eKtab
EN ع
القضاء العشائري في جنوب فلسطين
Read free sample

القضاء العشائري في جنوب فلسطين

by د. محمد سليمان شعث

Page 1

الإهـــــــــــــــــــداء

أهدي عملي هذا خالصاً لوجه الله الكريم سبحانه وتعالي ،وإلى رسوله الكريم الذي بعثه برسالةٍ عالمية ليخرجنا من الظلمات إلى النور.

وإلى والدي رحمهما الله.....

وإلى زوجتي وأولادي الذين تحملوا انشغالي عنهم أثناء إعداد هذه الدراسة.

Page 2

الشكر والتقدير

الشكر لله الواحد المنان الذي أتم علي نعمة التعلم وإلى رسوله الكر يم ،وبداية إلى كل القضاة الذين انتقلوا إلى رحمة الله تعالي وكان لهم دورٌ بارزٌ في القضاء العشائري ، ومنهم : الحاج رشيد شعث ، وابنه الحاج سليمان" أبو رشدي" ،والمختار مضيوف " أبو فؤاد " والحاج سليمان مصطفى" أبو علي"، إلى رجال لجنة الإصلاح بمدينة خان يونس الذين قدموا كل ما احتاجه من وثائقٍ للمشكلات العائلية التي استطاعوا حلها من خلال القضاء العشائري، وإلى رئيس لجنة الإصلاح الأعلى القاضي الحاج أحميدان رشيد شعث"أبو سليمان" الذي أعطى من وقته وخبرته الكثير لكي يعطينا المعلومات الكافية والوافية عن القضاء العشائري في جنوب فلسطين ،وابنه عبد الستار" أبو عزام "،وكذلك الحاج محمد رشيد شعث" أبو عبد الواحد " ، والأخ بشير سليمان" أبو سليمان " لمساعدتي في توفير المراجع التي أفادت في موضوع الدراسة،وإلى كل الذين ساهموا في إنجاح هذه الدراسة.

Page 3

مقدمة

بسم الله والصلاة والسلام على سيد البشرية وأخر الأنبياء والرسل جاءنا نذيراً ومبشراً وبنورٍ بعد ظلام نشر رسالته الموكلة إليه بعد جهلنا فأنار لنا الطريق بعد ظلامها، واتسعت مداركنا بعد ضيقها، وحلت عقدنا بعد ما استحكمت حلقاتها، لولاه لبقينا في جهلنا وغطرستنا، وكبريائنا الذي أدى إلى هلاكنا، وإلى الكثير من المخالفات الاجتماعية التي وصلت إلى حدٍ خطير جداً، وأنزل عليه كتاباً تبياناً لكل شيء، وهدى ومغفرة وتبصرة لمن أراد خير الدنيا وسعادة الآخرة، لا يضل من أتبعه، ولا يزيغ من سلك طريقه، واتبع سبيله، وأهتدي بهداه، وبنى على قواعده وأسسه، ونسلم على آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

Page 4

أما بعد..

كانت الجاهلية قبل الإسلام مرتعاً وبيئة خصبة للإنسان الذي كان لا يدرك أبعاد الأمور فكانت الأخطار كبيرة جداً والتي نتجت عن الغطرسة والكبرياء، كما أدت الظروف الطبيعية التي وجد فيها هذا الإنسان دوراً سلبياً تجاهه حتى وصلت إلى حدٍ لا يحتمل إلى أن جاء الإسلام بنورهِ الساطع وتبيانه الحقيقي الواقع، حيث تكفلت الشريعة الإسلامية بتحقيق مصالح الناس في كل زمان ومكان حيث أنها خاتمة الشرائع ومصدرها الوحي الإلهي، و لذا كان الفقه الإسلامي بما أشتمل عليه من مرونة وحيوية قادراً على أن يواجه المشاكل، و يعطي الحوادث المتجددة ما يناسبها من أحكامٍ حيث وجد المسلمون في شريعتهم لكل حادثة حكما وتشريعاً، و لكي يستفاد من كتاب الله وسنة رسوله الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم لابد من الأخذ من روح التشريع و تدبر أغراضها و مقاصدها، و أسرارها، و بذلك لم يكن المسلمون في حاجة إلى الالتجاء إلى تشريعات من وضع البشر بعيدة عن دينهم ، و ثقافتهم ، وأمور حياتهم ، و من المؤسف أن نجد الكثير من بلادنا العربية تأخذ أغلب قوانينها من القوانين الوضعية الأجنبية التي فرضت عليها من دول غير إسلامية في فترة الاحتلال وبقيت دون تغيير، و هذه مشكلة أخرى في حد ذاتها .

و قد أدرك علماء القانون الغربيون أخيرا ما أشتمل عليه القانون الإسلامي من مرونة، و صلاحية لحل مشاكل الحياة بمختلف أنواعها، و مطالبها فقرروا في مؤتمرات متعددة أن الشريعة الإلهية تعتبر مصدرا من مصادر التشريع في العالم، وإنها صالحة للجميع، وقد تقرر هذا في المؤتمر الدولي للقانون المقارن المنعقد في مدينة" لاهاي " في دورته الأولى سنة 1931م و في دورته الثانية سنة 1937م، وفي مؤتمر المحامين الدولي المنعقد بمدينة" لاهاي" وفي سنة 1942م عقدت شعبة الحقوق الشرقية في المجتمع الدولي لحقوق المقارن مؤتمر للبحث في الفقه الإسلامي في كلية الحقوق بجامعة " باريس " تحت اسم " أسبوع الفقه الإسلامي " برئاسة المسيو " ميو " أستاذ التشريع الإسلامي في كلية الحقوق باريس، و اشتركت فيها عدة دول منها مصر و سوريا، و كان يدور المؤتمر حول إثبات الملكية، واستهلاك المصلحة العامة، والمسؤولية الجنائية، و تأثير المذاهب الاجتهادية بعضها في بعض، و نظرية الربا في الإسلام.

و قال نقيب المحامين في باريس: " أنا لا أعرف كيف أوفق بين ما كان يحكى عن جمود الفقه الإسلامي وعدم صلاحيته أساسا تشريعا لسد حاجبات المجتمع العصري المتطور، و بين ما أسمعه الآن في المحاضرات و مناقشاتها مما يثبت خلاف ذلك تماما ببراهين من النصوص، و المبادئ، و في "بانكوك " بتايلاند اتخذت الحكومة قرارا بالفصل بين ركاب الحافلات ، حيث خصصت حافلات للنساء و أخرى للرجال تحرزا لمنع التحرش، هذا بعد تجربة كل الأساليب المخالفة للشريعة الإسلامية، و أخيرا لجئوا إليها. فإذا كانت المؤتمرات الغربية تؤيد الشريعة الإسلامية، و كذلك ما قاله نقيب المحامين الفرنسي، فلماذا نحن المسلمين نبتعد عنها، و نأخذ بظاهرها أو نحيد عنها أو نتجاهلها أو نحرف فيها بما يتناسب مع مصالحنا الشخصية، وانعكست الأمور حيث أصبح بعض الغربيون يقتربون من شريعتنا، والكثير منا يقترب من قوانينهم الوضعية.

الله سبحانه وتعالي خلق الناس أمة واحدة مرتبطة ببعضها البعض في المعاش لا يسهل على أفراده أن يعيشوا في هذه الحياة الدنيا منفردين لا مجتمعين يعاون كل منهم الأخر حيث أمرنا الله بالتعاون على البر والتقوى، و أن في التجمع قوة وفي التفرق ضعف، و لا يمكن أن يستغني الناس بعضهم عن بعض فكل واحد منهم يعيش و يحيا بشيء من عمله،وساوى الله سبحانه وتعالي بين الخلق في التكوين و لكن اختلف الناس في قواهم الجسمية و العقلية لذلك عجز الإنسان على أن يوفر كل احتياجاته بنفسه فقط، لذلك كان حتماً عليه التعاون مع الآخرين لتوفير الأشياء المتنوعة لسد حاجاته، هذا الاحتكاك المباشر أو غير المباشر خلق العديد من المشكلات الاجتماعية بين أفراد المجتمع الواحد لأن الإنسان بطبعه لا يقنع ، وعينه بالقليل تدمع إلا من آمن بالله و رسوله ، و كذلك لم يمنح الله البشر من قوة الإلهام ما يعرف بها كيف يمكن أن يحفظ حق غيره ليوفر لنفسه المنفعة فلذا كان لا بد من الاختلاف بين الناس ، فكان من رحمة الله بعباده أن يرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين لكي يعيش الناس تحت نظام واحد يكفل لهم ما يحتاجون إليه في الحياة الدنيا ، و يضمن لهم حقوقهم ، و ما يسعدهم في الحياة الآخرة ، و حتى لا تسود الفوضى بين الناس و تتقطع الروابط الاجتماعية خاصة صلة الأرحام بينهم، وتسوء أحوالهم بغلبة القوي على الضعيف، فكانوا في أشد الحاجة إلى ما يأخذ بأيديهم نحو طريق الخير ، ويضع لهم الحدود الفاصلة عند النزاع ، وهذا لا يتأتى إلا بتشريع سماوي يوقف كل إنسان عند حده ، وينصف المظلوم من ظالمه.

Page 5

وإذا نظرنا إلى الجماعات الفطرية من الوجه القانونية نجدها كانت تستخدم أساليب متنوعة من خلالها تحدد الصلات والعلاقات بين أفراد من جهة وفيما بينها وبين الجماعات الأخرى من جهة أخرى، ووجدنا هذه الأساليب قائمة على فكرتين:-

الأولى : كلمة رب الأسرة أو العشيرة، ومجرد القوة في صلاتها الخارجية فكان الحكم للقوة في علاقات الأسرة والعشائر المختلفة، كالقوة التي تقرر كل نزاع مهما كان نوعه، ولم يكن للعدالة في العصور الأولى من أساس خلقي، وكانت غائبة وقائمة على أساس المصلحة المادية المعززة بالقوة يقتص بها الخصم من خصمه وينال بها من عدوه ما يراه عوضاً عما أصابه.

والثانية: الطبيعة البشرية في التحكيم في فض النزاع بين العشائر، وقد يكون التصالح بين الخصمين دون واسطة، وقد يكون التصالح بناء على تدخل وسيط ونصحه بالتزام السلم وانتهى التدرج إلى فكرة الاحتكام إلى طرف الثالث يرجع إليه الخصمان للفصل بينهما في الأمر و هذا هو صلب بحثنا.

ورأيت ذات مرة في نهاية القرن العشرين الذي وصلت فيه بعض الأمم إلى أرقى مستويات التفكير و التطور الحضاري و العلمي، بإحدى المدن الفلسطينية شيئاً يجسد الجاهلية الأولى بعينها، عائلتان اقتتلتا في تلك المدينة (خانيونس) ، حيث جمعوا شباب القبيلة الذين ينجرفون وراء بعض كبار قومهم دون تفكير، منهم من يحمل العصا و الآخر يحمل سكيناً و الآخر بلطة ( شرخ ) و الآخر سلاح....الخ، وقد أتت إحدى العائلتان من مكان ليس بالقريب يحتاج لوصول إلى الطرف الآخر ليس أقل من (15 دقيقة ) مشياً على الأقدام كان هذا الوقت كافي جداً لرجال الأمن والشرطة أن يتدخلوا ويمنعوا وقوع الكارثة ولكن للأسف الشديد لم يحدث ذلك إلا بعد التعدي ووقوع ما هو محذور وما لم يحمد عقباه، و كان التدخل الجاد من رجال القضاء الأكثر نشاطاً وفاعلية وقبولاً بين أوساط المجتمع الفلسطيني، و طالما الأمر كذلك إذن لا بد من الاهتمام بهؤلاء الرجال قضاة الشعب والغيورين على حفظ الأمن في بلادهم، و العمل على حمايتهم و توفير كفايتهم ،أنهم قلة في العدد كثر في الفعل لا يكلفون الدولة الكثير يبذلون كل جهد لكي يمنعوا الجاهلية التي نجح الاستعمار في زرعها في نفوس حفنة من الضعفاء بسبب بعدهم عن العقيدة الإسلامية.

وعلى المرء أن يتساءل قبل التمسك بالجاهلية أهي خيراً لنا أم شر؟ أينتج عنها فائدة أم خسارة ؟ أينتج عنها صلات و تراحم أم قطيعة للأرحام ؟ أتجعل الإنسان يحافظ على جيرانه أم تنشر الفساد والكراهية والحقد بينهم؟ أتجعل الصغير يحترم الكبير ؟ أتجعل الكبير يعطف على الصغير أم عكس ذلك ؟ الإجابات بالطبع ستكون جميعها سلبية.

• أهمية القضاء العشائري:

تكمن أهمية موضوع دراستنا فيما يلي:

• لأنه يجمع بين عدة علوم كالجغرافيا وعلم الاجتماع وعلم الأنثربولوجيا .

• قلة ما هو مكتوب عن القضاء العشائري في فلسطين من ناحية أخرى لأنه من العلوم المتوارثة عن الآباء غير المكتوبة ، وتعلمها يكون بالاستماع من خلال مجالسة ومخالطة قضاة العشائر ومجالس القضاء العشائري ، وصعوبة تعلمها بالقراءة والقيام بها كوظيفة مثل مواد القانون التي تدرس في الجامعات العالمية.

• الخوف من ضياع هذا التراث العريق لما فيه من تعدد لمهارات الذكاء اللغوي ، والذكاء الاجتماعي التي كنت أسمعها إثناء حضوري بعض مجالس القضاء العشائري التي كانت تعقد في بيت عائلة الحاج رشيد شعث وأولاده ،والتي هي من بيوت القضاء العشائري المشهود لها بذلك في الأوساط الفلسطينية.

• المغالطات والمفارقات التي نتج وينتج عنها كل ما هو سيء في حق الإنسان من فوضى و حقد و كراهية و تربص وقبلية شديدة حتى تأصلت في نفوس الناس و وصلت عند البعض حتى النخاع ،وهذا في حد ذاته خطورة مفرطة وانحلال اجتماعي.

• دعوة الإسلام إلى التطور إلى ما هو أفضل والشيء الذي يؤدي إلى إسعاد البشرية و حقن الدماء و الحفاظ على النفس و ترك الجاهلية لأنها ضيقة تؤدي إلى طريق مسدود، وإلى كل أنواع التخلف والجاهلية.

Page 6

• حدود الدراسة:

تتمثل حدود الدراسة في مدن الجنوب الفلسطيني التي أخذت بمبدأ القضاء العشائري ، والتي تقع بين دائرتي عرض(29.5-31.5) شمالاً من خط الاستواء ،وبين خطي طول( 34.15-35.40) درجة شرق خط جرينتش.

• أسلوب الدراسة:

أما أسلوب الدراسة الذي استخدم في هذه الدراسة هو الاعتماد على المنهج التاريخي من خلال تسلسل الإحداث لهذا القضاء ،والمنهج الجغرافي لإظهار التوزيع الجغرافي لمدن وقبائل القضاء العشائري ، والمنهج الاجتماعي من خلال عرض القضاء العشائري من خلال الاستماع إلى رواة مشهود لهم بالقضاء من قضاة العشائر وتدوينه على عدة مراحل حتى اكتملت أسبابه والبيوت المتخصصة فيه ، ومراحله ، والقضايا التي يحكم فيها ،وبالإضافة إلى الإطلاع على محاضر الأطراف المتنازعة لدراسة أسباب المشكلات والتي يتم الصلح فيها.

• تنظيم متن البحث فيتكون مما يلي:

الفصل الأول: يوضح الجنوب الفلسطيني من حيث موقعه الجغرافي، و أهم المدن فيه، و معجم ألفاظ عربان النقب . والفصل الثاني يتكلم عن المجتمع القبلي في العصر الجاهلي ببلاد العرب موضحا الموقع الجغرافي، والجاهلية، والقبلية في القبيلة، والآثار الإيجابية و السلبية لها .أما الفصل الثالث الحروب في الجاهلية، و القضاء و نماذج من القوانين العرفية ،و العرف في القضاء الإسلامي. والفصل الرابع يعرض القضاء العشائري عند عربان النقب و ما جاورهم، و ديار الفصل في النزاع.

كما يعرض الفصل الخامس: مراحل القضاء وإجراءاته في جنوب فلسطين،من حيث حدوث المشكلة ،والعطوة ، و البدوه عند العربان،والكفيل،والرزقة ،والجاهة ،ونهاية المشكلة ،والطعن في الحكم. والفصل السادس خصص لرجال لجان الإصلاح و دورهم في القضاء العشائري في جنوب فلسطين مع عرض نماذج لبعض القضايا التي استطاعوا حلها والتغلب عليها. ويبين الفصل السابع القضايا التي يفصل فيها العرف العشائري في جنوب فلسطين، و أحكامها، و الرحيل، و الأمان، والطوشات، و خمسة القاتل، و شروة الدم، والبشعة،والتطبيق المعاصر في قضايا القتل والعرض.

أما الفصل الثامن فيقارن بين القضاء في الجاهلية والقضاء في الإسلام مع التعرض إلى مشاهير القضاء في الإسلام ثم القصاص في النفس،ومادون النفس. والفصل التاسع يبين الديات في الإسلام في القضايا التي ذكرت في الفصل الثامن . ويبين الفصل العاشر الدعوة الصحيحة، و اليمين ، و البينة و كتاب القاضي للقاضي ، و الشهادات و الإقرار، والاجتهاد في المسائل الشرعية.أما الفصل الحادي عشر فيتضمن خاتمة البحث من حيث الاستنتاج والمقترحات والتوصيات ،والمراجع .

Page 7

1-1- مــقــدمة

يشمل موضوع دراستنا عن الجنوب الفلسطيني ، وأهم مدنه التي تأخذ بمبدأ القضاء العشائري ، وأهمها : قطاع غزة ، (بيت حانون ، وبيت لاهيا ، والنصيرات، والمغازي ، والبريج ، ودير البلح، خان يونس ، رفح )، والخليل ، النقب(بئر السبع) ، و نخص الأخيرة فيما بعد بدراسة خاصة ، انظر خريطة رقم(1) ، حيث نبع منها القضاء العشائري و انتشر في المناطق المجاورة لها .

Page 8

1-2- أهم مدن الجنوب الساحلية

1-1-2- مدينة غزة:

تقع المدينة على ساحل البحر المتوسط من جهة الجنوب و تعد من أقدم مدن العالم إذ بناها الكنعانيون ، و كلمة غزة هي كنعانية الأصل و تعني ( القوة ) ، كما تقع على حافة الأراضي الخصبة و المياه العذبة و قد جعلها مركزها الطبيعي ممراً للغزاة ،حيث مر بها نابليون في طريقه إلى عكا ، كما كان لمركزها أهمية تجارية كبيرة ،حيث كانت قوافل (المعنيين) العربية اليمنية تحمل خيرات بلاد الهند والمحاصيل من جنوب شبه الجزيرة العربية و شرق أفريقيا براً إلى غزة و منها إلى أوروبا .

وكانت غزة إحدى المدن التي درس فيها آداب اليونان و ثقافتهم وكانت مدارسها في القرون الأولى للميلاد من المدارس المتميزة في تعليم الفلسفة و البلاغة وفن الخطابة حتى قيل أن طلاب اليونان كانوا يقصدونها للتعلم فيها (1).

وفي عهد الفتح العربي عرفت غزة كثيراً من الصحابة أمثال أبي سفيان وعمرو بن العاص وعمر بن الخطاب ودخلها عمرو بن العاص فاتحاً عندما انتصر على الروم في مكان يقال له ( الخمر ) من وادي عرابة في ( داثن ) الوقعة شرق دير البلح و ذلك في شهر فبراير سنة 634 م، و تعتبر مدينة غزة في الوقت الحاضر أهم مدن القطاع الذي يسمى باسمها، حيث تطورت فيها الكثير من المجالات الاقتصادية والاجتماعية والتجارية كالجامعات والمعاهد المتخصصة والمستشفيات والمحلات التجارية والأبراج السكنية والطرق والمصانع الحديثة، وفيها تتركز مؤسسات السلطة الفلسطينية (2).

1-1-2- مدينة خان يونس:

تقع إلى الجنوب من مدينة غزة وهي ثاني مدن الجنوب بعد مدينة غزة ،وكان يربط المدينة بمدينة غزة خط حديدي قادم من مصر إلا أنه في الوقت الحاضر لم يبقى له أثر، حيث استغل مكانه في بناء سوق للخضار، وتختلف مدينة خان يونس عن بقية المدن الفلسطينية من حيث حداثة تكوينها ، كما تحيط بالمدينة بساتين كثيرة تزرع فيها أنواع مختلفة من الفاكهة و الخضراوات و اللوز والمشمش والحمضيات والزيتون كما تشتهر منطقة المواصي(المناطق القريبة من شاطئ البحر المتوسط) بزراعة الجوافة و الخضراوات والنخيل وتمارس فيها الزراعة المحمية بأساليب حديثة .

كما كانت المدينة تؤدي خدمات التموين والراحة إلى القوافل التي تمر بها والقادمة من مصر إلى الشام ، وكان أهلها يفتكون بكل غازي يحاول النيل منهم من مثل: نابليون الذي كاد أن يقتل عندما مر بجيوشه منها وكذلك" رابين " في عهد الانتفاضة الباسلة و مجتمع المدينة قبلي أكثر من المدن الأخرى ،حيث تتركز فيها العائلات الكبيرة (3).

وتطورت المدينة في مجالات عدة كالتعليم ، حيث أنشأت فيها الجامعات ،كالجامعة الإسلامية ، وجامعة الأقصى ،والعلوم والتكنولوجيا، وكذلك المجال العمراني ، حيث اتسعت المدينة من خلال بناء الكثير من المدن الجديدة التي تضم أبراج سكنية، وكذلك المستشفيات والعيادات الحديثة بعد قدوم السلطة الفلسطينية.

1-1-3- مدينة رفــح:

رفح بوابة الجنوب، حيث تقع المدينة في جنوب فلسطين على الحدود بين فلسطين ومصر، ولهذه المدينة أهمية تاريخية كبيرة بدليل وجود الكثير من الآثار التاريخية فيها التي لم تكتشف بعد بالطرق العلمية المتعارف عليها، وقد ازدادت أهميتها في الوقت الحاضر بعد زيادة سكانها الذين يعملون بالزراعة معتمدين على مياه الآبار الجوفية التي قام أهلها بحفرها عوضاً عن قلة الأمطار.

وأهم المحاصيل الزراعية في المدينة الحمضيات والتي تقلصت مساحتها بسبب تجريف قوات الاحتلال الإسرائيلية لها وضعف تسويقها ،حيث كان يصدر البرتقال إلى الخارج ، بالإضافة إلى عدم وجود دعم للمزارعين لتمكينهم من الاستمرار، واللوزات، بالإضافة إلى الخضروات التي غالباً تزرع في محميات زراعية. كما اتسعت تطورت المدينة عمرانياً بإنشاء المدن الجديدة فيها، كما يعمل العديد من سكانها بالتجارة ، وذلك بسبب حدودها مع جارتها مصر (4).

Page 9

1-2- مناخ مدن الجنوب الساحلية (قطاع غزة)

أما مناخ ساحل قطاع غزة فهو يتبع مناخ البحر المتوسط الذي يتميز بالحرارة الجافة صيفاً والاعتدال مع الدفء شتاءً، وأمطاره شتوية بفعل الرياح الغربية المطيرة، والتي تقل كلما اتجهنا شرقاً، إلا أنه في الآونة الأخيرة حدث تغير على بعض عناصر المناخ ، حيث الحرارة العالية التي تصاحبها الرطوبة صيفاً والأمطار القليلة شتاءً مما أثر ذلك في منسوب المياه الجوفية التي أدى إلى زيادة نسبة الملوحة فيها (5).

وتتخلص تضاريس المدن سابقة الذكر في أنها سهلية وجبلية وهضبية بالإضافة إلى وجود التلال الرملية في بعض أجزائها خاصة الشريط الساحلي المطل على البحر المتوسط

Page 10

1-3- أهم مدن الجنوب الداخلية

1-1-3- مدينة الخليل:

تقع جنوب مدينة بيت لحم وتبعد عن القدس مسافة أربعين كيلومتراً إلى الجنوب، وهي من أقدم المدن التاريخية، وفيها الحرم الإبراهيمي و" مغارة مكفلية" التي تشتمل على قبور طائفة من الأنبياء الكرام وهم نبي الله إبراهيم عليه السلام وزوجته سارة وأنبياء الله إسحاق ويعقوب ويوسف وزوجاتهم، وفوق المغارة المباركة أقيم جامع عظيم البناء الذي يعتبر من أعظم الآثار الإسلامية، وبجانب طريق الخليل تقع برك سليمان الأثرية، وعلى مقربة من الخليل يوجد مقام النبي يونس في بلدة حلحول ومسجد إسلامي أثري، والخليل مصيف جميل تغطي السفوح المحيطة بها مزارع العنب والتين والزيتون، حيث تربتها الصالحة للزراعة بفعل جبالها.

وإلى الجنوب من جبال القدس توجد جبال الخليل وأعلى قممها الجبلية قمة" النبي يونس" التي تشرف على مدينة الخليل، التي يبلغ ارتفاعها " 1027 " متراً فوق مستوى منسوب سطح البحر (6).انظر خريطة رقم(2).

1-2-3- صحراء النقب:

أصل النقب كلمة سامية " نجب " تعني الأرض الجافة وهي عبارة عن منطقة هضبية تعتبر امتداداً لنطاق المرتفعات الوسطى لفلسطين أي امتداد لجبال القدس والخليل وتشكل نصف مساحة فلسطين تقريباً، وهي تبدو على شكل مثلث قاعدته في الشمال ما بين البحر الميت والبحر المتوسط ورأسه في الجنوب عند خليج العقبة كما أنها امتداداً لهضبة التيه في شبه جزيرة سيناء، وهي عبارة عن منطقة صحراوية بها وديان جافة وتغطيها تربة رملية مختلطة بالجير تجود فيها زراعة الحبوب ويتركز سكانها في الشمال ويعملون بحرفتي الزراعة والرعي،ومعظم سكانها هاجروا إلى قطاع غزة والأردن،وما تبقى منهم سلبت أراضيهم من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي،وأصبحوا يسكنون في بيوت الشعر دون أن توفر لهم أبسط سبل العيش (7).

وتكمن أهمية النقب في كونها حلقة وصل تربط فلسطين بمصر وشمال شبه الجزيرة العربية، وتتبع النقب المناخ الصحراوي الذي يتسم بالحرارة العالية صيفاً والأمطار القليلة شتاءً، لذا اعتمد سكانها على تخزين المياه من السيول القادمة من المناطق المجاورة لها في "هرابات " أبار يحفرها الإنسان يتراوح عمقها مابين (3- 5)أمتار تقريباً ، وقد ذكرت النقب في التوراة في أسفار إبراهيم، حيث عاش فيها فترة من الزمن ومر بها سيدنا موسى في إيابه من مصر إلى أرض كنعان.

وكان يخترق النقب الطريق الحربي والتجاري الذي يمر بمحاذاة الساحل الذي يعرف باسم طريق أرض فلسطين وكان يسير إلى جانبه من الداخل طريق آخر يسلكه الرحل لكثرة ما فيه من العيون. ويرجع طمع اليهود في صحراء النقب إلى ما فيها من موارد طبيعية من مثل: النفط والمعادن كالكبريت والنحاس والملح والفوسفات والحديد والمغنيسيوم، بالإضافة إلى أمكانية استيعابها أفواج كبيرة من المهاجرين اليهود، وبالفعل قاموا ببناء العديد من المستوطنات وتوزيع الأراضي الزراعية على سكانها، كما وفرت لهم المياه من مياه قطاع غزة، حيث حفرت العديد من الآبار الجوفية وبناء الخزانات الضخمة للمياه. ومن أبرز مدن النقب رفح والعقبة والعوجا والخالصة وعسلوج وبئر السبع (8).