) هو المقصود بهذه القنبلة . وقد اتصلت تليفونيًا بالبوليس المحلى فأنبأنى بأوصاف القنبلة فذكرنى هذا بالقنبلة التى سبق أن أخبرتنى أنك وجدتها خلف باب مسكنك .. فرجح لدىَّ من تماثل القنبلتين أن الذى وضعهما شخص واحد ..
- ومن المحتمل أنهما وضعتا فى يوم واحد أيضًا ..
- هذا محتمل لأن سكرتير ريباى كان موجودًا فى البيت فى اليوم السابق ولم يشاهد شيئًا ..
وساد الصمت برهة ثم قال تيل فجأة :
- وعلى فكرة ما عنوان البيت الذى ذكرت لك مدام شوان أنها رأت فيه زوجها ..؟
فضحك لوبين وقال :
- يسرنى منك يا تيل أن تبدأ سؤالك بهذه الجملة : على فكرة. كأنما تريد أن توهمنى بأن السؤال جاء عرضًا .! ومع ذلك سأشبع رغبتك فأقول لك .. إنه البيت رقم 6 بميدان الملكة ..
« ولا تحسبن أنى أفضى إليك بسر خطير .. نعم . إن شوان يقيم فى هذا البيت وقد قابلته بنفسى هناك منذ برهة وجيزة .. ولكنك لن تجده إذا خطر لك أن تذهب إليه ... » .
- وما أدراك .؟
- لأنه حاول مع زميل له أن يصرعانى بضربى على رأسى بهراوة من الخشب ...
- ألا تنوى إن تحدثنى بشىء آخر .؟
- ماذا تقصد .؟
- أقصد أن أقول أن هذه المحاولات المتعددة لاغتيالك ما كانت لتحصل لولا أن هذه العصابة المجهولة تعتقد أنك خطر عليها ... وأن من الحكمة أن تتخلص منك . فلماذا لا تجعلنا نمد إليك يد المساعدة ونحاول أن نحميك من هذه الاعتداءات .؟
Page 7
كان تيل يريد بعبارة أدق أن يطلب من لوبين أن يفضى إليه بما عنده من المعلومات .. ولكن كبرياءه جعلته يصوغ سؤاله فى هذا الأسلوب الملتوى . فكان جواب لوبين أن قال فى شىء من التهكم :
« يلوح لى يا عزيزى أنك أصبحت تحبنى وتحرص على صيانة حياتى .. » .
- إنى أؤدى واجبى ..
وكان لوبين يعرف حرج موقف تيل .. وأنه ينشد منه المعونة ليكشف سر محاولة الاعتداء على المستر ريباى حتى يقى نفسه لوم رؤسائه .. فشعر بالعطف عليه وقال :
- إنى على استعداد طبعًا لأن أزودك بما لدىَّ من المعلومات. ولكنها معلومات تافهة لا تعنى شيئًا ..
ثم قص عليه تفاصيل ما جرى فى منـزل ميدان الملكة .. واختتم حديثه قائلاً :
- الأمر يبدو غريبًا وإن كنت لم أكوّن رأيًا نهائيًا بعد .. قُتلت مدام شوان لأنها رأت زوجها .. وأريدَ قتلى لأنى أعرف أنها رأت زوجها .. فهل لهذه الرؤية من الأهمية ما يدعو إلى ارتكاب كل هذه الجرائم ..؟ وإنى أسائل نفسى عما إذا كان ريباى قد رأى شوان أيضًا .؟
فقال تيل مجيبًا : إنى لم أقابل ريباى بعد فهيا بنا نذهب إليه الآن ...
وتلقى المستر ريباى البوليس السرى مرحبًا وهو يقول :
- المفتش تيل .؟ إنى سعيد بمقابلتك .. حضرت طبعًا بشأن القنبلة ؟ مسألة غريبة .. إنى رجل لا أعداء لى .. ويغلب على ظنى أن الذى حاول اغتيالى فوضوى ممن يكرهون أصحاب رؤوس الأموال . أهذا مساعدك ؟
واستقرت عيناه على أرسين لوبين فقال تيل : هذا مستر لوبين .. لقد أتيت به معى .. لأنه ..
فالتمعت عينا ريباى وصاح قائلاً : مستر لوبين ! أتريد أن تقول أرسين لوبين الشهير ؟
فقال المفتش فى شىء من الامتعاض : نعم يا سيدى إنه هو بعينه .. لقد ..
ولكنه أمسك عن متابعة كلامه إذ رأى أمامه مشهدًا جعله يحملق مذهولاً .. لقد أشرق وجه ( ريباى ) والتمعت عيناه جذلاً .. وتناول يد لوبين وأخذ يهزها بشدة بكلتا يديه وهو يرحب به فى حرارة لم ير تيل ذرة منها . وسمعه يقول :
- أرسين لوبين .. يا إلهى .. ! ما أسعدنى بهذا اللقاء ..! لقد قرأت عنك كل شىء ..
« وكنت أتمنى أن أقابلك .. كنت أعتقد أنك شخص خيالى لا وجود له .. وأن حوادثك من اختراع الصحف .. إنى سعيد بهذا اللقاء ..!» .
فسعل تيل وقال : كنت أريد أن أقول للسيد إن ...
ولكن المستر ( ريباى ) استرسل قائلاً :
- إنى مازلت أذكر حوادثك الشهيرة كأنى قرأتها بالأمس مثلاً سرقة جواهر التاج .. وحكاية الإبرة المجوفة .. وحكاية لغز الرقم 813 .. ووقائعك العظيمة مع شرلوك هولمز .. إنك عزيزى لوبين رجل مدهش . إنك تستحق إعجابًا عظيمًا ..
وأخذا الرجل يسرد بعض حوادث لوبين الشهيرة .. والمفتش يتململ فى مكانه والامتعاض ظاهر فى عينيه .. وكلما حاول أن يفهم ( ريباى ) السبب الذى من أجله أتى بلوبين معه قاطعه هذا مظهرًا إعجابه بالمغامر الشهير .
وأخيرًا - وبعد مقاطعات متعددة - استطاع تيل أن يقول :
- لقد أتيت بمستر لوبين معى لأنى عرفت أن له علمًا بالمسألة .. وظننت ...
فصاح ريباى مقاطعًا :
- نِعْم ما فعلت .. هذا هو الصواب بعينه .. الآن أستطيع أن أطمئن إلى أن مستر لوبين سيميط اللثام عن هذا اللغز بما هو معهود فيه من الذكاء والنبوغ .. إن ذكاءه يعادل ذكاء جميع رجال إدارة الأمن العام مجتمعين ..
وكانت كل كلمة من كلمات ( ريباى ) بمثابة خنجر يمزق كبرياء تيل .. وكلما حاول أن يغير مجرى الحديث رجع ريباى إلى إطراء لوبين .. وأخيرًا قال المفتش فجأة :
- أتعرف رجلاً يدعى شوان ؟
Page 8
- شوان ..؟ شوان ..؟ إنى لا أذكر أحدًا بهذا الاسم .. من يكون .؟
- لاعب قمار من المولعين بالغش ...
- إنى لست ممن يلعبون القمار .. لهذا لا أعرفه ..
- لدينا ما يحملنا على الاعتقاد بأن له يدًا فى مسألة القنبلة ؟ ألم تقابل زوجته مدام شوان .. فلوريه شوان ..؟ فهى خادمة متنقلة .
فهز ( ريباى ) رأسه قائلاً : لا أذكر أنى استخدمت فى حياتى خادمة متنقلة .. ومع ذلك فسكرتيرى يستطيع أن يذكر هذه المسائل أكثر منى ...
واستدعى ريباى سكرتيره ( لويس إيروك ) .. وقدمه إلى الرجلين فكان جوابه عن السؤال مؤيدًا ما قاله ريباى ...
وقال المليونير : ولكن ما دخل شوان هذا فى المسألة ؟
فقص عليه تيل فى إيجاز تفاصيل ما حدث لأرسين لوبين على أثر مقابلة الزوجة له ، ففرك المليونير كفيه سرورًا وهو يقول : إذن فقد حاولوا أن ينسفوك أنت أيضًا ؟
فقال تيل : الغالب أن الذى وضع القنبلتين رجل واحد . ألم تكن فى البيت بالأمس يا مستر إيروك ؟
- بلى . ولم تكن هناك قنبلة خلف الباب ..
- وفى أى وقت كان ذلك ؟
- فى الساعة السادسة لأنى لحقت بقطار السادسة والثلث ..
- معنى هذا أن القنبلة وضعت فيما بين الساعة السادسة من مساء الأربعاء .. وبين الوقت الذى حضر فيه السائق فى صباح اليوم . ليت شعرى هل فطن البوليس المحلى إلى وجود شخص غريب كان يرتاد هذه الناحية ؟
- يمكننا أن نرسل فى استدعاء المفتش المحلى ..
فقال تيل معترضًا : إنى أفضل أن نسرع بالرحيل إلى لندن وأنت معنا ..
- ولماذا ..؟
- لقد أخفقت محاولة الاعتداء عليك بقنبلة كما أخفقت محاولة اغتيال لوبين .. ولكن العصابة ما لبثت أن هاجمت لوبين بعد بضع ساعات فهم - كما يلوح - قوم خطرون . ولهذا أعتقد أنهم سيحاولون الاعتداء عليك مرة أخرى . وفى لندن يسهل اتخاذ الإجراءات اللازمة للمحافظة على حياتك . أما هنا .. فى هذا المنـزل الريفى المنعزل فالأمر يصبح دقيقًا ..
فهز ريباى كتفيه فى استخفاف قائلاً :
- إنى لن أذهب إلى لندن .. ما دام لوبين موجودًا إلى جانبى .. فإنى مطمئن على حياتى كل الإطمئنان .. إن لوبين سيعرف كيف يحمينى ..
فقال تيل فى شىء من الامتعاض : لقد أردت أن أذكر لسيدى أنه لا شأن لمستر لوبين بصيانة حياتك .. لأنه ليس بوليسًا رسميًا .
فهز ريباى كتفيه فى ازدراء وقال :
- إنى واثق به سواء أكان بوليسًا رسميًا أو غير رسمى . وإنى أعتقد أن مستر لوبين لا يريد أن يعود إلى لندن بل يؤثر البقاء .. أليس كذلك يا مستر لوبين ؟
فابتسم لوبين وجعل يتفرس فى وجه المفتش ثم قال فى خبث ومكر :
- بلى . إنى أفضل البقاء ..
عندما اجتمع الحاضرون حول منضدة صفت عليها أقداح الشراب قال ريباى :
- والآن حدثنى برأيك فى هذه المسائل يا مستر لوبين ؟
- الواقع أنى لم أكوّن بعد رأيًا نهائيًا .. ولكن الأمر المؤكد هو أن العصابة تنوى أن تقتل كل من رأى شوان .. وبقليل من الذكاء يستطيع المرء أن يدرك أن لشوان علاقة بمسألة خطيرة ، فظهوره كفيل بأن يكشف سر هذه المسألة ..
وقال تيل يسأل المليونير :
- ألا يحتمل أن تكون قد قابلت شوان وهو ينتحل اسمًا آخر ؟ أليس لك عدو يبيت لك الغدر ..؟
- إنى رجل لا أعداء لى ..
فقال لوبين :
- أما أنا فأعدائى لا حصر لهم .. فإذا كان أعدائى قد حاولوا تمزيقى بالقنبلة فمن ذا الذى حاول أن يقتلك ولا أعداء لك ..؟ هذا معناه أن العداوة ليست هى الدافع إلى القتل .. فينبغى أن نبحث عن دافع آخر .. والدوافع كثيرة طبعًا .. والمفتش يحفظها عن ظهر قلب لأنه قرأها فى كتاب « ألف باء » مهنة البوليس السرى .. وبهذه المناسبة يحسن بى أن أحذركم من الوقوف فى النوافذ والغرف المضاءة ، وإلا أصبحت أجسامكم هدفًا لرصاص العصابة لأنى أعتقد أنه ستقع محاولة جديدة لاغتيال المستر ريباى أو اغتيالى .
Page 9
فقال ريباى مخاطبًا تيل : إن مسدسك معك طبعًا يا جناب المفتش ..
فهز تيل رأسه وأجابه بأنه لم يعتد أن يحمل مسدسًا إلا إذا كان فى نيته أن يذهب للقبض على أحد المجرمين . ولكنه حضر الآن لمجرد الزيارة فقط .
فقال إيروك : إنى أذكر أن لدينا مسدسًا هنا ..
- ولكن لا يوجد لدينا رصاص ..
- اتصل بالمفتش المحلى وسله أن يأتى لمقابلة المفتش تيل .. وأن يحضر معه كمية من الرصاص .
وقبيل العشاء ازداد عدد الحاضرين زائرًا جديدًا إذ حضر كينيه ريباى نجل المليونير .. وقد جاء فى سيارة صغيرة من سيارات السباق .. فخف إيروك إلى مقابلته وأتى به إلى ضيوف أبيه ..
وكان الشاب لا يزال فى مقتبل العمر .. ولكن كان واضحًا عليه أنه جبان وأنه بادى الخوف والانزعاج . وقال وهو يرتعد :
- إنى أرجو ألا يعاود هؤلاء المجرمون محاولتهم وأنا موجود هنا .. إنى لا أنوى على أية حال البقاء إلا ريثما أتناول العشاء..
فقال أبوه : كنت أظنك قد جئت لتقضى عطلة الأسبوع معى ؟
- آسف يا أبتاه .. فإنى مدعو الليلة لقضاء السهرة عند فوريه .
- ولكنك تعلم أن ابنة عمك ستحضر غدًا ..
- فليكن .. فإنها تستطيع أن تمضى وقتًا سعيدًا بدونى ..
فقال أبوه فى شىء من الغيظ : إنى موقن من هذا .. فوجودك وعدمه سيان .. كنت أتمنى أن تكون يا بنى صالحًا للزواج من ابنة عمك .. ولكنك خيبت رجائى ..
فضحك كينيه وقال : إن أبى يعتقد أنى ولد شرير خبيث .. ولما انتهى الجماعة من تناول العشاء .. وخلا تيل إلى لوبين برهة من الوقت قال الأول متسائلاً :
- ما رأيك فى نجل ريباى .؟
- إنه جبان شديد الخوف .. ويلوح لى أن أقل شىء كفيل بإفزاعه .. إنه كتلة من أعصاب مضطربة ...
- إنى أعتقد أن فى مخه شيئًا خفيًا لا أدرى كنهه ..
فضحك لوبين وقال : هذا إذا كان له مخ ..!
وساد الصمت برهة ثم قال المفتش فى لهجة ذات مغزى :
- إنه طبعًا سيكون الوريث الوحيد لأبيه لو انفجرت القنبلة ونسفت ريباى كما كان مقدرًا ...
فقال لوبين متهكمًا : وهل هو أيضًا الوريث الوحيد لى ولمدام شوان .؟ يجب أن أعترف يا تيل بأنك نابغة فى الاستنتاج.
وتألم تيل لهذا التعريض .. ولكنه كظم غيظه .. إذ كان يعلم أنه لن يتقدم خطوة واحدة إذا ما تخلى عنه لوبين ..
وبعد قليل انضم الرجلان إلى باقى الجماعة فقال لهما المليونير :
- سيحضر المفتش المحلى « ألديه » بعد ربع ساعة .. ومعه كمية من الرصاص .. ولكن مما يؤسف له أنى لم أعثر على المسدس ولا أذكر أين وضعته ..
وفى هذه اللحظة أقبل ريباى الشاب من الحديقة من خلال باب الشرفة وهو يرتعد فرقًا ..
فابتسم لوبين عند رؤيته وأخذ يسائل نفسه عما إذا كانت هذه الرعدة راجعة إلى برودة الجو فقط .. أم إلى سبب آخر ..
وقال ريباى مخاطبًا سكرتيره الذى جاء من الحديقة فى رفقة ابنه :
- ألا تذكر أين كنا نحتفظ بالمسدس ..؟
- فى قاعة المكتبة فى الغالب .. أتريد أن أعده لك غدًا ..؟
- غدًا .. ؟ بل الآن .. وعلى الفور .. ألا تدرى أن من المحتمل أن تهاجمنا العصابة الليلة مرة أخرى ..؟
فانبعث ( كينيه ريباى ) واقفًا وهو يقول فى صوت متهدج :
- اسمحوا لى بالانصراف فإن فوريه فى انتظارى ..
ولكن المفتش تيل استمهله بقوله : لحظة واحدة من فضلك . إن لدى سؤالاً صغيرًا ..
- ولكنى لا أعرف شيئًا ..
- ألا تعرف رجلا يدعى ...
- انظروا ..!
وكان السكرتير ( لويس إيروك ) هو الذى نطق بهذه الكلمة فى صوت حاد يدل على الانفعال .. فنظر إليه لوبين فوجده جاحظ العينين وهو مرسل بصره إلى النافذة المطلة على الحديقة . وقال تيل يسأله :
Page 10
- ماذا جرى .؟
- رأيت رجلاً .. خلف زجاج النافذة .. على وجهه قناع .. لقد رأيته ..!
فصاح لوبين قائلاً : أطفئوا الأنوار ..
فوثب المليونير إلى زر كهربائى وأطفأ الضوء .. وتكلم لوبين قائلاً :
- والآن فلنفترق ولنخرج إلى الحديقة .. لنبحث عن الرجل الملثم .. ليس بينكم من يحمل مسدسًا سواى .. فإذا عثر عليه أحدكم فاستنجدوا بى . أرجوك يا مستر ريباى أن تأخذ بيدى لترشدنى إلى طريق الخروج فإنى لا أعرف مسالك البيت .
وانطلق الحاضرون إلى الحديقة .. وكان الظلام حالكًا والسكون شاملاً .. والتفت لوبين إلى ريباى الذى كان يمشى خلفه وقال :
- ألق هذه السيجارة فإن طرفها المتوهج يجعلك هدفًا صالحًا .
وفى هذه اللحظة دوى طلق نارى صادر من ناحية البيت .. عقبه صرخة فجرى لوبين إلى مصدر الصوت وسمع صرخة أخرى تبين فيها صوت كينيه ريباى !
ودوى طلق ثان .. فرفع لوبين مسدسه وأطلق النار بسرعة على الموضع الذى رأى فيه وميض الرصاصة .. وهو مطمئن إلى أن هدفه سيكون أحد رجال العصابة .. ما دام الوحيد الذى يحمل مسدسًا بين الحاضرين ..
وانطلقت رصاصة ثالثة أسرع لوبين بالإجابة عليها .. ولكنه كان ضعيف الأمل فى إصابة الهدف فى مثل هذا الظلام الحالك .
وسمع وقع أقدام تجرى على الحشائش أعقبه دوى سيارة تنهب الأرض فانطلق لوبين خلفها فخرج إليه من خلف الأشجار ، رجل أمسك بكتفه ، فدار إليه لوبين وقبض على رسغه وهو يقول :
- لا تتحرك فأضطر إلى قتلك ..
وجمد الرجل فى مكانه وهتف يقول :
- يا إلهى .. إنى لويس إيروك ..
فتركه لوبين وهو يهز رأسه ، وانطلق يجرى إلى ناحية السيارة ، ولكنه ألفاها قد ابتعدت، فوضع مسدسه فى جيبه وهو يقول :
- سوف ألحق بها فى سيارتى ..
أسرع يجرى إلى حيث وضع سيارته .. ولما أراد أن يحركها أبت أن تتحرك ..
فلما فحصها وجد أن بعض أسلاكها قد نزعت منها ، فأدرك أن خصومه ، قد عبثوا بسيارته وعطلوها ، حتى لا يتمكن من اللحاق بهم ..
واستدار عائدًا نحو القصر ..
وفى هذه اللحظة أشعل عودًا من الكبريت فى ظلام الليل .. وارتفع صوت المفتش ( تيل ) يقول :
- تعالوا إلىّ .. أين أنت يا لوبين ..
فلما أسرع لوبين إليه وجده منحنيًا فوق رجل ممدد على الأرض .
ولم يكن هذا الرجل غير المستر ( ريباى ) المليونير الكبير ..